فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٣٬٢٢٧المقنعالحنابلةج ٥ ص ١٢٣ج ٥ ص ١٢٣

وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ وَبَيْنَ حِفْظِهِ لِمَالِكِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَهَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ الثَّانِي: مَا يُخْشَى فَسَادُهُ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

(على وَجْهين) وجُملَةُ ذلك، أنَّ مُلْتَقِطَ الشّاةِ وما كان مِثْلَها ممَّا يُبَاحُ أكْلُه، يتَخَيَّرُ مُلْتَقِطُها بين ثلاثةِ أشياءَ؛ أحدُها، أكْلُها في الحالِ. وبه قال مالكٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعي، وغيرُهم. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّ ضالَّةَ الغَنَمِ في المَوْضِعِ المَخُوفِ عليها، له أكْلُها؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْب». جَعَلَها له في الحالِ، وسَوَّى بينَه وبينَ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُؤَخِّرُ أكلَها، ولأنَّ في أكْلِها في الحالِ إغْناءً غن الإِنْفاقِ عليها، وحِراسَةً لمالِيَّتها على صاحِبِها إذا جاء، فإنَّه يأخُذُ قِيمَتَها بكَمالِها،

١٩٬٩٤٣

وفي إبْقائِها تَضْييعٌ للمالِ بالإنْفاقِ عليها والغَرَامَةِ في عَلْفِها، فكان أكْلُها أوْلَى.

١٩٬٩٤٤

وإذا أرادَ أكلَها حَفِظَ صِفَتَها، فمتى جاء صاحِبُها غَرِمَها له، في قولِ عامّةِ أهْلِ العِلْمِ،

١٩٬٩٤٥

وقال مالكٌ: كُلْها ولا غُرمَ عليك لصاحبِها ولا تَعرِيفَ لها؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هِيَ لَكَ». ولم يُوجِبْ فيها تَعرِيفًا ولا غرمًا، ولأنَّه سَوَّى بينَه وبينَ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُعَرِّفُ ولا يَغْرَمُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يُوافِقْ مالِكًا أحَدٌ مِن العُلَماءِ على قولِه. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرو:«رُدَّ عَلَى أخِيكَ ضَالَّتَهُ». دَلِيلٌ على أنَّ الشّاةَ على مِلك صاحبِها.

ولأنَّها لُقَطَة لها قِيمَةٌ، وتَتْبَعُها النَّفْسُ، فتَجِبُ غَرامَتُها لصاحِبِها إذا جاء، كغيرها، ولأنَّها مِلْك لصاحِبِها، فلم يَجُزْ تَمَلُّكُها عليه بغيرِ عِوَض مِن غيرِ رِضاه، كما لو كانت بينَ البُنْيانِ، ولأنَّها عَين يَجِبُ رَدُّها مع بَقائِها،. فوَجَبَ غُرمُها إذا أتْلَفَها، كَلُقَطَةِ الذَّهبِ. وكونُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«هِيَ لَكَ» لا يَمنَعُ وُجُوبَ غَرامَتِها، فإنَّه قد أذِنَ في لُقَطَةِ الذّهبِ والوَرِقِ بعدَ تَعرِيفِها، في أكْلِها وإنْفاقِها، وقال:«هِيَ كَسَائِرِ مَالِكَ».

ثم أجْمَعنا على وُجُوبِ غَرَامَتِها، كذلك الشّاةُ. ولا فرقَ في إباحةِ أكْلِها بينَ وجْدانِها في الصَّحراءِ أو في المِصرِ.

١٩٬٩٤٦

وقال مالكٍ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس له أكلُها في المِصرِ؛ لأنَّه يُمكِنُ بَيعُها،

١٩٬٩٤٧

بخِلافِ الصَّحراءِ. ولَنا، أنَّ ما جازَ أكْلُه في الصَّحراءِ جازَ في المِصرِ، كسائِرِ المَأكُولاتِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«هِيَ لَكَ». ولم يَسْتَفْصِلْ، ولأنَّ أكْلَها معلَّلٌ بما ذَكرنا مِن الاسْتِغْناءِ عن الإنْفاقِ عليها، وهذا في المِصرِ أشَدُّ منه في الصَّحراءِ. الثاني، تركُها والإنْفاقُ عليها مِن مالِه، ولا يَتَمَلَّكُها،

١٩٬٩٤٨

فإن تَرَكَها ولم يُنْفِقْ عليها، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فيها. كان أنْفَقَ عليها مُتَبَرِّعًا، لم يَرجع على صاحِبِها،

١٩٬٩٤٩

فإن أنْفَقَ بِنيَّةِ الرُّجُوعِ على صاحِبِها، وأشْهدَ على ذلك، رَجَع عليه بما أنْفَقَ، في إحدَى الرِّوايَتَين. نصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ، في طيرَةٍ أفْرَخَتْ عندَ قَوْم، فقَضَى أنَّ الفِراخَ لصاحِبِ الطيرَةِ، ويَرجِعُ بالعَلَفِ إذا لم يَكُنْ مُتَطَوِّعًا. وقَضَى عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ في مَن وَجَد ضالَّةً فأنْفَقَ عليها، فجاء رَبُّها، فإنَّه يَغْرَمُ له ما أنْفَقَ؛ وذلك أنَّه أنْفَقَ على اللُّقَطةِ لحِفْظِها، فكان مِن مالِ صاحِبِها، كمُؤْنَةِ تَجْفِيفِ الرُّطَبِ والعِنَبِ.

والثّانِيةُ، لا يَرجِعُ بشيءٍ. وهو قولُ الشَّعبِيِّ، والشافعيِّ، ولم يُعجِبِ الشَّعبِيَّ قَضَاءُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرٍ بغيرِ إذْنِه، فلم يَرجِع به، كما لو بَنَى دارَه، ويُفارِقُ العِنَبَ والرُّطَبَ، فإنه قد يَكونُ تَجْفِيفُه والإِنْفاقُ عليه أحَظَّ لصاحِبِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ عليه لا تَتَكَرَّرُ، والحَيَوانُ يَتَكَرَّرُ الإِنْفاقُ عليه، فرُبَّما اسْتَغْرَقَ ثَمَنَه، فكان بَيعُه وأكْلُه أحَظَّ، فلذلك لم يَرجِعِ المُنْفِقُ عليها بما أنْفَقَ. الثالثُ، بَيعها وحِفْظُ ثَمَنِها لصاحِبِها، وله أن يَتَوَلَّى ذلك بنَفْسِه.

١٩٬٩٥٠

وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَبِيعُها بإذْنِ الإِمامِ. ولَنا، أنَّه إذا جاز له أكلُها مِن غيرِ إذْنٍ فبَيعُها أوْلَى. ولم يَذْكر أصحابُنا لها تَعرِيفًا في هذه المواضِعِ. وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خُذْها، فَإنمَا هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئبِ». ولم يَأمر بتَعرِيفِها، كما أمَرَ في لُقَطَةِ الذَّهبِ والوَرِقِ. ولَنا، أنَّها لُقَطَةٌ لها خَطَرٌ، فوَجَبَ تعرِيفُها، كالمَطْعُومِ الكَثِيرِ، وإنَّما تَرَك ذِكْرَ تَعرِيفِها؛ لأنَّه ذَكَرَها بعدَ بَيانِ التَّعرِيفِ فيما سِواها، فَاسْتَغْنَى بذلك عن ذِكْرِه فيها،

١٩٬٩٥١

ولا يَلْزَمُ مِن جَوازِ التَّصَرُّفِ فيها في الحَوْلِ سُقُوطُ تَعرِيفِها، كالمَطْعُومِ،

١٩٬٩٥٢

وإذا أرادَ بَيعَها أو أكْلَها، لَزِمَه حِفْظُ صِفَتِها؛ لحَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ، وسَنَذْكُرُه إن شاء اللهُ.

فصل: وإذا أكَلَها ثَبَتَتْ قِيمَتُها في ذِمَّتِه، ولا يَلْزَمُه عَزْلُها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه، فإنَّها لا تُنْقَلُ مِن الذِّمَّةِ إلى المالِ المَغزُولِ.

١٩٬٩٥٣

ولو عَزَل شَيئًا ثم أفْلَسَ، كان صاحِبُ اللُّقَطَة أسْوَةَ الغُرَماءِ، ولم يَخْتَصَّ بالمالِ المَعزُولِ.

١٩٬٩٥٤

فأمَّا إن باعَها وحَفِظَ ثَمَنَها، وجاء صاحِبُها، أخَذَه، ولم يُشارِكْه فيه أحَدٌ مِن الغُرَماءِ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، ولا شيءَ للمُفْلِسِ فيه، فهو كالوَدِيعَةِ. ٢٥٠٦ - مسألة: (الثاني، ما يُخْشَى فَسادُه، فيُخَيَّرُ بين بَيعِه وأكلِه) إن كان ممّا لا يُمكِنُ تَجْفِيفُه، كالفاكِهةِ التي لا تُجَفَّفُ، والطَّبِيخِ، والبِطِّيخِ، والخَضْراواتِ، فهو مُخَيَّر بينَ أكْلِه، وبَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه،

١٩٬٩٥٥

ولا يجوزُ إبْقاؤه؛ لأنَّه يَتْلَفُ.

١٩٬٩٥٦

فإن تَركَه حتى تَلِفَ، ضَمِنَه؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِه، فهو كالوَدِيعَةِ.

١٩٬٩٥٧

فإن أكلَه ثَبَتتِ القِيمَةُ في ذِمَّتِه، على ما ذَكَرنا في الشّاةِ. وهذا ظاهِرُ مَذْهبِ الشافعيِّ. وله أن يَتَوَلَّى بَيعَه بنَفْسِه.

١٩٬٩٥٨

وقال أصحابُ الشافعيِّ: ليس له بَيعُه إلَّا بإذْنِ الحاكِمِ،

١٩٬٩٥٩

فإن عَجَز عنه، جاز البَيعُ بنَفْسِه، لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ،

١٩٬٩٦٠

فأمّا مع القُدرَةِ على اسْتِئْذائِه فلا يجوزُ مِن غيرِ إذنْه، لأنَّه مالٌ معصُوم لا ولايةَ عليه، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكِمِ بَيعُه، كغيرِ المُلْتَقَطِ. ولَنا، أنَّه مال أبِيحَ للمُلْتَقِطِ أكلُه، فأبيحَ له بَيعُه، كمالِه.

١٩٬٩٦١

ومتى أرادَ بَيعَه أو أكْلَه، حَفِظَ صِفاتِه، ثم عَرَّفَه عامًا، على ما نَذْكُرُه.

١٩٬٩٦٢

فإن تَلِفَ الثَّمَنُ قبلَ تَمَلُّكِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ أو نَقْصٍ، أو تَلِفَتِ العَينُ أو نَقَصَتْ مِن غيرِ تَفرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه.

١٩٬٩٦٣

وإن تَلِفَ أو نقَصَ بتَفْرِيطِه، أو تَلِفَتِ اللُّقَطَةُ بتَفْرِيطِه، فعليه ضَمانُه،

١٩٬٩٦٤

وكذلك إن تَلِفَ بعد تَمَلكِه أو نقَصَ.

١٩٬٩٦٥

وإن كان ممّا (يمكِنُ تَجْفِيفُه؛ كالعِنَبِ) والرُّطَبِ، فيَنْظُرُ ما فيه الحَظُّ لمالِكِه،

١٩٬٩٦٦

فإن كان في التَّجْفِيفِ فعَلَه، ولم يَكُنْ له إلَّا ذلك؛ لأنَّه مالُ غيرِه، فلَزِمَه فعلُ ما فيه الحَظُّ لصاحِبِه، كوَلِيِّ اليَتيمِ.

٢٥٠٧ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) قَالَهُ أَصْحَابُنَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ إِذَا أَكَلَهُ؛ فَلِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا ذَكَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَتَصِيرُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ عَزْلُهَا.

١٣٬٥٢٦

وَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَكْلُ ضَالَّةِ الْغَنَمِ، وَلَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ لِصَاحِبِهَا، وَلَا تَعْرِيفَ لَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُوَافِقْ مَالِكًا أَحَدُ الْعُلَمَاءِ، وَأَفْتَى أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ بِأَكْلِهِ بِمَضْيَعَةٍ، بِشَرْطِ ضَمَانِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُ ذَبْحِهِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ.

١٣٬٥٢٧

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ: لَا يَتَصَرَّفُ قَبْلَ الْحَوْلِ فِي شَاةٍ وَنَحْوِهَا بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَكْلُهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ فَبَيْعُهَا أَوْلَى،

١٣٬٥٢٨

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَيَلْزَمُهُ حِفْظُ صِفَتِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا هُنَا تَعْرِيفًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِتَعْرِيفِهَا، وَنَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " لُزُومَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ لَهَا خَطَرٌ، فَوَجَبَ تَعْرِيفُهَا كَالْمَطْعُومِ الْكَثِيرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ بيان التعريف (وَبَيْنَ حِفْظِهِ لِمَالِكِهِ) وَلَمْ يَتَمَلَّكْهَا (وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِهِ عَلَى مَالِكِهِ عَيْنًا وَمَآلًا،

١٣٬٥٢٩

فَلَوْ تَرَكَهَا بِلَا نَفَقَةٍ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِيهَا. (وَهَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ) إِذَا نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ، قَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛

١٣٬٥٣٠

قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيُّ فِي طَيْرَةٍ أَفْرَخَتْ عِنْدَ قَوْمٍ، فَقَضَى أَنَّ الْفِرَاخَ لِصَاحِبِ الطَّيْرَةِ، وَيَرْجِعُ بِالْعَلَفِ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مَعَ تَرْكِ التَّعَدِّي،

١٣٬٥٣١

فَإِنْ تَعَدَّى لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ، وَلِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ، فَكَانَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ كَمَئُونَةِ التَّجْفِيفِ،

١٣٬٥٣٢

وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنِهِ فَلَمْ يُرْجِعْ، كَمَا لَوْ بَنَى دَارَهُ، وَفَارَقَ التَّجْفِيفَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَكَرَّرُ نَفَقَتُهُ

١٣٬٥٣٣

بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ، فَرُبَّمَا اسْتَغْرَقَتْ ثَمَنَهُ مَعَ أَنَّ الشَّعْبِيَّ عَجِبَ مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ،

١٣٬٥٣٤

وَقِيلَ: إِنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ رُجِعَ، وَإِلَّا فَلَا.

[الثَّانِي مَا يُخْشَى فَسَادُهُ] (الثَّانِي: مَا يُخْشَى فَسَادُهُ) مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ كَالطَّبِيخِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْخُضْرَاوَاتِ

الإنصافالمرداوي

ويَرْجِعُ بذلك على الغاصِبِ. يعْنِي، بما فدَى به الأوْلادَ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهير الأصحابِ. وذكَر ابنُ عَقِيل رِوايَةً، لا يرجِعُ بفِداءِ الوَلَدِ.

٢٣٬٢٧٦

وإنْ تَلِفَتْ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهَا، وَلا يَرْجِعُ بِهَا إنْ كَانَ مُشْتَرِيًا، وَيَرْجِعُ بِهَا الْمُتَّهِبُ.

وهل يرجِعُ بذلك؟ على وَجْهين. وهما رِوايَتان في «المُجَردِ»، و «الفُصول»، و «المُغْنِي»، و «الشّرحِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشرحِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الزركَشِي»؛ أحدُهما، يرجِعُ إذا نوَى الرُّجوعَ. وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وصحّحه في «التصحيحِ».

٢٥٬٠٤٠

قال الحارِثِي: والأصَحُّ الرُّجوعُ. والرُّجوعُ هو المَنْصوصُ في الآبِقِ، والآبِقُ مِن نحو الضَّالةِ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الإرشادِ». قال أبو بَكْر: يرجِعُ مع تَركِ التعَدِّي،

٢٥٬٠٤١

فإنْ تعَدَّى، لم يُحسبْ له. والوَجْهُ الثاني، لا يرجِعُ.

٢٥٬٠٤٢

قال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والسبْعِين»: إنْ كانتِ النفقَةُ بإذْنِ حاكِم، رجَع،

٢٥٬٠٤٣

وإنْ لم تَكُنْ بإذْنِه، ففيه الرِّوايَتان. يعنِي اللَّتَين في مَن أدَّى حَقًّا واجِبًا عن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

غيرِه بغيرِ إذْنِه، ونوَى الرُّجوعَ،

٢٥٬٠٤٤

والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ الرُّجوعُ، على ما تقدم في بابِ الضمانِ، فكذا هنا. قال ابنُ رَجَبٍ: ومنهم مَن رجَّحَ هنا عدَمَ الرُّجوعِ؛ لأنَّ حِفْظَها لم يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، بل كان مُخَيَّرًا بينَه وبينَ بَيعِها وحِفْظِ ثَمَنِها. وذكَر ابنُ أبِي مُوسى، أن المُلْتَقِطَ إذا أنْفَقَ غيرَ مُتَطَوِّع بالنَّفَقَةِ، فله الرُّجوعُ بها،

٢٥٬٠٤٥

وإنْ كان مُحتَسبًا، ففي الرُّجوع رِوايَتان.

٢٥٬٠٤٦

قال في «المُسْتَوْعِبِ»: إنْ كان بإذْنِ الثَّانِي، مَا يُخْشَى فَسادُهُ، فَيَتَخَيَّرُ بَينَ بَيعِهِ وَأكْلِهِ إلا أنْ يمكِنَ حاكِم، فله الرُّجُوعُ،

٢٥٬٠٤٧

وإنْ أنْفَقَ بغيرِ إذْنِه، ولم يُشْهد بالرجوعِ، فهو مُتَطَوِّعٌ،

٢٥٬٠٤٨

وإنْ أنْفَقَ مُحتَسِبًا بها، وأشْهدَ على ذلك، فهل يملِكُ الرجوعَ؟ على رِوايتَين. قوله: الثَّانِي، ما يُخْشَى فَسادُه، فيُخَيَّرُ بينَ بَيعِه وأكلِه. يعنِي، إذا اسْتَوَيا، وإلا فعَل الأحظ، كما تقدّم.

٢٥٬٠٤٩

قال في «الفُروعِ»: وله أكْلُ الحَيَوانِ، وما يُخْشَى فَسادُه بقِيمَتِه. قاله أصحابُنا.

٢٥٬٠٥٠

وقال في «المُغْنِي»: يقْتَضِي قوْلُ أصحابِنا: إن العُروضَ لا تُملَكُ. أنه لا يأكلُ، ولكِنْ يُخَيَّرُ بينَ الصدَقَةِ وبينَ بَيعِه. تَجْفِيفُهُ؛ كَالْعِنَبِ، فَيَفْعَلَ مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ لِمَالِكِهِ.

وذكَر نصًّا يدُلُّ على ذلك. انتهى. قال الحارِثِيُّ: ما لا يبْقَى، قال المُصَنِّفُ فيه، والقاضي، وابنُ عَقِيل: يتَخَيَّرُ بينَ بَيعِه وأكْلِه. بهذا أوْرَدُوا مُطْلَقًا. وقيَّد أبو الخَطابِ بما بعدَ التعريف؛ فإنه قال: عرفَه بقَدرِ ما يَخافُ فَسادَه، ثم هو بالخِيارِ. قال: وقوْلُه: بقَدرِ ما يخَافُ فَسادَه. وَهْمٌ، وإنَّما هو بقَدرِ ما لا يخافُ.

٢٥٬٠٥١

قلتُ: وتابَع أبا الخَطَّابِ على هذه العِبارَةِ في «المُذْهبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «التلْخيصِ»، وجماعة. ومشَى على الصوابِ في «الخُلاصةِ»، فقال: عرَّفَه، ما لم يخْشَ فَسادَه.

٢٥٬٠٥٢

قال الحارِثِيُّ: والمذهبُ الإبقاءُ، ما لم يفْسُد مِن غيرِ تَخْيِيرٍ، على ما مَر نصُّه في الشاةِ. وهو الصحيحُ،

٢٥٬٠٥٣

فإذا دَنا الفَسادُ، فرِوايَتان؛ إحداهما، التصَدُّقُ بعَينه مَضْمُونًا عليه. والثانيةُ، البَيعُ وحِفْظُ الثمَنِ.

٢٥٬٠٥٤

قلتُ: وهو الصَّوابُ. وأطْلَقَهما الحارِثِي.

٢٥٬٠٥٥

وقال ابنُ أبِي موسى: يتَصَدقُ بالثمَنِ. انتهى. ومنع تَعذر البَيعِ أو الصَّدَقَةِ يجوزُ له أكْلُه، وعليه القِيمَةُ.

٢٥٬٠٥٦

تنبيه: حيثُ قُلْنا: يُباعُ. فإن البائعَ المُلْتَقِطُ. على الصّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ سواء كان يسيرًا أو كثيرًا؛ تَعذَّر الحاكِمُ أوْ لا.

٢٥٬٠٥٧

وعنه، يبِيعُ اليَسِيرَ، ويرفَعُ الكَثِيرَ إلى الحاكِمِ.

٢٥٬٠٥٨

وعنه، يبِيعُه كُله إنْ فقدَ الحاكِمَ، وإلَّا رفَعَه إليه.

٢٥٬٠٥٩

فائدة: لو ترَكَه حتى تَلِفَ، ضَمِنَه.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (الثاني: ما يُخشى فساده. فيتخيّر بين بيعه وأكله. إلا أن يمكن تجفيفه كالعنب فيفعل ما يرى الحظ فيه لمالكه، وغرامة التجفيف منه. وعنه: يبيع اليسير، ويرفع الكثير إلى الحاكم) .

٨٬٩٧٥

أما كون الملتقط يتخير فيما يُخشى فساده، كالطبيخ والبطيخ والتمر الرطب إذا كان لا يمكن تجفيفه.

٨٬٩٧٦

بين بيعه وبين أكله على المذهب: أما البيع؛ فلأن فيه إبقاء لمالية ذلك.

٨٬٩٧٧

وأما الأكل؛ فلأنه إذا كان له أكل ما لا يتلف بتقدير البقاء فلأن يكون له أكل ما لا يبقى بطريق الأولى.

فعلى هذا إن باعه حفظ ثمنه،

٨٬٩٧٨

وإن أكله غرم قيمته. ولم يصرح المصنف رحمه الله بذلك؛ اكتفاء بما تقدم. إذ هما سواء في المعنى.

٨٬٩٧٩

وأما كونه يبيع اليسير، ويرفع الكثير إلى الحاكم على رواية؛ فلأن اليسير يتسامح به.

٨٬٩٨٠

بخلاف الكثير.

والأول أولى، لأنه مالٌ أبيحَ له التصرف فيه بالأكل والصدقة. فأبيح له أن يتولى بيع الكثير منه واليسير، كمال نفسه. أو مال أبيح له بيعه عند عدم الحاكم. فجاز عند وجوده، كمال مَوْلِيِّه.

٨٬٩٨١

وأما كونه يفعل ما يرى فيه الحظ لمالكه فيما يُخشى فساده ويمكن تجفيفه كالعنب والرطب ونحوهما؛ فلأن ذلك أمانة في يده، وفعل الحظ في الأمانة مُتعين.

٨٬٩٨٢

فإن قيل: كيف جاز بيع الحيوان دون هذا؟

قيل: لأن في ترك الحيوان ضرراً وهو النفقة عليه، وخيفة موته.

٨٬٩٨٣

بخلاف هذا.

وأما كون غرامة التجفيف منه؛ فلأنه من مصلحته. فكان منه، كما لو كان ذلك ليتيم.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.