وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ أَوْ مَيِّتٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ وَلَهُ بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ؟
الشروح عليها
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإنِ ادَّعَى علي غائِبٍ، أو مُسْتتِرٍ في البلدِ، أو مَيِّتٍ، أو صَبِىٍّ، أو مَجْنُونٍ، وله بَيِّنَةٌ، سَمِعَها الحاكِمُ وحَكَم بها) مَن ادَّعَى حقًّا على غائبٍ في بلدٍ آخرَ، وطَلَب مِن الحاكِمِ سماعَ البينةِ، والحُكْمَ بها عليه، فعلى الحاكِمَ إجابَتُه، إذا كَمَلَتِ الشُّروطُ. وبهذا قال ابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وسَوَّارٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ-، وابنُ المُنْذِرِ. وكان شُرَيْحٌ لا يَرَى القضاءَ على الغائِبِ. وعن أحمدَ مِثْلُه.
وبه قال ابنُ أبى ليلَى، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه. ورُوىَ ذلك عن القاسمِ، والشَّعْبِىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا كان له خصْمٌ حاضِرٌ، مِن وَكِيلٍ أو شَفِيعٍ، جازَ الحُكْمُ عليه. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال لعليٍّ: «إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ رَجُلانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأوَّلِ حتى تَسْمَعَ كَلامَ الآخَرِ، فَإنَّكَ تَدْرِى بما تَقْضِى». قال التِّرْمِذِيُّ : هذا حديثٌ حسنٌ . ولأنَّه قضاءٌ لأحَدِ الخَصْمَيْن وحدَه، فلم يَجُزْ، كما لو كان الآخَرُ في البَلَدِ، ولأنَّه يجوزُ أن يكونَ للغائِبِ ما يُبْطِلُ البينةَ، ويَقدَحُ فيها، فلم يَجُزِ الحُكْمُ عليه.
ولَنا، أنَّ هِنْدًا قالت: يا رسولَ اللهِ، إن أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِى ما يَكْفِينى ووَلَدِى؟ قال:«خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». مُتَّفَقٌ عليه . فقَضَى عليه لها، ولم يكنْ حاضِرًا. ولأنَّ هذا له بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ عادِلَةٌ ، فجاز الحُكْمُ بها، كما لو كان الخَصْمُ حاضِرًا، [وقد وافَقَ أبو حنيفةَ في سماعِ البينةِ؛ لأنَّ ما تأخَّرَ عن سُؤالِ المُدَّعِى إذا كان حاضِرً]، يُقَدَّمُ عليه إذا كان غائِبًا، كسَماعِ البينةِ.
وأمَّا حديثُهم، فنقولُ به إذا تَقاضَى إليه رَجُلان، لم يَجُزِ الحُكْمُ قبلَ سَماعِ كلامِهما، وهذا يَقْتَضِى أن يكونا حاضِرَيْن، ويُفارِقُ الحاضِرُ الغائِبَ؛
فإنَّ البينةَ لا تُسْمَعُ على حاضِر إلَّا بحَضْرَتِه، والغائبُ بخِلافِه. وقد ناقَضَ أبو حنيفةَ أصْلَه، فقال: إذا جاءتِ امرأةٌ فادَّعَتْ أنَّ لها زَوْجًا غائِبًا، وله مالٌ في يَدِ رجلٍ، وتحْتاجُ إلى النَّفَقَةِ، فاعْتَرَفَ لها بذلك،
فإنَّ الحاكمَ يَقْضِى عليه بالنَّفَقَةِ،
ولو ادَّعَى على حاضِرٍ أنَّه اشْتَرَى مِن غائبٍ ما فيه شُفْعَةٌ، وأقام بينةً بذلك، حَكَم بالبَيْعِ والأخْذِ بالشُّفْعَةِ،
ولو مات المُدَّعَىٍ عليه، فحضَرَ بعضُ ورثتِه، أو حضَرَ وكيلُ الغائِبِ، وأقامَ المُدَّعِى بينةً، حَكَم له بما ادَّعاه.
فصل: وكذلك الحُكْمُ في المُسْتتِرِ في البلدِ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ حُضُورُه، أشْبَهَ الغائِبَ، بل أوْلَى،
فإن الغائِبَ مَعْذُورٌ، ولا عُذْرَ للمُسْتَتِرِ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ حَرْبٍ. وروَى حَرْبٌ، بإسْنادِه، عن أبى موسى، قال: كان الخَصْمان إذا اخْتَصَما إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فاتَّعَدا الموْعِدَ، فوَفَّى أحدُهما، ولم يُوَفِّ الآخَرُ، قَضَى للذى وَفَّى .
ولأنَّه لو لم يحْكُمْ عليه، لجعَلَ الاسْتِتارَ وسيلَةً إلى تَضْيِيعِ الحُقوقِ. ٤٩١٩ - مسألة: والمَيِّتُ المُدَّعَى عليه كالغائِبِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ الغائِبَ قد يَحْضُرُ، بخِلافِ المَيِّتِ.
قال الشاعرُ :
وكلُّ ذِى غَيْبَةٍ يَئُوبُ ... وغائِبُ الموْتِ لا يَئُوبُ
وكذلك الصَّبِىُّ والمجنونُ المُدَّعَى عليهما، يجوزُ سَماعُ البينةِ عليهما، والحُكْمُ عليهما بها ؛ لأنَّه لا يُعَبِّرُ عن نفسِه، فهو كالغائِبِ. وفى المستتِرِ قول آخَرُ، يَأْتِى ذِكْرُه. والغَيْبَةُ المُعْتبرةُ إلى مسافةِ القَصْرِ؛ لأنُّها التى تُبْنَى عليها الأحْكامُ.
٤٩٢٠ - مسألة: (وهل يَحْلِفُ المُدَّعِى أنَّه لم يَبْرَأْ إليه منه، ولا مِن شئٍ منه؟ على رِوايَتَيْن) وجملةُ ذلك، أنَّ البينةَ إذا قامت على غائبٍ، أو غيرِ مُكَلَّفٍ كالصَّبِىِّ والمجنونِ، لم يُسْتَحْلَفِ المُدَّعِى مع بينتِه ، في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن؛ لقولِ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّنَةُ على المُدَّعِى، والْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». ولأنَّها بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، فلم تَجِبِ اليمينُ معها، كما لو كانتْ على حاضرٍ. والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ معها.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ اسْتَوْفَى ما قامَتْ به البينةُ، أو مَلَّكَه العَيْنَ التى قامتْ بها البينةُ،
ولو كان حاضرًا فادَّعَى ذلك، لوَجَبَتِ اليمينُ،
فإذا تَعَذَّرَ ذلك منه لغَيْبَتِه، أو عَدَم. تَكْلِيفِه، يجبُ أن يقومَ الحاكمُ مَقامَه فيما يُمْكِنُ دَعْواه، ولأنَّ الحاكمَ مَأْمُورٌ بالاحْتِياطِ [في حَقِّ الصَّبِىِّ والمجنونِ والغائبِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يُعَبِّرُ عن نفسِه، وهذا مِن الاحْتياطِ].
والأُولَى ظاهِرُ المذهبِ. ٤٩٢١ -
(وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ) مَسَافَةَ قَصْرٍ. (أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ) أَوْ فِي دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ. (أَوْ مَيِّتٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ) وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ. وَهِيَ أَحْسَنُ. (وَلَهُ بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، لِحُكْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِنْدَ وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، وَلِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِهَا يُفْضِي إِلَى تَأْخِيرِ الْحَقِّ مَعَ إِمْكَانِ اسْتِيفَائِهِ، وَالسَّمَاعُ مِنْ أَجْلِ الْحُكْمِ.
وَلَيْسَ تَقَدُّمُ الْإِنْكَارِ هُنَا شَرْطًا.
وَلَوْ فُرِضَ إِقْرَارُهُ فَهُوَ تَقْوِيَةٌ لِثُبُوتِهِ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَغَيْرِهِ: لَا تَفْتَقِرُ الْبَيِّنَةُ إِلَى جُحُودٍ، إِذِ الْغَيْبَةُ كَالسُّكُوتِ، وَالْبَيِّنَةُ تُسْمَعُ عَلَى سَاكِتٍ. لَكِنْ لَوْ قَالَ: هُوَ مُعْتَرِفٌ، وَأَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ اسْتِظْهَارًا. لَمْ تُسْمَعْ. وَقَالَهُ الْآدَمِيُّ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَتِرَ وَالْمَيِّتَ كَالْغَائِبِ، بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْمُسْتَتِرَ لَا عُذْرَ لَهُ
بِخِلَافِ الْغَائِبِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَإِنَّهُمَا لَا يُعَبِّرَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ. الْفَائِدَةُ: وَلَا يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ بِحَقٍّ لِلَّهِ ; لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ.
فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ كَالسَّرِقَةِ قَضَى بِالْغُرْمِ دُونَ الْقَطْعِ،
وَفِي حَدِّ الْقَاذِفِ وَجْهَانِ. (وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ؟ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)
:
إِحْدَاهُمَا: لَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى بَقَاءِ حَقِّهِ. اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَكَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى حَاضِرٍ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، قَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ وَصَحَّحَهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَضَاهُ أَوْ على غَيْر ذَلِكَ. وَكَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَادَّعَى بَعْضَ ذَلِكَ وَطَلَبَ الْيَمِينَ، وَلَا يَتَعَرَّضُ فِي يَمِينِهِ لَصِدْقِ الْبَيِّنَةِ لِكَمَالِهَا،
بِخِلَافِ مَا إِذَا قَامَ شَاهِدًا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يَلِينُ مَعَ بَيِّنَةٍ إِلَّا هُنَا ; لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الْبَيِّنَةِ.
وَعَنْهُ: بَلَى، فَعَلَهُ عَلِيٌّ. وَعَنْهُ: مَعَ رِيبَةٍ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
وَعَنْهُ: لَا يَحْكُمُ عَلَى غَائِبٍ وَنَحْوِهِ. اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَكَانَ شُرَيْحٌ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ. وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى غَائِبٍ بِحَالٍ، إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ لِلْحَاضِرِ، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ وَكِيلُ الْغَائِبِ، أَوْ وَصِيٌّ، أَوْ جَمَاعَةٌ شُرَكَاءُ فِي شَيْءٍ فَيَدَّعِي عَلَى أَحَدِهِمْ وَهُوَ حَاضِرٌ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْغَائِبِ.
وإِنِ ادَّعَى على غائبٍ، أو مُسْتَتِر فى البَلَدِ، أو مَيِّتٍ، أو صَبِيٍّ، أو مَجْنُونٍ، وله بَيِّنَةٌ، سَمِعَها الْحاكِمُ وحَكَمَ بها وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وليس تقَدُّمُ الإِنْكارِ هُنا شَرْطًا،
ولو فُرِضَ إقْرارُه، فهو تَقْوِيةٌ ؛ لثُبوتِه بالبَيِّنةِ.
قال في «التَّرْغيبِ» وغيرِه: لا تفْتَقِرُ البَيِّنَةُ إلى جُحُودٍ؛ إذِ الغَيْبَةُ كالسُّكُوتِ، والبَيِّنَةُ تُسْمَعُ على ساكتٍ.
وكذا جعَل فى «عُيونِ المَسائلِ» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِها هذه المَسْأَلةَ أصْلًا على الخَصْمِ.
وعنه، لا يحْكُمُ على غائبٍ، كحَقِّ اللهِ تعالَى. فيَقْضِى فى السَّرقَةِ بالغُرْمِ فقطْ. اخْتارَه ابنُ أبى مُوسى. قالَه فى «الكافِى».
وعنه، يحكُمُ على الغائبِ تَبَعًا، كشَرِيكٍ حاضِرٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهات؛ الأَوَّلُ، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه إذا حكمَ له، أنَّه يُعْطَى العَيْنَ المُدَّعَاةَ مُطْلَقًا. وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أَشْهَرُ الوَجْهَيْن.
وقيل: يُعْطَى بكَفِيلٍ. وما هو ببعيدٍ. وأَطْلَقَهما في «الحاوِى»، و «الرِّعايتَيْن».
الثَّانى، مُرادُه بالمُسْتَتِرِ هنا، المُمْتَنِعُ مِن الحُضورِ، على ما يأْتِي بعدَ ذلك قريبًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّالثُ، الغَيْبَةُ هنا، مَسافَةُ القَصْرِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: ومَسِيرَةُ يومٍ أيضًا. وقيل: أو فوقَ نِصْفِ يومٍ. قالَه فى «الرِّعايةِ الكُبْري».
الرَّابعُ، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، صِحَّةُ الدَّعْوى على الغائبِ فى جميعِ الحُقوقِ. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وأبى الخَطَّابِ، والمَجدِ، وغيرِهم.
وقال ابنُ البَنَّا، والمُصَنِّفُ، وابنُ حَمْدانَ، وغيرُهم: إنَّما يُقْضَى على الغائبِ فى وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعِى أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَىْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
حُقوقِ الآدَمِيِّينَ، لا فى حُقوقِ اللهِ، كالزِّنَى والسَّرِقَةِ. نَعَمْ، فى السَّرِقَةِ يُقْضَى بالمالِ فقطْ، وفى حدِّ القذْفِ وَجْهان؛ بِناءً على أنَّه حَقٍّ للهِ، أو لآدَمِىٍّ، على ما تقدَّم فى أوَّلِ بابِ القَذْفِ. وهل يَحْلِفُ المُدَّعِى أَنَّه لم يَبْرَأْ إليه منه، ولا مِن شَىْءٍ منه؟ على رِوايتَيْن. وأَطْلَقهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . .
و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الهادِى»، وغيرِهم؛ إحْداهما، لا يَحْلِفُ. وهو المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لم يُسْتَحْلَفْ فى أشْهَرِ الرِّوايتَيْن. وقالَا: هى ظاهِرُ المذهبِ. وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». وجزَم به ناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها. وقدَّمه فى «الكافِى»، و «الفُروعِ»، و «خِلافِ أبى الخَطَّابِ»، [ونَصَرَه]. قال الزَّرْكَشِىُّ: هى اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، والشَّرِيفِ، والشِّيرَازِىِّ، وغيرِهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يسْتَحْلِفُه على بَقاءِ حقِّه. قال فى «الخُلاصةِ»: حَلَف مع بَيِّنَتِه، على الأصحِّ.
قال فى «الرِّعايتَيْن»: وحلَفَ معها، على الأصحِّ، على بَقاءِ حقِّه. وجزَم به فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وهو ظاهرُ كلامِه فى «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ، فى «تَذْكِرَتِه»، وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
ومالَ إليه المُصَنفُ. ذكَرَه عنه الشَّارِحُ فى بابِ الدَّعاوَى،
عندَ قولِه: وإنْ كانَ لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حكمَ له بها. فعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، لا يَتَعَرَّضُ فى يَمِينِه لصِدْقِ البَيِّنةِ، على الصَّحيحِ [مِن المذهبِ]. وهو ظاهرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ». وقال فى «التَّرْغيبِ»: لا يَتَعَرَّضُ فى يَمِينِه؛ لصِدْقِ البَيِّنَةِ إنْ كانتْ كامِلَةً،
ويجبُ تعَرُّضُه إذا أقامَ شاهِدًا وحَلَفَ معه.
فوائد؛ الأُولَى، لا يَمِينَ مع بَيِّنَةٍ كامِلَةٍ - كمُقِرٍّ له- إلَّا هنا.
وعنه، بلَى، فعلَه علىُّ بنُ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وعنه-، يَحْلِفُ مع رِيبَةٍ فى البَيِّنَةِ. وتقدَّم فى بابِ الحَجْرِ أنَّه إذا شَهِدَتْ بَيِّنَة بنَفادِ مالِه، أنَّه يَحْلِفُ معها. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وإذا شَهِدَتْ بإعْسارِه، أنَّه لا يَحْلِفُ معها. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. ولَنا وَجْهٌ، أنَّه يَحْلِفُ معها أيضًا.
الثَّانيةُ، قال فى «المُحَرَّرِ»: ويخْتَصُّ اليَمِينُ بالمُدَّعَى عليه دُونَ المُدَّعِى، إلَّا فى القَسامَةِ ودَعاوَى الأُمَناءِ المَقْبولَةِ، وحيثُ يُحْكَمُ باليمينِ مع الشَّاهِدِ، أوِ نقولُ برَدِّها. وقالَه فى «الرِّعايةِ»، وغيرِه، وقالَه كثيرٌ مِن الأصحابِ، مُفرَّقًا فى أَماكِنِه. وتقدَّم بعْضُ ذلك.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينٍ، رَحِمَه اللهُ: أمَّا دَعْوَى الأُمَناءِ المَقْبولَةُ، فغيرُ مُسْتَثْناةٍ، فيَحْلِفُون؛ وذلك لأَنَّهم أُمَناءُ لا ضَمانَ عليهم إلَّا بتَفْرِيطٍ أو عُدْوانٍ،
فإذا ادُّعِىَ عليهم ذلك فأَنْكَرُوه، فهم مُدَّعًى عليهم، واليمينُ على المُدَّعَى عليهم. انتهى.
قلتُ: صرَّح المُصَنِّفُ وغيرُه فى بابِ الوَكالَةِ، أنَّه لو ادَّعَى الوَكيلُ الهَلاكَ ونَفَى التَّفْرِيطَ، قُبِلَ قولُه مع يَمِينِه.
وكذا فى المُضارَبَةِ، ثُمَّ إِذَا قَدِمَ الغَائِبُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِىُّ، أوْ أفَاقَ المَجْنُونُ، فَهُوَ عَلَى حُجَّتِه.
والوَدِيعَةِ، وغيرِهما.
الثَّالثةُ، قولُه: ثم إذا قَدِمَ الغائبُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ- يعْنِى، رَشِيدًا- أوْ أفَاقَ المجْنُونُ، فهو على حُجَّتِه. وهو صحيحٌ، لكِنْ لو جرَحَ البَيِّنَةَ بأَمْرٍ بعدَ أداءِ الشَّهادَةِ أو مُطْلَقًا، لم تُقْبَلْ؛ لجَوازِ كوْنِه بعدَ الحُكْمِ، فلا يقْدَحُ فيه، وإلَّا قُبِلَ.
وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ فِى البَلَد غَائِبًا عَنِ المَجْلِسِ، لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ،
فَإنِ امْتَنَعَ عَنِ الحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بِهَا،
فصل [في الدعوى على الغائب] قال المصنف رحمه الله: (وإن ادعى على غائبٍ أو مستترٍ في البلد أو ميتٍ أو صبي أو مجنون وله بينة سمعها الحاكم وحكم بها. وهل يحلف المدعي أنه لم يبرئ إليه منه ولا من شيء منه؟ على روايتين. ثم إذا قدم الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون فهو على حجته) .
أما كون الحاكم يسمع بينة المدعي على غائب؛ فلأن عدم سماعها يفضي إلى تأخير الحق مع إمكان استيفائه.
وأما كونه يُحكم بها؛ فلأن السماع من أجل الحكم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على أبي سفيان في حديث هند ولم يكن حاضراً .
وأما كونه يسمع بينة المدعي على مستترٍ في البلد ويحكم بها؛ فلأن حضوره ممتنع. أشبه الغائب.
وأما كونه يسمع بينة المدعي على ميتٍ أو صبي أو مجنون ويحكم بها؛ فلأن كل واحد ممن ذكر عاجز عن الجواب المقصود من الحضور. فوجب أن يلحق بالغائب.
وأما كون المدعي يحلف أنه لم يبرئ من المدعى به ولا من شيء منه على روايةٍ؛ فلأن الحاكم مأمور بالاحتياط في حق من ذكر؛ لأنه لا يعبر واحد منهما عن نفسه،
ويجوز أن يكون المدعي قد استوفى ما قامت به البينة أو أبرأه منه. فافتقر الحال إلى اليمين؛ ليندفع ذلك الجواز.
وأما كونه لا يحلف على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعى عليه . ولأنه أقام بينة بحقه. فلم يستحلف؛ كما لو أقامها على حاضرٍ مكلف.
وأما كون المحكوم عليه على حجته إذا زال المعارض فإنه لو كان حاضراً لكان على حجته.
فإذا زال المعارض عمن ذكر أشبه الحاضر المكلف.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.