فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (السادسُ، العَدالَةُ، وهى اسْتِواءُ أحْوالِه في دِينِه، واعْتِدالُ أقْوالِه وأفْعالِه. وقيل: العَدْلُ مَن لم تَظْهَرْ منه رِيبَةٌ. ويُعْتَبَرُ لها شَيْئان؛ الصَّلاحُ في الدِّينِ، وهو أداءُ الفَرائِضِ، واجْتِنابُ المَحارِمِ، وهو أن لا يَرْتَكِبَ كبيرةً، ولا يُدْمِنَ على صَغِيرةٍ) فإنَّ اللهَ تعالى نَهَى أن تُقْبَلَ شَهادةُ القاذِفِ، فيُقاسُ عليه كُلُّ مُرْتَكِبِ كبيرةٍ، ولا يُخْرِجُه عن العَدالةِ فِعْلُ صَغِيرةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ}.

قيل: اللَّمَمُ صِغارُ الذُّنوبِ. ولأنَّ التَّحَرُّزَ منها غيرُ مُمْكِنٍ،

وجاءَ عنِ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:

إنْ تَغْفرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وأىُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا أىْ: لم يُلمَّ.

٣٨٬٩٨٠

فإنَّ «لا» مع الماضِى بمَنْزِلةِ «لم» مع المُسْتَقْبَلِ.

٣٨٬٩٨١

وقيل: اللَّمَمُ أن يُلمَّ بالذَّنْبِ، ولا يَعُودَ فيه. والكَبائِرُ كلُّ ذَنْبٍ فيه حَدٌّ، والإِشْراكُ باللهِ، وقَتْلُ النًّفْسِ التى حَرَّمَ اللهُ، [وشهادَةُ الزُّورِ]، وعُقُوقُ الوَالِدَيْن. وقد رَوَى أبو بَكْرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألَا أُنَبَّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْن». وكان مُتَّكِئًا فَجَلَس، فقال:«ألَاوَقَوْلُ الزُّورِ، وشَهَادَةُ الزُّورِ». فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قُلْنا: لَيْتَه سَكَت. مُتَّفَقٌ عليه . قال أحمدُ: لا تجوزُ شَهادَةُ آكلِ الرِّبَا، والعَاقِّ، وقَاطِعِ الرَّحِمِ، [ولا مَنْ] لا يُؤدِّى زَكاةَ مالِه،

٣٨٬٩٨٢

وإذا أخْرجَ في طريقِ المُسلمينَ الأُصْطُوانةَ والكَنِيفَ لا يكونُ عَدْلًا، ولا يكونُ ابْنُه عَدْلًا إذا وَرِثَ أباه، حتى يَرُدَّ ما أخَذَ مِن طريقِ المسلمين، ولا يكونُ عَدْلًا إذا كذَبَ الكَذِبَ الشَّديدَ؛ لأنَّ النَبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ شَهادةَ رجلٍ في كِذْبَةٍ .

٣٨٬٩٨٣

وقال: عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوةَ، عن عائِشَةَ، عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، ولَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ فِى حَدٍّ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أخِيه في عَدَاوَةٍ، ولَا القَانِعِ لأهْلِ البَيْتِ، وَلَا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، ولَا ظَنِينٍ في قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» . وقد روَاه أبو داود ، وفيه : «لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِن وَلَا خَائِنَةٍ، ولَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، ولَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أخِيهِ».

٣٨٬٩٨٤

فأمَّا الصَّغائِرُ، فإن كان مُصِرًّا عليها، رُدَّتْ شَهادتُه،

٣٨٬٩٨٥

وإن كان الغالِبُ مِن أمْرِه الطَّاعاتِ، لم تُرَدَّ؛ لِما ذكَرْنا مِن عَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: الْعَقْلُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعَدَالَةُ، وَانْتِفَاءُ التُّهْمَةِ، وَالْعِلْمُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} ، وَقُرِئَ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى غَيْرِهِ فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

«وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مَرْفُوعًا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَالْقَانِعُ الَّذِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَشْدَقُ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَانٍ وَزَانِيَةٍ، رَوَى نَحْوَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْهُمُ: التِّرْمِذِيُّ،

٢٥٬١٥٠

وَقَالَ: لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ. (وَهُوَ اسْتِوَاءُ أَحْوَالِهِ فِي دِينِهِ، وَاعْتِدَالُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ) الْعَدَالَةُ فِي اللُّغَةِ: عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ وَالِاسْتِقَامَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ ضِدُّ الْجَوْرِ، وَالْجَوْرُ: الْمَيْلُ، فَالْعَدْلُ: الِاسْتِوَاءُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا

الإنصافالمرداوي

السَّادِسُ، العَدالَةُ، وهى اسْتِواءُ أحْوالِه فى دِينِه، واعْتِدالُ أقْوالِه وأفْعالِه. تقدَّم فى بابِ طَريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه، أنَّ الصَّحيحَ مِن المذهبِ، اعْتِبارُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

العَدالَةِ فى البَيِّنةِ ظاهِرًا وباطِنًا، فيُعْتَبَرُ اسْتِواءُ أحْوالِه فى دِينِه، واعْتدالُ أقْوالِه وأفْعالِه. وهذا المذهبُ بلا رَيْبٍ.

٤١٬٦٧٠

وقيل: العَدْلُ مَن لم تَظْهَرْ منه رِيبَةٌ. وهو رِوايةٌ عن الإمام أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ، واخْتِيارُ الخِرَقِىِّ عندَ القاضى وجماعَةٍ، وتقدَّم ذلك. وذكَرَ أَبو محمدٍ الجَوْزِىُّ فى العَدالَةِ اجْتِنابَ الرِّيبَةِ، وانْتِفاءَ التُّهْمَةِ. زاد فى «الرِّعايةِ»، وفِعْلُ ما يُسْتَحَبُّ، وتَرْكُ ما يُكْرَهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . .

فائدة: العاقِلُ مَن عَرَف الواجِبَ عَقْلًا، الضرورِىَّ وغيرَه، والمُمْتَنِعَ والمُمْكِنَ، وما يضُرُّه وينْفَعُه غالِبًا. والعَقْلُ نَوْعُ عِلْمٍ ضَرورِىٍّ إنْسانِّىٍ، ومَحَلُّ ذلك الأُصولُ. والإسْلامُ الشَّهادَتان، نُطْقاً أو حُكْمًا، تَبَعًا أو بِدارٍ مع الْتِزامِ أحْكامِ الدِّينَ. قالَه الأصحابُ.

٤١٬٦٧١

تنبيه: ظاهرُ قولِه: ويُعْتَبَرُ لها شَيْئان؛ الصَّلاحُ فى الدِّينِ، وهو أداءُ الفَرائِضِ. أنَّ أداءَ الفَرائضِ وحدَها يَكْفِى ولولم يُصَلِّ سُنَنَها. وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وهو ظاهِرُ كلامِه فى «المُذْهَبِ». وذكَر القاضى، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وصاحِبُ «التبصِرَةِ»، و «التَّرْغيبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجِيزِ»، وغيرُهم، أداءَ الفَرائِضِ بسُنَنِها الرَّاتِبَةِ.

٤١٬٦٧٢

وقال فى «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»: بسُنَنِها. ولم يذْكُرِ الرَّاتِبَةَ. وقد أوْمَأ الإمامُ أحمدُ، رحِمَهُ اللهُ، إلى ما ذكَرَه القاضى، والجماعَةُ، لقَوْلِه ، فى مَن يُواظِبُ على تَرْكِ سُنَنِ الصَّلاةِ: رجُلُ سَوْءٍ. ونقَل أبو طالِبٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[والوِتْرُ] سُنَّةٌ سنَّها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -،

٤١٬٦٧٣

فمَن تَرَكَ سُنَّةً مِن سُنَنِه، فهو رجُلُ سَوْءٍ.

٤١٬٦٧٤

وقال القاضى: يأْثَمُ. قال فى «الفُروعِ»: ومُرادُه، لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن تَرْكِ فرْضٍ، وإلَّا فلا يأْثَمُ بتَرْكِ سُنَّةٍ، وإنَّما قال هذا الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، فى مَن ترَكَه طُولَ عُمْرِه أو أكْثَرَه، فإنَّه يفْسُقُ بذلك،

٤١٬٦٧٥

وكذلك جميعُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ إذا داوَمَ على تَرْكِها؛ لأنَّه بالمُداوَمَةِ يكونُ راغِبًا عنِ السُّنَّةِ، وتلْحَقُه التُّهْمَةُ بأنَّه غيرُ مُعْتَقِدٍ لكَوْنِها سُنَّةً. وكلامُ الإمامِ أحمدَ، رحِمَهُ اللهُ، خُرِّجَ على هذا.

٤١٬٦٧٦

وكذا قال فى «الفُصولِ»: الإدْمانُ على تَرْكِ هذه السُّنَنِ غيرُ جائزٍ. واحْتَجَّ بقَوْلِ الإمامِ أحمدَ، رحِمَهُ اللهُ، فى الوِتْرِ.

٤١٬٦٧٧

وقال بعدَ قولِ الإمامِ أحمدَ، رحِمَهُ اللهُ تعالَى، فى الوِتْرِ: وهذا يقْتَضِى أنَّه حُكْمٌ بفِسْقِه.

٤١٬٦٧٨

قلتُ: فيُعايىَ بها على قولِ القاضِى، وابنِ عَقِيلٍ. ونقَل جماعةٌ، مَن ترَكَ الوِتْرَ فليس بعَدْلٍ. وقالَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللهُ، فى الجماعَةِ، على أنَّها سُنَّةٌ؛ لأنَّه [يُسَمَّى ناقِصَ الإيمانِ].

٤١٬٦٧٩

وقال فى «الرعايةِ»: وتُرَدُّ شَهادَةُ مَن أكْثَرَ مِن تَرْكِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

فصل [في العدالة] قال المصنف رحمه الله: (السادس: العدالة. وهي: استواءُ أحواله في دينه واعتدالُ أقواله وأفعاله. وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبةٌ. ويعتبر لها شيئان: الصلاحُ في الدين. وهو: أداء الفرائض، واجتنابُ المحارم. وهو: أن لا يرتكبَ كبيرة، ولا يُدمن على صغيرة.

١٦٬٨٢٥

وقيل: أن لا يظهر منه إلا الخير).

١٦٬٨٢٦

أما كون السادس من شروط من تقبل شهادته: العدالة؛ فلأنه يلي الخامس.

١٦٬٨٢٧

وأما كون العدالة من شروط ذلك؛ فلأن الله تعالى قال:{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبينوا}. فتثبتوا.

ولأن غير العدل لا يُؤمن منه أن يتحامل على غيره فيشهد عليه بغير حق.

١٦٬٨٢٨

وأما كون العدالة كما ذكر؛ فلما تقدم من تفسيرها. والخلاف فيها في قول المصنف رحمه الله: ويعتبر في البينة العدالة ظاهراً وباطناً في الفصل الثاني من باب طريق الحكم وصفته . فلا حاجة إلى إعادة ذلك فيها.

١٦٬٨٢٩

وأما كونها يعتبر لها شيئان: الصلاحُ في الدين والمروءة؛ فلأن من لا صلاح له في الدين ولا مروءة له لا يُؤمن أن يشهد على غيره بالزور.

١٦٬٨٣٠

وأما كون أحد الشيئين الصلاحُ في الدين؛ فظاهر.

١٦٬٨٣١

وأما كون الصلاحُ في الدين أداء الفرائض واجتناب المحارم؛ فلأن لأنه يؤدي أن لا تقبل شهادة أحد؛ لأنه لا يخلو أحد من ذنب، ولذلك قال الله تعالى:{الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم}. مدحهم لاجتنابهم ما ذكر،

١٦٬٨٣٢

وإن كان قد وجد منهم صغيرة.

١٦٬٨٣٣

وقال صلى الله عليه وسلم:«إن تَغْفِرِ اللهم تغْفِرْ جَمّا، وأيُّ عبدٍ لكَ ما ألَمّا».

وإنما اعتبر فيمن تقبل شهادته أن لا يرتكب كبيرة؛ لأن الله تعالى أمر أن لا تقبل شهادة القاذف وهي كبيرة. فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة.

وإنما اعتبر فيه أن لا يُدمن على صغيرة؛ لأن من لم يرتكب الكبيرة وأدمن على الصغيرة لا يُعدّ مجتنباً للمحارم لا عُرفاً ولا شرعاً.

ولأن الإدمان على الصغيرة كالكبيرة.

١٦٬٨٣٤

فإن قيل: ما الكبيرة؟

قيل: هي كل معصية فيها حدٌ، والإشراكُ بالله، وقتلُ النفس الحرام، وشهادةُ الزور، وعقوقُ الوالدين.

ونُقل عن الإمام أحمد رحمه الله: لا تقبل شهادة آكل الربا، وقاطعُ الطريق،

١٦٬٨٣٥

ومن لا يؤدي زكاة ماله،

١٦٬٨٣٦

ومن أخرج في طريق المسلمين الاسطوانة والكنيف، والكاذب الكذب الشديد.

١٦٬٨٣٧

وأما كون اجتناب المحارم. وهو: أن لا يظهر من الشخص إلا الخير على قول؛ فلأن اعتبار ما تقدم ذكره مشقة وحرج، وذلك منتفٍ شرعاً.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.