الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَيْنٍ
الشروح عليها
بابُ الصُّلْحِ الصُّلْحُ مُعاقَدةٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى إصْلاحٍ بينَ المُخْتَلِفَين، ويتَنَوّعُ أنْواعًا؛ صُلْحٌ بينَ المسلمين وأهْلِ الحَرْبِ، وصُلْحٌ بينَ أهْلِ العَدْلِ وأهْلِ البَغْي، وصُلْحٌ بينَ الزَّوْجَين إذا خِيفَ الشِّقاقُ بينَهما، قال الله تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا}.
وقال تعالى:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيرٌ}. وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«الصُّلْحُ بَينَ الْمُسْلِمينَ جَائِزٌ، إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أوْ أحَلَّ حَرَامًا». أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه كَتَب إلى أبي موسى بمِثلِ ذلك. وأجْمَعَ العُلَماءُ على جَوازِ الصُّلْحِ في هذه الأنْواعِ التي ذَكَرْنا، ولكلِّ واحِدٍ منها بابٌ يُفْرَدُ له، وتُذْكَرُ فيه أحْكامُه. وهذا البابُ للصُّلْحِ بينَ المُخْتَلِفَين في الأمْوالِ.
١٨٦٥ - مسألة: و (الصُّلْحُ في الأمْوالِ قِسْمان؛ أحَدُهما، صُلْحٌ على الإِقْرارِ، وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، صُلْحٌ على جِنْسِ الحَقِّ، مثلَ أن يُقِرَّ له بدَينٍ، فيَضَعَ عنه بَعْضَه، أو بعَينٍ، فيَهَبَ له بَعْضَها، ويَأْخُذَ الباقيَ، فيَصِحُّ إن لم يَكُنْ بشَرْطٍ، مثلَ أن يَقُولَ: على أن تُعْطِيَني الباقِيَ. أو يَمْنَعَه حَقَّه بدُونِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن اعْتَرفَ بدَينٍ أو عَينٍ في يَدِه، فأبْرأَه الغَرِيمُ مِن بعضِ الدَّينِ، أو وَهَبَه بعضَ العَينِ وطَلَب منه الباقيَ، صَحَّ إذا كانتِ البَراءَةُ مُطْلَقَةً من غيرِ شَرْطٍ.
قال أحمدُ: إذا كان للرجلِ على الرجلِ الدَّينُ ليس عندَه وَفاءٌ، فوَضَعَ عنه بعضَ حَقِّه، وأخَذَ منه الباقِيَ، كان ذلك جائِزًا لهما،
ولو فَعَل ذلك قاضٍ شافعٌ ، لم يَكُنْ عليه في ذلك إثْمٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد كَلَّمَ غُرَماءَ جابِرٍ ليَضَعُوا عنه .
وفي الذي أُصِيبَ في حَدِيقَتِه فمَرَّ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو مَلْزُومٌ، فأشار إلى غُرَمائِه بالنِّصْفِ، فأخَذُوه منه .
فإن فَعَل ذلك قاضٍ اليَوْمَ، جاز إذا كان على وَجْهِ الصُّلْحِ والنَّظرَ لهما. وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ كَعْبٍ، عن أبيه، أنَّه تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان له عليه في المَسْجِدِ، فارْتَفَعَت أصْواتُهما حتى سَمِعَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فخَرَجَ إليهما، ثم نادَى:«يَا كَعْبُ» قال: لَبَّيكَ يا رسولَ اللهِ. فأشار إليه أن ضَعِ الشَّطْرَ مِن دَينِك. قال: قد فَعَلْتُ يا رسولَ اللهِ. قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قُمْ فَأعْطِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه . فأمّا إن مَنَعَه المُقِرُّ مِن حَقِّه حتى يَضَعَ عنه بَعْضَه، فالصُّلْحُ باطِلٌ؛ لأنَّه صالحَ عن بَعْضِ مالِه ببَعْضِه، وسواءٌ كان بلَفْظِ الصُّلْحِ أو بلفظِ الإِبْراءِ، أو بلَفْظِ الهِبَةِ المَقْرُونِ بشَرْطٍ، مثلَ أن يَقُولَ: أبْرَأْتُك مِن خَمْسِمائَةٍ. أو: وَهَبْتُك بشَرْطِ أن تُعْطِيَنِي ما بَقِيَ. قال ابنُ أبي موسى: الصُّلْحُ على الإِقْرارِ هَضْمٌ للحَقِّ، فمتى ألْزَمَ المُقَرَّ له تَرْكَ بَعْضِ حَقِّه، فتَرَكَه مِن غيرِ طِيبِ نَفْسِه، لم يَطِبِ الأخْذُ ،
وإن تَطَوَّعَ المُقَرُّ له بإسْقاطِ بعضِ حَقِّه، جاز، غيرَ أنَّ ذلك ليس بصُلْحٍ، ولا مِن بابِ الصُّلْحِ بِسَبِيلٍ. فلم يَجْعَلْه صُلْحًا، ولم يُسَمِّ الخِرَقِيُّ الصُّلْحَ إلَّا في حالِ الإِنْكارِ.
فأمّا مع الاعْتِرافِ، فإن قَضاه مِن جِنْسِ حَقِّه، فهو وَفاءٌ،
وإن قَضاه مِن غيرِ جِنْسِه، فهو مُعاوَضَةٌ،
وإن أبْرَأَه مِن بَعْضِه، فهو إبْراءٌ،
وإن وَهَبه بعضَ العَينِ، فهو هِبَةٌ، فلا يُسَمَّى صُلْحًا. وسَمّاه القاضي وأصحابُه صُلْحًا. وهو قولُ الشافعيِّ. والخِلافُ في التَّسْمِيَةِ،
أمّا المَعْنَى فمُتَّفَقٌ عليه. وهو يَنْقَسِمُ إلى إِبرَاءٍ، وهِبَةٍ، ومُعاوَضَةٍ، وقد ذَكَرْنا الإِبْرَاءَ.
فأمّا الهِبَةُ، فهو أن يَكُونَ له في يَدهِ عَينٌ، فيَقُولَ: قد وَهَبْتُك نِصْفَها وأعْطِنِي بَقِيَّتَها. فيَصِحُّ، ويُعْتَبَرُ له شُرُوطُ الهبَةِ.
وإن أخْرَجَه مَخْرَجَ الشَّرْطِ، لم يَصِحَّ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأَنَّه إذا شَرَطَ في الهِبَةِ الوَفاءَ، جَعَل الهِبَةَ عِوَضًا عن الوَفاءِ، فكأنَّه عاوَضَ بعضَ حَقِّه ببَعْضٍ.
فإن أبْرَأه مِن بعضِ الدَّينِ، أو وَهَب له بعضَ العَينِ بلَفْظِ الصُّلْحِ، مثلَ أن يقولَ: صالِحْنِي بنِصْفِ دَينِك علَيَّ، أو بنِصْفِ دارِك هذه. فيقولَ.: صالحْتُك بذلك. لم يَصِحَّ. ذَكَرَه القاضي وابنُ عَقِيلٍ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أكْثَرُهم: يَجُوزُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إذا لم يَجُزْ بلَفْظِه، خَرَج عن أن يَكُونَ صُلْحًا، ولا يَبْقَى له تَعَلُّقٌ به.
أمّا إذا كان [بلَفْظِ الصُّلْحِ] سُمِّيَ صُلْحًا؛ لوُجُودِ اللَّفْظِ،
وإن تَخَلَّفَ المَعْنَى، كالهِبَةِ بشَرْطِ الثَّوابِ. وإنَّما يَقْتَضِي لَفْظُ الصُّلْحِ المُعاوَضَةَ إذا كان ثَمَّ عِوَضٌ،
أمّا مع عَدَمِه فلا. وإنَّما مَعْنَى الصُّلْحِ الاتِّفَاقُ والرِّضا، وقد يَحْصُلُ هذا مِن غيرِ عِوَض، كالتَّمْلِيكِ، إذا كان بعِوَضٍ سُمِّيَ بَيعًا،
وإن خَلا عن العِوَضِ سُمِّيَ هِبَةً. ولَنا، أنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ؛ لأنَّه إذا قال: صالِحْنِي بهِبَةِ كذا. أو: على هِبَةِ كذا. أو: على نِصْفِ هذه العَينِ. ونَحْوَ هذا، فقد أضاف إليه بالمُقَابَلَةِ، فصار كقَوْلِه: بعْنِي بألْفٍ.
وإن أضاف إليه «عَلَى» جَرَى مَجْرَى الشَّرْطِ، كقَوْلِه:{عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}. وقَوْلِه:{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا}. وكلاهما لا يَجُوزُ؛ بدَلِيلِ ما لو صَرَّحَ بلَفْظِ الشَّرْطِ أو بِلَفْظِ المُعاوَضَةِ. وقَوْلُهم: إنَّه يُسَمَّى صُلْحًا. مَمْنُوعٌ،
وإن سُمِّيَ صُلْحًا، فمجازٌ؛ لتَضَمُّنِه قَطْعَ النِّزاعِ وإزالةَ الخُصُومَةِ. وقَوْلُهم: إنَّ الصُّلْحَ لا يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ. مَمْنُوعٌ،
وإن سَلَّمْنا لكنَّ المُعاوَضَةَ حَصَلَتْ مِن اقْتِرانِ حَرْفِ الباءِ، أو عَلَى، أو نحوهما به،
فإنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَحْتَاجُ إلى حَرْفٍ يَتَعَدَّى به، وذلك يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ، على ما بَيَّنَّا.
١٨٦٦ -
بَابُ الصُّلْحِ] [تَعْرِيفُ الصلح وَحُكْمُهُ] بَابُ الصُّلْحِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ فَمِنْهَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَهُوَ أَنْوَاعٌ: صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَالْبَغْيِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا وَصُلْحٌ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا.
وَمَعْنَاهُ لُغَةً: قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ. وَشَرْعًا: مُعَاقَدَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ. [أَقْسَامُ الصُّلْحِ][صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ][الْأَوَّلُ الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ] (الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَيْنٍ) كَدَارٍ
بَابُ الصُّلْحِ بابُ الصُّلْحِ فائدة: الصُّلْحُ عِبارَةٌ عن مُعاقَدَةٍ يُتَوَصَّلُ بها إلى إصْلاحٍ بينَ مُخْتَلِفَين . قاله الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا، صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ، مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَينٍ، فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَينٍ، فَيَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا، وَيَأْخُذَ المُصَنِّفُ وغيرُه. قال ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»: هو المُوافَقَةُ بعدَ المُنازَعَةِ. انتهى. والصُّلْحُ أنْواعٌ؛ صُلْحٌ بينَ المُسْلِمِين وأهْلِ الحَرْبِ. وتقدَّم في الجِهادِ. وصُلْحٌ بينَ أهْلِ البَغْي والعَدْلِ.
ويأْتِي. وبينَ الزَّوْجَين إذا خِيفَ الشِّقاقُ بينَهما، أو خافَتِ الزَّوْجَةُ إعْراضَ الزَّوجِ عنها. ويأْتِي أيضًا. وبينَ المُتَخاصِمَين في غيرِ المالِ، أو في المالِ. وهو المُرادُ هنا، وهو قِسْمان؛ صُلْحٌ على الإِقْرارِ، وصُلْحٌ على الإنْكارِ. وقِسْمٌ بالمالِ؛ وهو الصُّلْحُ مع السُّكُوتِ عنه. وصُلْحُ الإِقْرارِ نَوْعان ؛ أحَدُهما، الصُّلْحُ على جِنْسِ الحَقِّ، مِثْلَ أنْ الْبَاقِي، فَيَصِحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِي. أَو يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ.
يُقِرَّ له بدَينٍ، فيَضَعَ عنه بعضَه، أو بعَينٍ، فيَهَبَ له بعضَها، ويَأخُذَ الباقِيَ، فيَصِحَّ إنْ لم يَكُنْ بشَرْطٍ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: على أنْ تُعْطيَنِي الباقِيَ، أو يَمْنَعَه حَقَّه بدُونِه. إذا أقَرَّ له بدَينٍ أو بعَينٍ، فوضَع عنه بعضَه، أو وهَب له بعضَها، مِن غيرِ شَرْطٍ، فهو صَحيحٌ؛ لأنَّ الأوَّلَ إبْراءٌ،
والثَّاني هِبَةٌ بلا نِزاعٍ، لكِنْ لا يصِحُّ بلَفْظِ: الصُّلْحِ. [على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّه هَضْمٌ للحَقِّ.
قال في «الفُروعِ»: لا بلَفْظِ: الصُّلْحِ] . على الأصحِّ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ. وهو مُخْتارُ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ، وغيرِهما.
قال القاضي: وهو مُقْتَضَى قَوْلِ أحمدَ: ومَنِ اعْتَرفَ بحَقٍّ فصالحَ على بعضِه، لم يكُنْ صُلْحًا؛ لأنَّه هَضْمٌ للحَقِّ. وقدَّمه في «التَّلْخيصِ» وغيرِه، وهو مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ، وابنِ أبِي مُوسى. انتهى. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، يصِحُّ بلَفْظِ: الصُّلْحِ. وهو ظاهِرُ ما في «المُوجَزِ»، و «التَّبْصِرَةِ». واخْتارَه ابنُ البَنَّا في «خِصالِه». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: ظاهِرُ. كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ الصُّلْحَ على الإِقْرارِ لا يُسَمَّى صُلْحًا. وقاله ابنُ أبِي مُوسى. وسَمَّاه القاضي وأصحابُه صُلْحًا. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: والخِلافُ في التَّسْمِيَةِ،
وأمَّا المَعْنَى؛ فمُتَّفَقٌ عليه. قال الزَّرْكَشِيُّ: وصُورَتُه الصَّحِيحَةُ عندَهم؛ أنْ يَعْتَرِفَ له بعَينٍ، فيُعاوضَه عنها، أو يَهَبَه بعضَها، أو بدَينٍ، فيُبْرِئَه مِن بعضِه، ونحو ذلك، فيَصِحَّ إنْ لم يَكُنْ بشَرْطٍ، ولا امْتِناعٍ مِن أداءِ الحقِّ بدُونِه. انتهى. وقَوْلُ المُصَنِّفِ: إنْ لم يَكُنْ بشَرْطٍ. له صُورَتان؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
إحْداهما، أنْ يمْنَعَه حقَّه بدُونِه. فالصُّلْحُ في هذه الصُّورَةِ باطِلٌ، قوْلًا واحدًا. والثَّانيةُ، أنْ يقولَ: على أنْ تُعْطِيَنِي الباقِيَ أو كذا. وما أشْبَهَه. فالصُّلْحُ أيضًا في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذه الصُّورَةِ باطِلٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ ممَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ كَالْمُكَاتَب، وَالْمَأْذُونِ لَهُ، وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، إلا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ.
به الأكثرُ. وقيل: يصِحُّ الصُّلْحُ والحالةُ هذه.
باب الصلح] الصلح: معاقدة يتوصل بها الى الإصلاح بين المختلفين. وتتنوع أنواعاً المقصود منها هنا الصلح بين المتخاصمين في الأموال.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {والصلح خير}، وقوله تعالى:{فأصلحوا بين أَخَوَيْكم}.
وأما السنة فما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«الصلحُ بينَ المسلمينَ جائزٌ إلا صُلحاً حرمَّ حلالاً أو أحلَّ حراماً» أخرجه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما الإجماع فأجمعت الأمة على جواز الصلح في الجملة. قال المصنف رحمه الله: (الصلح في الأموال قسمان: أحدهما: صلح على الإقرار.
وهو نوعان:
أحدهما: الصلح (١) على جنس الحق؛ مثل: أن يقر له بدين فيضع عنه بعضه، أو بعين فيهب له بعضها ويأخذ الباقي فيصح إن لم يكن بشرط؛ مثل أن يقول: على أن تعطيني الباقي، أو يمنعه حقه بدونه).
أما كون الصلح في الأموال قسمين؛ فلأنه تارة يكون على الإقرار، وتارة يكون على الإنكار.
وأما كون الصلح على الإقرار نوعين؛ فلأنه تارة يكون على جنس الحق كما مثّل المصنف رحمه الله، وتارة يكون بغير جنس الحق كما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون أحدهما الصلح على جنس الحق؛ فظاهر.
وأما كونه يصح إن لم يكن بشرط إعطاء الباقي أو المنع من إعطاء الحق بدون الصلح؛ فلأن الإنسان لا يُمنع من إسقاط بعض حقه كما لا يُمنع من استيفائه.
وأما كونه لا يصح بشرط إعطاء الباقي أو المنع من إعطاء الحق بدونه؛ فلأنه آكل لمال الغير بالباطل وهو هضم لحقه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.