وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ، وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا
الشروح عليها
بابُ نِكَاحِ الكُفَّارِ (وحُكمُه حُكْمُ نِكاحِ المسلمين فيما يَجِبُ به وتَحريمِ المحرماتِ) وجملةُ ذلك، أنَّ أنْكِحَتَهم يتَعَلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ الصَّحِيحِ، مِن وُقُوعِ الطَّلاقِ، والظِّهارِ، والإِيلاءِ، ووُجُوبِ المَهْرِ، والقَسْمِ، والإِباحَةِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، والإِحْصانِ، وغيرِ ذلك. وممَّن أجازَ طَلاقَ الكُفَّارِ؛ عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ولم يُجَوِّزْهُ الحسنُ، وقَتادَةُ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ. ولَنا، أنَّه طَلَاقٌ مِن بالِغٍ عاقلٍ في نكاحٍ صحيحٍ، فَوَقَعَ، كطَلَاقِ المسلمِ،
فإن قِيلَ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أنْكِحَتِهم. قُلْنا: دليلُ ذلك أنَّ اللهَ تَعالى أضافَ النِّساءَ إليهم، فقال:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ}. وقال:{امْرَأَت فِرْعَوْنَ}. وحَقِيقةُ الإِضافةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صحيحةً.
[وقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -]: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ».
وإذا ثَبَت صِحَّتُها، ثَبَتَتْ أحكامُها، كأَنْكِحةِ المسلمينَ. فعلى هذا، إذا طَلَّقَ الكافرُ ثلاثًا، ثمَّ تَزَوَّجَها قبلَ زَوْجٍ وإصَابَةٍ، ثمَّ أسْلَما، لم يُقَرَّا عليه.
وإن طَلَّقَ امْرأتَه أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، ثمَّ أسْلَما، فهي عندَه على ما بَقِيَ مِن طَلاقِها،
وإن نَكَحَها كِتَابِيٌّ وأصابَها، حَلَّتْ لمُطَلِّقِها ثَلاثًا، سواءٌ كان المُطَلِّقُ مُسْلِمًا أو كافِرًا،
وإن ظاهَرَ الذِّمِّيُّ مِن امْرأَتِه، ثمَّ أسْلَما، فعليه كَفَّارةُ الظِّهارِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} الآية.
فإن آلَى، ثَبَتَ حُكْمُ الإِيلاءِ، لِقَوْلِه تَعالى:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}.
ويَحْرُمُ عليهم في النِّكاحِ ما يَحْرُمُ على المسلمين، على ما ذَكَرْنا في بابِ المُحَرَّمَاتِ في النِّكاحِ. ٣٢١١ - مسألة: (وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، ما اعْتَقَدوا حِلَّها، ولم يَرْتَفِعُوا إلينا) إنَّما يُقَرُّونَ بهذَين الشَّرطَين؛ أحدُهما، أن لا يَتَرافَعُوا إلينا. الثاني، أن يَعْتَقِدُوا إباحَةَ ذلك في دينِهم؛ لأنَّ ما لا يعْتَقِدُون حِلَّه ليسَ مِن دِينِهم، فلا يُقَرُّونَ عليه، كالزِّنى، والسَّرِقَةِ، قال اللهُ تَعالى:{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيئًا}.
فيَدُلُّ هذا على أنَّهم يُخَلَّوْنَ وأحْكامَهم إذا لم يَجِيئُوا إلينا. ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ ، ولم يَعْتَرِضْ عليهم في أنْكِحَتِهم، مع عِلْمِه أنَّهم يَسْتَبِيحُون نِكاحَ محارِمِهِم. ولأنَّه أسْلَمَ خَلْقٌ كثيرٌ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأقَرَّهم على أنْكِحَتِهم، ولم يكْشِفْ عن كَيفِيَّتِها.
فإذا لم يَرْتَفِعُوا، لم نَتَعَرَّضْ لهم؛ لأنَّا صَالحْناهم على الإِقْرَارِ على دِينِهم.
بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ] [حُكْمُ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ] بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ (وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ، وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ) أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ: مِنْ وُقُوعِ الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْقَسْمِ وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ،
وَكَذَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَاقِلٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ، وَدَلِيلُ صِحَّتِهِ قَوْله تَعَالَى:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} و {امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} وَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ، لَا مِنْ سِفَاحٍ» وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا ثَبَتَ أَحْكَامُهَا كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ الْكَافِرُ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَأَصَابَهَا ثُمَّ أَسْلَمَا، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ،
وَلَوْ طَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَهِيَ عِنْدُهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا،
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا ذُكِرَ فِي بَابِهِ. (وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا) فِي شَرْعِهِمْ (وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ أَسْلَمَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ كَيْفِيَّتِهَا خُصُوصًا أَهْلَ هَجَرَ ; لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ ; وَلِأَنَّ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ، فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَالزِّنَا، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ عَقَدَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ: إِنَّهُ يُقَرُّ مَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا
وحُكْمُه حُكْمُ نِكاحِ المُسْلِمِين فيما يجبُ به وتحْرِيمِ المُحَرَّماتِ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به أكثرُهم.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: حُكْمُه حُكْمُ نِكاحِ المُسْلِمِين في ظاهِرِ المذهبِ. وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا، وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَينَا. ويُقَرُّون على الأنْكِحَةِ المُحَرَّمَةِ، ما اعْتَقَدُوا حِلَّها، ولم يرْتَفِعُوا إلَينا. هذا المذهبُ بهذين الشَّرْطَين. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وعنه في مَجُوسِيٍّ تزَوَّجَ كِتابِيَّةً، أو اشْتَرَى نَصْرانِيَّةً، يحُولُ الإِمامُ بينَهما. فيُخَرَّجُ مِن هذا، أنَّهم لا يُقَرُّون على نِكاحٍ مُحَرَّمٍ. وهو لأبِي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»،
قال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: لا يُقَرُّون على ما لا مَساغَ له في الإِسْلامِ؛ كنِكاحِ ذاتِ المَحارِمِ، ونِكاحِ المَجُوسِيِّ الكِتابِيَّةَ ونحوه. وتقدَّم في بابِ المُحَرَّماتِ في
وَعَنْهُ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، أَو اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً، يَحُولُ بَينَهُمَا الْإِمَامُ. فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا، أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ.
النِّكاحِ: هل يجوزُ للمَجُوسِيِّ نِكاحُ الكِتابِيَّةِ؟
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: والصَّوابُ أنَّ أنْكِحَتَهم المُحَرَّمَةَ في دِينِ الإِسْلامِ حرامٌ مُطْلَقًا،
فإذا لم يُسْلِمُوا، عُوقِبُوا عليها،
وإنْ أسْلَموا، عُفِيَ لهم عنها؛ لعدَمِ اعْتِقادِهم تحْرِيمَه.
وأمَّا الصِّحَّةُ والفَسادُ، فالصَّوابُ أنَّها صحيحةٌ مِن وَجْهٍ، فاسِدَةٌ مِن وَجْهٍ؛
فإنْ أُرِيدَ بالصِّحَّةِ إباحةُ التَّصَرُّفِ، فإنَّما يُباحُ لهم بشَرْطِ الإِسْلامِ،
وإنْ أُرِيدَ نفُوذُه وترتُّبُ أحْكامِ الزَّوْجِيَّةِ عليه، مِن حُصولِ الحِلِّ به للمُطَلِّقِ ثلاثًا، ووُقوعِ الطَّلاقِ فيه، وثُبوتِ الإِحْصانِ به، فصَحِيحٌ. وهذا ممَّا يُقَوِّي طريقَةَ مَنْ فرَّق بينَ أنْ يكونَ التَّحْرِيمُ لعَينِ المرْأَةِ، أو لوَصْفٍ؛ لأنَّ ترَتُّبَ هذه الأحْكامِ على نِكاحِ المَحارِمِ بعيدٌ جدًّا. وقد أطْلَقَ أبو بَكْرٍ، وابنُ أبِي مُوسى، وغيرُهما صِحَّةَ أنْكِحَتِهم مع تَصْريحِهم بأنَّه لا يحْصُلُ الإِحْصانُ بنِكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ تعالى، أيضًا: رأَيتُ لأصحابِنا في أنْكِحَتِهم أرْبَعَةَ أقْوالٍ؛ أحدُها، هي صحيحةٌ. وقد يُقالُ: هي في حُكْمِ الصِّحَّةِ.
والثَّاني، ما أُقِرُّوا عليه، فهو صحيحٌ، وما لم يُقَرُّوا عليه، فهو فاسِدٌ. وهو قوْلُ القاضي في «الجامِعِ»، وابنِ عَقِيلٍ، وأبِي محمدٍ.
والثَّالثُ، ما أمْكَنَ إقْرارُهم عليه، فهو صحيحٌ، ومالا فلا. والرَّابعُ، أنَّ كلَّ ما فسَد مِن فإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَرَافَعُوا إِلَينَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، لَمْ نُمْضِهِ إلا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ،
وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيفِيَّةِ مَناكِحِ المُسْلِمِين، فسَد مِن نِكاحِهم. وهو قولُ القاضي في «المُجَرَّدِ». انتهى.
باب نكاح الكفار] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وحكمه حكم نكاح المسلمين فيما يجب به، وتحريم المحرمات. ويُقرون على الأنكحة المحرمة ما اعتقدوا حلها ولم يرتفعوا إلينا. وعنه: في مجوسي تزوج كتابية أو اشترى نصرانية: يحول بينهما الإمام فيَخْرج من هذا أنهم لا يُقرون على نكاح مُحَرَّم) .
أما كون حكم نكاح الكفار حكم نكاح المسلمين فيما ذكر؛ فلأن أنكحتهم صحيحة؛ لأن الله تعالى أضاف النساء إليهم فقوله:{وامرأته حمالة الحطب}، وقوله:{امرأة فرعون}. وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«وُلدتُ من نكاحٍ لا من سِفَاح».
وإذا كانت صحيحة وجب فيها ما يجب في أنكحة المسلمين وحرم فيها ما يحرم فيها، لاشتراكهما في الصحة.
فعلى هذا يقع طلاقهم ويصح ظهارهم وإيلاؤهم
ويجب المهر بعقدهم والقَسْم وتحصل الإباحة للزوج الأول وغير ذلك من الأحكام.
قال: ويقرون على الأنكحة الفاسدة ما اعتقدوا حلها ولم يرتفعوا إلينا على المذهب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر». ولم يتعرض لأنكحتهم مع علمه بأنهم يستبيحون نكاح محارمهم. ولا يقرونهم على كفرهم فلأن يقرون على نكاح يعتقدون حله بطريق الأولى.
وأما كون المجوسي إذا تزوج كتابية أو اشترى نصرانية يحول بينهما الإمام على روايةٍ؛ فلأنه نكاح فاسد. أشبه المسلم إذا نكح نكاحاً فاسداً.
وأما كونه يُخَرَّج من هذا أن الكفار لا يقرون على نكاح محرّم؛ فلأن الحيلولة المذكورة تقتضي عدم الإقرار، وإنما كان كذلك لكون النكاح فاسدا، وهذا موجود في نكاح غير المجوسي.
فإن قيل: قد نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه يملك الحيلولة المذكورة لأن النصارى لهم كتاب. وعلل أبو بكر بأن علينا في ذلك ضرراً يعني تحريم أولاد النصرانية.
قيل: في التخريج على ذلك إذاً نظر لأن ظاهر تعليل الإمام وأبي بكر ينفي هذا التخريج لأن الحيلولة إذا كانت لمعنى وجب أن يكون في المُخَرَّج. وكلا التعليلين مفقود في الأنكحة الفاسدة لأن من نكاحها يحرم لها دين ولا يحرم نكاح ولدها . فوجب اقتصار الحيلولة على المنصوص لانتفاء العلة المقتضية للحيلولة في غيره.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.