فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا قُدِّمَ وَإِلَّا سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا إِنْ قُتِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما يدٌ فوَصَفَه أحدُهما، قُدِّمَ) نحوَ أن يَقُولَ: في ظَهْرِهِ شامَةٌ. أو: بجَسَدِه عَلامةٌ. فيُقَدَّمُ بذلك. ذَكَره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبِي حَنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يُقَدَّمُ بالصِّفَةِ، كما لو وَصَف المُدَّعِي المُدَّعَى،
فإنَّ دَعْواهُ لا تُقَدَّمُ بذلك. ولَنا، أنَّ هذا نَوْعٌ مِن اللُّقَطَةِ، فقُدِّمَ بوَصْفِها، كلُقَطةِ المالِ، ولأنَّ ذلك يَدُلُّ على قُوَّةِ يَدِه، فكان مُقَدَّمًا بها. وقِياسُ اللَّقِيطِ على اللُّقَطَةِ أوْلَى مِن قِياسِه على غيرِها؛ لأنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ.
وإن لم يَصِفْه أحَدُهما، فقال القاضِي، وأبو الخطَّابِ: يُسَلِّمُه الحاكِمُ إلى مَن يَرَى منهما أو مِن غيرهما؛ لأنَّه لا حَقَّ لهما. قال شيخُنا : والأوْلَى أن يُقرَعَ بينهما، كما لو كان في أيديهما؛ لأنَّهما تَنازَعا حَقًّا في يَدِ غيرِهما، أشْبَهَ ما لو تَنازَعا وَدِيعةً عند غيرِهما. فصل: قال، رَحِمَه الله: (ومِيراثُ اللَّقِيطِ ودِيَتُه إن قُتِلَ لبَيتِ المالِ) إن لم يُخَلِّفْ وارِثًا. ولا وَلاءَ عليه. وإنَّما يَرِثُه المُسْلِمون؛ لأنَّهم خُوِّلُوا كلَّ مالٍ لا مالِكَ له، ولأنَّهم يَرِثُون مال مَنْ لا وارِثَ له غيرَ اللَّقِيطِ، فكذلك اللَّقِيطُ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال شُرَيحٌ، وإسحاقُ : عليه الوَلاءُ لمُلْتَقِطِه؛ لقَوْلِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لأبي جَميلَةَ في لَقِيطِه: هو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه .
ولِما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المَرْأةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيهِ». أخْرَجَه أبو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حَدِيثٌ حَسنٌ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». ولأنَّه لم يَثْبُتْ عليه رِقٌّ، ولا على آبائِه، فلم يَثْبُتْ عليه وَلاءٌ، كمَعْرُوفِ النَّسَبِ. ولأنَّه لا وَلاءَ عليه إن كان ابنَ حُرَّين،
وإن كان ابنَ مُعْتَقَيْن، فلا يكونُ عليه وَلاءٌ لغيرِ مُعْتِقِهما. وحَدِيثُ واثِلَةَ لا يَثْبُتُ. قالهُ ابنُ المُنْذِرِ.
وقال في خَبَرِ عُمَر: أبو جَمِيلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، لا تَقُومُ بحَدِيثِه حُجَّةٌ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، عَنَى بقَوْلِه: لَكَ وَلاؤُه. ولايَةَ القِيامِ به وحِفْظِه. ولذلك ذَكَرَه عَقِيبَ قولِ عَرِيفِه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ. وهذا يَقْتَضِي تَفْويضَ الولايةِ إليه؛ لكَوْنِه مَأمُونًا عليه، دُونَ المِيرَاثِ. إذا ثَبَت هذا، فحُكْمُ اللَّقِيطِ في المِيراثِ حُكْمُ مَن عُرِفَ نَسَبُه وانْقَرَضَ أهْلُه، يُدْفَعُ إلى بَيتِ المالِ إذا لم يَكُنْ له وارِث،
فإن كانت له زَوْجَةٌ فلها الرُّبْعُ، والباقِي لبَيتِ المالِ، كمَنْ عُرِفَ نَسَبُه. واللهُ أعْلَمُ.
فإن قُتِلَ خَطَأً فالدِّيَةُ لبيتِ المالِ؛ لأنَّ حُكْمَها حُكْمُ المِيراثِ، وهو لبَيتِ المالِ، فكذلك الدِّيَةُ. ٢٥٣٩ -
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا) بِأَنْ يَقُولَ: فِي ظَهْرِهِ شَامَةٌ، أَوْ بِخَدِّهِ عَلَامَةٌ (قُدِّمَ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ كَلُقَطَةِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْوَصْفَ يَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ، فَقُدِّمَ بِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْمُنْتَخَبِ "، وِ " الْوَسِيلَةِ ": لَا يُقَدَّمُ وَاصِفُهُ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ " عَنْ أَصْحَابِنَا لِتَأَكُّدِهِ لِكَوْنِهِ دَعْوَى نَسَبٍ، وَلِلْغِنَى بِالْقَافَةِ، وَكَمَا لَوْ وَصَفَ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى (وَإِلَّا) إِذَا انْتَفَى الْوَصْفُ (سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا) ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ؛
لِأَنَّهُ لَاحِقٌ لَهُمَا، وَقِيلَ: لَا يُسَلِّمُهُ الْحَاكِمُ، بَلْ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا،
وَفِي " الْمُغْنِي " هُوَ الْأَوْلَى كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا، وَلِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا حَقًّا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، أَشْبَهُ مَا لَوْ تَنَازَعَا وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِمَا،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَخْيِيرَ لِلصَّبِيِّ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ ".
[فَصْلٌ: وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ] ُ) دِيَةُ حُرٍّ (إِنْ قُتِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ) إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ، فَكَانَ مَالُهُ وَدِيَتُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ كَغَيْرِ اللَّقِيطِ.
وَعَنْهُ: إِنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "،
وَإِنْ جَنَى خَطَأً عَقَلَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ وَإِسْحَاقُ: وَلَاؤُهُ لِمُلْتَقِطِهِ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي جَمِيلَةَ: فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ،
وَلِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ مَرْفُوعًا:«تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقُهَا، وَلَقِيطُهَا، وَمِيرَاثُ وَلَدِهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رِقٌّ وَلَا عَلَى آبَائِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ كَمَعْرُوفِ النِّسَبِ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ لَا يَثْبُتُ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ،
وَقَالَ فِي خَبَرِ عُمَرَ: أَبُو جَمِيلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَا يَقُومُ بِحَدِيثِهِ حُجَّةٌ،
وَلَوْ أَسْلَمَ؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَكَ وَلَاؤُهُ، أَيْ لَكَ وِلَايَةُ الْقِيَامِ بِهِ وَحِفْظِهِ
وإلَّا سَلَّمَه الحاكِمُ إلى مَن يرَى منهما، أو مِن غيرِهما. يعْنِي، إذا لم يكُنْ في أيدِيهما، ولا في يَدِ واحدٍ منهما، ولا بَيِّنَةَ لهما، ولا لأحَدِهما، ولا وصَفاه، ولا أحدُهما. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال الحارِثِيُّ: قال فَصْلٌ: وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ إِنْ قُتِلَ لِبَيتِ الْمَالِ.
الأصحابُ، والمُصَنِّفُ هنا: يُسَلِّمُه القاضي إلى مَن يرَى منهما، أو مِن غيرِهما.
قال في «القَواعِدِ»: قال القاضي، والأكْثَرون: لا حق لأحَدِهما فيه، ويُعْطِيه الحاكِمُ لمَن شاءَ منهما، أو مِن غيرِهما. انتهى. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفروع» وغيرِه.
وقال المُصَنِّفُ: الأوْلَى أنْ يُقْرَعَ بينَهما، كما لو كان في أيدِيهما.
فائدة: مَن أسْقَطَ حقه منه، سقَط. ومِيراثُ اللَّقِيطِ ودِيَتُه إنْ قُتِلَ لبَيتِ المالِ. هذ المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثير منهم. وذكَر ابنُ أبي مُوسى في «الإرْشادِ»، أنَّ بعضَ شُيوخِه حكَى رِوايَةً عن أحمدَ، أنَّ المُلْتَقِطَ يرِثُه. واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ونصَرَه، وصاحِبُ «الفائقِ». قال الحارِثِيُّ: وهو الحقُّ.
وَإنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَوَلِيُّهُ الإِمَامُ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ ،
وَإنْ شَاءَ أخَذَ الدِّيَةَ. وإنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا، انْتُطرَ بُلُوغُهُ، إلا أنْ يَكُونَ فَقِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَلِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيهِ.
قال: (فإن اختلفا (١) في الملتقط منهما قُدم من له بينة،
فإن لم يكن لهما بينة قُدّم صاحب اليد،
فإن كان في أيديهما أقرع بينهما،
فإن لم يكن لهما يد فوصفه أحدهما قُدّم، وإلا سلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما).
أما كونه يقدم من له بينة على من لا بينة له؛ فلأن البينة تقطع الخصومة، وتُظهر صاحب الحق من غيره.
وأما كونه يُقدم صاحب اليد إذا لم تكن بينة؛ فلأن اليد دليلٌ على استحقاق الإمساك ز دليله: الأموال.
ولأنه يغلب على الظن أنه هو الملتقط.
بخلاف من لا يد له.
وأما كونه يقرع بينهما إذا كان في أيديهما؛ فلأنهما تساويا في السبب، ولم يمكن تسليمه إليهما لما تقدم. فتعينت القرعة، كما تقدم.
وأما كون الواصف يقدم بالوصف إذا لم تكن يدٌ؛ فلأن اللقيط نوع من اللقطة. فيقدم فيه بالوصف، كلقطة المال.
ولأن الوصف دليل على قوة اليد. فكان مُقدماً به.
وأما كون الحاكم يسلم اللقيط إلى من يرى [منهما أو من غيرهما إذا لم يكن وصف؛ فلأنه لم يوجد لأحدهما شيء يقتضي ترجيحه. فكانت الخيرة للحاكم] في دفعه إلى من يحضنه، كغير اللقيط إذا لم يكن له قريبٌ، أو كان له جماعة لا مزيّة لأحدهم على الآخر. فصل [في أحكام اللقيط] قال المصنف رحمه الله: (وميراث اللقيط وديته إن قُتل لبيت المال. وإن قُتل عمداً فوليه الإمام: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية) .
أما كون ميراث اللقيط وديته إن قُتل لبيت المال؛ فلأنه مسلم لا عَصَبة له ولا ذا فرضٍ. فكان ماله وديته لبيت المال، كغير اللقيط.
وأما كون وليه الإمام؛ فلأن الإمام ولي من لا ولي له، وهذا لا وليَّ له.
وأما كونه إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية إذا قُتل عمداً، فكسائر الأولياء.
ولا بد أن يُلحظ هنا أن ذلك خِيَرَة مصلحة لا خيرة تَشَهِّي؛ لأن الإمام يتعين عليه فعل الأصلح. بخلاف بقية الأولياء.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.