وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى سِوَى ذَلِكَ فَتَابَ قَبْلَ إِقَامَتِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن وَجَب عليه حَدٌّ للَّهِ تَعالَى سِوَى ذلك، فتابَ قبلَ إقامَتِه، لم يَسْقُطْ) عنه
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى سِوَى ذَلِكَ) كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ (فَتَابَ قَبْلَ إِقَامَتِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ) ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَذْهَبَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لِعُمُومِ آيَةِ الزِّنَا، وَالسَّارِقِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رَجَمَ مَاعِزًا، وَالغَامِدِيَّةَ، وَقَدْ جَاءَا تَائِبَيْنِ» ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ كَالْمُحَارِبِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ومَن وجَب عليه حَدٌّ للَّهِ سِوى ذلك -مثلُ الشُّرْبِ، والزِّنَى، والسَّرِقَةِ، ونحوِها- فتابَ قبلَ إقامَتِه، لم يَسْقُطْ. هذا إحْدَى الرِّوايتَيْن. وذكَرَه أبو بَكْرٍ المذهبَ. قال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. وجزَم به الأدَمِىُّ فى «مُنْتَخَبِه».
وعنه، أنَّه يسْقُطُ بمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قبلَ إصْلاحِ العَمَلِ. وهو المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُنَوِّرِ»، و «نَظْمِ المُفْرَداتِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ». وصحَّحه فى «النَّظْمِ» وغيرِه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وأَطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الخُلاصَةِ». و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «الشَّرْحِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وعنه، إنْ ثبَت الحدُّ ببَيِّنَةٍ، لم يسْقُطْ بالتَّوْبَةِ. ذكَرَها ابنُ حامِدٍ، وابنُ الزَّاغُونِىِّ، وغيرُهما. وجزَم يه فى «المُحَرَّرِ»، ولكِنْ أطْلقَ الثُّبوتَ. ويأْتِى فى أوَاخرِ بابِ الشَّهادَةِ على الشَّهادَةِ، إذا تابَ شاهِدُ الزُّورِ قبلَ التَّعْزيرِ، هل يسْقُطُ عنه، أمْ لا؟ فعلى هذه الرِّوايَةِ والرِّوايةِ الأُولَى، يسْقُطُ فى حقِّ مُحارِبٍ تابَ قبلَ القُدْرَةِ. قال فى «الفُروعِ»: ويحْتَمِلُ أَنْ لا يسْقُطَ كما قبلَ المُحارَبَةِ.
وقال فى «المُحَرَّرِ»: لا يسْقُطُ بإسْلامِ ذِمِّىٍّ ومُسْتَأْمِنٍ. نصَّ عليه. وذَكَرَه ابنُ أبى مُوسى فى الذِّمِّىِّ، ونقَل فيه أبو داودَ، عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ. قال فى «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ، أنَّ فيه الخِلافَ. ونقَل أبو الحارِثِ، إنْ أَكْرَهَ ذِمِّىٌّ مُسْلِمةً، فوَطِئَها، قُتِلَ -ليسَ على هذا صُولحُوا- ولو أسْلَمَ، هذا حَدٌّ وجَب عليه. فدَلَّ أنَّهُ لو سقَط بالتَّوْبَةِ، سقَط بالإِسْلامِ؛ لأَنَّ التَّائبَ وجَب عليه أيضًا، وأنَّه أوْجَبَه؛ بِناءً على أنَّه لا يسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، فإنَّه لم يُصرِّحْ بتَفْرِقَةٍ بينَ إسْلامٍ وتَوْبَةٍ.
ويتَوَجَّهُ رِواية مُخَرَّجَةٌ مِن قَذْفِ أمِّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّه حَدٌّ سقَط بالإِسْلامِ. واخْتارَ صاحبُ «الرِّعايَةِ»، يسْقُطُ.
وقال فى «عُيونِ المَسائلِ» فى سُقوطِ الجِزْيَةِ بإسْلامٍ: إذا أسْلَمَ، سقَطَتْ عنه العُقوباتُ الواجِبَةُ بالكُفْرِ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالقَتلِ وغيرِه مِنَ الحُدودِ. وفى «المُبْهِجِ» احْتِمالٌ، يسْقُطُ حدُّ زِنَى ذِمِّىٍّ، ويُسْتَوْفَى حدُّ قَذْفٍ. قالَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ. وفى «الرِّعايَةِ» الخِلافُ. وهو مَعْنَى ما أخَذَه القاضى، وأبو الخَطَّابِ، وغيرُهما مِن عدَمِ إعْلامِه، وصِحَّةِ تَوْبَتِه، أنَّه حقٌّ للَّهِ.
وقال فى «التَّبْصِرَةِ»: يسْقُطُ حقُّ آدَمِىٍّ لا يُوجبُ مالًا، وإلَّا سقَط إلى مالٍ.
وقال فى «البُلْغَةِ»: فى إسْقاطِ التَّوْبَةِ فى غيرِ المُحارَبَةِ قبلَ القُدْرَةِ وبعدَها رِوايَتان.
قولُه فى الرِّوايَةِ الثَّانيةِ التى هى المذهبُ: وعنه، أنَّه يسْقُطُ بمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قبلَ إصْلاحِ العَمَلِ. فلا يُشْترَطُ إصْلاحُ العَمَلِ مع التَّوْبَةِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بل يسْقُطُ بمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ. وهذا الصَّحيحُ على هذه الرِّوايَةِ. قال الشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ قولِ أصحابِنا. قال فى «الكافِى»: قال أصحابُنا: ولا يُعْتَبَرُ إصْلاحُ العَمَلِ مع التَّوْبَةِ فى إسْقاطِ الحدِّ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الرِّعايةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ».
وقيل: ويُعْتَبَرُ أيضًا صَلاحُ عَمَلِه مُدَّةً. وعلى المذهبِ أيضًا، وهو سُقوطُ الحدِّ بالتَّوْبَةِ، فقيلَ: يسْقُطُ بها قبلَ توْبَتِه . جزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ».
وقيل: قبلَ القُدْرَةِ. وقيل: قبلَ إقامَتِه. [وأَطْلَقهُنَّ فى «الفُروعِ».
وقال فى «الكافِى»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ويَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَبرَ إصْلاحُ العَمَلِ مُدَّةً يُتَبَيَّنُ فيها صِحَّةُ توْبَتِه.
وقال فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِى»: فى سُقوطِ حدِّ الزَّانِى، والشَّارِبِ، والسَّارِقِ، والقاذِفِ بالتَّوْبَةِ قبلَ إقامَةِ الحدِّ،
وقيل: قبلَ توْبِتَه. رِوايَتان] . [وهو ظاهِرُ كلامِه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، والمُصَنِّفِ هنا، وغيرِهم. بل هو ظاهِرُ كلام الأصحابِ، كما قال فى «المُغْنِى». وقدَّمه فى «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِى». وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ»] . وفى بحْثِ القاضى، التَّفْرِقَةُ بينَ عِلْمِ الإِمامِ بهم أوَّلًا. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ، تُقْبَلُ ولو فى الحدِّ، فلا يكْمُلُ،
وأنَّ هرَبَه فيه تَوْبَةٌ. وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ، سَقَطَ عَنْهُ.
قال: (ومن وجب عليه حد لله (٢) سوى ذلك فتاب قبل إقامته لم يسقط.
وعنه: أنه يسقط بمجرد التوبة قبل إصلاح العمل.
ومن مات وعليه حد سقط عنه).
أما كون من وجب عليه حد لله سوى حد المحاربين لا يسقط بتوبته على المذهب؛ فلأن الله عز وجل قال:{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما}، {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} من غير فرق بين التائب وغيره.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً وقطع السارق بإقراره من غير سؤال عن توبة.
ولأن الحد كفارة. فلم تسقط بالتوبة؛ ككفارة اليمين.
وأما كونه يسقط على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال:{واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما}، وقال:{فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه}،
وفي الحديث:«التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له».
ومن لا ذنبَ له لا حدَّ عليه.
ولأن الحد خالص حق الله. فسقط بالتوبة؛ كحد المحارب.
إذا تقرر السقوط فقد صرح المصنف رحمه الله هنا أنه يسقط بمجرد التوبة من غير إصلاح العمل.
وقال في المغني: ظاهر الآيات تدل على اعتباره في غير المحارب. فيكون إصلاح العمل في حق غير المحارب بمنزلة توبة المحارب قبل القدرة هذا لفظه.
وأما كون من مات وعليه حد يسقط عنه؛ فلأن استيفاءه بعد موته متعذر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.