وَإِنْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَالًا مَغْصُوبًا - صَحَّ النِّكَاحُ
الشروح عليها
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإن أصْدَقَها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا أو مَالًا مَغْصُوبًا، صَحَّ النِّكاحُ، وَوَجَب مَهْرُ المِثْلِ) نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال عامَّةُ الفقهاءِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وحُكِيَ عن أبي عُبَيدٍ أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ. اخْتارَه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. ورُوِيَ عن أحمدَ نحوُ ذلك، فإنَّه
قال في رِوايةِ المَرُّوذِيِّ: إذا تَزَوَّجَ على مالٍ غيرِ طَيِّبٍ، فكَرِهَه. فقلتُ: تَرَى اسْتِقْبال النِّكاحِ؟ فأعْجَبَه. وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه يَثْبُتُ إذا دَخَل بها،
وإن كان قَبْلَه فُسِخَ. قالوا: لأنَّه نِكاحٌ جُعِلَ الصَّدَاقُ فيه مُحَرَّمًا، فأشْبَه نِكاحَ الشِّغَارِ. ولَنا، أنَّه نِكاحٌ لو كان عِوَضُه صحيحًا، كان صحيحًا، فوَجَب أن يَصِحَّ وإن كان عِوضُه فاسدًا، كما لو كان مجْهُولًا. ولأنَّه عَقْدٌ لا يَبْطُلُ بجهالةِ العِوَضِ، فلا يَفْسُدُ بتَحْريمِه، كالخُلْعِ، ولأنَّ فسادَ العِوَضِ لا يَزِيدُ على عَدَمِه،
ولو عُدِمَ كان العَقْدُ صحيحًا، فكذلك إذا فَسَدَ. وكلامُ أحمدَ في رِوايةِ المَرُّوذِيِّ محمولٌ على الاسْتِحْبابِ،
فإنَّ مسْألةَ المرُّوذِيِّ في المالِ الذي ليس بطَيِّبٍ، وذلك لا يَفْسُدُ العَقْدُ بتَسْمِيَتِه فيه. وما حُكِيَ عن مالكٍ لا يَصِحُّ، وما كان فاسِدًا قبلَ الدُّخولِ فهو بعدَه فاسدٌ، كنِكاحِ ذواتِ المحارِمِ.
فأمّا إذا فَسَدَ الصَّداقُ لجهالتِه، أو عَدَمِه، أو العَجْزِ عن تَسْلِيمِه، فالنِّكاحُ ثابِتٌ. لا نَعْلَمُ فيه خلافًا.
فصل: ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي. وذلك لأنَّ فَسادَ العِوَضِ يَقْتَضِي رَدَّ العِوَضِ، وقد تَعَذَّرَ رَدُّه لِصِحَّةِ النكاحِ، فيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِه، وهو مهرُ المِثْلِ، كمَن اشْتَرى شيئًا بثمنٍ فاسِدٍ، فقَبَضَ المَبِيعَ، وتَلِفَ في يَدِه، فإنَّه يَجِبُ عليه رَدُّ قيمتِه.
فإن دَخَل بها، اسْتَقَرَّ مهرُ المِثْلِ في قولِهم جميعًا.
وإن مات أحَدُهما، فكذلك؛ لأنَّ الموتَ يَقومُ مَقامَ الدُّخولِ في تَكْمِيلِ الصَّداقِ وتَقْرِيرِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه روايةٌ أخْرَى، أنَّه لا يَسْتقِرُّ بالموتِ، إلَّا أن يكونَ قد فَرَضَه لها.
فصل: ويَجِبُ مهرُ المثْلِ بالغًا ما بَلَغ. وبه قال الشافعيُّ، وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحباه: يَجِبُ الأقَلُّ مِن المُسمَّى أو مهرِ المثلِ؛ لأنَّ البُضْعَ لا يُقَوَّمُ إلَّا بالعَقْدِ،
فإذا رَضِيَتْ بأقلَّ من مهرِ مِثْلِها, لم يُقَوَّمْ بأكْثرَ ممَّا رَضِيَتْ به؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ الزِّيادةِ. ولَنا، أنَّ ما يُضْمَنُ بالعَقْدِ الفاسدِ، اعتُبِرَتْ قيمتُه بالغًا ما بَلَغَ، كالمبيعِ، وما ذكرُوه مَمْنوعٌ، لا يَصِحُّ عندَهم؛ فإنَّه لو وطِئَها وَجَب مهرُ المثْلِ، ولم يَكنْ له قيمةٌ، فَلِمَ يَجبُ؟
فإن قيل: إنَّما وَجَب لحقِّ الله تعالى. قيل: لو كان كذلك لوَجَبَ أقلُّ المهرِ ولم يَجِبْ مهرُ المثْلِ.
فصل: فأمّا إن طَلَّقها قبلَ الدُّخولِ فلها نصفُ مهرِ المِثْلِ. وبه قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرأْي: لها المتْعَةُ، كما لو لم يُسَمِّ لها صداقًا؛ لأنَّ هذه التَّسْميةَ كعَدَمِها. وذكَر القاضي في «الجامعِ»، أنَّه لا فَرْقَ بينَ مَن لم يُسَمِّ لها صداقًا وبينَ مَن سَمَّى لها مُحرَّمًا كالخَمْرِ، أو مَجْهولًا كالثَّوْبِ، في الجميعِ روايتان؛ إحْداهما، لها المتعةُ إذا طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّ ارْتِفاعَ العَقْدِ يُوجبُ رَفْعَ ما أوْجَبَه مِن العِوَضِ، كالبَيعِ، لكنْ تَركْناه في نِصْفِ المُسمَّى لتَراضِيهما عليه، فكان ما تَراضَيا عليه أَوْلَى، ففي مهرِ المثْلِ يَبْقَى على الأصْلِ في أنَّه يَرْتَفِعُ وتَجِبُ المُتْعةُ.
والثانية، أنَّ لها نِصْف مهرِ المِثْلِ؛ لأنَّ ما أَوْجَبَه عَقْدُ النكاحِ يَنْتَصِفُ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، ومهرُ المثْلِ قد أَوْجَبَه العَقْدُ، فيَنتَصِف به، كالمُسَمَّى.
٣٢٦٤ -
(وَإِنْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَالًا مَغْصُوبًا - صَحَّ النِّكَاحُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَبْطُلُ بِجَهَالَةِ الْعِوَضِ، فَلَا يَفْسُدُ بِتَحْرِيمِهِ، كَالْخُلْعِ ; وَلِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَدَمِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
فَصْلٌ: وَإنْ أصْدَقَهَا خَمْرًا أوْ خِنْزِيرًا أوْ مَالًا مَغْصُوبًا، صَحَّ النِّكَاحُ، وَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُعْجِبُهُ اسْتِقبَال النِّكَاحِ. اخْتَارَهُ أبُو بَكْرٍ.
وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، يكونُ حالًّا. وذكرَها ابنُ أبِي مُوسى احْتِمالًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ عندِي أنْ يكونَ الأجَلُ إلى حينِ الفُرْقَة، أو حينِ الخَلْوَةِ والدُّخولِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: الأظْهَرُ أنَّهم أرادُوا بالفُرْتَةِ البَينُونَةَ، فعلى هذا، الرَّجْعِيَّةُ لا يحِل مَهْرُها إلَّا بانْقِضاءِ عِدَّتِها. وإنْ أصدَقَها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا أو مالًا مَغْصُوبًا، صَحَّ النِّكاحُ. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم الخِرَقِيُّ، وابنُ حامِدٍ، والقاضي، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ عَبْدُوسٍ، وغيرُهم.
قال المُصَنِّفُ هنا: والمذهبُ صِحَّتُه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، أنَّه يُعْجِبُه اسْتِقْبالُ النِّكاحِ، يعْنِي أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، واخْتارَه أَيضًا شيخُه الخَلَّالُ، والجُوزْجَانِيُّ، لكِنْ يُشْترَطُ أنْ يكونَا يعْلَمان حالةَ العَقْدِ أنَّه خَمْرٌ، أو خنزيرٌ، أو مَغْصُوبٌ. وحمَلها القاضي، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم على الاسْتِحْبابِ.
تنبيه: إلْحاقُ المَغْصُوبِ بالخَمْرِ والخِنْزِيرِ عليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم أبو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَكْرٍ، وابنُ أبِي مُوسى، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم.
وقيل: محَلُّ الخِلافِ فيما هو مُحَرَّمٌ لحَق اللهِ؛ كالخَمْرِ، والخِنْزيرِ، والحُرِّ، ونحو ذلك، [ولا] يدْخُلُ المَغْصوبُ. فيَصِحُّ به قوْلًا واحدًا. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهذا اخْتِيارُ الشَّيخَين، حتَّى بالغ أبو محمدٍ، فحكَى الاتِّفاقَ عليه.
قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ صاحبِ «الرِّعايَةِ»، و «الحاوي».
فصل [في الصداق الفاسد] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أصدقها خمراً، أو خنزيراً، أو مالاً مغصوباً: صح النكاح، ووجب مهر المثل. وعنه: أنه يعجبه استقبال النكاح. اختاره أبو بكر. والمذهب صحته) .
أما كون النكاح يصح فيما ذكر كله على المذهب؛ فلأنه نكاح لو كان عوضه صحيحاً لكان صحيحاً. فوجب أن يكون صحيحاً وإن كان عوضه فاسداً؛ كالخلع.
ولأنه عقد لا يفسد بجهالة العوض. فلم يفسد بتحريمه؛ كالخلع.
وأما كون مهر المثل يجب؛ فلفساد التسمية.
وأما كون استقبال النكاح يعجب الإمام أحمد ويختاره أبو بكر؛ فلأنه معوضٌ جعل عوضه محرماً. أشبه نكاح الشغار.
وأما كون المذهب الصحة؛ فلما تقدم.
ولأن فساد العوض لا يزيد على عدمه،
ولو عدم لكان صحيحاً. فكذا إذا فسد.
وقول الإمام أحمد رضي الله عنه: يعجبني استقبال النكاح محمول على الاستحباب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.