الذكاة قطع مميز يناكح تَمَامُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ الْمُقَدَّمِ
الشروح عليها
(بَابُ الذَّكَاةِ) بِمَعْنَى التَّذْكِيَةِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ ذَبْحٌ وَنَحْرٌ، وَعَقْرٌ، وَمَا يَمُوتُ بِهِ نَحْوُ الْجَرَادِ،
وَأَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (قَطْعُ مُمَيِّزٍ) تَحْقِيقًا لَا غَيْرُهُ مِنْ صَغِيرٍ، وَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ (يُنَاكَحُ) أَيْ تُنْكَحُ أُنْثَاهُ،
وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى فَدَخَلَ الْكِتَابِيُّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى،
وَلَوْ أَمَةً فَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا (تَمَامَ) أَيْ جَمِيعَ (الْحُلْقُومِ) ،
وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى، وَهُوَ الْقَصَبَةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا النَّفَسُ
فَلَوْ انْحَازَتْ الْجَوْزَةُ كُلُّهَا إلَى الْبَدَنِ لَمْ تُؤْكَلْ عَلَى الرَّاجِحِ، وَذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ إلَى جَوَازِ أَكْلِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَقَطْعُ الْحُلْقُومِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُمْ كَذَا قِيلَ لَكِنَّ الْمَوْجُودَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ
فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْجَوْزَةِ مَعَ الرَّأْسِ قَدْرُ حَلْقَةِ الْخَاتَمِ أُكِلَتْ قَطْعًا وَلَوْ بَقِيَ قَدْرُ نِصْفِ الدَّائِرَةِ بِأَنْ كَانَ الْمُنْحَازُ إلَى الرَّأْسِ مِثْلَ الْقَوْسِ، جَرَى عَلَى قَوْلِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ فِي الِاكْتِفَاءِ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ، وَعَدَمِهِ (وَ) قَطْعُ جَمِيعِ (الْوَدَجَيْنِ) ، وَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ يَتَّصِلُ بِهِمَا أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ، وَيَتَّصِلَانِ بِالدِّمَاغِ
فَلَوْ قَطَعَ أَحَدَهُمَا، وَأَبْقَى الْآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ لَمْ تُؤْكَلْ،
وَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْمَرِيءِ بِهَمْزٍ فِي آخِرِهِ
وَقِيلَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ بِوَزْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ عِرْقٌ أَحْمَرُ تَحْتَ الْحُلْقُومِ مُتَّصِلُ بِالْفَمِ وَرَأْسِ الْمَعِدَةِ وَالْكَرِشِ يَجْرِي فِيهِ الطَّعَامُ إلَيْهَا، وَيُسَمَّى الْبُلْعُومُ وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ قَطْعَهُ (مِنْ الْمُقَدَّمِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَطْعٍ فَلَا يُؤْكَلُ مَا ذُبِحَ مِنْ الْقَفَا،
وَكَذَا إذَا لَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ عَلَى قَطْعِ مَا ذَكَرَهُ فَقَلَّبَهَا، وَأَدْخَلَهَا تَحْتَ الْأَوْدَاجِ، وَقَطَعَ بِهَا مَا ذُكِرَ لَمْ تُؤْكَلْ كَمَا قَالَهُ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ لَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ الْجَهَلَةِ فِي ذَبْحِ الطَّيْرِ
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى التَّذْكِيَةِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الذَّكَاةَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَالْمُرَادُ الذَّكَاةُ الْمُتَحَقِّقَةُ فِي الذَّبْحِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْعَقْرَ وَالنَّحْرَ مِنْ أَفْرَادِ الذَّكَاةِ،
وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ، وَخَرَجَ عَنْ قَوْلِهِ قَطْعُ الْخَنْقُ وَالنَّهْشُ فَلَا يُسَمَّى ذَبْحًا، وَقَوْلُهُ لَا غَيْرُهُ أَيْ لَا قَطْعُ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: تُنْكَحُ أُنْثَاهُ) أَيْ يَجُوزُ لَنَا نِكَاحُ أُنْثَاهُ، وَقَوْلُهُ فَدَخَلَ الْكِتَابِيُّ أَيْ وَخَرَجَ الْمَجُوسِيُّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابِيَّ يَجُوزُ لَنَا نِكَاحُ أُنْثَاهُ بِخِلَافِ الْمَجُوسِيِّ
(قَوْلُهُ: لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا) أَيْ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَعْنَى يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ أُنْثَانَا،
وَيَجُوزُ لَنَا نِكَاحُ أُنْثَاهُ، وَإِلَّا لَخَرَجَ الْكِتَابِيُّ مَعَ أَنَّ ذَبْحَهُ صَحِيحٌ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ بَقِيَ إلَخْ) هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى كَلَامِ الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: فِي الِاكْتِفَاءِ إلَخْ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَالِاكْتِفَاءُ رَاجِعٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَدَمُهُ رَاجِعٌ لِسَحْنُونٍ
(قَوْلُهُ: فَلَا يُؤْكَلُ مَا ذُبِحَ مِنْ الْقَفَا) أَيْ، وَلَا مِنْ إحْدَى صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ؛ لِأَنَّهُ نُخِعَ قَبْلَ تَمَامِ الذَّكَاةِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ قُطِعَ النُّخَاعُ قَبْلَ تَمَامِ الذَّكَاةِ، وَالنُّخَاعُ مُخٌّ أَبْيَضُ فِي فَقَارِ الْعُنُقِ وَالظَّهْرِ، وَقَوْلُهُ فَلَا يُؤْكَلُ مَا ذُبِحَ مِنْ الْقَفَا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الذَّبْحُ فِي ضَوْءٍ أَوْ ظَلَامٍ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَوْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا فِي ظَلَامٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَ وَجْهَ الذَّبْحِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ خِلَافُ ذَلِكَ لَمْ تُؤْكَلْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي النَّوَادِرِ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْمُقَدَّمِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ إحْدَى صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ، وَلَا مِنْ الْمُؤَخَّرِ فَلَا يَضُرُّ انْحِرَافُ الْقَطْعِ مِنْ الْمُقَدَّمِ لِلْحُلْقُومِ حَيْثُ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّ الذَّبْحَ مِنْ الصَّفْحَةِ كَمَا فِي بْن
(قَوْلُهُ: وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ لَمْ تُسَاعِدْهُ) أَيْ بَلْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مَعَ كَوْنِ السِّكِّينِ حَادَّةً لَمْ تُؤْكَلْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِمُخَالَفَةِ سُنَّةِ الذَّكَاةِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(بَابُ الذَّكَاةِ قَطْعُ مُمَيِّزٍ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ إذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ وَعَرَفَهُ،
وَكَذَلِكَ ذَبِيحَةُ الْمَرْأَةِ تُؤْكَلُ وَإِنْ ذُبِحَتْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ابْنُ الْمَوَّازِ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْأَغْلَفِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْأَخْرَسِ، وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّارِقِ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ السَّرِقَةُ لَا عَيْنُ الذَّبْحِ.
ابْنُ شَاسٍ: وَالْمَشْهُورُ صِحَّةُ ذَكَاةِ مَنْ لَا يُصَلِّي. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّكْرَانِ إذْ لَا يُصَدَّقُ وَيَأْكُلُهَا هُوَ وَحْدَهُ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ جَوَازِهِمْ أَكْلَ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ وَمَنْ لَا يُصَلِّي.
وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَصَّابِ فِي الذَّكَاةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ مَنْ مِثْلُهُ يَذْبَحُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ إذَا
قَالَ هَذِهِ ذَكِيَّةٌ صُدِّقَ قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إهْدَاءِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا: إنَّ الصَّبِيَّ وَالْأُنْثَى وَالْكَافِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْبُولٌ قَوْلُهُ فِي الْهَدِيَّةِ وَالِاسْتِئْذَانِ. (يُنَاكِحُ) فِيهَا لِمَالِكٍ: ذَكَاةُ رِجَالِ الْكِتَابَيْنِ ذِمِّيِّهِمْ وَحَرْبِيِّهِمْ جَائِزَةٌ فَسَوَّى بَيْنَهُمْ. ابْنُ الْقَاسِمِ: نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ مُطِيقِي الذَّبْحِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ النَّصْرَانِيِّ الْعَرَبِيِّ وَذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ إذَا تَنَصَّرَ. (تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ) فِيهَا لِمَالِكٍ: وَتَمَامُ الذَّبْحِ إفْرَاءُ الْأَوْدَاجِ وَالْحُلْقُومِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا الْمَرِيءُ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْحُلْقُومِ فَهُوَ الْعِرَاقُ الْأَحْمَرُ فَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ شَيْئًا. ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ قَطْعِ الْمَرِيءِ. الْكَافِي: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْغَلْصَمَةُ إلَى الرَّأْسِ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَلَا بَأْسَ، وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الْفَتْوَى بِتُونِسَ مُنْذُ مِائَةِ عَامٍ بِجَوَازِ أَكْلِ الْمُغَلْصَمَةِ وَبِهَذَا كَانَ يُفْتِي أَشْيَاخُنَا أَيْضًا. (مِنْ الْمُقَدَّمِ) سَمِعَ أَشْهَبُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَمَرَ بِثَلَاثَةِ دِيَكَةٍ لَهُ أَنْ تُسَمَّنَ حَتَّى إذَا امْتَلَأْنَ شَحْمًا أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا فَذَبَحَهَا مِنْ أَقْفِيَتِهَا فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا تُؤْكَلُ. قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتَرَى مَا قَالَ سَعِيدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا تُؤْكَلُ وَأَرَى أَنْ تُطْرَحَ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ مَنْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا قَدْ قَطَعَ النُّخَاعَ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عِظَامِ الرَّقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعِ الذَّبْحِ فَيَكُونُ بِفِعْلِهِ قَدْ قَتَلَ الْبَهِيمَةَ بِقَطْعِهِ نُخَاعَهَا إذْ هُوَ مَقْتَلٌ مِنْ مَقَاتِلِهَا قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: لَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ ثُمَّ لَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ فِي مَرِّهَا عَلَى الْوَدَجَيْنِ إذْ لَيْسَتْ بِحَادَّةٍ فَقَلَّبَهَا وَقَطَعَ الْأَوْدَاجَ بِهَا مِنْ دَاخِلٍ فَلَا تُؤْكَلُ
(ص) تَمَامُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ الْمُقَدَّمِ بِلَا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ (ش) إضَافَةُ تَمَامُ إلَى الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ الْحُلْقُومِ التَّامِّ
وَلَوْ قَالَ جَمِيعٌ كَانَ أَبَيْنَ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ مَحَلُّ تَمَامٍ لِأَنَّ تَمَامَ عَرَضٌ لَا يُقْطَعُ وَالْمَعْنَى أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الذَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ لِجَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَهِيَ الْقَصَبَةُ الَّتِي هِيَ مَجْرَى النَّفَسِ وَلِجَمِيعِ الْوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ يَتَّصِلُ بِهِمَا أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ وَيَتَّصِلَانِ بِالدِّمَاغِ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الذَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ لَا مِنْ الْمُؤَخَّرِ وَلَا مِنْ الْجَنْبِ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الذَّكَاةِ أَنْ لَا يَحْصُلَ رَفْعٌ قَبْلَ تَمَامِهَا فَإِنْ حَصَلَ مِنْ الذَّابِحِ رَفْعٌ لِيَدِهِ قَبْلَ تَمَامِ الذَّكَاةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا إذَا أَنْفَذَ بَعْضَ مَقَاتِلِهَا وَعَادَ عَنْ بُعْدٍ وَمَا عَدَا هَذِهِ تُؤْكَلُ اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَمْ يُحَرِّرْ تت هَذَا الْمَحَلَّ وَكُلُّ ظَوَاهِرِ الْمَتْنِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِبَعْضِ الْأَقْوَالِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا وَتَمْشِيَتُهُ عَلَيْهَا غَيْرُ سَدِيدٍ وَاَلَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُنَا نَقْلُ الْمَوَّاقِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ كَالْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ قَطْعِ الْمَرِيءِ وَهُوَ عِرْقٌ أَحْمَرُ تَحْتَ الْحُلْقُومِ مُتَّصِلٌ بِالْفَمِ وَرَأْسِ الْمَعِدَةِ وَالْكَرِشِ يَجْرِي فِيهِ الطَّعَامُ مِنْهُ إلَيْهَا وَهُوَ الْبُلْعُومُ
(قَوْلُهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ) تَسَامُحٌ أَيْ لِأَنَّ الصِّفَةَ إنَّمَا هِيَ تَمَامٌ
(قَوْلُهُ كَانَ أَبَيْنَ) أَيْ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْ ارْتِكَابِ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ مَحَلُّ تَمَامِ وَالْمَحَلُّ هُوَ نَفْسُ الْحُلْقُومِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ تَمَامَ عَرَضٌ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ تَمَامِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الشَّيْءِ
(قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ لِجَمِيعِ الْحُلْقُومِ إلَخْ) اشْتِرَاطُ قَطْعِ الْحُلْقُومِ مُخْرِجٌ لِلْغُلْصُمَةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ أَوْ السِّينِ وَهِيَ الَّتِي تُحَازِ الْجَوْزَةَ لِلْبَدَنِ فَلَا تُؤْكَلُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْبَحْ فِي الْحُلْقُومِ وَإِنَّمَا ذُبِحَ فِي الرَّأْسِ وَلَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْأَكْلِ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْجَوْزَةِ مَعَ الرَّأْسِ قَدْرُ حَلْقَةِ الْخَاتَمِ أُكِلَتْ وَلَوْ بَقِيَ قَدْرُ نِصْفِ الدَّائِرَةِ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ نِصْفِ الْحُلْقُومِ وَلَغْوِهِ
(قَوْلُهُ وَهِيَ الْقَصَبَةُ الَّتِي هِيَ مَجْرَى النَّفَسِ) كَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْجَوَاهِرِ وَفِي الْجَوْهَرِيِّ هُوَ الْحَلْقُ
(قَوْلُهُ لَا مِنْ الْمُؤَخَّرِ وَلَا مِنْ الْجَنْبِ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ) أَيْ لِأَنَّهُ يَنْخَعُهَا قَبْلَ ابْتِدَاءِ ذَكَاتِهَا أَوْ قَبْلَ إكْمَالِهَا وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ فِي ضَوْءٍ أَوْ ظُلْمَةٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ غَلَبَةً وَمَعْنَى نَخْعِهَا أَيْ قَطْعِ نُخَاعِهَا وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عِظَامِ الرَّقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعِ الذَّبْحِ لِأَنَّ قَطْعَ النُّخَاعِ مَقْتَلٌ مِنْ مَقَاتِلِهَا فَيَكُونُ قَدْ نَخَعَهَا قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَهَا فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا حَتَّى أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاخِ قَالَ لَوْ أَدْخَلَ الْآلَةَ مِنْ جَانِبِ عُنُقِهَا فَأَنْفَذَهَا إلَى جَانِبِهِ الْآخَرِ وَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ إلَى خَارِجٍ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُذَكِّهَا مِنْ الْمُقَدَّمِ كَذَا فِي ك أَيْ خِلَافًا لعج كَمَا أَفَادَهُ عب
(قَوْلُهُ حَاصِلُهُ) فَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَادَ عَنْ قُرْبٍ أُكِلَتْ مُطْلَقًا أَنْفَذَتْ الْمَقَاتِلَ أَمْ لَا رُفِعَتْ الْيَدُ اخْتِيَارًا أَوْ اضْطِرَارًا
وَأَمَّا إذَا عَادَ عَنْ بُعْدٍ فَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلًا أُكِلَتْ مُطْلَقًا رُفِعَتْ الْيَدُ اخْتِيَارًا أَوْ اضْطِرَارًا وَإِنْ أَنْفَذَ لَمْ تُؤْكَلْ مُطْلَقًا.
فَالصُّوَرُ ثَمَانٍ بَلْ سِتَّ عَشْرَةَ لِأَنَّ الثَّانِيَ
إمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلَ أَوْ غَيْرَهُ لَكِنْ إنْ كَانَ الْعَوْدُ عَنْ بُعْدٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ مُطْلَقًا أَيْ كَانَ هُوَ الْأَوَّلَ أَوْ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهَا لِأَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ مِنْ الْبُعْدِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَوْدُ عَنْ قُرْبٍ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَوَّلَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ احْتَاجَ. وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الذَّابِحِ الِاتِّحَادُ فَيَجُوزُ وَضْعُ شَخْصَيْنِ يَدَهُمَا عَلَى جَمِيعِ مَحَلِّ الذَّبْحِ بِآلَةِ الذَّبْحِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَذَبْحُهُمَا مَعًا لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيَنْبَغِي أَيْضًا جَوَازُ أَكْلِ الذَّبِيحَةِ فِيمَا وَضَعَ شَخْصٌ آلَةَ الذَّبْحِ عَلَى وَدَجٍ وَالْآخَرُ آلَةً عَلَى الْآخَرِ وَقَطَعَا جَمِيعَ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومِ كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ.
(تَنْبِيهٌ) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ صُورَةِ الرَّفْعِ اخْتِيَارًا مِنْ الْأَكْلِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنْهُ ذَلِكَ
وَأَمَّا إنْ تَكَرَّرَ فَلَا لِأَنَّهُ مُلَاعِبٌ
(قَوْلُهُ اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ) صُورَةُ الِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ إذَا تُرِكَتْ تَعِيشُ أَوْ لَا تَعِيشُ وَكَانَ الرَّفْعُ اضْطِرَارًا وَصُورَةُ الرَّاجِحِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ إذَا تُرِكَتْ لَمْ تَعِشْ وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ وَكَانَ الرَّفْعُ اخْتِيَارًا
(تَتِمَّةٌ) حَدُّ الْقُرْبِ ثَلَاثُمِائَةٍ بَاعٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ قَدَّاحٍ أَيَّامَ قَضَائِهِ فِي ثَوْرٍ هَرَبَ قَبْلَ إتْمَامِ ذَكَاتِهِ ثُمَّ أَضْجَعَ وَأُتِمَّتْ ذَكَاتُهُ وَكَانَتْ مَسَافَةُ هُرُوبِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَثِمِائَةِ بَاعَ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كَلَامَهُ فِيمَا إذَا أَنْفَذَ شَيْئًا مِنْ مَقَاتِلِهِ انْتَهَى وَفِي ك قُلْت وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ حَصَلَ الرَّفْعُ فِيهَا اضْطِرَارًا فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا إذَا وَقَعَ الرَّفْعُ اخْتِيَارًا فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا أَنَّ الْقُرْبَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ بَاعٍ انْتَهَى
(قَوْلُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ إلَخْ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ بَيَانُ عَدَمِ قَطْعِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلشَّافِعِيِّ وَانْظُرْ إذَا أَطْعَمَهَا لَهُ ضِيَافَةً مَثَلًا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ
(قَوْلُهُ وَالْكَرِشِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ
(قَوْلُهُ يَجْرِي فِيهِ الطَّعَامُ) أَيْ فِي الْمَرِيءِ وَقَوْلُهُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْفَمِ وَقَوْلُهُ إلَيْهَا أَيْ إلَى الْمَعِدَةِ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الطَّعَامَ لَا يَجْرِي مِنْ الْحُلْقُومِ الَّذِي هُوَ الْحَلْقُ فَقَطْ فَقَدْ
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ الْحُلْقُومُ الْحَلْقُ وَكَذَا فِي الْمِصْبَاحِ.
(بَابٌ) الذَّكَاةُ قَطْعٌ مُمَيَّزٌ يُنَاكِحُ تَمَامَ الْحُلْقُومِ [منح الجليل] [بَابٌ الذَّكَاة] ِ) لُغَةً التَّتْمِيمُ يُقَالُ ذَكَّيْت الذَّبِيحَةَ أَتْمَمْت ذَبْحَهَا وَالنَّارَ أَتْمَمْت إيقَادَهَا وَإِنْسَانٌ ذَكِيٌّ تَامُّ الْفَهْمِ. وَشَرْعًا السَّبَبُ لِإِبَاحَةِ أَكْلِ لَحْمِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَأَقْسَامُهَا: أَرْبَعَةٌ ذَبْحٌ وَنَحْرٌ وَعَقْرٌ وَمَا يَمُوتُ بِهِ نَحْرُ الْجَرَادِ فَالذَّبْحُ. (قَطْعُ) جِنْسٍ خَرَجَ عَنْهُ الْخَنْقُ وَالنَّهْشُ وَإِضَافَتُهُ لِشَخْصٍ (مُمَيِّزٍ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: مُدْرِكٍ بِحَيْثُ يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ، فَصْلٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِصِغَرٍ أَوْ عَتَهٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ نَحْوِهَا (يُنَاكِحُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْكَافِ أَيْ: يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ وَطْءُ الْأُنْثَى الْمُتَدَيِّنَةِ بِدِينِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ، فَصْلٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ قَطْعَ مُمَيِّزٍ مَجُوسِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ فَالْمُفَاعَلَةُ عَلَى غَيْرِ بَابِهَا، وَالنِّكَاحُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ فَشَمِلَ قَطْعَ مُمَيِّزٍ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ حُرًّا كَانَ أَوْ رِقًّا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
وَمَفْعُولُ قَطْعُ قَوْلُهُ (تَمَامَ) أَيْ: جَمِيعَ (الْحُلْقُومِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، أَيْ: الْقَصَبَةِ الْبَارِزَةِ أَمَامَ الرَّقَبَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا النَّفَسُ، فَصْلٌ ثَالِثٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ مُمَيِّزٍ يَجُوزُ وَطْءُ أُنْثَاهُ مَا فَوْقَ الْحُلْقُومِ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي وَصَلَ الْحُلْقُومَ بِالرَّأْسِ وَقَطْعُهُ بَعْضَ الْحُلْقُومِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْحَازَ إلَى الرَّأْسِ دَائِرَةً مِنْ الْحُلْقُومِ وَلَوْ رَقِيقَةً.
فَإِنْ انْحَازَ كُلُّهُ إلَى الْبَدَنِ فَلَا يُؤْكَلُ وَهُوَ مُغَلْصَمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُؤْكَلُ. ابْنُ نَاجِي وَبِهِ الْفَتْوَى عِنْدَنَا بِتُونُسَ مُنْذُ مِائَةِ عَامٍ مَعَ الْبَيَانِ عِنْدَ الْبَيْعِ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ يَأْكُلُهَا الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ، وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ الْمُقَدَّمِ بِلَا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ، [منح الجليل] وَ) قَطْعُ مُمَيِّزٍ تُوطَأُ أُنْثَاهُ جَمِيعَ (الْوَدَجَيْنِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ أَيْ: الْعِرْقَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي جَانِبَيْ الْعُنُقِ يَتَّصِلُ بِهِمَا أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ وَيَتَّصِلَانِ بِالدِّمَاغِ، فَصْلٌ رَابِعٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضَهُمَا.
وَفُهِمَ مِنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ قَطْعُ غَيْرِهَا كَالْمَرِيءِ بِهَمْزِ آخِرِهِ كَأَمِيرٍ أَوْ بِشَدِّ الْيَاءِ وَهُوَ عِرْقٌ أَحْمَرُ بَيْنَ الْحُلْقُومِ وَالرَّقَبَةِ مُتَّصِلٌ بِالْفَمِ وَرَأْسِ الْمَعِدَةِ يَجْرِي مِنْهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَيُسَمَّى الْبُلْعُومَ أَيْضًا. هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَصِلَةُ قَطْعُ (مِنْ الْمُقَدَّمِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مُشَدَّدَةً فَصْلٌ خَامِسٌ مُخْرِجٌ قَطْعَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقَفَا أَوْ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْ الْعُنُقِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِلنُّخَاعِ وَهُوَ مَقْتَلٌ قَبْلَ الذَّبْحِ سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ غَلَبَةً فِي ضَوْءٍ أَوْ ظَلَامٍ، وَمُخْرِجٌ أَيْضًا قَطْعَهُمَا مِنْ جِهَةِ الرَّقَبَةِ إلَى خَارِجٍ. سَحْنُونٌ لَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَلَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ فِي مَرِّهَا عَلَى الْوَدَجَيْنِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ حَادَّةٍ فَأَدْخَلَهَا بَيْنَ الرَّقَبَةِ وَالْوَدَجَيْنِ وَجَعَلَ حَدَّهَا إلَيْهِمَا وَقَطَعَ الْوَدَجَيْنِ بِهَا مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ، فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ زَادَ الشَّاذِلِيُّ عَلَى الْمَذْهَبِ
وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ بَيْنَ الرَّقَبَةِ وَالْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ وَقَطَعَهَا بِهَا مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ فَلَا تُؤْكَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِمُخَالَفَةِ كَيْفِيَّةِ الذَّبْحِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ الشَّارِعِ،
قَالَ نَاظِمُ مُقَدَّمَةِ ابْنِ رُشْدٍ:
وَالْقَطْعُ مِنْ فَوْقِ الْعُرُوقِ بَتُّهُ ...
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ تَحْتِهَا فَمَيْتُهُ قَالَ شَارِحُهَا أَيْ: صِفَةُ الْقَطْعِ أَنْ يَكُونَ مِنْ فَوْقِ الْعُرُوقِ،
فَإِنْ كَانَ مِنْ تَحْتِهَا بِأَنْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ مِنْ تَحْتِ الْعُرُوقِ وَقَطَعَهَا فَهِيَ مَيْتَةٌ فَلَا تُؤْكَلُ. اهـ. وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ عج قَوْلُهُ مِنْ الْمُقَدَّمِ وَلَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ قَطْعُهَا وَفَوْقَ الرَّقَبَةِ بِإِدْخَالِ السِّكِّينِ بَيْنَهُمَا وَالْقَطْعُ بِهَا إلَى خَارِجٍ فَتُؤْكَلُ لِعَدَمِ قَطْعِ النُّخَاعِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَفَادَهُ عب.
وَصِلَةُ قَطْعُ أَيْضًا
باب: في الذكاة] ويسمى هذا الباب كتاب الذكاة وكتاب الذبائح، والذكاة في اللغة أصلها التمام، فمعنى ذكيتَ الذبيحة: أتممتَ ذبحها، وذكيتَ النار: أتممتَ إيقادها، ورجل ذكي أي تام الفهم،
وفي الشرع هي السبب الذي يتوصل به إلى إباحة ما يؤكل لحمه من الحيوان. والذبائح لغة جمع ذبيحة بمعنى مذبوحة،
وفي الشرع قال ابن عرفة: الذبائح لقب لما يحرم بعض أفراده من الحيوان لعدم ذكاته، وسلبها عنه، ولا يباح بها مقدورا عليه فيخرج الصيد. انتهى. أي بقوله: مقدورا عليه، وخرج بقوله: لما يحرم بعض أفراده لخ، ما يحرم جميع أفراده كالخنزير، وما لا يحرم منه فرد كالبحري، وقوله: لعدم ذكاته، كما إذا مات حتف أنفه، وقوله: أو سلبها عنه، كالموقوذة وما معها المنفوذة القاتل. والله سبحانه أعلم. والذبح بالكسر: ما يذبح، وبالفتح: مطلق الشق،
وفي الشرع شق خاص وحكمه الأصلي الجواز، وقد يعرض له الوجوب كما في الهدي والفدية، والندب كالأضحية، والحرمة كالذبح لغير الله، والكراهة كالذبح من الفاسق. وأنواع الذكاة أربعة: ذبح ونحر وعقر وما يموت به نحو الجراد. وحكمة مشروعية الذكاة إزهاق النفس بسرعة واستخراج الفضلات،
ولما قضى الله على خلقه بالفناء وشرف بني آدم بالعقل، أباح لهم أكل الحيوان قوة لأجسامهم وتصفية لمرآة عقولهم، وليستلذوا بطيب لحمها، ويستدلوا به على كمال قدرته، وليتنبهوا على أن للمولى الكريم بهم عناية إذ آثرهم بالحياة على غيرهم. وبدأ المص بالنوع الأول من أنواع الذكاة لكثرة أفراده، فقال: الذكاة قطع مميز؛ يعني أن الذكاة في الذبح هي أن يقطع مميز جميع الحلقوم وجميع الودجين، وقوله: "مميز" ، تحقيقا ولو سكران محققا تمييزه لا صغير لم يميز، أو سكران تحقق عدم تمييزه، أو شك فيه حيث لم يدعه فإن ادعاه عند ذبحه كره أكلها، فأقسامه أربعة.
ولابن رشد: إن ادعى التمييز نوي في حق نفسه. قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما اشترط التمييز لافتقار الذكاة بالإجماع إلى النية، وتصح ذكاة المجنون حال إفاقته. يناكح صفة "لميز" ؛ يعني أنه يشترط في هذا المميز أن يكون ممن تنكح الأنثى منه، فيدخل الكتابي ذكرا أو أنثى ولو صبيا أو أمة، فالمراد بالنكاح الوطء، وسواء في ذلك الذمي والحربي فتؤكل ذبائح الجميع، والفاعلة ليست على بابها؛ لأنه لا يباح لنا أن ننكحهم نساءنا، واحترز بذلك من المجوسي والمرتد والصابي ونحوهم.
وقوله: "قطع" ، احترز به من الخنق والنهش. وبما قررته علم أن قوله: تمام، مفعول لقوله: "قطع" ؛ أي جميع -كما نقله الخرشي عن الشيخ سالم- الحلقوم، مضاف إليه ما قبله، والحلقوم بضم الحاء المهملة والقاف بينهما لام ساكنة هو القصبة البيضاء التي هي مجرى النفس والحس، ولابد أن تبقى دائرة منها إلى الرأس، وإلا فهي المغلصمة فلا تؤكل على المذهب، وهو قول مالك وابن القاسم؛
وقال ابن وهب: تؤكل، وهو مذهب الشافعي. ابن ناجي: وبقول ابن وهب وقعت الفتوى عندنا بتونس منذ مائة عام مع البيان عند البيع،
وفي الخرشي إضافة تمام إلى الحلقوم والودجين من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي الحلقوم التام،
ولو قال: قطع جميع، كان أبين. ويضمن الجزار إن غلصم شاة رجل إن فرط على مذهب مالك وابن القاسم،
لا إن لم يفرط كما لو اضطربت الذبيحة، وهو محمول على عدم التفريط إن ادعاه لأنه أمين، والودجين عطف على قوله: "الحلقوم" ؛ أي وكما يشترط قطع جميع الحلقوم، يشترط قطع جميع الودجين وهما: عرقان في صفحتي العنق يتصل بهما أكثر عروق البدن ويتصلان بالدماغ،
ولا يشترط قطع المريء الأحمر بالهمز كأمير على المشهور وهو مجرى الطعام والشراب، ومقابل المشهور عزاه اللخمي لرواية أبي تمام، وعزاه ابن فرحون له لا لروايته، وعياض لرواية البغداديين. وللشافعي: لابد من قطعه، والظاهر وجوب بيان عدم قطعه عند البيع للشافعي. من المقدم؛ يعني أن الذبح إنما يكون من المقدم لا من القفا، ولا من إحدى صفحتي العنق، وصفة الذبح الذي هو قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين أن يكون من فوق العروق،
وإن كان من تحتها، بأن أدخل السكين من تحتها وقطعها فهي ميتة كان ذلك ابتداء أو في الأثناء،
وفي شرح الشيخ عبد الباقي: فلا يؤكل ما ذبح من القفا ولا من إحدى صفحتي العنق، فعل ذلك عمدا أو غلبة في ضوء أو ظلمة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله أو غلبة إلى آخره، في التوضيح ما نصه: لو ذبح من القفا في ظلام وظن أنه أصاب وجه الذبح ثم تبين خلاف ذلك لم تؤكل. نص عليه في النوادر.
محمد: وأما من أراد أن يذبح في الحلقوم فأخطأ فانحرف فإنها تؤكل. انتهى. وذهب جماعة من أهل العلم خارج المذهب إلى إباحة أكل ما ذبح من القفا. قاله الحطاب.
وفيه: ويشترط في الذبح أن يكون من الحلقوم،
وفي حاشية الشيخ الأمير عند قوله: "من المقدم" ، فلا يضر الانحراف فيه حيث لم يلزم النخع قبل تمام الذكاة. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.