وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ ووَكَذَلِكَ يُخْرِجُ إِذَا أَصْدَقَهَا دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ، أَوْ قَمِيصًا مِنْ قُمْصَانِهِ، وَنَحْوَهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن أصْدَقها عبدًا مِن عبيدِه، لم يَصِحَّ. ذَكَره أبو بكرٍ) وقال أبو الخطَّابِ: يَصِحُّ. (و) قد (رُوِيَ صِحَّتُه عن أحمدَ، ولها أحَدُهم بالقُرعةِ. وكذلك يُخرَّجُ إذا أصْدَقَها دَابَّةً مِن دَوابِّه، أو قميصًا مِن قُمْصانِه، أو نحوَه) فإنَّه قد رُوِيَ عن أحمدَ في رِوايةِ مُهَنَّا، في مَن تَزَوَّجَ على عَبْدٍ مِن عبيدِه: جائزٌ،
فإن كانوا عَشَرَةَ عبيدٍ، تُعْطىَ مِن أَوْسَطِهم،
فإن تَشاحَّا، أُقْرِعَ بينَهم. قلتُ: وتَسْتَقِيمُ القرعهُّ في هذا؟ قال: نعم. ووَجْهُ ذلك أنَّ الجَهَالةَ في هذا يَسِيرَةٌ، ويمكنُ التَّعْيِينُ بالقُرعةِ،
بخِلافِ ما إذا أصْدَقَها عبدًا مطْلَقًا،
فإنَّ الجَهالةَ تَكْثُرُ، فلا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّ الصَّداقَ عِوَضٌ في عَقْدِ معاوضةٍ فلم يَصِحَّ مجهولًا، كعِوَضِ البَيعِ والإِجارةِ، ولأنَّ المجهولَ لا يَصْلُحُ عِوَضًا في البَيعِ، فلم تَصِحَّ تَسْمِيتُه، كالمُحَرَّمِ، وكما لو زادَتْ جَهالتُه على مَهرِ المِثْلِ.
وأمَّا الخَبَرُ، فالمرادُ به ما تَراضَوْا عليه مما يَصْلُحُ عوضًا، بدلِيلِ سائرِ ما لا يَصْلُحُ.
وأمَّا الدِّيَة، فإنَّها تَثْبُتُ بالشَّرْعِ لا بالعَقْدِ، وهي خَارِجَةٌ عن القِياسِ في تَقْدِيرِها ومَن وَجَبَتْ عليه، فلا يَنْبَغِي أن تُجْعَلَ أصلًا،
ثم إنَّ الحيَوانَ الثَّابتَ فيها موْصوفٌ بسِنِّه، مُقدَّرٌ بقِيمَتِه ، فكَيفَ يُقَاسُ عليه العَبْدُ المطلقُ في الأمْرَين! ثم ليسَتْ عقدًا، وإنَّما الواجبُ فيها بَدَلُ مُتْلَفٍ، لا يُعْتَبَرُ فيه التَّراضِي، فهو كقِيمَةِ المُتْلَفاتِ، فكيفَ يُقاسُ عليها عِوَضٌ في عَقْدٍ يُعْتَبَرُ تَراضِيهما به!
ثم إنَّ قِياسَ العِوَضِ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ على عِوَض في مُعاوضةٍ أُخرى، أَصَحُّ وأوْلَى مِن قِياسِه على بَدَلِ مُتْلَفٍ.
وأمَّا مَهْرُ المِثْلِ، فإنَّما يجِبُ عندَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ الصحيحةِ، كما تجبُ قِيَمُ المُتْلَفاتِ وإن كانت تحتاجُ إلى نَظرٍ، ألا تَرى أنَّا نَصِيرُ إلى مَهْرِ المِثْلِ عندَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ، ولا نَصِيرُ إلى عَبْدٍ مُطْلَقٍ،
ولو باع ثَوْبًا بعبدٍ مُطْلقٍ فأتْلَفَه المشترِي، فإنَّا نَصِيرُ إلى تَقْويمِه، ولا نُوجبُ العَبْدَ المُطْلقَ، ثم لا نُسَلِّمُ أنَّ جَهالةَ المُطْلَقِ مِن الجِنْسِ الواحدِ دُونَ جَهالةِ مهرِ المِثْلِ،
فإنَّ العادةَ في القبائلِ والقُرَى أن يكونَ لنِسائِهمِ مَهْرٌ، لا يكادُ يختلِفُ إلَّا بالبَكارةِ والثُّيُوبةِ فقط، فيكونُ إذًا مَعْلُومًا، والوَسَطُ مِن الجِنْسِ يَبْعُدُ الوقوفُ عليه؛ لكثرةِ أنواعِ الجِنْسِ واخْتلافِها، واخْتلافِ الأعيانِ في النَّوْعِ الواحدِ.
وأمَّا تَخْصيصُ التصْحيحِ بعَبْدٍ مِن عبِيدِه، فلا نظيرَ له يُقاسُ عليه، ولا نعلمُ فيه نصًّا يُصارُ إليه، فكيف يَثبُتُ الحُكْمُ فيه بالتَّحَكُّمِ!
وأمَّا نُصوصُ أحمدَ على الصِّحَّةِ، فتَأوَّلَها أبو بكرٍ على أنَّه تَزَوَّجَها على عبدٍ مُعَيَّن، ثم أشْكَلَ عليه. إذا ثَبَتَ هذا،
فإنَّ لها مَهْرَ المِثْل. في كلِّ موضعٍ حَكَمْنا بفسادِ التَّسميةِ،
ومَن قال بصحَّتِها أوجب الوَسَطَ مِن المُسَمَّى، والوَسَطُ مِن العَبيدِ السِّنْدِيّ؛ لأنَّ الأَعْلَى التُّرْكِيُّ والرُّومِيُّ، والأسْفَلَ الزِّنْجِيُّ والحَبَشِيُّ، والوَسَطَ السِّنْدِيُّ والمَنْصُورِيُّ.
(وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ) ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ، أَوْ دَابَّةً، أَوْ ثَوْبًا (وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَوْصُوفٍ، وَكَمَا لَوْ عَيَّنَ ثُمَّ نَسِيَ، وَهَذَا مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلَ أَبُو بَكْرٍ نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَعَلَى هَذَا يُعْطِي مِنْ عَبِيدِهِ وَسَطَهُمْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ (و) الْأَشْهَرُ: أَنَّ (لَهَا أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ) نَقَلَهْ مُهَنَّا ;
لِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا اسْتَحَقَّتْ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَشُرِعَتِ الْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةً، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدٌ عَبْدَهُ،
وَقِيلَ: يُعْطِيهَا مَا اخْتَارَهُ، وَقِيلَ: مَا اخْتَارَتْ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ (وَكَذَلِكَ يُخْرِجُ إِذَا أَصْدَقَهَا دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ، أَوْ قَمِيصًا مِنْ قُمْصَانِهِ، وَنَحْوَهُ) ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ
وإنْ اصدَقَها عَبْدًا مِن عَبِيدِه، لم يَصِحَّ، ذَكَرَه أَبُو بَكْرٍ. واخْتارَه هو والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقدَّمه في «الكافِي» ونصَرَه. ورُوِيَ عنِ الإِمامِ أحمدَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَحِمَه الله، أنَّه يصِحُّ. وهو المذهبُ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ»: وظاهِرُ نصِّه صِحَّتُه. واخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ» -وقال: نصَّ عليه- و «إدراكِ الغايةِ»، وغيرِهم.
قال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ بعدَ المِائَةِ»: إذا أصْدَقَها مُبْهَمًا مِن أعْيانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ففي الصِّحَّةِ وَجْهان، أصحُّهما الصِّحَّةُ. انتهى. وظاهِرُ «الفُروعِ» الإِطْلاقُ؛ فإنَّه قال فيها وفي التي قبلَها: لم يصِحَّ عندَ أبِي بَكْرٍ، والشَّيخِ، وظاهِرُ نصِّه صِحَّتُه. انتهى. فتلَخَّصَ في المَسْألتَين أنَّ أَبا بَكْرٍ، والمُصَنِّفَ، وحماعَةً، قالوا بعدَمِ الصِّحَّةِ فيهما،
وأنَّ القاضيَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجماعةً قالوا بالصِّحَّةِ فيهما، وأنَّ أَبا الخَطَّابِ، وجماعةً قالوا: لا يصِحُّ في الأُولَى،
ويصِحُّ في الثَّانيةِ. وهو المذهبُ، كما تقدَّم. فعلى المذهبِ، لها أحدُهم بالقُرْعَةِ على الصَّحيحِ. نصَّ عليه في رِوايَةِ مُهَنَّا. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ».
وعنه، لها الوَسَطُ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «المُحَرِّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وأَطلَقهما في «القاعِدَةِ السِّتِّين بعدَ المِائَةِ».
[وقيل: لها ما اخْتارَتْ منهم.
وقيل: هو كنَذْرِه عِتْقَ أحَدِهم. ذكَرهما ابنُ عَقِيلٍ].
وقيل: لها ما اخْتارَ الزَّوْجُ. وأطْلَقَ الثَّلَاثةَ، الأوَّلَ والأخِيرَ، في «البُلْغَةِ». واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ، أنَّهم إن تساوَوْا، فلها واحِدٌ وَإنْ أَصْدَقَها عَبْدًا مَوْصُوفًا، صَحَّ،
وَإنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ، بالقُرْعَةِ، وإلَّا فلها الوَسَطُ.
وكذلك يُخَرَّجُ إذا أصْدقَها دابَّةً مِن دَوابِّهِ، أو قَمِيصًا مِن قُمْصانِه.
وكذا لو أصْدَقَها عِمامَةً مِن عَمائمِه، أو خِمارًا مِن خُمُرِه، ونحوَ ذلك. وهذا التَّخْرِيج لأبِي الخَطَّابِ،
ومَن تابعَه مِنَ الأصحابِ. وقطَع في «المُحَرَّرِ» وغيرِه، أنَّه كذلك.
قال في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»: وثَوْبٌ مَرْويٌّ، ونحوُه، كعَبْدٍ مُطْلَقٍ؛ لأنَّ أعْلَى الأجْناسِ وأدْناهَا مِنَ الثِّيابِ غيرُ معْلومٍ، وثَوْبٌ مِن ثِيابِه، ونحوُه، كقَفِيزِ حِنْطَةٍ، وقِنْطارِ زَيتٍ، ونحوه، كعَبْدٍ مِن عَبِيدِه. وجزَم بالصِّحَّةِ في ذلك في «الوَجيزِ». ومنَع في «الواضِحِ» في غيرِ عَبْدٍ مُطْلَقٍ. ومنَع أبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ» عدَمَ الصِّحَّةِ في قَوْسٍ أو ثَوْبٍ.
وقال: كلُّ ما جُهِلَ دُونَ جَهالةِ المِثْلِ، صح. وتقدَّم ذلك عنِ القاضي أَيضًا.
قال: (وإن أصدقها عبداً من عبيده لم يصح. ذكره أبو بكر. وروي عن أحمد: أنه يصح، ولها أحدهم بالقرعة. وكذلك يُخَرّج إذا أصدقها دابة من دوابه، أو قميصاً من قمصانه ونحوه) .
أما كون الصداق لا يصح أن يكون عبداً من عبيده على ما ذكره أبو بكر؛ فلأنه مجهول. فلم يصح؛ كما لو باعه عبداً من عبيده.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأن الجهالة يسيرة ويمكن التعيين بالقرعة.
وأما كون الزوجة لها أحدهم بالقرعة؛ فلأنه إذا صح أن يكون صداقاً استحقت واحداً غير معين. فشرعت له القرعة مميزة؛ كما لو أعتق أحد العبدين.
وأما كون بقية الصور يخرج فيها كذلك؛ فلأنها في معناه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.