فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: فإن فعَل ذلك، سقَط حقُّه مِن سِرايَتِه

فصل: وإن سَرَق وقَتَل في المُحارَبَةِ، ولم يَأْخُذِ المالَ، قُتِلَ حَتْمًا، ولم يُصْلَبْ، ولم تُقْطَعْ يَدُه؛ لأنَّهما حَدَّان فيهما قَتْل، فدَخَل ما دونَ القَتْل فيه، ولم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ مِن تَمامِ حَدِّ قاطِعِ الطَّريقِ إذا أخَذ المالَ مع القتلِ، ولم يُوجَدْ، وهذان حَدَّان كلُّ واحدٍ منهما مُنْفَصِلٌ عن صاحِبِه،

٣٤٬٦١٨

فإذا اجْتَمَعا تَداخَلا. وإن قَتَل في المُحارَبةِ جماعةً، قُتِلَ بالأوَّلِ حَتْمًا، وللباقِينَ دِيَاتُ أوْلِيائِهم؛ لأَنَّ قَتْلَه اسْتُحِقَّ بقَتْلِ الأَوَّلِ، وتَحَتَّمَ بحيثُ لا يسْقُطُ، فتَعَيَّنتْ حُقوقُ الباقِين في الدِّيَةِ، كما لو مات .

فصل : (ومَن قَتَل، أو أتَى حَدًّا خارِجَ الحَرَمِ، ثم لَجَأ إليه، لم يُسْتَوْفَ منه فيه، ولكن لا يُبايَعُ ولا يُشارَى حتى يَخْرُجَ فيُقامَ عليه الحَدُّ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن قَتَل خارِجَ الحرمِ، ثم لَجَأ إليه، لم يُسْتَوْفَ منه فيه. هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، والزُّهْرِىِّ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ، والشَّعْبِىِّ، وأبى حنيفةَ وأصحابه.

٣٤٬٦١٩

وأمَّا غيرُ القَتْلِ مِن الحُدودِ كلِّها والقِصاصِ فيما دُونَ النَّفْسِ، فعن أحمدَ فيه رِوِايَتان، إحْداهما، لا يُسْتَوْفَى مِن المُلْتَجِئ إلى الحَرَمِ فيه. والثانيةُ، يُسْتَوْفَى. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ المَرْوِىَّ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- النَّهْىُ عن القتلِ بقَوْلِه عليه السلامُ:«فَلَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ». وحُرْمَةُ النَّفْسِ أعْظَمُ، فلا يُقاسُ عليها غيرُها، ولأَنَّ الحَدَّ بالجَلْدِ جَرَى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، فلم يُمْنَعْ منه، كتَأْدِيبِ السَّيِّدِ عبدَه. والأُولَى ظاهِرُ المذْهبِ، وظاهِرُ قَوْل الخِرَقِىِّ.

قال أبو بكرٍ: هذه مسألةٌ وَجَدْتُها لحَنْبَلٍ عن عَمِّه، أنَّ الحُدودَ كلَّها تُقامُ في الحَرَمِ، إلَّا القَتلَ، والعملُ على أنَّ كلَّ جانٍ دَخَل الحَرَمَ، لم يُقَمْ عليه الحَدُّ حتى يَخْرُجَ منه.

٣٤٬٦٢٠

وقال مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُسْتَوْفَى منه؛ لعُمُومِ الأمْرِ بجَلْدِ الزَّانِى، وقَطْعِ السَّارِقِ، واسْتِيفاء القِصاصِ مِن غيرِ تَخْصِيص بمكانٍ دونَ مكانٍ، وقد رُوىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: إنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عاصِيًا، وَلَا فَارًّا بخَرْبَةٍ وَلَا دَمٍ . وقد أمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَتْلِ ابنَ خَطَلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بأسْتارِ الكَعْبَةِ . حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّه حَيَوانٌ أُبِيحَ قَتْلُه لعصْيانِه، فأشْبَهَ الكَلْبَ العَقُورَ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}.

يعنى الحرم، بدليلِ قولِه تعالى:{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ}. والخبرُ أُرِيدَ به الأمْرُ؛ لأنَّه لو أُرِيدَ به الخبرُ، لأفْضَى إلى وُقُوعِ الخبرِ خِلافَ المُخْبرِ.

٣٤٬٦٢١

وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليومِ الآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ فيها دَمًا، ولا يَعْضِدَ بها شَجَرةً، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ لقِتالِ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقُولوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لرَسُولِه، ولمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وإنَّما أذِنَ لى سَاعَةً مِن نَهَارٍ، وقد عادتْ حُرمَتُها اليوْمَ كحُرْمَتِها بالأمسِ، فليُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغَائبَ». .

٣٤٬٦٢٢

وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرْضَ، وَإنَّمَا أُحِلَّتْ لِى سَاعَةَّ مَنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا، فَلَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ». مُتَّفقٌ عليهما . والحُجَّةُ فيه مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه حَرَّمَ سَفْكَ الدَّم بها على الإِطْلاقِ، وتَخْصِيصُ مَكَّةَ بهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ العُمُومَ، فإنَّه لو أرادَ سَفْكَ الدَّمِ الحرامِ، لم تَخْتَصَّ به مكةُ، فلا يكونُ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا. والثانى، قولُه:«إِنَّما أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا».

ومَعْلُومٌ أنَّه إنَّما أُحِلَّ له سفْكُ دَمٍ حَلالٍ في غيرِ الحَرَمِ، فحَرَّمَها الحَرَمُ، ثم أُحِلَّتْ له ساعةً، ثم عادتِ الحُرْمَةُ، ثم أكَّدَ هذا بمنْعِه قياسَ غيرِه عليه. والاقْتِداءُ به بقولِه:«فَإن أحَدٌ تَرَخَّصَ بقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِه، وَلَمْ يَأذَنْ لَكُمْ». وهذا يَدْفَعُ ما احْتَجُّوا به مِن قَتْلِ ابنِ خَطَلٍ، فإنَّه مِن رُخْصَةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، التى مَنَعَ النَّاسَ أن يَقْتَدُوا به فيها، وبَيَّنَ أنَّها له على الخُصوصِ، وما رَوَوْه مِن الحديثِ، فهو مِن كلامِ عمرِو ابنِ سعيدٍ الأشْدَقِ، يَرُدُّ به قولَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ روَى له أبو شُرَيحٍ هذا الحديثَ، وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَقُّ أن يُتَّبَعَ.

٣٤٬٦٢٣

وأمَّا جَلْدُ الزَّانِى، وقطعُ السَّارِقِ، والأمْرُ بالقِصاصِ، فإنَّما هو مُطْلَقٌ في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، فإنَّه يَتَناوَلُ مَكانًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ضَرُورَةَ أنَّه لا بُدَّ مِن مكانٍ، فيُمْكِنُ إقامَتُه في مكانٍ غيرِ الحَرَمِ، ثم لو كان عامًّا،

٣٤٬٦٢٤

فإنَّ ما رَوَيْناه خاصًّا يُخَصُّ به، مع أنَّه قد خُصَّ ممَّا ذكرُوه الحامِلُ، والمريضُ المرْجُوُّ بُرْؤُه، فتأخَّر الحدُّ عنه، وتأخَّرَ قتلُ الحامِلِ، فجازَ أن يُخَصَّ أيضًا بما ذَكَرْناه. والقِياسُ على الكلبِ العَقورِ لا يَصِحُّ،

٣٤٬٦٢٥

فإنَّ ذلك طبعُه الأَذَى، فلم يُحَرِّمْه الحَرَمُ ليُدْفَعَ أذاه عن أهلِه،

٣٤٬٦٢٦

وأمَّا الآدَمِىُّ، فالأصْلُ فيه الحُرْمَة، وحُرْمَتُه عَظِيمَة، وإنَّما أُبِيحَ لعارضٍ، فأشْبَهَ الصائِلَ مِن الحيواناتِ المُباحَةِ مِن المَأكُولاتِ،

٣٤٬٦٢٧

فإنَّ الحَرَمَ يَعْصِمُها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُبايَعُ، ولا يُشارَى، ولا يُطْعَمُ، ولا يُؤْوَى، ويُقالُ له: اتَّقِ اللَّهَ واخْرُجْ إلى الحِلِّ؛ ليُسْتَوْفَى منك الحَقُّ الذى قِبَلَكَ.

٣٤٬٦٢٨

فإذا خَرَج اسْتُوفِىَ حَقُّ اللَّهِ منه. وهذا قولُ جميعِ مَن ذَكَرْناه. وإنَّما كان كذلك، لأنَّه لو أُطْعِمَ أو أُوِىَ، لتَمَكَّنَ مِن الإِقامَةِ دائِمًا، فيضِيعُ الحَقُّ الذى عليه،

٣٤٬٦٢٩

وإذا مُنِعَ مِن ذلك، كان وسيلةً إلى خُرُوجِه فيُقامُ فيه حَقُّ اللَّهِ تعالى. وليس علينا إطْعامُه، كما أنَّ الصَّيْدَ لا يُصادُ في الحَرَمِ، وليس علينا القيامُ به. قال ابنُ عباسٍ، رَحِمَه اللَّهُ: مَن أصابَ حَدًّا، فلَجَأ إلى الحَرَمِ، فإنَّه لا يُجَالَسُ، ولا يُبايَعُ، ولا يُؤْوَى، ويَأتِيه الذى. يَطْلُبُه، فيقولُ: أىْ فلانُ، اتَّقِ اللَّهَ.

٣٤٬٦٣٠

فإذا خَرَج مِن الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه الحَدُّ. رَواه الأثرَمُ .

٣٤٬٦٣١

فإن قَتَل مَن له عليه قِصاصٌ في الحَرَمِ، أو أقامَ حَدًّا بجَلْدٍ أو قَتْلٍ أو قَطْعِ طَرَفٍ، أساءَ، ولا شئَ عليه؛ لأنَّه اسْتَوْفَى حَقَّه في حالٍ لم يَكُنْ له اسْتِيفاؤه فيه، فأشْبَهَ ما لو اقْتَصَّ في حَرٍّ شَدِيدٍ أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ.

٤٣٩٦ - مسألة: (وإن فَعَل ذلكَ في الحَرَمِ، اسْتُوفِىَ منه فيه) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن انْتَهَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ ، بجِنايَةٍ فيه تُوجِبُ حدًّا أو قِصاصًا، فإنَّه يُقامُ عليه [الحَدُّ فيه]، لا نعلمُ فيه خِلافًا. وقد روَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: مَن أحْدَثَ حَدَثًا في الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه ما أحْدَثَ فيه مِن شئٍ . وقد أَمَرَ اللَّهُ تعالى بقتالِ مَن قاتَلَ في الحَرَمِ، فقال تَعالى:{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}.

فأباحَ قَتْلَهم عندَ قِتالِهم في الحَرَمِ، ولأَنَّ أهلَ الحَرَم يَحْتاجُون إلى الزَّجْرِ عن ارْتِكابِ المعاصِى كغيرِهم، حِفْظًا لأنْفُسِهم وأمَوالِهم وأعْراضِهم،

٣٤٬٦٣٢

فلو لم يُشْرَعِ الحَدُّ في حَقِّ مَن ارْتَكَبَ الحَدَّ في الحَرَمِ، لتَعَطَّلَتْ حُدودُ اللَّهِ تعالى في حَقِّهم، وفاتَتْ هذه المصالحُ التى لا بُدَّ منها،

٣٤٬٦٣٣

ولا يجوزُ الإِخْلالُ بها، ولأَنَّ الجانِىَ في الحَرَمِ هاتِكٌ لحُرْمَتِه، فلا تَنْتَهِضُ الحُرْمَةُ لتَحْريمِ دَمِه وصِيانَتِه، بمَنْزِلَةِ الجانِى في دارِ المَلِكِ، لا يُعْصَمُ لحُرْمَةِ المَلِكِ،

٣٤٬٦٣٤

بخِلافِ المُلْتَجِئَ إليها لجِنايةٍ صَدَرَت منه في غيرِها.

فصل: فأمَّا حَرَمُ مَدينَةِ النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا يَمْنَعُ إقامَةَ حَدٍّ ولا قِصاصٍ؛ لأَنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في حَرَمِ اللَّهِ تعالى، وحَرَمُ المدينةِ دُونَه في الحُرْمَةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه.

٣٤٬٦٣٥

وكذلك سائِرُ البِقاعِ، لا تَمْنَعُ مِن اسْتِيفاءِ حَقٍّ، ولا إقامَةِ حَدٍّ؛ لأَنَّ أمْرَ اللَّهِ تعالى باسْتِيفاءِ الحُقوقِ وإقامَةِ الحَدِّ مُطْلَق في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، خَرَج منها الحَرَمُ لمَعْنًى لا يَكْفِى في غيرِه؛ لأنَّه مَحَلُّ الأنْساكِ وقِبْلَةُ المسلمين، وفيه بَيْتُ اللَّه المَحْجُوجُ، وأوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ، ومَقامُ إبراهيمَ، وآياتٌ بَيِّناتٌ، فلا يُلْحَقُ به سِواهُ، ولا يُقاسُ عليه؛ لأنَّه [لا شئَ] في مَعْناه. واللَّهُ سُبحانه أعلمُ. ٤٣٩٧ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ اسْتُوفِيَ مِنْهُ فِيهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، رَوَى الْأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الْآيَةَ، فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ عِنْدَ قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ يَحْتَاجُونَ إِلَى الزَّجْرِ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، حِفْظًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ،

٢١٬٩٨٦

وَلَوْ لَمْ يُشْرَعِ الْحَدُّ فِيهِ لَتَعَطَّلَتِ الْحُدُودُ فِي حَقِّهِمْ، وَفَاتَتِ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا.

تَذْنِيبٌ: إِذَا قُوتِلُوا فِي الْحَرَمِ دَفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قُرِئَ بِهِمَا، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، أَنَّ مُجَاهِدًا وَغَيْرَهُ قَالُوا: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ،

٢١٬٩٨٧

وَفِي التَّمْهِيدِ: أَنَّهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يُقَاتَلُ الْبُغَاةُ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بَغْيُهُمْ إِلَّا بِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، وَحِفْظُهَا فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ إِضَاعَتِهَا، وَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَحَمَلَ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ كَالْمَنْجَنِيقِ، إِذَا أَمْكَنَ إِصْلَاحٌ بِدُونِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لَوْ تَغَلَّبَ فِيهَا كُفَّارٌ أَوْ بُغَاةٌ وَجَبَ قِتَالُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ تَعَدَّى أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى الرَّكْبِ دَفَعَ الرَّكْبُ كَمَا يَدْفَعُ الصَّائِلُ، وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ مَعَ الرَّكْبِ، بَلْ يَجِبُ إِنْ احْتِيجَ إِلَيْهِ.

[إِتْيَانُ الْحَدِّ فِي الْغَزْوِ]

الإنصافالمرداوي

وإنْ فعَل ذلك فى الحَرَمِ، اسْتُوفِىَ منه فيه. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم. وذكَر جماعَةٌ، فى مَن لجَأَ إلى دارِه، حُكْمُه حُكْمُ مَن لجَأَ إلى الحَرَم مِن خارِجِه.

فوائد؛ إحْداها، الأَشْهُرُ الحُرُمُ لا تعْصِمُ مِن شئٍ مِنَ الحُدودِ والجِنايَاتِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وتَرَدَّدَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اللَّهُ، فى ذلك. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ احْتِمالٌ، تعْصِمُ . واخْتارَه ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فى «الهَدْى».

٣٦٬٩٤٣

وَإِنْ أَتَى حَدًّا فِى الْغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فى أرضِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ.

الثَّانيةُ، لو قُوتِلُوا فى الحَرَمِ، دَفَعوا عن أنْفُسِهم فقطْ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».

٣٦٬٩٤٤

وقال: هذا ظاهرُ ما ذكَرُوه فى بَحْثِ المَسْألَةِ. وصحَّحه ابنُ الجَوْزِىِّ. و [قال ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ] فى «الهَدْى»: الطَّائفَةُ المُمْتَنِعَةُ بالحَرَم مِن مُبايعَةِ الإِمام لا تُقاتَلُ، لاسِيَّما إنْ كانَ لها تأوِيلٌ. وفى «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: يُقاتَلُ البُغَاةُ إذا لم يَنْدَفِعْ بَغْيُهم إلَّا به. وفى «الخِلافِ»، و «عُيونِ المَسائلِ»، وغيرِهما، اتَّفقَ الجميعُ على جَوازِ القِتالِ فيها متى عرَضَتْ تلك الحالُ. ورَدَّه فى «الفُروعِ».

٣٦٬٩٤٥

وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ تعَدَّى أهْلُ مَكَّةَ أو غيرُهم على الرَّكْبِ ، دفَع الرَّكْبُ كما يدْفَعُ الصَّائِلَ، وللإِنْسانِ أَنْ يدْفَعَ مع الرَّكْبِ ، بل قد يجبُ إِنِ احْتِيجَ إليه.

الثَّالثةُ، قوْلُه: ومَن أَتَى حَدًّا فى الغَزْوِ، لم يُسْتَوْفَ منه فى أَرْضِ العَدُوِّ حتى يَرْجِعَ إِلى دارِ الإِسْلامِ، فيُقامَ عليه. وهو صحيحٌ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.

٣٦٬٩٤٦

وكذلك لو أَتَى بما يُوجِبُ قِصاصًا. قالَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وظاهرُ كلامِهم، أنَّه لو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أتَى بشئٍ مِن ذلك فى الثُّغُورِ، أنَّه يُقامُ عليه فيه. وهو صحيحٌ. صرَّح به الأصحابُ.

الرَّابِعَةُ، لو أتى حدًّا فى دارِ الإِسْلامِ، ثم دخَل دارَ الحَرْبِ أو أُسِرَ، يُقامُ عليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الحدُّ إذا خرَج. ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، إذا قَتَل وزَنَى، ودخَل دارَ الحَرْبِ فقَتَل أو زَنَى أو سَرَق، لا يُعْجِبُنِى أَنْ يُقامَ عليه ما أصابَ هناك. ونقَل صالِحٌ، وابنُ مَنْصُورٍ، إنْ زَنَى الأسِيرُ أو قتَل مُسْلِمًا، ما أعْلَمُه إلَّا أَنْ يُقامَ عليه الحدُّ إذا خرَج. ونقَل أبو طالبٍ، لا يُقْتَلُ إذا قتَل فى غيرِ دارِ الإِسْلامِ، لم يجبْ عليه هناك حُكْمٌ. بَابُ حَدِّ الزِّنَى بابُ حَدِّ الزِّنَى إِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ.

وَهَلْ يُجْلَدُ قَبْلَ الرَّجْمَ؟ عَلَى رِوَايَتَين.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإن أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه) .

١٤٬٣٢٢

أما كون من أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو؛ فلأنه لا يؤمن أن يغضب فيؤديه غضبه إلى أن يرتد إلى الكفر.

١٤٬٣٢٣

وأما [كونه يقام عليه إذا رجع إلى دار الإسلام؛ فلأن ما فعله يوجب الحد. تعذر استيفاؤه] في أرض العدو؛ لما تقدم.

١٤٬٣٢٤

فإذا زال ذلك وجب أن يقام عليه. عملاً بالمقتضي له السالم عن المعارض المذكور. [باب حد الزنى] الزنى حرام. وهو من الكبائر العظام بدليل قوله تعالى:{ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا}.

وروى عبدالله قال: «سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعلَ لله نداً وهو خلقك. قال: ثم أيّ ؟ قال: أن تقتلَ ولدكَ مخافةَ أن يَطعَمَ معك. قال: ثم أيّ ؟ قال: أن تزني بحليلةِ جارك» .

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.