فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (الرَّابِعُ، لُبْسُ المَخِيطِ والخُفَّيْن) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن لُبْسِ القَمِيصِ، والعَمائِمِ، والسَّراوِيلاتِ، والبَرانِس، والخِفافِ. والأصْلُ في هذا ما روَى ابنُ عُمَر، رَضِىَ الله عنهما، أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِن الثِّيابِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إلَّا أحَدًا لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقطَعْهُمَا أسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ ».

مُتَّفَقٌ عليه . نَصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأشْياءِ، وألْحَقَ بها أهْلُ العِلْمِ ما في مَعْناه، مِثْلَ الجُبَّةِ، والدُّرّاعَةِ ، والتُّبّانِ، وأشْباهِ ذلك. فلا يَجُوزُ للمُحْرِمِ سَتْرُ بَدَنِه بما عُمِل على قَدْرِه، ولا سَتْرُ عُضْوٍ مِن أعْضائِه بما عُمِلَ على قَدْرِه، كالقَمِيصِ للبَدَنِ، والسَّراوِيلِ لبعضِ البَدَنِ، والقُفَّازَيْن، لليَدَيْن، والخفَّيْن للرِّجْلَيْن، ونحوِ ذلك. وليس في هذا اخْتِلافٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لايَجُوز لُبْسُ شئٍ مِن المَخِيطِ عندَ جَميعِ أهْلِ العِلْمِ، وأجْمَعُوا على أن المرادَ بهذا الذُّكُورُ دُونَ الإِناثِ.

١١٨٩ - مسألة: (إِلَّا أن لا يَجِدَ إزارًا، فلْيَلْبَسْ (٢) سَراوِيلَ، أو لا يَجِدَ نَعْلَيْن، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن، ولا يَقْطَعْهما، ولا فِدْيَةَ عليه) إذا لم يَجِدِ المُحْرِمُ إزارًا، فله أن يَلْبَسَ سَراوِيلَ،

٨٬٣١٣

وإذا لم يَجِدِ النَّعْلَيْن، فله لبْسُ الخفَّيْن. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. والأصْلُ فيه ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: سَمِعْتُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ بعَرَفاتٍ، يَقُولُ:«مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِم» مُتَّفَقٌ عليه . ولا فِدْيَةَ عليه في لُبْسِهما عندَ ذلك في قولِ عَطاء، وعِكرِمَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، إلَّا مالكًا، وأبا حنيفةَ، قالا: على مَن لبِس السَّراوِيلَ الفِدْيَةُ؛

لحديثِ ابنِ عُمَرَ الذى قَدَّمْناه، ولأنَّ ما وَجَبَتِ الفِدْيَةُ بلُبْسِه مع وُجُودِ الإِزارِ، وَجَبَتْ مع عَدَمِه، كالقَمِيصِ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، وهو صَرِيحٌ في الإِباحَةِ، ظاهِرٌ في إسْقاطِ الفِدْيَةِ؛ لأنَّه أمَرَ بلُبْسِه، ولم يَذْكُرْ فِدْيَة، ولأنَّه يَخْتَصُّ لُبْسُه بحالَةِ عَدَمِ غيْرِه، فلم تَجِبْ به فِدْيَةٌ، كالخُفَّيْنِ المَقْطُوعَيْن. وحديثُ ابنِ عُمَرَ مَخْصُوصٌ بحديثِ ابنِ عباسٍ.

٨٬٣١٤

وأمّا القَمِيصُ فيُمْكِنُه أن يَأْتَزِرَ به مِن غيرِ لُبْسٍ، ويَحْصُلُ به السَّتْرُ،

٨٬٣١٥

بخِلافِ السَّراوِيلِ. فصل: وإذا لَبِس الخُفَّيْن، مع عَدَمِ النَّعْلَيْن، لم يَلْزَمْه قَطْعُهما، في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ. يُرْوَى ذلك عن علىِّ بنِ أبِى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ. والرِّوايَةُ الأُخْرَى، أَّنه يَقْطَعُهما حَتَّى يَكُونا أسْفَلَ مِن الكَعْبَيْن. فعلى هذه الرِّوايَةِ، إن لَبسَهما مِن غيرِ قَطْعٍ افْتَدَى. وبه قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ».

مُتَّفَقٌ عليه. وهو مُتَضَمِّنٌ لزِيادَةٍ على حديثِ ابنِ عباسٍ وجابِرٍ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. قال الخَطّابِيُّ : العَجَبُ مِن أحمدَ في هذا، فإنَّه لا يكادُ يُخالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُه، وقَفتْ سُنَّة لم تَبْلُغْه. ووَجْهُ الأُولَي حديثُ ابنِ عباس، وجابِرٍ:«وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفيْنِ». مع قولِ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه: وقَطْعُ الخُفَّيْنِ فَسادٌ، يَلْبَسُهما كما هما. مع مُوافَقَةِ القِياسِ، فإنَّه مَلْبُوسٌ أُبِيحَ مع عَدَمِ غَيْرِه، أشْبَهَ السَّراوِيلَ، ولأن قَطْعَه لا يُخْرِجُه عن حالَةِ الحَظْرِ،

٨٬٣١٦

فإنَّ لُبْسَ المَقْطُوع مُحَرَّمٌ مع القُدْرَةِ على النَّعْلَيْن، كلُبْسِ الصحِيحِ، وفيه إتْلاف مالِه، وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَتِه.

٨٬٣١٧

فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقد قِيلَ: إنَّ قَوْلَه: «فَلْيَقْطَعْهُمَا». مِن كَلام نافِعٍ. كذلك رُوِىَ في «أمالِى أبى القاسِمِ ابنِ بِشْران » بإسْنادٍ صَحِيحٍ، أنَّ نافِعًا قال بعدَ رِوايَتِه للحديثِ: ولْيَقْطَعِ الخُفَّيْنِ أسْفَلَ مِن الكَعْبَيْن. وروَى ابنُ أبِى موسى، عن صَفِيَّةَ بنتِ أبِى عُبَيْدٍ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ للمُحْرِمِ أن يَلْبَسَ الخُفَّيْن، ولا يَقْطَعَهما. وكان ابنُ عُمَرَ يُفْتِى بقَطْعِهما. قالَتْ صَفِيَّةُ: فلما أخْبَرْتُه بهذا رَجَع .

وروَى أبو حَفصٍ، بإسْنادِه، في «شرحه» عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه طاف وعليه خُفّان، فقالَ له عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: والخُفّانِ مع القَباءِ! فقالَ: قد لَبِسْتُهما مع مَن هو خيْرٌ مِنْكَ . يَعْنِي رسولَ - صلى الله عليه وسلم -. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الأمْرُ بقَطْعِهما مَنْسُوخًا،

٨٬٣١٨

فإن عَمْرَو بنَ دِينارٍ روَى الحديثَيْن جَمِيعًا،

٨٬٣١٩

وقال: انْظُرُوا أيَّهما كان قَبْلُ. قال الدّارَقُطنِيُّ : قال أبو بَكْرٍ النَّيْسابُورىُّ: حديثُ ابنِ عُمَرَ قَبْلُ؛ لأنَّه قد جاء في بعضِ رِواياتِه، قال: نادَى رجلٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهو في المَسْجِدِ، يعنى بالمَدِينَةِ، فكأنَّه كان قبلَ الإحْرامِ. وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، يَقُولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَخطُبُ بِعَرَفاتٍ يَقُولُ:«مَنْ تمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ»، فيَدُلُّ على تَأخُّرِه عن حديثِ ابن عُمَرَ، فيَكُونُ ناسِخًا له، لأنَّه لو كان القَطْعُ واجبًا لبَيَّنَه للنّاسِ، فإنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن.

وقْتِ الحاجَةِ إليه، والمَفْهُومُ مِن إطْلاقِ لُبْسِهما لُبْسُهُما على حالِهما، مِن غيرِ قَطْعٍ. قال شيخُنا : والأوُلَى قَطْعُهما؛ عَمَلًا بالحديثِ الصَّحِيحِ، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ، وأخْذًا بالاحْتِياطِ. والذى قالَه صَحِيحٌ.

٨٬٣٢٠

فصل: فإن لَبِس المَقْطُوعَ مع وُجُودِ النَّعْلِ، لم يَجُزْ له، وعليه الفِدْيَةُ. نَصَّ عليه. وبه قال مالكٌ.

٨٬٣٢١

وقال أبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لو كان لُبْسُه مُحَرَّمًا وفيه فِدْيَةٌ لَما أُمِرَ بقَطْعِه؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه. وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - شَرَط لإباحَةِ لُبْسِهما عَدَمَ النَّعْلَيْن، فَدَلَّ على أنَّه لا يَجُوزُ مع وُجُودِهما، ولأنه مَخِيطٌ لِعُضْوٍ على قدْرِه، فوَجَبَ على المُحْرِمِ الفِدْيَة بلُبْسِه، كالقُفّازَيْن.

فصل: وقِياسُ قولِ أحمدَ في اللَّالِكَةِ ، والجُمْجُمِ ، ونحوِهما، أنَّه لا يَلْبَسُهما، فإنَّه قال: لا يَلْبَسُ النَّعْلَ التى لها قَيْدٌ. وهذا أشَدُّ منها. وقد

٨٬٣٢٢

قال في رَأْسِ الخُفِّ الصَّغِيرِ: لا يَلْبَسُه. وذلك لأنَّه يَسْتُرُ القَدَمَ، وقد عُمِل لها على قَدْرِها فأشْبَهَ الخُفَّ،

٨٬٣٢٣

فإن عَدِم النَّعْلَيْن، فله لُبْسُ ذلك، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أباحَ لُبْسَ الخُفِّ عندَ ذلك، فما دُونَ الخُفِّ أوْلَى.

فصل: فأمّا النَّعْلُ فيُباحُ لُبْسُها كيفما كانَتْ،

٨٬٣٢٤

ولا يَجِبُ قَطْعُ شَئٍ منها؛ لأنَّ إباحَتَها وَرَدَت مُطْلَقًا. ورُوِيَ عن أحمدَ في القَيْدِ في النَّعْلِ: يَفْتَدِى؛ لأنَّنا لا نَعْرِفُ النِّعالَ هكذا.

٨٬٣٢٥

وقال: إذا أحْرَمْتَ فاقْطَعِ المَحْمَلَ الذى على النِّعالِ، والعَقِبَ الذى يُجْعَلُ للنَّعْلِ، فقد كان عطاءٌ يَقُولُ: فيه دَمٌ.

٨٬٣٢٦

وقال ابنُ أبِى موسى في «الإرْشادِ»: في القَيْدِ والعَقِبِ الفِدْيَةُ. والقَيْدُ: هو السَّيْرُ المُعْتَرِضُ على الزِّمامِ. قال القاضى: إنَّما كَرِهَهما إذا كانا عَرِيضَيْن. وهذا هو الصَّحِيحُ، فإنَّه لم يَجِبْ قَطْعُ الخُفَّيْن السّاتِرَيْن للقَدَمَيْن والسَّاقَيْن، فقَطْعُ سَيْرِ النَّعْلِ أوْلَى أن لا يَجِبَ. ولأن ذلك مُعْتادٌ في النَّعْلِ، فلم يَجِبْ إزالَتُه، كسائِرِ سُيُورِها، ولأنَّ قَطْعَ القَيْدِ والعَقِبِ رُبَّما تَعَذَّرَ معه المَشْىُ في النَّعْلَيْن؛ لسُقُوطِهما بِزَوالِ ذلك، فلم يَجِبْ، كقَطْع القِبالِ .

فصل: فإن وَجَد نَعْلًا لم يُمْكِنْه لُبْسُها، فله لُبْسُ الخُفِّ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُمْكِنُ اسْتِعْمالُه كالمَعْدُومِ، فأشْبَهَ ما لو كانَتِ النَّعْلُ لغيرِه، وكالماءِ في التَّيمُّمِ، والرَّقَبَةِ التى لا يُمْكِنُه عِتْقُها، ولأنَّ العَجْزَ عن لُبْسِها قام مقامَ العَدَمِ في إباحَةِ لُبْسِ الخُفِّ، فكذلك في إسْقاطِ الفِدْيَةِ. ونَصَّ أحمدُ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ؛ لِقَوْلِه عليه السلامُ:«مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْن، فَيَلْبَسَ الخُفَّيْن». وهذا واجِدٌ.

١١٩٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ) فِي بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمَا عَمِلَ عَلَى قَدْرِهِ إِجْمَاعًا (وَالْخُفَّيْنِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ، وَرْسٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَتَنْصِيصُهُ عَلَى الْقَمِيصِ يُلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجُبَّةِ، وَالدُّرَّاعَةِ، وَالْعِمَامَةِ، يُلْحَقُ بِهَا كُلُّ سَاتِرٍ مُلَاصِقٍ أَوْ سَاتِرٍ مُعْتَادٍ، وَالسَّرَاوِيلُ يُلْحَقُ بِهِ التُّبَّانُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَخِيطًا أَوْ دِرْعًا مَنْسُوجًا، أَوْ لِبْدًا مَعْقُودًا.

٧٬٤٦٩

وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّبْسِ وَكَثِيرِهِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، لَكِنْ مَنْ بِهِ شَيْءٌ لَا يَجِبُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْبَسُ وَيَفْدِي، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ أَوْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ يَقُولُ: السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» .

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الْأَثْبَاتُ، وَلَيْسَ فِيهِ بِعَرَفَاتٍ،

٧٬٤٧٠

وَقَالَ مُسْلِمٌ: انْفَرَدَ بِهَا شُعْبَةُ،

٧٬٤٧١

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ، لَكِنْ مَتَى وُجِدَ الْإِزَارُ خَلَعَ السَّرَاوِيلَ،

٧٬٤٧٢

وَفِي " الِانْتِصَارِ " احْتِمَالٌ يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ لِلْعَوْرَةِ فَقَطْ،

الإنصافالمرداوي

اَلرَّابعُ، لُبْسُ المخِيطِ والخُفَّيْن، إلَّا أنْ لا يَجِدَ إزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَراوِيلَ، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْن, فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعْهُمَا، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.

أو نَعْلَيْن، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن، ولا يقْطَعْهُما، ولا فِدْيَةَ عَلَيه. هذا المذهبُ. نصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ فى رِوايَةِ الجَماعَةِ، وعليه الأصحابُ. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.

١٣٬٧١٧

وعنه، إنْ لم يقطَعِ الخُفَّيْن إلى دُونِ الكَعْبَين، فعليه الفِدْيَةُ. قال الخَطَّابِيُّ : العَجَبُ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الإِمامِ أحمدَ فى هذا -يعْنِى فى قوْلِه بعَدَمِ القَطْعِ- فإنَّه لا يَكادُ يُخالِفُ سُنَّةً تبْلُغُه. وقَلتْ سُنَّة لم تَبْلُغْه.

١٣٬٧١٨

قال الزَّرْكَشِىُّ: قلتُ: والعَجَبُ كلُّ العَجَبِ مِنَ الخَطَّابِىِّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فى تَوَهُّمِه عن أحمدَ مُخالَفَةَ السُّنَةِ أو خَفاءَهَا، وقد قال المَرُّوذِىُّ: احْتَجَّيْتُ على أبى عَبْدِ اللهِ بقَوْلِ ابنِ عمرَ، عنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقلتُ: هو زِيادَةٌ فى الخَبَرِ. فقال: هذا حدِيثٌ، وذاك حدِيثٌ. فقدِ اطَّلَعَ على السُّنَةِ، وإنَّما نظرَ نظَرًا لا يَنْظُرُه إلَّا الفُقَهاءُ المُتَبَصِّرُون، وهذا يدُلُّ على غايَتِه فى الفِقْهِ والنَّظرَ. انتهى. وفى «الانْتِصَارِ» احْتِمالٌ، يَلْبَسُ سَراوِيلَ للعَوْرَةِ فقط. ويأْتِى فى أوَّلِ جَزاءِ . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الصَّيْدِ، إذا لَبِسَ مُكْرَهًا.

تنبيه: ظاهرُ قولِه: ولا يَقْطَعْهما. أنَّه لا يجوزُ قَطْعُهما. وهو صحيحٌ. قال الِإمامُ أحمدُ: هو فَسادٌ. واحْتَجَّ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما بالنَّهْىِ عن إضاعَةِ المالِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وجوَّز القَطْعَ أبو الخَطَّابِ وغيرُه. وقالَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ،

١٣٬٧١٩

وأنَّ فائِدَةَ التَّخْصِيصِ، كراهَتُه لغيرِ إحْرامٍ. قال المُصَنِّفُ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والأوْلَى قَطَعُهما، عمَلًا بالحديثِ الصَّحيحِ، وخُروجًا عن حالِهما مِن غيرِ قَطْعٍ.

فوائد؛ الأُولَى، الرَّأَنُ كالخُفِّ فيما تقدَّم. الثانية، لو لُبِسَ مَقْطوعًا دُونَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الكَعْبَيْن، مع وُجودِ نَعْلٍ، لم يَجُزْ، وعليه الفِدْيَةُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصُّ عليه. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»،

١٣٬٧٢٠

وقال القاضى، وابنُ عَقِيل فى «مُفْرَداتِه»، والمَجْدُ، والشَّيْخُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تَقِىُّ الدِّينِ: يجوزُ له لُبْسُه، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه ليسَ بخُفٍّ. فلُبْسُ اللَّالِكَةِ والجُمْجُمِ ونحوِهما يَجُوزُ، على الثَّانِى لا الأوَّلِ.

١٣٬٧٢١

وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وقِياسُ قَوْلِ الإِمامِ أحمدَ فى اللَّالِكَةِ والجُمْجُمِ، عَدمُ لُبْسِهما، لا مع عدَمِ النَّعْلَيْن. الثَّالثةُ، لو وجَد نعْلًا لا يُمْكِنُه لُبْسُها، لَبسَ الخُفَّ، ولا فِدْيَةَ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشًّارِحُ.

١٣٬٧٢٢

قلتُ: وهو الصَّوابُ. والمَنْصُوصُ عنِ الإمامِ أحمدَ، أنَّ عليه الفِدْيَةَ بلُبْسِ الخُفِّ. وقدَّمه فى «الرعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن».

١٣٬٧٢٣

قلتُ: هذا المذهبُ. الرَّابعةُ، يُباحُ النَّعْلُ كيْفما وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً ولا رِدَاءً وَلَا غَيْرَهُ، إِلَّا إِزَارَهُ وَهِمْيَانَهُ الَّذِى فِيهِ نَفَقَتُهُ، إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِالْعَقْدِ.

كانت. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لإطْلاقِ إباحَتِها. وقدَّمه فى «الفُروعِ».

١٣٬٧٢٤

وعنه، تجِبُ الفِدْيَةُ فى عَقِبِ النَّعْلِ أو قَيْدِها، وهو السَّيْرُ المُعْتَرِضُ على الزِّمامِ. وذِكَرَه فى «الإرْشَادِ». قال القاضى: مُرادُه، العَرِيضَيْن. وصحَّحَه بعضُهم؛ لأنَّه مُعْتَادٌ فيها.

١٣٬٧٢٥

تنبيه: شَمِلَ قوْلُه: لُبْسُ المَخِيطِ. ما عُمِلَ على قَدْرِ العُضْوِ. وهذا إجْماعٌ؛

١٣٬٧٢٦

ولو كان دِرْعًا مَنْسُوجًا، أو لِبْدًا مَعْقُودًا، ونحوَ ذلك. قال جماعةٌ: بما عُمِلَ على قَدْرِه وقُصِدَ به.

١٣٬٧٢٧

وقال القاضى وغيرُه: ولو كان غيرَ مُعْتادٍ، كجَوْرَبٍ فى كفٍّ، وخُفٍّ فى رأْسٍ، فعليه الفِدْيَة.

١٣٬٧٢٨

فائدة؛ لا يُشْتَرطُ فى اللُّبْسِ أنْ يكونَ كثيرًا، بلِ الكثيرُ والقَليلُ سَواءٌ.

فائدتان؛ إحداهما، قوله: ولا يَعْقِدُ عليه مِنْطَقَةً ولا رِدَاءً ولا غيرَه. نصَّ عليه، وليس له أنْ يُحْكِمَه بشَوْكَةٍ، أو إبْرَةٍ، أو خَيْطٍ، ولا يُزِرَّه فى عُرْوَتِه، ولا يَغْرِزَه فى إزَارِه،

١٣٬٧٢٩

فإنْ فعَل، أَثِم وفَدَى. الثَّانيةُ، يجوزُ شَدُّ وَسَطِه بمِنْديلٍ وحبلٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ونحوِهما، إذا لم يَعْقِدْه. قال الِإمامُ أحمدُ، فى مُحْرِمٍ حزَم عِمَامةً على وَسَطِه: لا يعْقِدُها، ويُدْخِلُ بعضَها فى بعضٍ. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».

١٣٬٧٣٠

وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدينِ: يجوزُ له شدُّ وسَطِه بحَبْلٍ وعِمَامَةٍ ونحوِهما، وبرِداءٍ لحاجَةٍ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

فصل [في لبس المخيط والخفين] قال المصنف رحمه الله: (الرابع: لبس المخيط والخفين إلا أن لا يجد إزاراً فليلبس سراويل، أو نعلين فليلبس خفين ولا يقطعهما ولا فدية عليه) .

٤٬٢٠٤

أما كون لبس المخيط من محظورات الإحرام فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف» مختصر. متفق عليه.

نص على هذه الأشياء وألحق العلماء بها ما في معناها من الجبة والدراعة ونحو ذلك.

٤٬٢٠٥

وأما جواز لبس السراويل إذا لم يجد إزاراً، والخفين إذا لم يجد نعلين فلأن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمحرم» متفق عليه.

٤٬٢٠٦

وأما عدم قطعهما فلأن عائشة رضي الله عنها روت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما». و «كان ابن عمر رضي الله عنهما يفتي بقطعهما حتى أُخبر بذلك فرجع».

وروي أن علياً رضي الله عنه قال:«قطعُ الخفين فساد. يَلبسهما كما هما».

ولأنه ملبوس أبيح لعدم غيره أشبه السراويل.

ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر.

٤٬٢٠٧

فإن لُبْس المقطوع مع القدرة على لبس النعلين كلبس الصحيح.

ولأنه إتلاف لماليته وقد «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال».

قال المصنف رحمه الله في المغني: وقد روي عن أحمد رحمه الله قطعهما. وهو أولى عملاً بالحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم:«وليقطعهما أسفل من الكعبين» متفق عليه.

وخروجاً من الخلاف وأخذاً بالاحتياط.

٤٬٢٠٨

وأما عدم وجوب الفدية في لبس ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ابن عباس رضي الله عنهما «جواز لبس السراويل والخفين إذا لم يجد إزاراً ولا نعلين» ولم يذكر الفدية ولو وجبت لبينها؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.