النِّكَاحُ سُنَّةٌ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ
الشروح عليها
كتابُ النِّكاحِ النِّكاحُ في الشَّرْعِ عَقْدُ التَّزْويجِ، فعندَ إطْلاقِ لَفْظِه يَنْصَرفُ إليه، ما لم يَصرِفْه عنه دَلِيلٌ.
وقال القاضي: الأشْبَهُ بأصْلِنَا أنَّه حَقِيقَةٌ في العَقْدِ والوَطْءِ جميعًا؛ لقَولِنا بتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الأبِ مِن غيرِ تَزويج. استِدْلالًا بقولِه تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}.
وقيلَ: بل هو حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ، مَجازٌ في العَقْدِ، تقولُ العربُ: أنْكَحْنا الْفِرَا، فسنَرَى. أي أضْرَبْنا فَحْلَ حُمُرِ الوَحْشِ أُمَّه ، فسَنَرَى ما يَتَوَلَّدُ منهما . يُضْرَبُ مَثَلًا للأمْرِ يَجْتَمِعون عليه،
ثم يَتَفَرَّقونَ عنه . قال الشاعرُ:
ومِن أَيِّمٍ قد أنْكَحَتْنا رِمَاحُنا ... وأُخْرَى على خالٍ وعَمٍّ تَلَهَّفُ قال شيخُنا : والصَّحيحُ ما قُلنا؛ لأنَّ الأشْهَرَ استِعمالُ لَفْظَةِ النِّكاحِ بإزاءِ العَقْدِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، لسانِ أهلِ العُرْفِ. وقد قِيلَ: ليس في الكتابِ لَفْظُ نِكاحٍ بمَعْنَى الوَطْءِ إلَّا قولُه: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ}. ولأنَّه يَصِحُّ نفْيُه عن الوَطْءِ؛ لأنَّه يُقالُ: هذا سِفَاحٌ وليس بنِكاحٍ. ويُرْوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ».
ويُقال عن السُّرِّيَّةِ: ليست بزَوْجَةٍ ولا مَنْكُوحَةٍ. ولأنَّ النِّكاحَ أحَدُ اللَّفْظَين اللَّذَين يَنْعَقِدُ بهما عَقْدُ النِّكاحِ، فكان حقيقَةً فيه، كاللَّفْظِ الآخَرِ. وما ذَكَرَه القاضي يُفْضِي إلى كَونِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا، وهو على خِلافِ الأصْلِ، وما ذَكَرَه الآخَرون يَدُلُّ على الاسْتِعْمالِ في الجُمْلَةِ، والاستعمالُ فيما قُلْنا أكثرُ وأشهَرُ، ثم لو قُدِّرَ كَوْنُه مَجازًا في العَقْدِ، لَكان اسْمًا عُرْفِيًّا يَجِبُ صَرْفُ اللفظِ إليه عندَ الإِطْلاقِ؛ لشُهْرَتِه، كسائِرِ الأسماءِ العُرْفِيَّةِ. فصل: والأصلُ في مَشْرُوعِيَّتِه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛
أمَّا الكتابُ فقولُه تعالى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}. وقولُه:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}.
وأمَّا السُّنَّةُ فقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ للفَرْجِ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ [فعليه بالصَّوْمِ، فإنَّه] لَهُ وجَاءٌ». مُتَّفَقٌ عليه .
وقال عليه السَّلامُ:«إنِّي أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي».
وقال سعدٌ: رَدَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عثمانَ بنِ مَظْعونٍ التَّبَتُّلَ،
ولو أَذِنَ له لاخْتَصَينا. مُتَّفَقٌ عليه . والتَّبَتُّلُ تَرْكُ النِّكاحِ. وأجْمَعَ المسلمونَ على أنَّ النِّكاحَ مَشْرُوعٌ. ٣٠٥٤ - مسألة: وَ (النِّكَاحُ سُنَّةٌ) لِما ذَكَرْنا مِن أدِلَّةِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وأدْناها الاسْتِحْبَابُ. ٣٠٥٥ - مسألة: (وَالاشْتِغَالُ به أفْضَلُ مِن التَّخَلِّي لنَوافِل العِبادَةِ، إلا أن يَخافَ على نَفْسِه مُواقَعَةَ المَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيجِبُ) الناسُ في النِّكاحِ على ثَلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، مَن يَخافُ على نَفْسِه [الوُقُوعَ في] المَحْظُورِ إن تَرَك النِّكاحَ، فهذا يَجِبُ عليه في قولِ عامَّةِ الفُقهاءِ؛
لأنَّه يَلْزَمُه إعْفافُ نفسِه، وصَرْفُها عن الحَرامِ، وطَرِيقُه النكاحُ. الثاني، مَن يُسْتَحَبُّ له، وهو مَن له شَهْوَةٌ يَأْمَنُ معها الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ، فهذا الاشْتِغالُ له به أفضَلُ مِن التَّخَلِّي لنَوافِلِ العِبادةِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وظاهِرُ أقوالِ الصَّحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، وفِعْلُهم. قال ابنُ مسعودٍ: لو لم يَبْقَ مِن أَجَلِي إلَّا عشَرةُ أيامٍ، وأعْلَمُ أَنِّي أموتُ في آخِرِها يَوْمًا، لِي فيهِنَّ طَوْلُ النِّكاحِ، لتَزَوَّجْتُ مَخافَةَ الفِتْنَةِ .
وقال ابنُ عباسٍ لسعيدِ بنِ جُبَيرٍ: تَزَوَّجْ،
فإنَّ خَيرَ هذه الأمَّةِ أكثَرُها نِساءً .
وقال إبراهيمُ بنُ مَيسَرَةَ: قال لي طاوسٌ: لَتَنْكِحَنَّ، أو لأقُولَنَّ لك ما قال عمرُ لأبي الزَّوائِدِ: ما يَمْنَعُكَ عن النِّكاحِ إلَّا عَجْزٌ أو فُجُورٌ . قال أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليبستِ العُزْبَةُ مِن أمْرِ الإسلامِ في شيءٍ،
ومَن دَعاك إلى غيرِ التَّزْويجَ، فقد دَعاك إلى غيرِ الإِسلامِ،
ولو تَزَوَّجَ بِشْرٌ كان قد تَمَّ أمْرُه.
وقال الشافعيُّ : التَّخَلِّى لِعبادَةِ اللهِ أفْضَلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى مَدَح يَحيى، عليه السّلامُ، بقولِه تعالى:{وَسَيِّدًا وَحَصُورًا}. والحَصُورُ الذي لا يَأْتِي النِّساءَ،
فلو كان النِّكاحُ أفْضَلَ لَما مَدَح بتَرْكِه.
وقال اللهُ تعالى:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ}. وهذا في مَعْرِضِ الذَّم. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فكان الاشْتِغالُ بالعِبادَةِ أفْضَلَ منه، كالبَيعِ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ ورسولِه به، وحَثِّهِما عليه، وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ:«لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي». وقولُ سعدٍ: لقد رَدَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عثمانَ بنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ،
ولو أَذِنَ له لَاخْتَصَينَا. مُتَفَقٌ عليهما. وعن أنسٍ قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُ بالباءَةَ، ويَنهَى عن التَّبتُّل نَهْيًا شَديدًا، ويقولُ:«تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَواه سعيدٌ . وهذا حَثٌّ على النِّكاحِ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ على تَرْكِه، يُقَربُه إلى الوُجوبِ، و التَّخَلِّيَ منه إلى التَّحريمِ،
ولو كان التَّخَلِّي أفْضَلَ [لانْعَكَسَ الأمْرُ]، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَ، وبالغَ في العَدَدِ، وفَعَل ذلك أصحابُه، ولا يَشْتَغِلُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه إلَّا بالأَفْضَلِ، ولا يَجْتَمِعُ الصحابةُ على تَرْكِ الأفْضَلِ والاشْتِغالِ بالأدْنَى.
ومِن العَجَبِ أنَّ مَن يُفَضِّلُ التَّخَلِّيَ لم يَفْعَلْه، فكيف أجْمَعوا على النِّكاحِ في فِعْلِه، وخالفوا في فَضْلِه! أفما كان فيهم مَنْ يَتْبَعُ الأفْضَلَ عندَه ويَعْمَلُ بالأَوْلَى؟ ولأنَّ مَصالِحَ النِّكاحِ أكثَرُ؛ فإنَّه يَشْتَمِلُ على تَحْصِينِ الدِّينِ وإحْرازِه، وتَحْصِينِ المرأةِ وحِفْظِها والقِيامِ بها، وإيجادِ النَّسْلِ وتَكْثِيرِ الأمَّةِ، وتَحْقِيقِ مُباهاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وغيرِ ذلك مِن المَصالِحِ الرَّاجِحِ أحَدُها على نَفْلِ العِبادَةِ، فمَجْمُوعُها أَوْلَى. وقد رَوَينا في أخْبارِ المُتَقدِّمِينَ أنَّ قَوْمًا ذَكَرُوا لنبيٍّ لهم فَضْلَ عابدٍ لهم،
فقال: أمَّا إنَّه لتارِكٌ لشيءٍ مِن السُّنَّةِ. فبَلَغ العابِدَ، فأتى النبيَّ فسَألَه عن ذلك، فقال: إنَّك تَركْتَ التَّزْويجَ. فقال: يا نَبيَّ اللهِ، وما هو إلَّا هذا! فلمَّا رَأَى النبيُّ احْتِقارَه لذلك، قال: أرَأَيتَ لو تَرَك الناسُ كُلهم التَّزْويجَ، مَن كان يَقُومُ بالجِهادِ، ويَنْفِي العَدُوَّ، و يقومُ بفرائِضِ الله وحُدُودِه؟.
وأمَّا ما ذُكِرَ عن يَحيي، فهو شَرْعُه، وشَرْعُنا بخِلافِه، فهو أَوْلَى. والبَيعُ لا يَشْتَمِلُ على مَصالِحِ النِّكاحِ، ولا يُقارِبُها. القسمُ الثالثُ، مَن لا شَهْوَةَ له؛
إمَّا لأنَّه لا شَهْوَةَ له كالعِنِّينِ، أو ذَهَبَتْ شَهْوَتُه لمَرَضٍ أو كِبَرٍ ونحوه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يُسْتَحَبُّ له النِّكاحُ؛ لما ذَكَرْنا.
والثاني، التَّخَلِّى له أفْضَلُ؛ فإنَّه لا يُحَصِّلُ مَصالِحَ النِّكاحِ، ويَمْنَعُ زَوْجَتَه مِن التَّحْصِينِ بغيرِه، ويُضِرُّ بها بحَبْسِها على نَفسِه، ويُعَرِّضُ نَفْسَه لواجِباتٍ وحُقُوقٍ لَعَلَّه لا يَقومُ بها، ويَشْتَغِلُ عن العِلْمِ والعِبادَةِ بما لا
فائِدَةَ فيه، والأخبارُ تُحْمَلُ على مَن له شَهْوَةٌ؛ لِما فيها مِن القَرائِنِ الدَّالَّةِ عليها.
فصل: وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا فَرْقَ بينَ القادِرِ على الإِنْفاقِ والعاجِزِ عنه، فإنَّه قال: يَنْبَغِي للرجلِ أن يَتَزَوَّجَ،
فإن كان عندَه ما يُنْفِقُ أنْفَقَ،
وإن لم يَكُنْ عندَه صَبَرَ،
ولو تَزَوَّجَ بِشْرٌ كانَ قد تَمَّ أمْرُه. واحْتَجَّ بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -[كانَ يُصْبِحُ وما عندَهم شيءٌ، ويُمْسِي وما عندَهم شيءٌ . ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -] زَوَّجَ رجلًا لم يَقْدِرْ على خاتَمِ حَديدٍ، ولا وَجَد إلَّا إزارَه، ولم يَكُنْ له رِداءٌ. أخْرَجَه البخاريُّ . قال أحمدُ في رجلٍ قَلِيلِ الكَسبِ، يَضْعُفُ قَلْبُه عن العِيالِ: اللهُ يَرْزُقُهُم، التزويجُ أحْصَنُ له، رُبَّما أتَى عليه وَقْتٌ لا يُمْكِنُ قَلْبَه الصَّبْرُ.
وهذا في حَقِّ مَن يُمْكِنُه التَّزْويجُ،
فأمَّا مَن لا يُمْكِنُه التَّزْويجُ ، فقد قال اللهُ تعالى:{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}.
٣٠٥٦ - مسألة: (وعن أحمدَ، أنَّ النِّكاحَ واجبٌ على الإِطْلَاقِ) واخْتارَه أبو بَكْرٍ عبدُ العزيزِ، وحَكاه عن أحمدَ. وحُكِي عن داودَ أنَّه يَجِبُ في العُمُرِ مَرَّةً؛ للآيَةِ والخَبَرِ.
والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّه ليس بواجِبٍ، إلَّا أن يَخافَ على نَفْسِه الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ بتَرْكِه، فيَلْزَمُه إعْفافُ نَفْسِه. وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى حينَ أمَرَ به عَلَّقَه على الاسْتِطابَةِ بقولِه:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}. والواجِبُ لا يَقِفُ على الاستِطابَةِ. وقال:{مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}.
ولا يَجِبُ ذلك بالاتِّفاقِ، فدَلَّ على أنَّ المُرادَ بالأمْرِ النَّدْبُ،
وكذلك الخَبَرُ يُحْمَلُ على النَّدْبِ أو على مَن يَخْشَى على نَفْسِه الوُقُوعَ في المَحْظُورِ بتَرْكِ النِّكاحِ. قال القاضي: وعلى هذا يُحْمَلُ كلامُ أحمدَ وأبي بكر في إيجابِ النِّكاحِ. والله أعلمُ. ٣٠٥٧ -
كِتَابُ النِّكَاحِ] [تَعْرِيفُ النِّكَاحِ] ١ كِتَابُ النِّكَاحِ النِّكَاحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَطْءُ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَسُمِّيَ التَّزْوِيجُ نِكَاحًا ; لِأَنَّهُ سَبَبُ الْوَطْءِ،
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو غُلَامُ ثَعْلَبٍ: الَّذِي حَصَّلْنَاهُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَعَنِ الْمُبَرِّدِ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ - أَنَّهُ الْجَمْعُ،
قَالَ الشَّاعِرُ:
أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْوَطْءُ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدَ، وَعَنِ الزَّجَّاجِيِّ أَنَّهُ بِمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا.
وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ: فَرَّقَتِ الْعَرَبُ فَرْقًا لَطِيفًا،
فَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ فُلَانَةً: أَرَادُوا تَزْوِيجَهَا،
وَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ امْرَأَتَهُ أَرَادُوا مُجَامَعَتَهَا.
وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ عَقْدُ التَّزْوِيجِ، فَعِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِهِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ دَلِيلٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّهُ الْأَشْهَرُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; وَلِهَذَا قِيلَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لَفْظُ النِّكَاحِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ إِلَّا قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَلِصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنِ الْوَطْءِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْمَجَازِ ; وَلِقَوْلِ الْعَرَبِ: أَنْكَحْنَا الْفَرَا فَسَتَرَى، أَيْ: أَضْرَبْنَا فَحْلَ حُمُرِ الْوَحْشِ آتُنَهُ، فَسَتَرَى مَا يَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْأَمْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْعُدَّةِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَتَحْرِيمُ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا الْأَبُ اسْتَنْفَدْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، قَالَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، و" الْفُرُوعِ "،
وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ،
ثُمَّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا ; لِأَنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ النِّكَاحِ بِإِزَاءِ الْعَقْدِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ أَهْلِ الْعَرَبِ، وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ،
وَلَوْ قُدِّمَ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ لَكَانَ اسْمًا عُرْفِيًّا، يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَنَصَّ الْقَاضِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا ; لِقَوْلِنَا بِتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الْأَبِ مِنْ غَيْرِ تَزْوِيجٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وَذَلِكَ لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ كَالْإِجَارَةِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}{وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى} وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
[حُكْمُ النِّكَاحِ] (النِّكَاحُ سُنَّةٌ) وَهُوَ مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ وَلَا يَخَافُ الزِّنَا ; لِأَنَّ فِعْلَهُ رَاجِحٌ عَلَى تَرْكِهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَّقَهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا (وَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ) كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ، وَنَحْوِهِمَا (إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ) أَيِ: الزِّنَا (بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَيُقْدِمُ عَلَى حَجٍّ وَاجِبٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، وَخَافَ الْعَنَتَ، فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ، وَيَكُونُ أَفْضَلَ لَهُ مِنَ الْحَجِّ، وَالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا، وَزَادَ أَحْمَدُ، فَبَلَغَ بِهِ إِلَى الْوُجُوبِ مَعَ الشَّرْطَيْنِ، وَهُمَا: أَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ، وَيَخَافَ الْعَنَتَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ
النِّكاحُ سُنَّةٌ. اعْلَمْ أنَّ للأصحابِ في ضَبْطِ أقْسامِ النِّكاحِ طُرُقًا، أشْهَرُها وأصَحُّها أنَّ النَّاسَ في النِّكاحِ على ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ القِسْمُ الأوَّلُ، مَن له شَهْوَةٌ ولا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يخافُ الزِّنَى. فهذا النِّكاحُ في حَقِّه مُسْتَحَبٌّ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ مِنَ الرِّوايتَين. قال الشَّارِحُ وغيرُه: هذا المَشْهورُ في المذهبِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، أنَّه واجِبٌ على الإطْلاقِ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وأبو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ، وابنُ أبِي مُوسى. وقدَّمه ناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»،. و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وحمَل القاضي الرِّوايَةَ الثَّانيةَ على مَن يخْشَى على نفْسِه مُواقعَةَ المَحْظُورِ بتَرْكِ النِّكاحِ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه لا فَرْقَ في ذلك بينَ الغَنيِّ والفَقيرِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. نصَّ عليه. نقَل صالِحٌ، يقْتَرِضُ ويتَزوَّجُ. وجزَم به ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ». قال الآمِدِي: يُسْتَحَبُّ في حقِّ الغَنِيِّ والفَقيرِ، والعاجِزِ والواجِدِ، والراغِبِ والزَّاهِدِ،
فإن أحمدَ تزَوَّجَ وهو لا يجِدُ القُوتَ.
وقيل: لا يَتَزَوَّجُ فقيرٌ إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ. وقيَّده ابنُ رَزِينٍ في «مُخْتَصَرِه» بمُوسِرٍ. وجزَم به في «النَّظْمِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ في هذه الأزْمِنَةِ. واخْتارَه صاحِبُ «المُبْهِجِ»، ويأْتِي كلامُه في تَعْدادِ الطُرُقِ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فيه نِزاعٌ في مذهبِ أحمدَ وغيرِه. القِسْمُ الثَّاني، مَن ليس له شَهْوَةٌ كالعِنِّينِ،
ومَن ذهَبَتْ شَهْوَتُه؛ لمَرَضٍ أو كِبَرٍ أو غيرِه. فعُمومُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا أنَّه سُنَّةٌ في حقِّه أيضًا. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم، وَالاشْتِغَالُ بِهِ أفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، إلا أنْ يَخَافَ عَلَى وهو إحْدَى الروايتَين، أو الوَجْهَين. واخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ» في بابِ الطلاقِ، و «الخِصالِ»، وابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «البُلْغةِ» وغيرِه. والقوْلُ الثَّانِي، هو في حقِّهم مُباحٌ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، في بابِ النِّكاحِ، وابنُ عَقِيل في «التَّذْكِرَةِ»، وابنُ البَنَّا، وابنُ بَطَّةَ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ». وجزَم به في «المُنَوِّرِ».
قال في «مُنْتَخبِه»: يُسَنُّ للتَّائقِ. وأطْلَقَهما في «المُغنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وقيل: يُكْرَهُ. وما هو ببَعيدٍ في هذه الأزْمِنَةِ. وحُكِيَ عنه، يجبُ. وهو وَجْهٌ في «التَّرْغِيبِ». قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كلامُ صاحبِ «المُحَرَّرِ» يدُلُّ على أنَّ رِوايَةَ وُجوبِ النِّكاحِ مُنْتَفِيَةٌ في حقِّ مَن لا شَهْوَةَ له.
وكذلك قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والأكْثَرُون.
ومِنَ الأصحابِ مَن طرَد فيه رِوايَةَ الوُجوبِ أيضًا. نقلَه صاحِبُ «التَّرْغِيبِ». وهو مُقْتَضَى إطْلاقِ الأكْثَرَين. ويأْتِي التَّنْبِيهُ على ذلك في تَعْدادِ الطُّرُقِ. القِسْمُ الثالثُ، مَن خافَ العنَتَ. فالنِّكاحُ في حقِّ هذا واجِبٌ قوْلًا واحدًا. إلَّا أنَّ ابنَ عَقِيلٍ ذكَر رِوايةً، أنَّه غيرُ واجِبٍ. ويأْتي كلامُه في تَعْدادِ الطُّرُقِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: ولعَلَّه أرادَ بخَوْفِ العَنَتِ خَوْفَ المَرَضِ أو المَشَقَّةِ، لا خَوْفَ الزِّنَى،
فإنَّ العَنَتَ يُفَسَّرُ بكُلِّ واحدٍ مِن هذه.
تنبيهات؛ أحدُها، العَنَتُ هنا هو الزِّنَى، على الصَّحيحِ.
وقيل: هو الهَلاكُ بالزِّنَى. ذكَرَه في «المُسْتَوْعِبِ». الثَّاني، مُرادُه بقوْلِه: إلَّا أنْ يَخافَ على نفسِه نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ.
مُواقَعَةَ المَحْظورِ. إذا عَلِمَ وُقوعَ ذلك أو ظَنَّه. قاله. الأصحابُ.
وقال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعَ»: ويتوَجَّه، إذا عَلِمَ وُقوعَه فقط. الثَّالثُ، هذه الأقْسامُ الثَّلاثَةُ هي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحُّ الطُّرُقِ، وهي طَريقَةُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، وغيرِهما. قال الزَّرْكَشِيُّ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هي الطَّريقَةُ المَشْهورَةُ.
وقال ابنُ شَيخِ السَّلامِيَّةِ في «نُكَتِه» على «المُحَرَّرِ»: وَعَنْهُ، أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الإطْلَاقِ.
ذكَر غيرُ واحدٍ مِن أصحابِنا في وُجوبِ النِّكاحِ رِوايتَين، واخْتَلفُوا في محَلِّ الوُجوبِ؛ فمنهم مَن أطْلَقه ولم يُقَيِّدْه بحالٍ. وهذه طريقَةُ أبِي بَكْرٍ، وأبِي حَفصٍ، وابنِ الزَّاغُونِيِّ.
قال في «مُفْرَداتِه»: النِّكاحُ واجِبٌ، في إحْدَى الرِّوايتَين.
وكذلك أطْلَقه القاضي أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ في «مُفْرَداتِه»، وأبو الحُسَينِ، وصاحِبُ «الوَسِيلَةِ». وقد وقَع ذلك في كلامِ أحمدَ، لمَّا سُئِلَ عن التَّزْويجِ فقال: أراه واجِبًا.
وأشارَ إلى هذا أبو البَرَكاتِ؛
حيثُ قال: وعنه، الوُجوبُ مُطْلَقًا.
قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وصاحِبِ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
قلتُ: وهو ضعيفٌ جدًّا في مَن لا شَهْوَةَ له. قال: ومنهم مَن خصَّ الوُجوبَ بمَن يجِدُ الطَّوْلَ ويخافُ العَنَتَ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: فهذا يجبُ عليه النِّكاحُ، رِوايَةً واحدَةً.
وكذا قال في «التَّرْغيبِ»، وابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجَوْزِيِّ، وأبو البَرَكاتِ. وعليها حمَل القاضي إطْلاقَ أحمدَ، وأبِي بَكْرٍ.
قلتُ: وقيَّده ابنُ عَقِيل بذلك أيضًا،
وأنَّ الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ قال: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ والأكْثَرِين أنَّ ذلك غيرُ مُعْتَبَرٍ. واخْتارَ ابنُ حامِدٍ عدَمَ الوُجوبِ حتى في هذه الحالةِ.
قلتُ: الذي يظْهَرُ أنّ هذا خَطَأٌ مِنَ النَّاقِلِ عنه.
ومِن أصحابِنا مَن أجْرَى الخِلافَ فيه، فحكَى ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ» -في وُجوبِ النِّكاحِ على مَن يخافُ العَنَتَ ويجدُ الطَّوْلَ- رِوايتَين. ومنهم مَن جعَل محَلَّ الوُجوبِ في الصُّورَةِ الأُوْلَى وهذه الصُّورَةِ. ومنهم مَن جعَل الخِلافَ في الصُّورَةِ الثَّانيةِ، وهو مَن يجدُ الطَّوْلَ ولا يخافُ العَنَتَ، و [له شَهْوَةٌ]. فههنا جعل محَلَّ الخِلافِ غيرُ واحدٍ، وحَكَوْا فيه رِوايتَين. وهذه طريقَةُ القاضي، وأبي البَرَكاتِ. وقطَع الشّيخُ مُوَفَّقُ الدِّين بعَدَمِ الوُجوب مِن غيرِ خِلافٍ،
وكذلك القاضي في «الجامِعِ الكَبِيرِ»، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ». واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ. قالُوا : ويدُلُّ على رُجْحانِها في المذهبِ أنَّ أحمدَ لم يتزَوَّجْ حتى صارَ له أرْبَعُون سَنَةً، مع أنَّه كان له شَهْوَةٌ. ومنهم مَن جعَل محَلَّ الوُجوبِ في الصُّورَتَين المُتقَدِّمتَين،
وفي صُورَةٍ ثالثةٍ؛ وهو مَن يجدُ الطَّوْلَ ولا شهْوةَ له. حكاه في «التَّرْغِيبِ». قال أبو العَبَّاسِ: وكلامُ القاضي وتَعْليلُه يقْتَضِي أنَّ الخِلافَ في الوُجوبِ ثابِت،
وإنْ لم يكُنْ له شَهْوَةٌ. ومنهم مَن جعَل محَلَّ الوُجوبِ القُدْرَةَ على النَّفَقَةِ والصَّداقِ.
قال في «المُبْهِجِ»: النِّكاحُ مُسْتحَبٌّ، وهل هو واجِب أمْ لا؟ يُنْظَرُ فيه؛
فإنْ كان فقِيرًا لا يقْدِرُ على الصَّداقِ، ولا على ما يقُومُ بأَوَدِ الزَّوْجَةِ، لم يجِبْ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايَةً واحِدةً. وإنْ كان قادِرًا مُسْتَطِيعًا، ففيه رِوايَتان؛ لا يجِبُ. وهي المَنْصورَةُ. والوُجوبُ.
قال: قلتُ: ونازَعَه في ذلك كثيرٌ مِنَ الأصحابِ. ومنهم مَن أضافَ قيدًا آخَرَ، فجَعل الوُجوبَ مُخْتَصًّا بالقُدْرَةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ. قال أبو العَبَّاسِ: إِذا خَشِيَ العَنَتَ جازَ له التَّزَوُّجُ بالأَمَةِ، مع أنَّ تَرْكَه أفْضَلُ، أو مع الكَراهَةِ وهو يخافُ العَنَتَ، فيكونُ الوُجوبُ مَشْروطًا بالقُدْرَةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ.
قلتُ: قدَّم في «الفُروعِ» أنَّه لا يجِبُ عليه نِكاحُ الحُرَّةِ. قال القاضي، وابنُ الجَوْزِيِّ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم: يُباحُ ذلك، والصبْرُ عنه أوْلَى.
وقال في «الفُصول»: في وُجوبِه خِلافٌ. واخْتارَ أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ الوُجوبَ.
قلتُ: الصَّوابُ أَنَّه يجِبُ إِذا لم يجِدْ حُرَّةً. ومنهم مَن جعَل الوُجوبَ مِن باب وُجوبِ الكِفايَةِ لا العَينِ. قال أبو العَبَّاسِ: ذكَر أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ، في ضِمْنِ مَسْأَلَةِ التَّخَلِّي لنَوافِلِ العِبادَةِ: إِنَّا إذا لم نُوجِبْه على كلِّ أحَدٍ، فهو فَرْضٌ على الكِفايَةِ.
قلتُ: وذكَر أبو الفَتْحِ ابنُ المَنِّيِّ أيضًا أن النِّكاحَ فَرْضُ كِفايَةٍ، فكان الاشْتِغالُ به أوْلَى كالجِهادِ. قال: وكان القِياسُ يقْتَضِي وُجوبَه على الأعْيانِ، ترَكْنَاه للحَرَجِ والمَشَقَّةِ. انتهى. وانتهى كلامُ ابنِ خَطِيبِ السَّلامِيَّةِ مع ما زِدْنا عليه فيه.
فوائد؛ الأُولَى، حيثُ قُلْنا بالوُجوبِ،
فإنَّ المَرْأةَ كالرَّجُلِ في ذلك. أشارَ إليه أبو الحُسَينِ، وأبو حَكيم النَّهْرَوانِي، وصاحِبُ «الوَسِيلةِ». قاله ابنُ خَطِيبِ السَّلامِيَّةِ. الثَّانيةُ، على القَوْلِ بالوُجوبِ، لا يكْتَفِي بمَرَّةٍ واحِدَةٍ في العُمُرِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال ابنُ خَطِيبِ السَّلامِيَّةِ في «النُّكَتِ»: جُمْهورُ الأصحابِ أنه لا يَكْتَفِي بمَرَّةٍ واحِدَةٍ، بل يكونُ النِّكاحُ في مَجْموعِ العُمُرِ؛ لقوْلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ: ليستِ العُزوبَةُ في شيءٍ مِن أمْرِ الإسلامِ. وقدَّم في «الفُروعِ» أنَّه لا يَكْتَفِي بمَرَّةٍ واحِدَةٍ.
وقال أبو الحُسَينِ في «فُرُوعِه»: إذا قُلْنا بالوُجوبِ، فهل يسْقُطُ الأَمْرُ به في حقِّ الرجُلِ والمَرْأةِ بمَرَّةٍ واحِدَةٍ، أمْ لا؟ ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يسْقُطُ؛ لقَوْلِ أحمدَ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليستِ العُزوبَةُ مِنَ الإسلامِ. وهذا الاسمُ لا يزُولُ بمَرَّةٍ.
وكذا قاله صاحِبُ «الوَسيلَةِ»، وأبو حَكِيم النَّهْرَوانِيُّ.
وفي «المُذْهَبِ» لابنِ الجَوْزِيِّ وغيرِه، يُكْتَفَى بالمَرَّةِ الواحِدَةِ لرَجُلٍ وامْرأَةٍ. وجزَم به في «عُيونِ المَسائلِ»،
وقال: هذا على رِوايَةِ وُجوبِه. ونقَل ابنُ الحَكَمِ، أنَّ أحمدَ قال: المُتَبتِّلُ الذي لم يَتزَوَّجْ قطُّ.
قلتُ: ويَنْبَغِي أنْ يتمَشَّى هذا الخِلافُ على القوْلِ بالاسْتِحبابِ أيضًا. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الفُروعِ»،
بخِلافِ صاحِبِ «النُّكَتِ». الثَّالثةُ، وعلى القولِ بوُجوبِه، إذا زاحَمَه الحَجُّ الواجِبُ؛ فقد تقدَّم لو خافَ العَنَتَ مَن وجَب عليه الحَجُّ، في كِتابِ الحَجِّ، وذكَرْنا هناك الحُكْمَ والتَّفْصِيلَ، فليُراجَعْ. الرَّابعةُ، في الاكْتِفاءِ بالعَقْدِ اسْتِغْناءً بالباعِثِ الطَّبْعِيِّ عنِ الشَّرْعِيِّ، وَجْهان. ذكَرَهما في «الواضِحِ». وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الفائقِ». قال ابنُ عَقِيلٍ في «المُفْرَداتِ»: قِياسُ المذهبِ عندِي يقْتَضِي إيجابَه شَرْعًا، كما يجبُ على المُضْطَرِّ تمَلُّكُ الطَّعامِ والشَّرابِ وتَناوُلُهما. قال ابنُ خَطِيبِ السَّلامِيَّةِ في «نُكَتِه على المُحَرَّرِ»: وحيثُ قُلْنا بالوُجوبِ، فالواجِبُ هو العَقْدُ.
وأمَّا نَفْسُ الاسْتِمْتاعِ، فقال القاضي: لا يجِبُ، بل يُكْتَفَى فيه بداعِيَةِ الوَطْءِ. وحيثُ أوْجَبْنا الوَطْءَ، فإنَّما هو لإِيفاءِ حَقِّ الزَّوْجَةِ لا غيرُ. انتهى. الخامسةُ، ما قاله أبو الحُسَينِ: هل يَكْتَفِي عنه بالتَّسَرِّي؟ فيه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهان. وتابعَه في «الفُروعِ». وأطْلَقهما في «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». قال ابنُ أبي المَجْدِ في «مُصَنَّفِه»: ويُجْزِيء عنه التَّسَرِّي في الأصحِّ
قال في «القَواعِدِ الأُصولِيَّةِ»: والذي يظهَرُ الاكْتِفاءُ. [قال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حواشِي الزَّرْكَشِيِّ»: أصحُّهما، لا ينْدَفِعُ. فليتَزوَّجْ. فأمَرَ بالتَّزوُّجِ] .
وقال ابنُ خَطِيبِ السَّلامِيَّةِ: فيه احْتِمالان، ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ في «المُفْرَداتِ»، وابنُ الزَّاغُونِيِّ.
ثم قال: ويشْهَدُ لسُقوطِ النِّكاحِ قوْلُه تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ}. انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقال بعضُ الأصحابِ: الأظهَرُ أن الوُجوبَ يسْقُطُ مع خَوْفِ العَنَتِ،
وإنْ لم يسْقُطْ مع غيرِه. السَّادسةُ، على القولِ باسْتِحْبابِه، هل يجِبُ بأمْرِ الأبوَين، أو بأمْرِ أحَدِهما به؟ قال أحمدُ، في رِوايَةِ صالحٍ وأبي داودَ: إنْ كان له أبَوانِ يأمُرَانِه بالتَّزْويجِ أمَرْتُه أنْ يتَزَوَّجَ، أو كان شابًّا يخاف على نفْسِه العَنَتَ أمَرْتُه أنْ يتزَوَّجَ. فجَعل أمْرَ الأبوَين له بذلك بمَنْزِلَةِ خَوْفِه على نفْسِه العَنَتَ.
وقال أحمدُ: والذي يحْلِفُ بالطَّلاقِ؛ لا يتزَوَّجُ أبدًا، إنْ أمرَه أبُوه تزَوَّجَ. السَّابعةُ، وعلى القوْلِ أيضًا بعدَمِ وُجوبِه، هل يجِبُ بالنَّذْرِ؟ صرَّح أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ في «مُفْرَداتِه» أنَّه يَلْزَمُه بالنَّذْرِ.
قلتُ: وهو داخِلٌ في عُموماتِ كلامِهم في نَذْرِ التَّبَرُّرِ. الثَّامِنةُ، يجوزُ له النِّكاحُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بدارِ الحَرْبِ للضَّرُورَةِ، على الصَّحيحِ كِل مِنَ المذهبِ. ونقَل ابنُ هانِئٍ، لا يتزَوَّجُ وإنْ خافَ،
وإنْ لم تكُنْ به ضَرُورَةٌ للنِّكاحِ فليس له ذلك، على الصَّحيحِ.
وقال ابنُ خَطيبِ السَّلامِيَّةِ في «نُكَتِه»: ليس له النِّكاحُ، سواءٌ كان به ضَرُورَةٌ أوْ لا؟ قال الزَّرْكَشِيُّ: فعلى تعْليلِ أحمدَ، لا يتزَوَّجُ ولا مسْلِمَةً. ونصَّ عليه في رِوايَةِ حَنْبَلٍ. ولا يطَأُ زوْجتَه إنْ كانتْ معه. ونصَّ عليه في رِوايَةِ الأَثْرَمِ وغيرِه. وعلى مُقْتَضَى تعْلِيلِه، له أنْ يتَزوَّجَ آيِسَةً أو صغيرَةً؛ فإنه علَّلَ،
وقال: مِن أجْلِ الوَلَدِ؛ لِئَلَّا يُسْتَعْبَدَ.
وقال في «المُغْنِي»، في آخِرِ الجِهادِ: وأمَّا الأسِيرُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لا يحِلُّ له التَّزَوُّجُ ما دامَ أسِيرًا.
وأمَّا الذي يدْخُلُ إليهم بأمانٍ؛ كالتَّاجِرِ ونحوه، فلا ينْبَغِي له التَّزَوُّجُ.
فإنْ غَلبَتْ عليه الشَّهْوَةُ أُبِيحَ له نِكاحُ مُسْلِمَةٍ، ولْيَعْزِلْ عنها، ولا يتَزَوَّجُ منهم. انتهى.
وقيل: يُباحُ له النِّكَاحُ مع عدَمِ الضَّرُورَةِ. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، فقال: وله النِّكاحُ بدارِ حَرْبٍ ضَرُورَةً، وبدُونِها وَجْهان. وكَرِهَه أحمدُ،
وقال: لا يتزَوَّجُ ولا يتَسَرَّى إلَّا أنْ يُخافَ عليه.
وقال أيضًا: ولا يطْلُبُ الوَلَدَ. ويأْتِي، هل يُباحُ نِكاحُ الحَرْبِيَّاتِ، أم لا؟ في بابِ المُحَرَّماتِ في النِّكاحِ.
تنبيه: حيثُ حَرُمَ نِكاحُه بلا ضَرُورَةٍ وفعَل، وجَب عزْلُه، وإلَّا اسْتُحِبَّ عزْلُه. ذكَرَه في «الفُصولِ».
قلتُ: فيُعايىَ بها. والاشْتِغالُ به أفضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لنَوافِلِ العِبادَةِ. يعْنِي حيثُ قُلْنا: يُسْتَحَبُّ. وكان له شَهْوَةٌ. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا. نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ
وَيُسْتَحَبُّ تَخَيُّرُ ذَاتِ الدِّينِ، الْوَلُودِ، الْبِكْرِ، الْحَسِيبَةِ، الْأَجْنَبِيَّةِ.
الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقال أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ: لا يكونُ أفْضَلَ مِنَ التَّخَلِّي إلا إذا قصَد به المَصالِحَ المَعْلومَةَ،
أمَّا إذا لم يقْصِدْها فلا يكونُ أفْضَلَ.
وعنه، التَّخَلِّي لنَوافِلِ العِبادَةِ أفْضَلُ، كما لو كان معْدومَ الشَّهْوَةِ. حكاها أبو الحُسَينِ في «التَّمامِ»، وابنُ الزَّاغُونِيِّ. واخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ في «المُفْرَداتِ». وهي احْتِمالٌ في «الهِدايَةِ»،
ومَن تابَعَه. وذكَر أبو الفَتْحِ ابنُ المَنِّيِّ، أنَّ النِّكاحَ فَرْضُ كِفايَةٍ، فكان الاشْتِغالُ به أوْلَى كالجِهادِ. كما تقدَّم.
كتاب النكاح] النكاح في اللغة: الجمع. ومنه قولهم: أنكحنا الفرى فسنرى. أي جمعنا حمار الوحش وأمه فسيرى ما يتولد منهما. يضرب مثلاً للأمر يجتمعون له ثم يفترقون عنه.
ومنه قول الشاعر:
أنكحت ضم خفاها خف يَعْمَلَةٍ أي جمعت بين خفيها وبين خف الناقة.
ومنه قول الشاعر:
أيها المنكح الثُّرَيّا سُهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان أي فكيف يجتمعان.
وفي الشرع: هو العقد. وقيل: هو الوطء.
وقال القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقة فيهما؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب بملك اليمين أو شبهه؛ لدخوله في قوله تعالى:{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف}.
والصحيح أنه العقد؛ لأنه أشهر استعمالاً.
ولأنه يصح نفيه عن الوطء؛ لأنه يقال في الزنا: سفاح. وليس بنكاح. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم:«وُلدتُ من نكاحٍ لا منْ سِفَاح».
ولأنه يقال في السُّرية: ليست بزوجة ولا منكوحة.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}.
وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام:«يا معشرَ الشباب! من استطاعَ منكمُ الباءَةَ فليتزوّج .. مختصر» متفق عليه.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على مشروعيته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (النكاح سنة. والاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ إلا أن يخاف على نفسه مُواقعة المحظور بتركه فيجب عليه. وعنه: أنه واجب على الإطلاق) .
أما كون النكاح سنة إذا لم يخف على نفسه مواقعة المحظور على المذهب؛
فلأن فعله راجح على تركه مع جواز تركه:
أما رجحان فعله؛ فلأن الله ورسوله أمرا به. وأدنى أحوال الأمر رجحان الفعل.
ولأن في فعله خروجاً عن العهدة الآتي ذكرها بعد.
وأما جواز تركه؛ فلأن الله تعالى علّقه بالاستطابة فقال:{فانكحوا ما طاب لكم من النساء}. والواجب لا يعلق على الاستطابة.
ولأن تكملة الآية:{مثنى وثلاث ورباع}. ولا خلاف في أنه لا يجب زيادة على واحدة.
وأما كون الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ فلأن الله تعالى أمر به رسوله.
وقال عليه السلام:«ولكني أصومُ وأفطرُ، وأصلِّي وأرْقُدُ، وأتزوجُ النساء. فمن رغبَ عن سُنتي فليسَ مني».
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج وبالغ في العدد. وفعل ذلك أصحابه. ولا يَشْتغل هو ولا أصحابه إلا بالأفضل. وعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: «هل تزوَّجتَ؟ قلتُ: لا. قال: فتزوّجْ. فإنّ خيرَ هذه الأمةِ أكثرُها نساءً». أخرجه البخاري.
ولأن مصالحه أكثر: فإنه يشتمل على إحراز الدين، وتحصين المرأة، وحفظها، والقيام بواجبها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من المصالح الراجح إحداها على العبادة. فمجموعها أولى.
فإن قيل: هل يدخل من لا شهوة له في الأصل؛ كالعِنّين، أو من خلقت له ثم ذهبت بكبر أو مرض؟
قيل: فيه وجهان:
أحدهما: يستحب له النكاح. وهو ظاهر كلام المصنف.
وقال القاضي: هو ظاهر أحمد.
ووجه ذلك ما تقدم من العموم. وقد جاء:«من دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير أمر الإسلام».
والثاني: المستحب لهذا التخلي لنوافل العبادة والاشتغال بشأنه؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعلّه لا يتمكن من أدائها مع عدم حاجته إلى سبب ذلك. ويمنع زوجته من التحصين بغيره ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا
فائدة فيه. والعمومات المتقدمة محمولة على من له شهوة لما فيها من القرائن الصارفة إليه.
وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين القادر والعاجز «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبحُ وما عندهُم شيء، ويمسي وما عندهُم شيء».
و«لأنه عليه السلام زوّج رجلاً لم يقدر على خاتم حديد، ولا وجدَ إلا إزارَه ولم يكن له ردَاء». أخرجه البخاري. ولأن الله هو الرزاق. وربما كان التزويج سبباً لغناه.
وأما كون من يخاف على نفسه مواقعة المحظور وهو الزنا بترك النكاح يجب عليه؛ فلأن صون النفس عن الحرام واجب، والنكاح طريق إليه. فيجب دفعا لذلك الحرام.
وأما كونه واجباً على الإطلاق على روايةٍ؛ فلظاهر قوله تعالى:{فانكحوا}، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«تناكَحُوا تناسَلُوا».
والأول أصح؛ لما تقدم. وما ذكر محمول على الندب؛ لما تقدم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.