وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ وَارِثُهُ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا يَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، سَلَّمَ الْمَالَ إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا
الشروح عليها
٥٠٣٢ - مسألة : (وإذا ماتَ رجلٌ، فادَّعَى آخَرُ أنَّه وَارِثه، فشَهِد له شاهِدان أنَّه وَارِثُه، لا يَعلَمان له وارِثًا غيرَه، سُلِّم المالُ. إليه، سَواءٌ كانا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يكُونا. وإنْ قالا: لا نعْلَمُ له وارِثًا غيرَه في هذا البَلَدِ. احتَمَل أن يُسَلَّمَ المالُ إليه، واحتَمَلَ أنْ لا يُسَلَّمَ إليه، حتى يَسْتَكْشِفَ القاضِى عن خَبَرِه في البُلْدَانِ التى سافَرَ إليها) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن ادَّعَى أنَّه وارِثُ فُلانٍ الميِّتِ، فشَهِد له شاهِدَان أنَّه وارِثُه، لا يَعلَمانِ له وارِثًا غيرَه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وسُلِّمَ المالُ إليه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
وقال ابنُ أبى ليلَى: لا تُقْبَلُ حتى يُبَيِّنَا أنَّه لا وارِثَ له سِوَاه. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا يُمكِنُ عِلْمُه، فَكَفَى فيه الظاهِرُ مع شَهادَةِ الأصلِ بعَدَم وارِثٍ آخَرَ. قال أبو الخَطَّابِ: سَواءٌ كانا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يَكُونَا.
وكذلك ذَكَرَه شيْخُنا. ويَحتَمِلُ أنْ لا تُقْبَلَ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ؛ لأنَّ عدَمَ عِلْمِهمِ بوارِثٍ آخَرَ ليسَ بدَليلٍ على عَدَمِه،
بخِلافِ أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، فإنَّ الظاهِرَ أنَّه لو كان له وارِثٌ آخَرُ، لم يَخْفَ عليهم. وهذا قولُ الشافعىِّ.
فأمَّا إن قالَا: لا نَعلَمُ له وارِثًا بهذه البَلْدَةِ، أو: بأرضِ كذا
وكذا. احتَمَل أنْ يُسَلَّمَ المالُ إليه. وبه قال أبو حنيفةَ، كما لو قال: لا نَعلَمُ له وارِثًا. وذُكِرَ ذلك مذْهبًا لأحمدَ. واحتَمَلَ أنَّ هذا ليس بدَليلٍ على عَدَمِ وارِثٍ سِوَاهُ؛ لأنَّهما قد يعلَمان أنَّه لا وارِثَ له في تلك الأرضِ، ويَعلَمان له وارِثًا في غيرِها، فلم تقْبَلْ شَهادَتُهما، كما لو قال: لا نعلَمُ له وارِثًا في هذا البَيْتِ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعىِّ، وأبي يوسف، ومحمدٍ. وهو أوْلَى، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: إذا ماتَ رجلٌ، فشَهِدَ رجُلان أنَّ هذا الغلَامَ ابنُ فُلانٍ الميِّتِ، لا نعلم له وارِثًا سِواه، وشَهِدَ آخَرَان لآخَرَ أنَّ هذا الغلامَ ابن هذا الميِّتِ، لا نعلم له وارِثًا سِواه، فلا تَعارضَ بينَهما، وثَبَتَ نَسَبُ الغلَامَيْن منه، ويكون الإرْثُ بينَهما؛ لأنَّه يجوزأنْ تعلَمَ كلُّ بَينةٍ ما لم تعلَمه الأُخْرَى. ٥٠٣٣ -
(وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ وَارِثُهُ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا يَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، سَلَّمَ الْمَالَ إِلَيْهِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ، فَكَفَى فِيهِ الظَّاهِرُ مَعَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ بِعَدَمِ وَارِثٍ آخَرَ (سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْبَيِّنَةِ يُعَضِّدُهُ الْأَصْلُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ فَيَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ حَالِهِ؛
لِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِوَارِثٍ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِهِ،
بِخِلَافِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، فَيَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي بِمَوْتِهِ وَلْيَحْضُرْ وَارِثُهُ،
فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سَلَّمَهُ،
وَقِيلَ: بِكَفِيلٍ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُكْمِلُ لِذِي الْفَرْضِ فَرْضَهُ.
وَعَلَى الثَّانِي: ـ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ ـ يَأْخُذُ الْيَقِينَ، وَهُوَ رُبُعُ ثَمَنٍ لِلزَّوْجَةِ عَائِلًا، وَسُدُسٌ لِلْأُمِّ عَائِلًا، مِنْ كُلِّ ذِي فَرْضٍ لَا حَجْبَ فِيهِ، وَلَا يَقِينَ فِي غَيْرِهِ.
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ لَهُ بِالْإِرْثِ كَفَى، نَقَلَ الْأَزَجِيُّ فِيمَنِ ادَّعَى إِرْثًا، لَا يَخْرُجُ فِي دَعْوَاهُ إِلَى إِثْبَاتِ السَّبَبِ الَّذِي يَرِثُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْإِرْثَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ أَدْنَى حَالَاتِهِ أَنَّهُ يَرِثُ بِالرَّحِمِ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى أَصْلِنَا، وَالْمَعْرُوفُ خِلَافَهُ
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإذا مات رجل وادعى آخرُ أنه وارثه وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه سُلِّم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا. وإن قالا: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد احتمل أن يسلم المال إليه، واحتمل أن لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها) .
أما كون من ادعى ما ذكر وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه يسلم المال إليه؛ فلأن بذلك يظهر استحقاق المشهود له وعدم استحقاق غيره، والعلم لا يمكن الاطلاع عليه. فوجب الاكتفاء بالظاهر؛ لقوله عليه السلام:«أنا أقضي بالظاهر».
وأما كون ذلك كذلك سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا؛ فلأن قول البينة يعضده الأصل؛ لأن الأصل عدم وارث غير من شهد له.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل أن لا يقبل من غير أهل الخبرة الباطنة؛ لأن عدم علمهم بوارث ليس بدليل على عدمه.
بخلاف أهل الخبرة.
وأما كونه يحتمل أن يسلم المال إليه إذا قال الشاهدان: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد؛ فبالقياس على ما ذكر قبل.
وأما كونه يحتمل أن لا يسلم المال إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها؛ فلأنه قبل الكشف عن ذلك لا يحصل الظن بنفي غير المشهود له؛ لأنه لا يلزم من عدم علمهما بوارث في البلد المذكور عدم علمهما بوارث، فلا يحصل الظهور الحاصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه.
وهذا أولى؛ لما ذكر من أنه لا يحصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه في هذا البلد كحصوله في قولها: لا نعلم له وارثاً سواه، وذلك يوجب قيام الفرق بينهما فلا يصح القياس معه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.