وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ أَوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأَ
الشروح عليها
مسألة: (وإنْ أحْدَثَ في بَعْضِ طَوافِه، أو قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ، ابْتَدَأه) إذا أحْدَثَ في الطَّوافِ عَمْدًا، ابْتَدَأ الطَّوافَ؛ لأنَّ الطَّهارَةَ شَرْطٌ له،
فإذا أحْدَثَ عَمْدًا، أبْطَلَه، كالصلاةِ.
وإن سَبَقَه الحَدَثُ، ففيه رِوايَتَان؛ إحْداهُما، يَبْتَدِئُ أيضًا. وهو قولُ مالكٍ، والحسنِ، قِياسًا على الصلاةِ. والثانيةُ، يَتَوَضَّأُ، ويَبْنِى. وبها قال الشافعىُّ، وإسحاقُ.
وقال حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في مَن طافَ ثَلَاثةَ أشْواطٍ أو أكْثَرَ: يَتَوَضَّأُ،
فإن شاءَ بَنَى، وإن شاءَ اسْتَأْنَفَ. قال أبو عبدِ اللهِ: يَبْنِى إذا لم يُحْدِثْ حَدَثًا إلَّا الوُضُوءَ.
فإن عَمِل عَمَلًا غيرَ ذلك، اسْتَقْبَلَ الطَّوَافَ وذلك لأنَّ المُوالَاةَ تَسْقُطُ عندَ العُذْرِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وهذا عُذْرٌ،
فأمّا إنِ اشْتَغَلَ بغيرِ الوُضُوءِ، لَزِمَه الابتِداءُ؛ لأنَّه تَرَك المُوالَاةَ لغيرِ عُذْرٍ. وهذا إذا كان الطَّوافُ فَرْضًا،
فأمّا النَّفْلُ فلا تَجِبُ إعادَتُه، كالصلاةِ المَسْنُونَةِ إذا بَطَلَتْ.
فصل: والمُوالَاةُ شَرْطٌ في الطَّوَافِ، فمتى قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأه، سَواءٌ كان عَمْدًا أو سَهْوَا، مثلَ أن يَتْرُكَ شَوْطًا مِن الطَّوافِ، يَظنُّ أنَّه قد أتَمَّه.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ، في مَن طافَ ثَلَاثَةَ أشْواطٍ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ، ثم رَجَع إلى بَلَدِه: عليه أن يَعُودَ، فيَطُوفَ ما بَقِىَ. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَالَى بينَ طَوافِه، وقال:«خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ». ولأنَّه صلاةٌ، فاشْتُرِطَتْ له المُوالَاةُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ، أو نقولُ: عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوالَاةُ، كالصلاةِ. والمَرْجِعُ في طولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العُرْفِ. وقد رُوِىَ عن أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَةٌ أُخْرَى، إذا كان له عُذْرٌ يَشْغَلُه بَنَى،
وإن قَطَعَه لغيرِ عُذْرٍ أو لحاجَةٍ، اسْتَقْبَلَ الطَّوافَ.
وقال: إذا أعْيَى في الطَّوافِ لا بَأْسَ أن يَسْتَرِيحَ.
وقال: الحسنُ غُشِىَ عليه، فحُمِلَ إلى أهْلِه، فلَمَّا أفاقَ أتَمَّه. لأنَّه قَطَعَه للعُذْرِ، فجازَ البِناءُ عليه، كما لو قَطَعَه للصلاةِ.
١٢٧١ -
(وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ أَوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأَ)
أَمَّا أَوَّلًا، فَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، فَأَبْطَلَهُ الْحَدَثُ كَالصَّلَاةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْعَمْدِ،
فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَطَهَّرَ، وَابْتَدَأَ فِي رِوَايَةٍ، وَجَزَمَ بِهَا الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ رِوَايَاتُ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَمَحَلُّهُ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الشَّرْحِ " - فِي طَوَافِ الْفَرْضِ،
فَأَمَّا النَّفْلُ فَلَا تَجِبُ إِعَادَتُهُ كَالصَّلَاةِ،
وَأَمَا ثَانِيًا، فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالَى بَيْنَ طَوَافِهِ، وَقَالَ:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَعُلِمَ أَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهِ فَمَتَى قَطَعَهُ بفصل طويل ابْتَدَأَهُ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهَوًا، مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ شَوْطًا مِنْهُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ، وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ، وَالْقَبْضِ
وإنْ أحْدَثَ فى بعضِ طَوافِه، أو قطَعَه بفَصْلٍ طويلٍ، ابتَدَأه. هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ؛ لأنَّ المُوالاةَ شَرْطٌ. واعْلَمْ أنَّ حُكْمَ الطَّائفِ إذا أحْدَثَ فى أثْناءِ طَوافِه، حُكْمُ المُصَلِّى إذا أحْدَثَ فى صَلاتِه، خِلافًا ومذهبًا، على ما تقدَّم. ذكَرَه وَإنْ كَانَ يَسِيرًا، أوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، صَلَّى، وَبَنَى. وَيَتَخَرَّجُ أنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةٌ.
ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. ويُبْطِلُه الفَصْلُ الطَّويلُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه.
وعنه، لا تُشْتَرطُ المُوالاةُ مع العُذْرِ. ذكَرَها المُصَنِّفُ وغيرُه. هنا. ويتَخَرَّجُ أنَّ المُوالاةَ سُنَّةٌ. وهو لأبِى الخَطَّابِ. وذكًره فى «التَّلْخِيصِ» وَجْهًا. وهو رِوايَةٌ فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
وأمَّا إذا كان يَسِيرًا، أو أُقيمَتِ الصَّلاةُ، أو حضَرَتْ جِنانزَةٌ، فإنَّه مَعْفُوٌّ عنه، يُصَلِّى ويَبْنِى، كما قال المُصَنِّفُ، ولكنْ يكونُ ابْتِداءُ بِنائِه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن عندِ الحَجَرِ، ولو كان القَطْعُ فى أثْناءِ الشَّوْطِ. نصَّ عليه. وصرَّح به المُصَنِّفُ وغيرُه.
فائدة: لو شَكَّ فى عَددِ الأشْواطِ فى نَفْسِ الطَّوافِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يأْخُذُ إلَّا باليَقينِ. نصَّ عليه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وذكَر أبو بَكْرٍ وغيرُه، ويأْخُذُ أيضًا بغَلَبَةِ ظَنِّه. انتهى. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ. وقولُ أبي بكْرٍ ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، والأَفْضَلُ أن تَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ يَقْرَأُ فِيهِمَا {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} بَعْدَ «الْفَاتِحَةِ»
مُخالِفٌ هنا لِمَا قالَه، فيما إذا شَكَّ فى عدَدِ الرَّكَعاتِ، أنَّه يأْخُذُ باليَقينِ، ويأْخُذُ بقوْلِ عَدْلَيْن. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه.
وقيلَ: لا. وذكَر المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، ويأْخذُ أيضًا بقوْلِ عَدْلٍ، وقَطَعا به.
قال: (وإن أحدث في بعض طوافه أو قطعه بفصل طويل ابتدأه، وإن كان يسيراً أو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى وبنى. ويتخرج أن الموالاة سنة) .
أما ابتداء الطواف إذا أحدث الطائف في أثنائه فلأنه عبادة شرطها الطهارة على الصحيح فأبطلها الحدث كالصلاة. وحكم تعمد الحدث وسبقه في ذلك حكم الصلاة من بطلان وبناء.
وأما ابتداؤه إذا قطعه بفصل طويل فلأن الموالاة بين أجزائه شرط للصحة على المذهب «لأن النبي صلى الله عليه وسلم والى بين طوافه» وقال: «خذوا عني مناسككم».
ولأنه صلاة فيشترط لها الموالاة كسائر الصلوات، أو نقول عبادة متعلقة بالبيت فاشترط لها الموالاة كالصلاة.
وأما بناؤه إذا قطعه بفعل يسير فلأن اليسير يسامح به في غير هذا الموضع فكذلك هاهنا.
ولأن في الاتصال مع ذلك مشقة عظيمة وضرراً عظيماً فوجب أن لا يشترط نفياً لذلك.
فإن قيل: بم يعرف الطويل من اليسير؟
قيل: يرجع في ذلك إلى العرف من غير تحديد بمدة كما رجع إلى العرف في الحِرْز والقبض.
وأما قطع الطواف وصلاة الصلاة التي أقيمت فلقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
وفي لفظ:«فلا صلاة إلا التي أقيمت» والطواف صلاة فيدخل تحت عموم الخبر.
ولأنه قول ابن عمر وسالم ابنه وعطاء ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وأما قطعه وصلاته على الجنازة فلأن الجنازة صلاة تفوت بالتشاغل بالطواف وإذا قطع الطواف من أجل الصلاة التي أقيمت وهي لا تفوت بالتشاغل بالطواف فلأن يقطع بصلاة الجنازة وهي تفوت بالتشاغل بطريق الأولى.
وأما بناؤه في الموضعين على ما طاف فلأنه فعل فعلاً مشروعاً في أثناء الطواف فلم يقطعه كاليسير.
وأما تخريج مسنونية الموالاة فـ «لأن الحسن رضي الله عنه غشي عليه فلما أفاق أتمه».
ونقل المصنف رحمه الله في المغني والكافي عن أحمد رواية: أن الموالاة ليست بشرط مع العذر واستدل عليه بما ذكر عن الحسن.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.