وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ وَالْمُحْصَنُ هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (والمُحْصَنُ هو الحُرُّ المُسْلِمُ العاقِلُ العَفِيفُ الذِى يُجامِعُ مِثْلُه. وهَل يُشْتَرَطُ البُلُوغُ؟ على رِوايَتَيْن) فهذه الخمسةُ شُروط الإِحْصانِ. وبه يقولُ جماعةُ العُلماءِ قَدِيمًا وحدِيثًا، سِوَى ما رُوِى عن داودَ، أنَّه أوْجَبَ الحَدَّ على قاذفِ العَبْدِ .
وقال ابنُ أبى مُوسى: إذا قَذَف أمَّ ولدِ رجُلٍ، وله منها ولدٌ، حُدَّ. وعن ابنِ المُسَيَّبِ، وابنِ أبى ليلى، قالوا: إذا قَذَف ذِمِّيَّة لها ولدٌ مسلمٌ، يُحَدُّ.
وقال ابنُ أبى موسى: إذا قَذَف مسلمٌ ذِمِّيَّةً تحتَ مسلم، أو لها منه ولدٌ، حُدَّ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأَنَّ ما لا يُحَدُّ قاذِفُه إذا لم يَكُنْ له ولدٌ، لا يُحَدُّ وله ولدٌ، كالمجنونةِ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في اشْتِراطِ البُلوغِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه شَرْطٌ. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ التَّكْلِيفِ، فأشْبَهَ العقلَ، ولأن زِنَى الصَّبِىِّ لا يُوجِبُ عليه الحَدَّ، فلا يجبُ الحَدُّ بالقَذْفِ به، كزِنَى المجْنونِ.
والثانيةُ، لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه حُرٌّ عاقلٌ عفيفٌ يَتَعَيَّرُ بهذا القولِ المُمْكِنِ صِدْقُه، فأشْبَهَ الكبيرَ. وهذا قولُ مالكٍ، وإسحاقَ. فعلى هذه الرِّوايةِ، لا بدَّ أن يكونَ كبيرًا يُجامِعُ مثلُه، وأدْناه أن يكونَ للغلامِ عَشْرٌ، وللجاريةِ تِسْعٌ .
فصل: ويجبُ بقَذْفِ المُحْصَنِ ثمانونَ جَلْدَةً، إذا كان القاذِفُ حُرًّا، وأربعونَ إن كان عَبْدًا، كما ذَكَرَه. وقد أجمعَ العُلَماءُ على وُجوبِ الحَدِّ على مَن قَذَف مُحْصَنًا،
وأن حَدَّه ثمانون إن كان حُرًّا، وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}.
وإن كان القاذِفُ عبدًا، فحدُّه أربعونَ جَلْدَةً، وأجمعوا على وُجوبِ الحَدِّ على العَبْدِ إذا قَذَف مُحْصَنًا؛ لدُخُولِه في عُمومِ الآيةِ، وحَدُّه أربعون، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ، فرُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ أنَّه قال: أدْرَكْتُ أبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ،
ومَن بعدَهم مِن الخلفاءِ، فلم أرَهُم يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ إذا قَذَف إلَّا أربعين . وروَى خِلاسٌ، أنَّ عليًّا
قال في عبدٍ قَذَف حُرًّا: عليه نِصْفُ الحَدِّ . وجَلَد أبوْ بكرٍ بنُ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ عبدًا قَذَف حُرًّا ثمانين . وبه قال قَبِيصَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، عَمَلًا بعُموم الآيةِ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ للإِجْماعِ المَنْقُولِ عن الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ولأنَّه حَدٌّ يَتَبَعَّضُ، فكان العبدُ فيه على النِّصْفِ مِن حَد الحُرِّ، كحَدِّ الزِّنَى، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ، وقد عِيبَ على أبى بكرِ بنِ محمدِ [بنِ عمرِو] بنِ حَزْمٍ جَلْدُه العبدَ ثمانينَ. فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ: ما رَأيْتُ أحَدًا جَلَد العبدَ ثمانينَ قبلَه.
وقال سعيدٌ: ثَنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى الزِّنادِ ، عن أبِيه، قال: حَضَرْتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، جَلَد عبدًا في فِرْيَةٍ ثمانين، فأنْكَرَ ذلك مَن حَضَرَه مِن النَّاسِ، وغيرُهم مِن الفُقَهاءِ، فقال لى عبدُ اللَّهِ بنُ عامرِ بنِ رَبيعةَ: إنِّى رأيتُ واللَّهِ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، فما رأيتُ أحدًا جَلَد عبدًا في فِرْيةٍ فوقَ أربعينَ . قال الخِرَقِىُّ: ويكونُ بدُونِ السَّوْطِ الذى يُجْلَدُ به الحُرُّ؛ لأنَّه لمَّا خُفِّفَ في عَدَدِه، خُفِّفَ في سَوْطِه، كما أنَّ الحُدودَ في أنفسِها كلَّما قَلَّ منها، كان سَوْطُه أخَفَّ.
وظاهرُ ما ذَكَرَه شيخُنا، أنَّه يكونُ بسَوْطِ الحُرِّ،، فَتَساوَوْا في الجَلْدِ ليَتَحَقَّقَ التَّنْصِيفُ ؛ لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ بذلك. ٤٤٣٥ - مسألة: (وقَذْف غيرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ) فإذا قَذَف مُشْرِكًا، أو عَبْدًا، أو مسلمًا له دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أو مسلمةً لها دُونَ تِسْعِ سِنِينَ ، أو مَن ليس بعَفِيفٍ، فعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه لَمَّا انْتَفَى وُجوبُ الحَدِّ عن القاذِفِ، وَجَب التَّأْدِيبُ رَدْعًا له عن أعْراضِ المَعْصُومِينَ، وكَفًّا له عن أذَاهم.
فصل: ويجبُ الحَدُّ على قاذِفِ الخَصِىِّ، والمَجْبُوبِ، والمَرِيضِ المُدْنَفِ، والرَّتْقاءِ، والقَرْنَاءِ.
وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى: لا حَدَّ على قاذِفِ مَجْبُوبٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ : وكذلك الرَّتْقاءُ.
وقال الحسنُ: لا حَدَّ على قاذِفِ الخَصِىِّ، لأَنَّ العارَ مُنْتَفٍ عن المَقْذُوفِ بدونِ الحَدِّ؛ للعِلْمِ بكَذِب القاذِفِ، والحَدُّ إنَّما يجبُ لنَفْىِ العارِ. ولَنا، عمُومُ قولِه تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}. والرَّتْقاءُ دَاخِلَةٌ في عُمومِ الآيةِ، ولأنَّه قاذِف مُحْصَنًا، فيَلْزَمُه الحَدُّ، كالقاذِفِ للقادرِ على الوَطْءِ، ولأَنَّ إمْكانَ الوَطْءِ أمْر خَفِىٌّ، لا يَعْلَمُه كثيرٌ مِن النَّاسِ، فلا يَنْتَفِى العارُ عندَ مَن لم يَعْلَمْه بدُونِ الحَدِّ، فيجبُ، كقَذْفِ المريضِ.
فصل: ويجبُ الحَدُّ على القاذِفِ في غيرِ دارِ الإِسْلامِ. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه في دارٍ لا حَدَّ على أهْلِها. ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ حُرٌ، قَذَف مُحْصَنًا، فأشْبَهَ مَن في دارِ الإِسْلامِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ لإقامةِ الحَدِّ على القاذِفِ شَرْطانِ؛ أحدُهما، مُطالبَةُ المَقْذُوفِ؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ طَلَبِه، كسائرِ حُقوقِه. الثانى؛ أن لا يَأْتِىَ ببَيِّنَةٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}. الآية. ولذلك يُشْتَرَطُ عَدَمُ إقْرار المَقْذُوفِ؛ لأنَّه في معنى البَيِّنَةِ.
وإن كان القاذِفُ زَوْجًا، اعْتُبِرَ شَرْط آخَرُ، وهو امْتِناعُه مِن اللِّعانِ. ولا نعلمُ في هذا كلِّه خِلافًا. ويُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلى إقامةِ الحَدِّ،
فلو طَلَب ثم عَفَا عن الحَدِّ، سَقَط. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، وأصحابُ الرَّأْى: لا يَسْقُطُ بعَفْوِه؛ لأنَّه حَد، فلم يَسْقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحُدودِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالَبَةِ الآدَمِىِّ باسْتِيفائِه، فسَقَط بعَفْوِه، كالقِصاصِ، وفارَقَ سائرَ الحُدُودِ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ في إقامَتِها الطَّلَبُ باسْتيفائِها،
فأمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ، فإنَّما يُعْتَبَرُ فيه المُطالبةُ بالمَسْرُوقِ، لا باسْتِيفاءِ الحَدِّ، ولأنَّهم قالوا: تَصِحُّ دَعْواه، ويُسْتَحْلَف فيه، ويَحْكُمُ الحاكمُ فيه بعِلْمِه، ولا يُقْبَلُ رُجوعُه عنه بعدَ الاعْترافِ. فدَلَّ على أنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ.
فصل: وإذا قُلْنا بوُجوبِ الحَدِّ بقَذْفِ مَن لم يَبْلُغْ، لم تَجُزْ إقامَتُهْ حتى يَبْلُغَ ويطالِبَ به بعدَ بُلوغِه؛ لأَنَّ مُطَالَبَتَه قبلَ البُلوغِ لا تُوجِبُ الحَدَّ؛ لعَدَمِ اعْتِبارِ كَلامِه، وليس لوَلِيِّه المُطالبَةُ عنه؛ لأنَّه حَقٌّ شُرِعَ للتَّشَفِّى، فلم يَقُمْ غيرُه مَقَامَه في اسْتِيفائِه، كالقِصاصِ،
فإذا بلَغ وطالب، أُقِيمَ حينَئِذٍ.
ولو قذَف غائبًا لم يُقَمْ عليه الحَدُّ حتى يَقْدَمَ ويُطالِبَ، إلَّا أن يَثْبُتَ أنَّه طالَب في غَيْبَتِه. ويَحْتَمِلُ أن لا تجوزَ إقامتُه في غَيْبَتِه بحالٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ بعدَ المُطالبةِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ؛ لكَوْنِه يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ.
ولو جُنَّ المَقْذُوفُ بعدَ قَذْفِه، وقبلَ طَلَبِه، لم تَجُزْ إقامتُه حتى يُفِيقَ ويُطالِبَ،
وكذلك إن أُغْمِىَ عليه، فإن كان قد طالَب به قبلَ جُنونِه وإغْمائِه، جازت إقامَتُه، كما لو وَكَّلَ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه قبلَ اسْتِيفائِه.
فصل: وإذا قَذَف ولدَه، لم يَجبْ عليه الحَدُّ،
وإن نَزَل، سَواءٌ كان القاذِفُ رجُلًا أو امرأةً. وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه الحَدُّ؛ لعُمُومِ الآيةِ، ولأنَّه حَدٌ، فلا تَمْنَعُ مِن وُجُوبِه قَرابَةُ الوِلادَة، كالزِّنَى. ولَنا، أنَّه عُقوبة تجبُ حقًّا لآدَمِىٍّ، فلا تجبُ للوَلَدِ على الوالَدِ، كالقِصاصِ، أو نقولُ: إنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بالمُطالَبَةِ باسْتِيفائِه، فأشْبَهَ القِصاصَ. ولأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يجبُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، ولأَنَّ الأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ القِصاصَ، فمنَعَتِ الحَدَّ، [كالرِّقِّ والكُفْرِ]. وبهذا يُخَصُّ عُمُومُ الآيةِ. ثم ما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالسَّرِقَةِ،
فإنَّ الأبَ لا يُقْطَعُ بالسرقةِ مِن مالِ ابْنِه، والفرقُ بينَ القَذْفِ والزِّنَى، أنَّ حَدَّ الزِّنَى خالِصٌ لحقِّ اللَّهِ تعالى، لا حَقَّ للآدَمِىِّ فيه، وحَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلا يَثْبُتُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، وعلى أنَّه لو زَنَى بجاريةِ ابنِه، لم يَجِبْ عليه حَدٌّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لو قَذَف أُمَّ ابنِه، وهى أجْنَبِيَّةٌ منه، فماتَتْ قبلَ اسْتِيفائِه، لم يَكُنْ لابنِه المُطالَبَةُ؛ لأَنَّ ما مَنَع ثُبوتَه ابْتِداءً، أسْقَطَه طارِئًا، كالقِصاصِ.
فإن كان لها ابنٌ آخرُ مِن غيرِه، كان له اسْتِيفاؤُه إذا ماتَت بعدَ المُطالَبَةِ به؛ لأَنَّ الحَدَّ يَمْلِكُ بعضُ الوَرَثَةِ اسْتيفاءَه كلِّه،
بخِلافِ القِصاصِ. وأمَّا قَذْفُ سائرِ الأقارِبِ، فيُوجِبُ الحَدَّ على القاذِفِ، في قَوْلِهم جميعًا. ٤٤٣٦ -
(وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ) كَمَنَ قَذَفَ مُشْرِكًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا لَهُ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ مُسْلِمَةً لَهَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ، أَوْ مَنْ لَيْسَ بِعَفِيفٍ (يُوجِبُ التَّعْزِيرَ) رَدْعًا لَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمَعْصُومِينَ وَكَفَالَةً عَنْ أَذَاهُمْ،
وَقِيلَ: سِوَى سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ.
فَرْعٌ: يُحَدُّ أَبَوَاهُ وَإِنْ عَلَوْا بِقَذْفِهِ،
وَإِنْ نَزَلَ كَقَوَدٍ، فَلَا يَرِثُهُ عَلَيْهِمَا،
وَإِنْ وَرِثَهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ، وَحُدَّ لَهُ لِتَبْعِيضِهِ،
وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا يُحَدُّ أَبٌ،
وَفِي أُمٍّ وَجْهَانِ (وَالْمُحْصَنُ) هُنَا (هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ) هَذِهِ صِفَةُ الْمُحْصَنِ الَّذِي يُحَدُّ بِقَذْفِهِ،
أَمَّا الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ، فَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْكَافِرَ حُرْمَتُهُمَا نَاقِصَةٌ، فَلَمْ يُنْتَهَضْ لِإِيجَابِ الْحَدِّ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَرَدَتْ فِي الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُمَا،
وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يُعَيَّرُ بِالزِّنَا، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، وَغَيْرُ الْعَاقِلِ لَا يَلْحَقُهُ شَيْنٌ بِإِضَافَةِ الزِّنَا إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ،
وَأَمَّا الْعِفَّةُ عَنِ الزِّنَا فَلِأَنَّ غَيْرَ الْعَفِيفِ لَا يَشِينُهُ الْقَذْفُ، وَالْحَدُّ إِنَّمَا وَجَبَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَسْقَطَ اللَّهُ الْحَدَّ عَنِ الْقَاذِفِ إِذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَ،
وَأَمَّا كَوْنُهُ يُجَامِعُ مِثْلُهُ فَلِأَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ لَا يُعَيَّرُ بِالْقَذْفِ، لِتَحَقُّقِ كَذِبِ الْقَاذِفِ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ إِنْ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ تِسْعُ سِنِينَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، بَلْ لَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ فَاسِقًا، كَشُرْبِهِ الْخَمْرَ أَوْ لِبِدْعَةٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِالزِّنَا أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ،
وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مُبْتَدِعٍ وَلَا مُبْتَدِعَةٍ،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِذَا قَذَفَ أُمَّ وَلَدٍ - رَجُلٌ، وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ؟ حُدَّ،
وَإِذَا قَذَفَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ، أَوْ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ حُدَّ فِي رِوَايَةٍ،
وَإِنْ قَذَفَ عَبْدٌ عَبْدًا جُلِدَ أَرْبَعِينَ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ، قِيلَ: إِنَّهَا مُخَرَّجَةٌ، وَلَيْسَتْ بِمَنْصُوصَةٍ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَطَعَ بِهَا الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، لِأَنَّ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ وَنَحْوَهُ يَلْحَقُهُ الشَّيْنُ بِإِضَافَةِ الزِّنَا إِلَيْهِ وَيُعَيَّرُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا جُعِلَ عَيْبًا فِي الرَّقِيقِ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ،
وَفِي اشْتِرَاطِ سَلَامَتِهِ مِنْ وَطْءٍ الشُّبْهَةِ وَجْهَانِ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ هَلْ يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ أَمْ لَا؟ فَذُكِرَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ وَصَفَهُ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ عَدَمُ وَصْفِهِ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ آخَرِينَ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ السَّلَامَةُ فِي ذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا وَجَبَ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُطَالَبَ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ حِذَارًا مِنْ فَوَاتِ التَّشَفِّي،
وَلَوْ قَذَفَ غَائِبًا اعْتُبِرَ قُدُومُهُ وَطَلَبُهُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ طَالِبٌ فِي غَيْبَتِهِ، فَيُقَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ،
وَقِيلَ: لَا لِاحْتِمَالِ عَفْوِهِ، وَلَوْ قَذَفَ عَاقِلًا فَجُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّلَبِ لَمْ يُقَمْ حَتَّى يُفِيقَ وَيُطَالَبَ،
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الطَّلَبِ جَازَتْ إِقَامَتُهُ.
مَسْأَلَةٌ: يُشْتَرَطُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: مُطَالَبَةُ الْمَقْذُوفِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، الثَّانِي: أَلَّا يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ،
فَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ زَوْجًا، اعْتُبِرَ آخَرُ، وَهُوَ امْتِنَاعُهُ مِنَ اللِّعَانِ، وَتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إِلَى إِقَامَتِهِ،
فَلَوْ طَلَبَ ثُمَّ عَفَا سَقَطَ، وَيُحَدُّ بِقَذْفٍ عَلَى جِهَةِ الْغَيْرَةِ - بِفَتْحِ الْغَيْنِ - وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ وَأَنَّهَا عُذْرٌ فِي غَيْبَةٍ وَنَحْوِهَا
والمُحْصَنُ، هو الحُرُّ المُسْلِمُ العاقِلُ العَفِيفُ الذى يُجامِعُ مثلُه. زادَ فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الرِّعايَةِ»، و «الوَجيزِ»، المُلْتَزِمُ. وهذا المذهبُ. جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال فى «المُبْهِجِ»: لا مُبْتَدِعٌ.
وقال فى «الإِيضاحِ»: لا مُبْتَدِعٌ، ولا فاسِقٌ ظَهَر فِسْقُه.
وقال فى «الانْتِصارِ»: لا يُحَدُّ بقَذْفِ فاسِقٍ.
تنبيهات؛ أحدُها، مفْهومُ قوْلِه: والمُحْصَنُ؛ هو الحُرُّ المُسْلمُ. أنَّ الرَّقيقَ والكافِرَ غيرُ مُحْصَنٍ؛ فلا يُحَدُّ بقَذْفِه. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «عُمُدِ الأَدِلَّةِ»: عندِى يُحَدُّ بقَذْفِ العَبْدِ، وهو أشْبَهُ بالمذهبِ لعَدالَتِه، فهو أحْسَنُ حالا مِنَ الفاسِقِ بغيرِ الزِّنَى. انتهى.
وعنه، يُحَدُّ بقَذْفِ أُمِّ الوَلَدِ. قطَع به الشِّيرَازِىُّ.
وعنه، يُحَدُّ بقَذْفِ أتَى وذِميةٍ لها وَلَا أو زَوْجٌ مُسْلِمٌ، كما تقدَّم قريبًا.
وقيل: يُحَدُّ العَبْدُ بقَذْفِ العَبْدِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا عمَلَ عليه. فعلى المذهبِ، يُعَزَّرُ القاذِفُ على المذهبِ مُطْلَقًا.
وعنه، لا يُعَزَّرُ لقذْفِ كافرٍ.
الثَّانى، شَمِلَ كلامُه الخَصِىَّ والمَجْبوبَ. وهو صحيح. وجزَم به ناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها.
الثَّالثُ، مُرادُه بالعَفيفِ هنا العَفِيف عنِ الزِّنَى ظاهِرًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال ناظِمُ «المُفْرَداتِ»:
وقاذِفُ المُحْصَنِ فيما يبْدُو ...
وإنْ زَنَى فقاذِفٌ يُحَدُّ وقيل: هو العفيفُ عن الزِّنى ووَطْء لا يُحَدُّ به لمِلْكٍ أو شُبْهَةٍ. وأطْلَقهما الزَّرْكَشِىُّ.
وقال: ولعَلَّه مَبْنِىٌّ على أن وَطْءَ الشُّبْهَةِ، هل يُوصَفُ بالتَّحْريمِ أمْ لا؟
قلتُ: تقدَّم الخِلافُ فى ذلك فى بابِ المُحَرَّماتِ فى النِّكاحِ.
وقيل: يجبُ البَحْثُ عن باطنِ عِفَّةٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لا يخْتَلُّ إحْصانُه بوَطْئِه فى حَيْضٍ وصَوْمٍ وإحْرامٍ. قالَه فى «التَّرْغيبِ». وهل يُشْتَرَطُ البُلُوغُ؟ على رِوَايَتَيْن. وأَطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، و «المُحَرَّرِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
و «الفُروعِ»، وغيرِهم؛ إحْداهما، لا يُشْترَطُ بُلوغُه، بل بكَوْنِ مِثْلِه يطَأْ أو يُوطَأُ. وهو المذهبُ. قال أبو بَكْرٍ: لا يخْتَلِفُ قولُ أبى عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّه يُحَدُّ قاذِفُه إذا كانَ ابنَ عَشَرَةٍ، أوِ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ سنَةً. قال فى «التَّرْغيبِ»: هذه أشْهَرُهما. قال فى «القَواعِد الأُصولِيَّةِ»: أظْهَرُهما، يجبُ الحدُّ. وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «نَظْمِ المُفْرَداتِ»، والقاضى، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ فى «خِلافَاتِهم»، والشِّيرَازِىُّ، وابنُ البَنَّا، وابنُ عَقِيلٍ فى «التَّذْكِرَةِ».
وهو مُقْتَضى كلامِ الخِرَقىِّ. وقدَّمه فى «الهادِى»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «إِدْراكِ الغايةِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يُشْترَطُ البُلوغُ. قال فى «العُمْدَةِ»، وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.
و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «نِهايةِ ابنِ رَزِينٍ»: والمُحْصَنُ؛ هو الحُرُّ المُسْلِمُ البالغُ العَفِيفُ.
وقيل: إنَّ هذه الرِّوايةَ مُخَرَّجة لا مَنْصوصَةٌ. فعلى المذهبِ، لا يُقامُ الحدُّ على القاذِفِ حتى يبْلُغَ المَقْذُوفُ، ويُطالِبَ به بعدَه. وعلى المذهبِ أيضًا، يُشْترَطُ أَنْ يكونَ الغُلامُ ابنَ عَشْرٍ، والجارِيَةُ بِنْتَ تِسْعٍ، كما قالَه المُصَنِّفُ بعدَ ذلك، وقالَه الأصحابُ.
فائدة: لو قذَف عاقِلًا فجُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه قبل الطَّلَبِ، لم يُقَمْ عليه الحدُّ حتى يُفيقَ ويُطالِبَ،
فإنْ كانَ قد طالَبَ ثم جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه، جازَتْ إقامَتُه،
ولو قذَف غائِبًا، اعْتُبِرَ قُدومُه [وطَلَبُه، إلَّا أَنْ] يثْبُتَ أنَّه طالَبَ به فى غَيْبَتِه، فيُقامُ. على المذهبِ.
وقيل: لا يُقامُ؛ لاحْتِمالِ عَفْوِه. قالَه الزَّرْكَشِىُّ. وقَذْفُ غيرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه، يُحَدُّ قاذِفُ أمِّ الوَلَدِ، كالمُلاعِنَةِ.
وعنه، يُحَدُّ قاذِفُ أمَةٍ أو ذِمِّيةٍ لها وَلَدٌ أو زَوْجٌ مُسْلِمان.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنْ قذَف كافِرًا لا وَلَدَ له مُسْلِمٌ، لم يُحَدَّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الأصحِّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، لا يُحَدُّ والِدٌ لوَلَدِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قالَه فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وجزَم به ابنُ البَنَّا، والمُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، و «الكافِى»، والشَّارِحُ، ونَصَراه. وقدَّمه الزَّرْكَشِىُّ. ونصَّ عليه فى الوالدِ ، فى رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، وأبى طالِبٍ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وغيرِهم: لا يُحَدُّ أبٌ، وفى أُمٍّ وَجْهان. انتهَوا. والجَدُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجَدَّةُ -وإنْ عَلَوْا- كالأبوَيْن. ذكَرَه ابنُ البَنَّا. ويُحَدُّ الابنُ بقَذْفِ كلِّ واحدٍ منهم. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يُحَدُّ بقَذْفِه أباهُ أو أخَاهُ.
الثَّانيةُ، يُحَدُّ بقَذْفٍ على وَجْهِ الغَيْرَةِ -بفَتْحِ الغينِ المُعْجَمَةِ- على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجهُ احْتِمالٌ؛ لا يُحَدُّ، وِفاقًا لمالِكٍ، رَحِمَه اللَّهُ، وأنَّها عُذْرٌ فى غَيْبَةٍ ونحوِها. وتقدَّم كلامُ ابنِ عَقِيلٍ، والشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَهُما اللَّه.
وَإِنْ قَالَ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ. وَفَسَّرَهُ بِصِغَرٍ عَنْ تِسْعِ سِنِينَ، لَمْ يُحَدَّ، وَإِلَّا خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
قال: (والمحصن هو: الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله. وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين) .
أما كون المحصن الذي يحد بقذفه ثمانون جلدة هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله؛ فلأنه لو كان عبداً أو كافراً لكانت حرمتهما ناقصة. فلم تنتهض لإيجاب الحد.
ولو كان مجنوناً لم يجب عليه حد الزنا؛ لقوله عليه السلام:«رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن المجنون حتى يُفيق ... » فلا يجب الحد بقذفه.
ولأن غير العاقل لا يلحقه شَيْن بإضافة الزنى إليه؛ لكونه غير مكلف. وحد القذف إنما وجب من أجل ذلك.
ولو كان غير عفيف لم يشنه القذف. فلا يجب الحد بقذفه؛ لما تقدم من أن القذف إنما وجب من أجله.
ولو كان مثله لا يجامع لم يشنه القذف أيضاً؛ لتحقق كذب القاذف.
وأما كونه يشترط بلوغه على روايةٍ؛ فلأنه أحد شرطي التكليف. أشبه العقل.
ولأن زنى الصبي لا يوجب حداً. فلا يجب الحد بالقذف؛ كزنى المجنون.
وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنه حر عاقل عفيف يعير بهذا القول الممكن صدقه. أشبه الكبير.
فعلى هذه الرواية لا بد أن يكون كبيراً يجامع مثله، وأدناه أن يكون للغلام عشر سنين، وللجارية سبع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.