وَإِنِ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ أَوْ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ مَعَهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن كان) المُلْتَقِطُ (فاسِقًا) لم يُقَرَّ في يَدِه. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ حِفْظَه للولايةِ عليه، ولا ولايةَ لفاسِقٍ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يُقَرُّ في يَدِه،
لقَوْلِه: وإن لم يَكُنْ مَن وَجَد اللَّقِيطَ أمِينًا، مُنِعَ مِن السَّفَرِ به؛ لئلَّا يَدَّعِيَ رِقَّهُ. فعلى قولِه، يَنْبَغِي أن يَجِبَ الإِشْهادُ عليه، ويُضَمَّ إليه مَن يُشْرِفُ عليه؛ لأنَّنا إذا ضَمَمْنا إليه في اللُّقَطَةِ مَنْ يُشْرِفُ عليه، فههُنا أوْلَى.
قال القاضِي: والمَذْهَبُ أنَّه يُنْزَعُ مِن يَدِه. ويُفارِقُ اللُّقَطَةَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّ في اللُّقَطَةِ مَعْنَى الكَسْبِ، وليس ههُنا إلَّا الولايةُ. الثّانِي، أنَّ اللُّقَطَةَ لو انْتَزَعْناها منه رَدَدْناها إليه بعد الحَوْلِ، فلذلك احْتَطْنا عليها مع بَقائِها في يَدِه، وههُنا لا يُرَدُّ إليه بعد الانْتِزاعِ منه بحالٍ، فكان الانْتِزاعُ أحْوَطَ .
والثّالِثُ، أنَّ المَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ المالِ، ويُمْكِنُ الاحْتِياطُ عليه بأن يَسْتَظْهِرَ عليه في التَّعْرِيفِ، أو ينصِبَ الحاكِمُ مَن يُعَرِّفُها، وههُنا المَقْصُودُ حِفْظُ الحُرِّيَّةِ والنَّسَبِ، ولا سَبِيلَ إلى الاسْتِظْهارِ عليه؛ لأنَّه قد يَدَّعِي رِقَّه في بعضِ البُلْدانِ، أو في بعضِ الزَّمانِ، ولأنَّ اللُّقَطَةَ إنَّما يُحْتاجُ إلى حِفْظِها والاحْتِياطِ عليها عامًا واحِدًا، وهذا يُحْتاجُ إلى الاحْتِياطِ عليه في جَميعِ زَمانِه. وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا يُنْتَزَعُ منه؛ لأنَّه قد ثَبَتَتْ له الولايةُ بالْتِقاطِه إيّاه وسَبْقِه إليه، وأمْكَنَ حِفْظُه في يَدَيهِ بالإِشْهادِ عليه، وضَمِّ أمِينٍ يُشارِفُه إليه ويُشِيعُ أمْرَه، فيَظْهَرُ أنَّه لَقِيطٌ، فيَنْحَفِظُ بذلك مِن غيرِ زَوالِ ولايَتِه، جَمْعًا بين الحَقَّين، كاللُّقَطَةِ، وكما لو كان الوَصِيُّ خائِنًا.
قال شيخُنا : وما ذَكَرَه القاضِي مِن التَّرْجِيحِ لِلُّقَطَةِ، يُمْكِنُ مُعارَضَتُه بأنَّ اللَّقِيطَ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ لا تَخْفَى الخِيانَةٌ فيه؛
بخِلافِ اللُّقَطَةِ؛ فإنَّها خَفِيَّةٌ تَتَطَرَّقُ إليها الخِيانَةُ ولا يُعْلَمُ بها، ويُمْكِنُ أخْذُ بعَضِها وتَنْقِيصُها وإبْدالُها،
بخِلافِ اللَّقِيطِ. ولأنَّ المال مَحَلُّ الخِيانةِ، والنُّفُوسُ إلى أخْذِه داعِيَةٌ؛
بخِلافِ النُّفُوسِ. فعلى هذا، متى أرادَ هذا المُلْتَقِطُ السَّفَرَ باللَّقِيطِ، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يُبْعِدُه مِمَّن عَرَف حاله، فلا يُؤْمَنُ أن يَدَّعِيَ رِقَّهُ ويَبِيعَه.
فصل: فإن كان المُلْتَقِطُ مَسْتُورَ الحالِ، لم تُعْرَفْ منه حَقِيقهُّ العَدالةِ ولا خِيانةٌ، أُقِرَّ اللَّقِيطُ في يَدَيه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ العَدْلِ في لُقَطَةِ المالِ والولايةِ في النِّكاحِ والشَّهادَةِ فيه،
وفي أكْثَرِ الأحْكامِ؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمِ العَدَالةُ؛ ولذلك قال عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: المُسْلِمون عُدُولٌ بعضُهم على بعضٍ.
فإن أرادَ السَّفَرَ بلقِيطِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقَرُّ في يَدَيهِ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم تَتَحَقَّقْ أمانته، فلا تُؤْمَنُ الخيانَةُ منه فيه.
والثّاني، يُقَرُّ في يَدَيه؛ لأنَّه يُقَرُّ في يَدَيه في الحَضرِ مِن غيرِ مُشْرِفٍ يُضَمُّ إليه، فأشْبَهَ العَدْلَ، ولأنَّ الظّاهِرَ السَّتْرُ والصِّيانَةُ.
فأمّا مَنْ عُرِفَتْ عدالتُه وظَهَرِتْ أمانَتُه، فيُقَرُّ اللَّقِيطُ في يَدِه حَضَرًا وسَفَرًا؛ لأنَّه مَأمُونٌ إذا كان سَفرُه لغيرِ النُّقْلَةِ. ٢٥٢٧ -
مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في البادِيَةِ مُقِيمٌ في حِلَّةٍ) أُقِرَّ في يَدِه؛ لأنَّه يَنْقُلُه مِن أرْضِ البُؤْسِ والشَّقَاءِ إلى الرَّفاهِيَةِ والدَّعَةِ والدِّينِ.
٢٥٣٢ -
(وَإِنِ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: الْبُيُوتِ الْمُجْتَمِعَةِ، وَحِينَئِذٍ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّةَ كَالْقَرْيَةِ فِي كَوْنِهِ لَا يَرْحَلُ لِطَلَبِ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ (أَوْ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْ أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالشَّقَاءِ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ وَالدَّعَةِ وَالدِّينِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإن كان فاسقاً، أو رقيقاً، أو كافراً، واللقيط مسلم أو بدوياً ينتقل في المواضع، أو وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية: لم يقرّ في يده) .
أما كون اللقيط لا يقرّ في يد الفاسق؛ فلأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية، ولا ولاية لفاسق.
وفارق اللقطة من وجهين:
أحدهما: أن في اللقطة معنى التكسب، وليس هنا إلا الولاية.
الثاني: أن اللقطة إذا انتزعت منه رُدّت إليه بعد الحول.
بخلاف اللقيط فإنه لا يردّ إليه.
وأما كونه لا يقرّ في يد الرقيق؛ فلأنه مستحق الخدمة والمنفعة لسيده.
ولأنه لا يثبت على اللقيط إلا الولاية، وليس العبدُ من أهلها.
وأما كونه لا يُقرّ في يد الكافر إذا كان اللقيط مسلماً؛ فلأن الكافر لا ولاية له على مسلم.
ولأنه لا يؤمن أن يفتن المسلم عن دينه.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعارٌ بأن اللقيط إذا كان كافراً يقرّ في يده. وصرح به في المغني؛ لأن الولاية تثبت لبعض الكفار على بعض.
وأما كونه لا يقرّ في يد بدويٍ ينتقل في المواضع؛ فلأن فيه إتعاباً للصبي بتنقله.
وأما كونه لا يقرّ في يد من وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية؛ فلأنه ينقل اللقيط إلى شدة العيش وجفائه،
وفي الأثر:«من بَدَا فقد جَفَا».
ولأن فيه تعسراً لمداواته، ومراجعة الطبيب، وانقطاع النسب، وتفويت التأديب والعلم. قال: (وإن التقطه في البادية مقيم في حلّهٍ، أو من يريد نقله إلى الحضر: أقرّ معه) .
أما كون اللقيط يقرّ مع المقيم في حلّه بحيث لا يرحل لطلب الماء والكلأ؛ فلأنه كالمقيم في قرية.
وأما كونه يقرّ مع من يريد نقله إلى الحضر؛ فلأنه أنفع له، ويحصل له من الفوائد ما تقدم ذكره.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.