وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَصِحَّ
الشروح عليها
مسألة: (وإن أصْدَقَها تَعْلِيمَ شيءٍ مِن القُرآنِ مُعَيَّنٍ، لم يَصِحَّ. وعنه، يَصِحُّ) اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في جَعْلِ تَعْلِيمِ شيءٍ مِن القرآنِ صَداقًا، فقال في مَوْضِع: أَكرَهُه.
وقال في موضعٍ آخرَ : لا بَأْسَ أن يتزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرأةَ على أن يُعَلمَها سورةً مِن القرآنِ، أو على نَعْلَينِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال أبو بَكرٍ: في المسألةِ قولان. يعني رِوايتَين. قال: واخْتِيارِي أنَّه لا يجوزُ. وهو مذهبُ مالكٍ، واللَّيثِ، وأبي حنيفةَ، ومَكْحُولٍ، وإسْحاقَ. واحْتَجَّ مَن أجازَه بما رَوَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جاءَتْه امرأةٌ فقالت: إنِّي وَهَبْتُ نفْسِي لكَ. فقامت طَويلًا، فقال رَجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، زَوِّجْنِيها إن لم يكُنْ لك بها حاجةٌ. فقال:«هل عِنْدَكَ مِن شَيءٍ تُصْدِقُها؟» فقال: ما عندي إلَّا إزارِي.
فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إزَارُكَ، إنْ أعْطَيتَها جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَكَ، فالْتَمِسْ شَيئًا». قال: لا أجِدُ. قال:«الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ». فالتَمَسَ فلم يَجِدْ شَيئًا. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «زَوَّجْتُكَهَا بما معَك مِنَ القُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّها مَنْفعَةٌ مُعَيَنّةٌ مُبَاحَةٌ ، فجازَ جَعْلُها صَداقًا، كَتَعْلِيمِ قَصِيدَةٍ مِن الشِّعْرِ المُباحِ. ولَنا، أنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباحُ إلَّا بالأمْوالِ؛ لقولِه تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}.
وقولِه سبحانه:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ}. والطَّوْلُ: المالُ. وقد رُوِيَ أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ رجُلًا على سُورَةٍ مِن القرآنِ، ثم قال:«لا يَكُونُ لأحَدٍ بَعْدَكَ مَهرًا». رَوَاه النَّجَّادُ بإسنادِه. ولأنَّ تَعْلِيمَ القُرْآنِ لا يجوزُ أن يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً لِفاعِلِه، فلم يَصِحَّ أن يكونَ صَداقًا، كالصَّوْمِ، والصَّلاةِ، وتَعْلِيمِ الإِيمانِ.
فأمَّا حديثُ المَوْهُوبَةِ، فقد قِيلَ: مَعْنَاه «أنْكَحْتُكَها بما معك مِن القُرْآنِ» أي زَوَّجْتُكَها لأنَّكَ مِن أهلِ القُرْآنِ، كما زَوَّج أَبا طَلْحَةَ على إسْلامِه، فرَوَى ابنُ عبدِ البرِّ بإسناده، أنَّ أَبا طَلْحَةَ أَتَى أُمَّ سُلَيمٍ يَخْطُبُها قبلَ أن يُسْلِمَ، فقالت: أتَزَوَّجُ بِكَ وأنتَ تَعْبُدُ خَشَبَةً نَحَتَها عَبْدُ بَنِي فلانٍ؟ إن أسْلَمْتَ تَزَوَّجْتُ بك. قال: فأسْلَم أبو طَلْحَةَ، فَتَزَوَّجَها على إسْلامِه. وليس في الحديثِ الصحيحِ ذكرُ التَّعْلِيمِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ خَاصًّا لذلك الرَّجُلِ، كما رَوَى النَّجَّادُ .
ولا تَفْرِيعَ على هذه الرِّوايةِ.
فأمَّا على قَوْلِنا بالصِّحَّةِ، فلا بُدَّ مِن تَعْيِينِ ما يُعَلِّمُها إيَّاه،
إمَّا سورةً، أو سُوَرًا، [أو آياتٍ] بعَينِها؛ لأنَّ السُّورَ تخْتلِفُ،
وكذلك الآياتُ.
٣٢٥٥ -
(وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَصِحَّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالْمَالِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَنْ {تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا} وَالطَّوْلُ: الْمَالُ ; لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ قُرْبَةٌ،
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا كَالصَّوْمِ
وإنْ أَصْدَقَها تَعْلِيمَ شيْءٍ مِنَ القُرآنِ مُعَيَّنٍ، لم يَصِحَّ. هذا المذهبُ. نصَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه. وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم أبو بَكْرٍ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى، وغيرُهم. وصحَّحه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم.
قال في «البُلْغَةِ»، و «النَّظْمِ»: هذا المَشْهورُ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يصِحُّ. قال ابنُ رَزِينٍ هذا الأظْهَرُ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «عُيونِ المَسائلِ». وأطْلَقهما في «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيلٍ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين». وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ قِرَاءَةِ مَنْ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
وقيل: يصِحُّ [مطْلقًا. وقيل: بل يصِحُّ]، إنْ جازَ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه. ذكَره في «الرِّعايتَين»، وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قلتُ: الذي يظْهَرُ أنَّ هذا مُرادُ مَنْ قال: لا يصِحُّ. وأَطْلَقَ،
وأَنَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ على جَوازِ أخْذِ الأجْرَةِ على ذلك على ما تقدَّم في بابِ الإِجارَةِ .
قال: (وإن أصدقها تعليم شيء من القرآن معين لم يصح. وعنه: يصح. ولا يحتاج إلى ذكر قراءة مَنْ. وقال أبو الخطاب: يحتاج إلى ذلك) .
أما كون تعليم شيء من القرآن معين لا يصح أن يكون صداقاً على المذهب؛ فلأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال؛ لأن الله تعالى قال:{أن تبتغوا بأموالكم}، وقال:{ومن لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات}. والطَّوْل: المال.
وأما كون ذلك يصح أن يكون صداقاً على روايةٍ؛ فلما روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة. فقالت: إني وهبت نفسي لك. فقامت طويلاً. فقال له رجل: زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال: هل عندك من شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك. فالتمس شيئًا. قال: لا أجد شيئاً. قال: التمس ولو خاتمًا من حديد. فالتمس. فلم يجد شيئًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زوجتكها بما معك من القرآن» متفق عليه.
ولأن تعليم القرآن منفعة معلومة مباحة. فجاز جعلها صداقًا؛ كتعليم قصيدة من الشعر المباح.
فعلى هذه الرواية لا بد من تعيين ما يعلمها. فيقول: آية كذا، أو سورة كذا؛ لأنه إذا لم يعين ذلك يكون مجهولاً مفضياً إلى المنازعة والمخاصمة. وهل يحتاج إلى قراءة مَنْ؟
فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج؛ لأن القراءات بعضها صعب كقراءة حمزة، ومنها سهل كقراءة غيره. فافتقر ذلك إلى التعيين؛ كتعيين الآيات.
والثاني: لا يحتاج إلى التعيين؛ لأن الاختلاف في ذلك يسير.
والصحيح في المذهب: أن تعليم القرآن لا يكون صداقاً؛ لما تقدم.
وأما حديث الموهوبة فقيل معناه: زوجتكها؛ لأنك من أهل القرآن؛ كما زوج أبا طلحة على إسلامه فروى ابن عبد البر بإسناده «أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يُسلم. فقالت: أتزوج بكَ وأنتَ تعبد خشبة؟ إن أسلمتَ تزوجتُ بك. فأسلم أبو طلحة. فتزوجها على إسلامه».
ثم ليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم. ويحتمل أنه كان خاصًا به، ويؤيده ما روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً على سورة من القرآن. ثم قال: لا تكون لأحد بعدك مهرًا». رواه النجاد.
ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله. فلم يجز أن يكون صداقًا؛ كالصلاة والصوم وتعليم الإيمان.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.