وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ إِجَارَةَ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا تَمْلِكُ المَرأةُ إجارةَ نَفْسِها لِلرَّضاعِ والخِدْمَةِ بغير إذْنِ زَوْجِها)
أمَّا إذاِ فعلتْ ذلك بإذْنِه، جاز، ولَزِمَ العقدُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرجُ عنهما.
وإن كان بغيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ؛ لِما يتَضَمَّنُ مِن تَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِها. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ.
ويجوزُ في الآخرِ، لأنَّه تَناوَلَ مَحَلًّا غيرَ مَحَلِّ النِّكاحِ، لكنْ للزَّوْج فَسْخُه، لأنَّه يَفُوتُ به الاسْتِمْتاعُ ويَخْتَلُّ. ولَنا، أنه عقدٌ يفُوتُ به حَقُّ مَن ثَبَت له الحَقُّ بعَقْدٍ سابقٍ، فلم يَصِحَّ، كإجارةِ المُسْتَأْجَرِ.
فأمَّا إن أجَرَتِ المرأةُ نفْسَها للرَّضاعِ، ثم تزَوَّجَتْ، صَحَّ العقدُ، ولم يَمْلِكِ الزَّوْجُ فَسْخَ الإِجارةِ، ولا مَنْعَها مِن الرَّضاعِ حتى تَنْقَضِىَ المدَّةُ؛ لأَنَّ منافِعَها مُلِكَتْ بعَقْدٍ سابقٍ على نِكاحِه، فأشبَهَ ما لو اشْتَرى أمَةً مُسْتَأْجَرَةً، أو دارًا مشْغولةً.
فإن نامَ الصَّبِىُّ أو اشْتَغلَ بغيرِها، فللزَّوجِ الاسْتِمْتاعُ، وليس لوَلِىِّ الصَّبىِّ مَنْعُها. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: ليس له وَطْؤها إلَّا برِضَا الوَلِىِّ؛ لأَنَّ ذلك يَنْقُصُ اللَّبَنَ. ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بالعَقْدِ، فلا يَسْقُطُ بأمْرٍ مَشْكوكٍ فيه، كما لو أذِنَ فيه الوَلِىُّ، ولأنَّه يجوزُ له الوَطْءُ مع إذْنِ الوَلِىِّ، فجازَ مع عدَمِه؛ لأنّه ليس للوَلِىِّ الإِذْنُ فيما يَضُرُّ بالصَّبىِّ، ويُسْقِطُ حُقوقَه.
٣٣٥٢ - مسألة: (وله أن يَمْنَعَها مِن رَضاعِ وَلَدِها، إلَّا أن يُضْطرَّ إليها، وَتَخْشَى عليه) وجملتُه، أنَّ للزَّوْجِ منْعَ امْرأتِه مِن رَضاعِ ولَدِها مِن غيرِه،
ومِن رَضاعِ وَلَدِ غيرِها، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إليها؛ لأَنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يَقْتَضِى تَمْليكَ الزَّوْجِ الاسْتِمْتاعَ في كلِّ الزَّمانِ، مِن كلِّ الجِهاتِ، سِوَى أوْقاتِ الصَّلَواتِ، والرَّضاعُ يُفوِّتُ عليه الاسْتِمْتاعَ في بعضِ الأوْقاتِ، فكان له المَنْعُ، كالخُروجِ مِن مَنْزِلِه.
فإنِ اضْطَرَّ الوَلَدُ إليها، بأن لا يُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سِواها، أو لا يَقْبَلَ الولدُ الارْتِضاعَ مِن غيرِها، وجَبَ التَّمْكِينُ مِن إرْضاعِه، لأنَّها حالُ ضَرُورَةٍ وحِفْظٍ لنَفْسِ وَلَدِها، فقُدِّمَ على حَقِّ الزَّوْجِ، كتَقْدِيمِ المُضْطَرِّ على المالكِ إذا لم يكُنْ بالمالكِ مثلُ ضَرُورَتِه.
فصل: فإن أرادَتْ رَضاعَ وَلَدِها منه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّ له مَنْعَها مِن رَضاعِه، ولفْظُ شَيْخِنا في هذا الكتابِ يَقْتَضِيه بعُمومِ لَفْظِه. وهو قولُ الشَّافعىِّ. ولفْظُ الخِرَقِىِّ يَقْتَضِيه أيضًا ، لأنَّه يُخِلُّ باستِمْتاعِه منها، فأَشْبَهَ ما لو كان الوَلَدُ مِن غيرِه. وهذا ظاهرُ كلامِ القاضى. والثانى، ليس له مَنْعُها. ويَحْتَمِلُه كلامُ الْخِرَقِىِّ؛
فإنَّه قال: وإن أرادَتْ رَضاعَ وَلَدِها بأُجْرَةِ مِثْلِها، فهى أحَقُّ به مِن غيرِها، سواءٌ كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً. وهكذا ذكَرَه شيْخُنا في كتابِ نفَقَةِ الأقارِبِ في الكتابِ المشْروحِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}. وهو خبَرٌ يُرادُ به الأمْرُ، وهو عامٌّ في كلِّ والِدَةٍ .
ولا يَصِحُّ مِن أصْحابِ الشافعىِّ حَمْلُه على المُطَلَّقاتِ؛ لأنَّه جعلَ لَهُنَّ رزْقَهُنَّ وكُسْوَتَهُنَّ، وهم لا يُجِيزُونَ جَعْلَ ذلك أجْرَ الرَّضاعِ ولا غيرِه. وقولُنا في الوَجْهِ الأَوَّلِ: إنَّه يُخل باسْتِمْتاعِه. قُلْنا:[ولكنْ] لإيفاءِ حَقٍّ عليه، وليس ذلك مُمْتَنِعًا، كما أنَّ قَضاءَ دَيْنِه بدَفْعِ مالِه فيه واجبٌ، سِيَّما إذا تعَلَّقَ به حَقُّ الوَلَدِ في كَوْنِه مع أُمِّهِ، وحَقُّ الأمِّ في الجَمْعِ بينَها وبينَ وَلَدِها. وهذا ظاهِرُ كلامِ ابنِ أبى موسى.
(وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ إِجَارَةَ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَكَوْنُهَا تَمْلِكُ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ حَقِّهِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ كَمَا لَا تَمْلِكُ مَنْعَهُ مِنَ الْوَطْءِ،
فَلَوْ فَعَلَهُ بِإِذْنِهِ جَازَ، فَإِنْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَلَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَلَا مَنْعَهَا مِنَ الرَّضَاعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْمُسْتَأْجَرَةِ،
وَقِيلَ: لَهُ الْفَسْخُ إِنْ جَهِلَهُ، وَلَهُ الْوَطْءُ،
وَقِيلَ: لَا، إِنْ ضَرَّ بِلَبَنٍ (وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّ إِرْضَاعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَحَقُّ الزَّوْجِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي مِلْكَهُ لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي كُلِّ زَمَانٍ سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُهُ عَلَيْهِ،
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا كَانَ مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي النَّفَقَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ، وَحُكْمُ وَلَدِ غَيْرِهَا كَذَلِكَ (إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا وَتَخْشَى عَلَيْهِ) بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ تُرْضِعُهُ، أَوْ لَا يَقْبَلُهُ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ، وَحِفْظٌ لِنَفْسِ الْوَلَدِ، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ.
[
وله أَنْ يَمْنَعَها مِن رَضاعِ وَلَدِها، إلا أَنْ يضْطرَّ إليها ويَخْشَى عليه. [إنْ كان الوَلدُ لغيرِ الزَّوْجِ، فله مَنْعُها مِن رَضاعِه، إلَّا أَنْ يُضْطرَّ إليها ويخْشَى عليه]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نصَّ عليه. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. ونقَل مُهَنَّا، لها ذلك إذا شرَطَتْه عليه.
وإنْ كان الوَلدُ منهما، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّف هنا أنَّ له منْعَها، إذا انْتَفَى الشَّرْطان وهى فى حِبالِه. وهو أحدُ الوَجْهَيْن، ولفْظ الخِرَقِىِّ يقْتَضِيه. وهو ظاهِرُ كلامِ القاضى، و «الوَجيزِ» هنا، كخِدْمَتِه. نصَّ عليها. والوَجْهُ الثانى، ليس له مَنْعُها. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِىِّ. وجزَم به المُصَنِّفُ فى هذا الكِتابِ، فى أوَّل الفَصْلِ الأَوَّلِ مِن بابِ نفَقَةِ الأقارِبِ والمَمالِيكِ. فقال: وليس للأبِ مَنْعُ المَرْأَةِ مِن رَضاعِ ولَدِها إذا طلَبَتْ ذلك.
وجزَم به هناك فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قلتُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كلامُ المُصَنِّفِ هنا على ما إذا كان الوَلدُ لغيرِ الزَّوْجِ،
وأما إذا كان له، فقد ذكَره فى بابِ نفَقَةِ الأقارِبِ. فيكونُ عُمومُ كلامِه هنا مُقيَّدًا بما هناك. وهو أوْلَى. وأَطْلَقَهما فى «الشَّرْحِ». ويَأْتى ذلك فى بابِ نَفَقَةِ الأقارِبِ. بأَتَمَّ مِن هذا.
قال: (ولا تملك المرأة إجارة نفسها للرضاع والخدمة بغير إذن زوجها. وله أن يمنعها من رضاع ولدها إلا أن يضطر إليها ويخشى عليه) .
أما كون المرأة لا تملك إجارة نفسها لما تقدم ذكره بغير إذن زوجها؛ فلأن الزوج يملك الاستمتاع بها، وكونها تملك ذلك يؤدي إلى فوات حقه. فلم تملكه؛ كما لا تملك منعه من الوطء.
وأما كون الزوج له أن يمنعها من رضاع ولدها إذا لم يضطر إليها ويخشى على الولد؛ فلأن إرضاع ولدها ليس بواجب عليها، وحق الزوج واجب عليها. فجاز أن يمنع الواجب ما ليس بواجب.
وأما كونه ليس له ذلك إذا اضطر إليها وخشي على الولد؛ فلأنه حينئذ يتعين عليها إرضاعه ويترجح على حق الزوج. فإنه إحياء نفس وذلك راجح للمصلحة في نظر الشارع. وليس الاضطرار المذكور مختصاً بالولد بل لو فرض في غير الولد أنه لم توجد مرضعة سواها تعين عليها إرضاعه تقدماً على حق الزوج لما فيه من الإحياء المذكور.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.