وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إنْ خَفَّ
الشروح عليها
(و) قُضِيَ (بِجُلُوسِ بَاعَةٍ) أَصْلُهُ بَيْعَةٌ بِفَتْحِ الْيَاءِ جَمْعُ بَائِعٍ كَحَائِكٍ وَحَاكَةٍ وَصَائِغٍ وَصَاغَةٍ تَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلِفًا (بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ) وَهِيَ مَا فَضَلَ عَنْ الْمَارَّةِ مِنْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ نَافِذٍ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا أَوَّلًا فَلَا فِنَاءَ لِضِيقٍ أَوْ غَيْرِ نَافِذٍ (لِلْبَيْعِ) أَيْ لِأَجْلِهِ لَا لِنَحْوِ حَدِيثٍ (إنْ خَفَّ) الْبَيْعُ أَوْ الْجُلُوسُ،
فَإِنْ كَثُرَ كَكُلِّ النَّهَارِ أَوْ أَضَرَّ بِالْمَارَّةِ مُنِعَ فَضْلًا عَنْ الْقَضَاءِ بِهِ وَفِنَاءُ الْمَسْجِدِ كَفِنَاءِ الدُّورِ قِيلَ ثُمَّ الرَّاجِحُ جَوَازُ كِرَاءِ الْأَفْنِيَةِ خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ التَّتَّائِيُّ فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ وَهِيَ مَا فَضَلَ إلَخْ) أَيْ وَأَفْنِيَةُ الدُّورِ الَّتِي يُقْضَى بِجُلُوسِ الْبَاعَةِ فِيهَا عَلَى مَا زَادَ عَلَى مُرُورِ النَّاسِ فِي طَرِيقٍ وَاسِعَةٍ نَافِذَةٍ
(قَوْلُهُ فَلَا فِنَاءَ لِضِيقٍ إلَخْ) أَيْ لَا فِنَاءَ لِلدُّورِ الَّتِي فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ أَوْ غَيْرِهِ نَافِذَةٍ أَيْ لَا فِنَاءَ فِيهَا يُمَكَّنُ مِنْهُ الْجَالِسُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ لِخُصُوصِ أَهْلِ دُورِهَا وَالْحَقُّ فِي النَّافِذَةِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَيُمْنَعُ مِنْ ضِيقٍ عَلَيْهِمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنَّمَا يُقْضَى بِجُلُوسِ الْبَاعَةِ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ إنْ خَفَّ الْجُلُوسُ وَكَانَ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ لِاتِّسَاعِ الطَّرِيقِ وَأَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ نَافِذَةً وَأَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُمْ لِلْبَيْعِ
(قَوْلُهُ لَا لِنَحْوِ حَدِيثٍ) أَيْ لَا يُقْضَى بِجُلُوسِهِمْ لِنَحْوِ حَدِيثٍ بَلْ يُمْنَعُ فَضْلًا عَنْ الْقَضَاءِ بِهِ
(قَوْلُهُ وَفِنَاءُ الْمَسْجِدِ كَفِنَاءِ الدُّورِ) أَيْ فِي كَوْنِهِ يُقْضَى بِجُلُوسِ الْبَاعَةِ فِيهِ إنْ خَفَّ وَلَمْ يُضَيَّقْ عَلَى مَارٍّ
(قَوْلُهُ ثُمَّ الرَّاجِحُ جَوَازُ كِرَاءِ الْأَفْنِيَةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ أَفْنِيَةَ دُورٍ أَوْ حَوَانِيتَ فَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَوْ الْحَانُوتِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ مِنْ الْبَاعَةِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ كَثِيرًا فِي فِنَاءِ دَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ فَفِي الْمَوَّاقِ سَمَحَ عِيسَى بْنُ الْقَاسِمِ لِأَصْحَابِ الْأَفْنِيَةِ الَّتِي انْتِفَاعُهُمْ بِهَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ أَنْ يَكْرُوَهَا ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَهُ اهـ. وَهُوَ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ فِنَاءَ الْحَوَانِيتِ وَغَيْرِهَا وَبِهِ يَسْقُطُ تَنْظِيرُ عبق فِي فِنَاءِ الْحَوَانِيتِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ تت) أَيْ مِنْ مَنْعِ كِرَائِهَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النَّقْلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافُهُ
ص (وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إنْ خَفَّ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِنَاءُ الدَّارِ هُوَ مَا بَيْنَ يَدَيْ بِنَائِهَا فَاضِلًا عَنْ مَمَرِّ الطَّرِيقِ الْمُعَدِّ لِلْمُرُورِ غَالِبًا كَانَ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا، أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُشِيرُ لِأَنَّهُ الْكَائِنُ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الْقَسْمِ:
وَإِنْ قَسَمَا دَارًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ طَائِفَةً فَمَنْ صَارَتْ لَهُ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّهِ فَهِيَ لَهُ، وَلَا يُعَدُّ مِنْ الْفِنَاءِ،
وَإِنْ كَانَتْ فِي هَوَاءِ الْأَفْنِيَةِ وَفِنَاءِ الدَّارِ لَهُمْ أَجْمَعِينَ الِانْتِفَاعُ بِهَا انْتَهَى.
(قُلْت:) وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي تَفْسِيرِ الْفِنَاءِ إلَّا مَا أَخَذَهُ مِنْ كِتَابِ الْقَسْمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ فَقَالَ الْأَفْنِيَةُ دُورُ الدُّورِ كُلِّهَا مُقْبِلُهَا وَمُدْبِرُهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْأَفْنِيَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الطَّرِيقِ يُكْرِيهَا أَهْلُهَا أَذَلِكَ لَهُمْ وَهِيَ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ
أَمَّا كُلُّ فِنَاءٍ ضَيِّقٍ إذَا وُضِعَ فِيهِ شَيْءٌ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِهِمْ فَلَا أَرَى أَنْ يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَأَنْ يُمْنَعُوا
وَأَمَّا كُلُّ فِنَاءٍ إنْ انْتَفَعَ بِهِ أَهْلُهُ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَمَرِّهِمْ - لِسِعَتِهِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ لِأَرْبَابِ الْأَفْنِيَةِ أَنْ يَكْرُوهَا - مِمَّنْ يَصْنَعُ فِيهَا مَا لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ عَلَى الْمَارَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَكَانُوا أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَكْرُوهَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى.
، وَقَالَ قَبْلَهُ فِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ لَهُ دَارَانِ وَهُمَا فِي رَحْبَةٍ، وَأَهْلُ الطَّرِيقِ رُبَّمَا ارْتَفَقُوا بِذَلِكَ الْفِنَاءِ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْ الْأَحْمَالِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ نِجَافًا وَبَابًا حَتَّى تَكُونَ الرَّحْبَةُ لَهُ فِنَاءً، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّحْبَةِ بَابٌ، وَلَا نِجَافٌ قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الرَّحْبَةِ نِجَافًا وَبَابًا لِيَخْتَصَّ بِمَنْفَعَتِهَا وَيَقْطَعَ مَا لِلنَّاسِ مِنْ الْحَقِّ فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا؛
لِأَنَّ الْأَفْنِيَةَ لَا تُحْجَرُ إنَّمَا لِأَرْبَابِهَا الِارْتِفَاقُ بِهَا وَكِرَاؤُهَا فِيمَا لَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فِيهِ مِنْ النَّاسِ، وَلَا يَضُرُّ بِهِمْ فِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بَعْدَ هَذَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ تَحَجَّرَ مِنْ الْفِنَاءِ الْوَاسِعِ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَضُرُّ تَحْجِيرُهُ بِمَنْ يَمُرُّ فِي الطَّرِيقِ هَلْ يُقَرُّ ذَلِكَ أَمْ يُهْدَمُ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي رَسْمِ زُونَانَ وَسَمَاعِ أَصْبَغَ بَعْدَ هَذَا انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِرَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِكَلَامِهِ الَّذِي فَوْقَ هَذَا وَبِسَمَاعِ زُونَانَ وَسَمَاعِ أَصْبَغَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُهْدَمُ بِنَاءٌ بِطَرِيقٍ،
وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ، وَالنِّجَافُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْعَتَبَةُ وَهِيَ أُسْكُفَّةُ الْبَابِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالطُّرُقِ إثْرَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ مَا نَصُّهُ (قُلْت:) وَهَذِهِ الْكُلِّيَّةُ غَيْرُ صَادِقَةٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَبَيْتِ الْمَدْرَسَةِ لِلطَّالِبِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِنَقْلٍ يَرُدُّهُ لَكِنْ قَالَ قَبْلَهُ بِنَحْوِ السَّبْعَةِ الْأَوْرَاقِ ابْنُ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ: وَالْمَحْفُوفَةُ بِالْمِلْكِ لَا تَخْتَصُّ وَلِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِهِ وَحَرِيمِهِ (قُلْت:) فِي تَسْوِيَةِ الِانْتِفَاعِ بِحَرِيمِهِ وَمِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ عَطْفِهِ عَلَيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى حَرِيمِهِ الْمُغَايِرَ لِمُسَمَّى مِلْكِهِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى الْفِنَاءِ وَلَيْسَ انْتِفَاعُهُ بِهِ كَانْتِفَاعِهِ بِمِلْكِهِ لِجَوَازِ كِرَائِهِ مِلْكَهُ مُطْلَقًا
وَأَمَّا فِنَاؤُهُ فَسُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَنُقِلَ كَلَامُ الْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمُ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَكَلَامُهُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ انْتِفَاعُهُ بِفِنَائِهِ كَانْتِفَاعِهِ بِمِلْكِهِ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأَقْضِيَةِ: أَفَنِيَةُ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةِ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ الَّتِي لِأَرْبَابِهَا تَحْجِيرُهَا عَلَى النَّاسِ لِمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الِارْتِفَاقِ بِهَا فِي مُرُورِهِمْ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْهُمْ بِالْأَحْمَالِ وَشِبْهِهَا إلَّا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الرَّحَى وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْعِ الَّذِي فِي آخَرِ الْقَوْلَةِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ نَحْوُ هَذَا وَرَأَيْت فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ مَا نَصُّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَيْ رَبَّ الْفِنَاءِ مُقَدَّمٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْفِنَاءِ فِي رَبْطِ دَابَّتِهِ وَإِلْقَاءِ كُنَاسَتِهِ وَحَفْرِ بِئْرِ مِرْحَاضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ حَتَّى ادَّعَى ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ لَهُ كِرَاءَهُ؛
لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ جَازَ لَهُ كِرَاؤُهَا وَالصَّوَابُ أَنَّ لَهُ الِانْتِفَاعَ فَقَطْ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفُ التَّامُّ انْتَهَى.
(قُلْت:) فِي قَوْلِهِ: ادَّعَى ابْنُ رُشْدٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ،
وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ: الْفِنَاءُ مَا يَلِي الْجُدْرَانَ مِنْ الشَّارِعِ الْمُتَّسِعِ النَّافِذِ فَلَا فِنَاءَ لِلشَّارِعِ الضَّيِّقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْضُلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ الْمَارَّةِ
وَكَذَا لَا فِنَاءَ لِغَيْرِ النَّافِذَةِ؛ وَلِأَنَّ لِلْأَفْنِيَةِ حُكْمَ الطَّرِيقِ وَهِيَ لَا تُمْلَكُ، وَإِنَّمَا لِأَرْبَابِهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُمْ أَنْ يَكْرُوهَا انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا كِرَاءَ لَهُمْ خُصُوصًا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَلِلسَّابِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ إنْ خَفَّ هُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَا يُمْنَعُ الْبَاعَةُ مِنْهَا فِيمَا خَفَّ، وَلَا غَيْرُهُمْ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: فِيمَا خَفَّ مِمَّا يُسْتَدَامُ خَلِيلٌ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغْرِزُونَ الْخَشَبَ فِي الشَّوَارِعِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُمْ غُصَّابٌ لِلطَّرِيقِ، وَقَالَهُ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالطُّرُقِ الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْوَاضِحَةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وَقَضَى عُمَرُ بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ ابْنُ حَبِيبٍ تَفْسِيرُهُ يَعْنِي بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَجَالِسِ وَالْمَرَابِطِ وَالْمَسَاطِبِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ لِلْبَيْعِ الْخَفِيفِ وَمَرَّ عُمَرُ بِكِيرِ حَدَّادٍ فِي الطَّرِيقِ فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ،
وَقَالَ: يُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ السُّوقَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: وَالْمَسَاطِبِ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ الدِّكَكُ الَّتِي تُبْنَى إلَى جَانِبِ الْأَبْوَابِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَسَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ سَحْنُونًا عَمَّنْ بَنَى عَلَى بَابِ دَارِهِ فِي السِّكَّةِ دُكَّانًا وَهِيَ لَا تَضُرُّ بِالزُّقَاقِ غَيْرَ أَنَّهَا قُبَالَةُ دَارِ رَجُلٍ وَهِيَ تَضُرُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهَا وَيَقْعُدُ نَاسٌ فَقَالَ: يُمْنَعُ مِنْ بِنَائِهَا إذَا كَانَتْ تَضُرُّ بِالْآخَرِ انْتَهَى.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَضُرَّ بِالْآخَرِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ بِنَائِهَا، وَنَقَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ وَابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ
[فَرْعٌ لِقَوْمٍ فِنَاءٌ وَغَابُوا عَنْهُ وَاُتُّخِذَ مَقْبَرَةً] (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأَقْضِيَةِ إثْرَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ: أَفْنِيَةِ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةِ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ فَإِذَا كَانَ لِقَوْمٍ فِنَاءٌ وَغَابُوا عَنْهُ وَاُتُّخِذَ مَقْبَرَةً فَمِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَعُودُوا إلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا لِلرَّمْيِ فِيهَا إذَا قَدِمُوا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ مَالِكٌ دَوْسَهَا إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً مُسَنَّمَةً لَمْ تُدَسْ، وَلَا عَفَتْ لِمَا جَاءَ فِي دَوْسِ الْقُبُورِ فَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ» ،
وَقَالَ «إنَّ الْمَيِّتَ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ» ،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: إنَّمَا كَرِهَ لَهُمْ دَوْسَهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَفْنِيَةِ،
وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَارُوا وَانْتَفَعُوا بِظَهْرِهَا ابْنُ رُشْدٍ لَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ وَدُفِنَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ كَانَ مِنْ حَقِّهِمْ نَبْشُهَا وَتَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ إجْرَاءَ الْعَيْنِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ اقْتِطَاعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَالتَّحْوِيزِ عَلَيْهِ بِبِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ] (فَرْعٌ)
وَأَمَّا اقْتِطَاعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَالتَّحْوِيزِ عَلَيْهِ بِبِنَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا يُبَاحُ لِذِي الْفِنَاءِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي دَارِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَهُوَ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ هُدِمَ عَلَيْهِ وَيُقَرُّ كَمَا كَانَ،
وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَفِي هَدْمِهِ قَوْلَانِ لِسَمَاعِ زُونَانَ ابْنَ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ وَأَصْبَغَ مَعَ سَمَاعِهِ، وَالْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ أَكْثَرُ وَالثَّانِي أَظْهَرُ وَرَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ فِي سُؤَالٍ كَتَبَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَسْأَلُ عَنْ شَخْصٍ بَنَى حَائِطًا بِجَنْبِهِ فِي بَطْنِ وَادٍ، وَقَدْ كَانَ حَائِطُهُ دُونَ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ: إنْ كَانَ الْحَائِطُ الَّذِي بَنَاهُ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ، أَوْ بِجَارِهِ فَيُهْدَمُ مَا بَنَاهُ،
وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ، وَلَا بِجَارِهِ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ تَزَيَّدَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ لَا يُهْدَمُ بُنْيَانُهُ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ بُنْيَانُهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي الْبُنْيَانِ،
وَإِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَهُوَ الَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى.
(وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إنْ خَفَّ) تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ يُقْضَى لِأَرْبَابِ الدُّورِ بِالْأَفْنِيَةِ لِلْحَوَائِطِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إنْ خَفَّ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُقْضَى لِلْبَاعَةِ أَيْ لِلسُّوقَةِ بِالْجُلُوسِ فِي أَفْنِيَةِ الدُّورِ لِأَجْلِ الْبَيْعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا خَفِيفًا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقْضَى بِهِ قَالَ أَصْبَغُ إنَّمَا يُبَاحُ الْجُلُوسُ مَا لَمْ يُضَيِّقُوا الطَّرِيقَ أَوْ يَمْنَعُوا الْمَارَّةَ أَوْ يَضُرُّوا بِالنَّاسِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ لِلْبَيْعِ مِنْ جُلُوسِ الْبَاعَةِ لِلتَّحَدُّثِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُمْ يُقَامُونَ وَضَمِيرُ إنْ خَفَّ يَصِحُّ عَوْدُهُ لِلْبَيْعِ أَوْ لِلْجُلُوسِ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ مُتَعَدِّدٍ فَمَنْ حَصَلَ بِجُلُوسِهِ الضَّرَرُ فَإِنَّهُ يُقَامُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إنَّمَا حَصَلَ الضَّرَرُ بِانْضِمَامِ جُلُوسِهِ لِجُلُوسِ مَنْ قَبْلَهُ وَلَا يُرَاعَى كُلُّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الضَّرَرُ وَقَدْ وُجِدَ وَلَوْ بِالِانْضِمَامِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ بَاعَةٍ) أَصْلُهُ بَيْعَةٌ تَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلْفًا وَهُوَ جَمْعُ بَائِعٍ
(قَوْلُهُ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ) جَمْعُ فِنَاءٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِنَاءُ الدُّورِ مَا بَيْنَ بِنَائِهَا فَاضِلًا عَنْ مَمَرِّ الطَّرِيقِ الْمُعَدِّ لِلْمُرُورِ غَالِبًا بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ مَا نَصُّهُ قُلْت الْفِنَاءُ مَا يَلِي الْجِدَارَ مِنْ الشَّارِعِ الْمُتَّسَعِ النَّافِذِ فَلَا فِنَاءَ لِلشَّارِعِ الضَّيِّقِ لِأَنَّهُ لَا يَفْضُلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ الْمَارَّةِ
وَكَذَا لَا فِنَاءَ لِغَيْرِ النَّافِذِ اهـ.
(قَوْلُهُ بِانْضِمَامِ جُلُوسِهِ) أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالِانْضِمَامِ مُصَاحِبًا لِانْضِمَامِهِ بِأَنْ يَقْعُدَ بِلَصْقِهِ أَوْ بَعْدَهُ كَأَنْ يَقْعُدَ وَاحِدٌ مِنْ الصُّبْحِ لِلظُّهْرِ ثُمَّ قَامَ وَقَعَدَ آخَرُ وَحَصَلَ الضَّرَرُ بِقُعُودِ الْآخَرِ لَكِنْ بِسَبَبِ كَوْنِ الْأَوَّلِ قَعَدَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ فَإِنَّ الثَّانِيَ يُقَامُ وَقَوْلُهُ وَلَا يُرَاعَى كُلُّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ هَذَا يَأْتِي فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَقَوْلُهُ وَلَوْ بِالِانْضِمَامِ
إمَّا مَعِيَّةً أَوْ بَدَلًا كَمَا تَقَرَّرَ.
(تَنْبِيهٌ) الرَّاجِحُ جَوَازُ كِرَاءِ الْأَفْنِيَةِ وَإِذَا أَكْرَاهُ رَبُّهُ فَلِلْمُكْتَرِي مَنْعُ مَنْ يَجْلِسُ فِيهِ تَقْرِيرٌ وَقَدْ يُقَالُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ رَبِّهِ قَالَ عج وَانْظُرْ فِنَاءَ الْحَوَانِيتِ وَفِنَاءُ الْمَسْجِدِ كَالدَّارِ أَوْ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي الْجُمْلَةِ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا خَفَّ كَفِنَاءِ الدَّارِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ كِرَاءَ أَفْنِيَةِ الْمَسَاجِدِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَرِدُ أَنْ يُقَالَ حَيْثُ كَانَ لَهُ الْكِرَاءُ فَمَا وَجْهُ كَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ الْبَاعَةَ الْجُلُوسَ فِيهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ قَالَهُ الْبَدْرُ.
(وَ) قُضِيَ (بِجُلُوسِ بَاعَةٍ) جَمْعِ بَائِعٍ كَحَاكَةٍ جَمْعِ حَائِكٍ وَصَاغَةٍ جَمْعِ صَائِغٍ (بِأَفْنِيَةٍ) جَمْعِ فِنَاءٍ كَأَبْنِيَةٍ جَمْعِ بِنَاءٍ، أَيْ فُسُحَاتِ (الدُّورِ) بِضَمِّ الدَّالِ جَمْعِ دَارٍ، وَصِلَةُ جُلُوسٍ (لِلْبَيْعِ) لَا لِلْحَدِيثِ أَوْ اللَّعِبِ (إنْ خَفَّ) الْجُلُوسُ لِلْبَيْعِ
وَظَاهِرُهُ لِأَرْبَابِ الدُّورِ وَغَيْرِهِمْ وَقَرَّرَ بِهِ الشَّارِحُ، وَاَلَّذِي فِي ابْنِ الْحَاجِبِ قَضَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَرْبَابِ الدُّورِ، وَبِهِ قَرَّرَ الْبِسَاطِيُّ وَبَعْضُ مَشَايِخِي قَالَهُ تت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ابْنُ عَرَفَةَ فِنَاءُ الدَّارِ مَا بَيْنَ يَدَيْ بِنَائِهَا فَاضِلًا عَنْ مَمَرِّ الطَّرِيقِ الْمُعَدِّ لِلْمُرُورِ غَالِبًا كَانَ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا أَوْ غَيْرِهِ، وَكَانَ بَعْضٌ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ مَا بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِقَوْلِهَا وَإِنْ قَسَمَا دَارًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ طَائِفَةً،
فَمَنْ صَارَتْ لَهُ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّهِ فَهِيَ لَهُ وَلَا تُعَدُّ مِنْ الْفِنَاءِ وَإِنْ كَانَتْ فِي هَوَاءِ الْأَفْنِيَةِ وَفِنَاءُ الدَّارِ لَهُمْ أَجْمَعِينَ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
الْحَطّ كَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي تَفْسِيرِ الْفِنَاءِ إلَّا مَا أَخَذَ عَنْ نَصِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ فَقَالَ الْأَفْنِيَةُ دُونَ الدُّورِ كُلِّهَا مُقْبِلِهَا وَمُدْبِرِهَا.
الثَّانِي: مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْأَفْنِيَةُ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ يُكْرِيهَا أَهْلُهَا أَذَلِكَ لَهُمْ وَهُوَ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ
أَمَّا كُلُّ فِنَاءٍ ضَيِّقٍ إذَا وُضِعَ فِيهِ شَيْءٌ أَضَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِهِمْ فَلَا أَرَى أَنْ يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنْ الِانْتِقَاعِ بِهِ وَأَنْ يُمْنَعُوا
وَأَمَّا كُلُّ فِنَاءٍ إنْ انْتَفَعَ بِهِ أَهْلُهُ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مُرُورِهِمْ لِسَعَتِهِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ إنَّ لِأَرْبَابِ الْأَفْنِيَةِ أَنْ يَكْرُوهَا مِمَّنْ يَصْنَعُ بِهَا مَا لَا يُضَيِّقُ بِهِ الطَّرِيقَ عَلَى الْمَارَّةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُكْرُوهَا لِأَنَّ مَا كَانَ لِلرَّجُلِ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَانَ لَهُ كِرَاؤُهُ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْكُلِّيَّةُ غَيْرُ مُسَلَّمَةٌ، لِأَنَّ بَعْضَ مَا لِلرَّجُلِ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ كِرَاؤُهُ كَجِلْدِ أُضْحِيَّةٍ وَبَيْتٍ وَمَدْرَسَةٍ لِطَالِبٍ وَنَحْوِهِمَا.
الثَّالِثُ: سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَمَّنْ لَهُ دَارَانِ بَيْنَهُمَا رَحْبَةٌ، وَأَهْلُ الطَّرِيقِ رُبَّمَا ارْتَفَقُوا بِهِ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْ الْأَحْمَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَدَخَلُوهُ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ نِجَافًا وَبَابًا حَتَّى تَكُونَ الرَّحْبَةُ فِنَاءً لَهُ. وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا بَابٌ وَلَا نِجَافٌ فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الرَّحْبَةِ نِجَافًا وَلَا بَابًا لِيَخْتَصَّ بِمَنْفَعَتِهَا وَيَقْطَعُ حَقَّ النَّاسِ مِنْهَا فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا لِأَنَّ الْأَفْنِيَةَ لَا تُحْجَرُ إنَّمَا وَلِلسَّابِقِ [منح الجليل] لِأَرْبَابِهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَكِرَاؤُهَا فِيمَا لَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فِيهَا مِنْ النَّاسِ.
الرَّابِعُ: مَفْهُومُ إنْ خَفَّ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِجُلُوسِهِمْ لَمَّا كَثُرَ وَطَالَ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَا يُمْنَعُ فِيمَا خَفَّ الْبَاعَةُ وَلَا غَيْرُهُمْ. التَّوْضِيحُ اُحْتُرِزَ بِمَا خَفَّ مِمَّا يُسْتَدَامُ. خَلِيلٌ وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْرِزُونَ الْخَشَبَ فِي الشَّوَارِعِ عِنْدَنَا لِأَنَّهُمْ غُصَّابٌ لِلطَّرِيقِ، وَقَالَهُ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
الْخَامِسُ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَفْنِيَتِهِمْ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وَقَضَى عُمَرُ بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ. ابْنُ حَبِيبٍ أَيْ بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَجَالِسِ وَالْمَرَابِطِ وَالْمَسَاطِبِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ لِلْبَيْعِ الْخَفِيفِ. وَمَرَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِكِيرِ حَدَّادٍ فِي السُّوقِ فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ،
وَقَالَ يُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ السُّوقَ اهـ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَسَاطِبِ الدِّكَكُ الَّتِي تُبْنَى إلَى جَانِبِ الْأَبْوَابِ، وَأَمَامَ الْحَوَانِيتِ.
السَّادِسُ: ابْنُ رُشْدٍ أَفْنِيَةُ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةُ بِالطَّرِيقِ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ،
فَإِذَا كَانَ لِقَوْمٍ فِنَاءٌ وَغَابُوا فَاتُّخِذَ مَقْبَرَةً،
فَمِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَعُودُوا إلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا لِلرَّمْيِ فِيهَا إذَا قَدِمُوا إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لَهُمْ دَرْسَهَا إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً مُسَنَّمَةً لَمْ تَنْدَرِسْ وَلَمْ تَعْفُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ» ، وَقَوْلِهِ «الْمَيِّتُ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ» ،
فَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ وَدُفِنَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ كَانَ مِنْ حَقِّهِمْ نَبْشُهَا وَتَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وبجلوس باعة بأفنية الدور للبيع إن خف يعني أنه يقضى للباعة بالجلوس في أفنية الدور لأجل البيع إذا كان ذلك شيئا خفيفا، وإلا فلا يجوز فضلا عن أن يقضى به، قال أصبغ؛ إنما يباح الجلوس ما لم يضيقوا الطريق أو يمنعوا المارة أو يضروا بالناس، واحترز بقوله: "للبيع" من جلوس الباعة للتحدث ونحوه فإنهم يقامون، وضمير "إن خف" يصح عوده على البيع أو الجلوس، وسواء كان من واحد أو متعدد،
فمن حصل بجلوسه الضرر فإنه يقام وإن لم يكن، إنما حصل الضرر بانضمام جلوسه لجلوس من قبله، ولا يراعى كل واحد بانفراده لأن العلة الضرر وقد وجد ولو بالانضمام. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: وبجلوس باعة بأفنية الدور وهي ما فضل عن المارة من طريق واسعة نافذة، قال ابن عرفة: كان بين يدي بابها أم لا لا ضيقة أو غير نافذة إذ لا فناء حينئذ للدور للبيع لا للتحدث إن خف أي البيع أو الجلوس،
فإن لم يخِفَّ كجلوسهم النهار كله أو غالبه ككير الحداد ونحوه لم يجز فضلا عن أن يقضى به، قال أصبغ: إنما يباح الجلوس ما لم يضيقوا الطريق أو يمنعوا المارة ويضروا بالناس. اهـ. قال أحمد: وقع السؤال لبعض شيوخنا عما إذا كانت العادة في السوق أن يجلس شخص في الأفنية، ثم بمجرد ذهابه يأتي آخر وهكذا إلى انقضاء النهار، فهل لأرباب الدور المنع؟ فأجاب بأنه لا منع لهم لأن هذه العادة قد تتخلف،
وإذا ذهب الجالس قد لا يأتي غيره. اهـ. وقد يبحث فيه بأن ما يحصل به الضرر يمنع، كان من واحد أو متعدد،
ولو كان إنما يحصل بانضمام جلوسه لجلوس من قبله كما يفيده مفهوم المص، ولذا قال بعض شراحه كما مر مفهومه إن لم يخِفَّ بأن ضر بالمارة أو ضيق أو شوش فلا يجوز الإذن به فضلا عن أن يقضى به. اهـ. وفناء المسجد كالدار أو أولى لأنه مباح في الجملة، وينبغي تقييده بما خف كفناء الدار ثم الراجح جواز كراء الأفنية،
وفي التتائي ما يخالف ذلك وإذا أكراه ربه فللمكتري منع من يجلس تقرير، وقد يقال: يصير بمنزلة ربه. قاله الأجهوري. وانظر فناء الحوانيت. اهـ. قوله: ثم الراجح جواز كراء الأفنية لخ هذا نص عليه في سماع ابن القاسم، وحكى عليه ابن رشد الاتفاق. انظر المواق. ونصه: سمع عيسى ابن القاسم لأرباب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها، ابن رشد: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز أن يكريه.
انتهى. وهو يشمل بعمومه فناء الحوانيت وغيره، وبه يسقط تنظير الزرقاني. واللَّه أعلم. انتهى.
وقال المواق من ابن يونس: قضى عمر رضي اللَّه عنه بالأفنية لأرباب الدور، ابن حبيب: يعني بالانتفاع للمجالس والمرابط والمساطب أي الدكك التي تبنى بجانب الأبواب، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة وليس أن يحاز بالبنيان والتحظير. وقاله من أرضى من أهل العلم. وقد مر عمر بكير حداد في السوق فأمر به فهدم،
وقال: تضيقون على الناس السوق،
وقال صلى اللَّه عليه وسلم: (إذا اختلف الناس في الطريق فحدها سبعة أذرع) ، وسمع ابن القاسم: لأرباب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها. ابن رشد: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز له أن يكريه. ابن عرفة: هذه الكلية غير صادقة إذ لا يجوز أن يكرى جلد الأضحية ولا بيت الدرسة للطالب ونحوه، وقد تقدم أن إجارة الأضحية تجوز على قول سحنون، ولم يذكر الباجي ولا ابن يونس ولا الشيخ غيره،
وأما بيت المدرسة فقال البرزلي: كنت بالديار المصرية وذكر أن أصحاب المدارس والزوايا لا يجوز لهم بيع ولا هبة ولا عارية، ثم إني افتقرت لسكنى بعضها فأعارني طالب بيتا في مدرسة شيخون، وأعارني آخر أخرى في المدرسة المصرية حالة الرجعة، فاعترضوا علي بما كنت أفتيت فأجبت بأني من أهل الحبس، لكن سبقني فيه غيري فإذا طابت نفسه زمنا ما برفع يده عنه أو مطلقا فهو جائز، وقويته بما أجابني به ابن عرفة في التطهير في مطاهر المدارس أنه إن كان من جنس الحبس فيسوغ له ذلك، قال القرافي: يجوز لساكن المدارس إنزال الضيف المدة اليسيرة
بخلاف المدة الكثيرة. اهـ. قال ابن رشد: ولا يباح لذي الفناء أن يدخله في داره،
فإن فعل وهو يضر بالطريق هدم عليه ورد إلى ما كان،
وإن كان لا يضر فقال أشهب وابن وهب: يهدم كذلك، ونقل ابن يونس عن أصبغ: إذا كان لهم أن يحموه فابتنى منهم مبتنٍ وأدخله في بنيانه لم يمنع إن كان الطريق وراءه واسعا وأكرهه ابتداء،
فإن فعل لم أحكم عليه بزواله،
وقال أشهب مثل ذلك، وروي عن أشهب أنه كرهه: قال ابن رشد: القائلون بالهدم أكثر والقول بعدم الهدم أظهر، وأفتى بالأول يحيى بن يحيى وغيره، وأفتى بعدم الهدم ابن لبابة وغيره. اهـ كلام المواق. قوله: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز له أن يكريه لخ. قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: فيه
وفي قول ابن عرفة بعده ما يدل على أنه يجوز استيجار الكلب وجلد الميتة. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: قوله باعة جمع بائع أصله بيعة بفتح الباء والياء والعين تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فوجب قلبه الفا كما في القاعدة المقررة المشار إليها بقول محمد بن مالك رحمه اللَّه تعالى: من واو أو ياء بتحريك أصل … ألفا أبدل بعد فتح متصل لخ وللسابق يعني أنه يقضى للسابق من الباعة للأفنية، قال الخرشي: يعني أن من سبق إلى مكان من الطريق ليبيع فيه أو غيره فإنه يقضى له به.
انتهى. وقال المواق: عياض: قالوا من قعد من الباعة في موضع من أفنية الطرق وأفضية البلاد غير المتملكة من أصحاب الحوائج أو المرافق فهو أولى به ما دام به جالسا،
فإن قام منه ونيته الرجوع إليه من غده بمتاعه، فروى الماوردي عن مالك أنه أحق به،
وقيل السابق أحق به وهو قول الجمهور. كمسجد يعني أن من سبق إلى مكان من المسجد وجلس فيه فإنه يقضى له به، قال عبد الباقي: إلا أن يعتاد غير السابق الجلوس بالمحل الذي جلس به السابق لتعليم علم كتدريس أو إفتاء فإنه أحق به من غيره إذا عرف به. قاله مالك.
وقال: الجمهور أحق به استحسانا لا وجوبا. عياض: ولعله مراد مالك. قاله التتائي. ومعنى كونه استحسانا أن القاضي يقول له الأحسن أو الأولى عند اللَّه جلوسك في محلك المعتاد لتدريس علم أو إفتائك فيكون خارجا مخرج الفتوى لا مخرج الحكم، وانظره مع تصدير الشيخ أحمد بابا بعبارة الإمام،
ثم قال: وقيل معنى أحق استحسانا. انتهى. والظاهر أن اختصاصه في الوقت الذي اعتاد فيه ما ذكر فقط لا بوقت غيره بدله أو أزيد منه ولا ما غاب عنه غيبة انقطاع ولا ما اعتاده والده. ابن ناجي: ومواضع الطلبة عندنا بتونس يقضى لهم بها. انتهى. قوله: ومعنى كونه استحسانا أن القاضي يقول له الأحسن أو الأولى عند اللَّه جلوسك في محلك لخ، قال البناني: لا معنى لهذا،
فإن من اعتاد الجلوس لا يطلب بملازمة المحل المعتاد له، وإنما معنى الاستحسان أن يقول لمن سبق لوضع اعتاده غيره الأحسن قيامك منه ليقعد فيه من اعتاده. فتأمل.
فائدة: إذا جلس في موضع من المسجد ثم قام لقضاء حاجة أو تجديد وضوء فهو أحق به إذا رجع إليه؛ لما في صحيح مسلم عنه صلى اللَّه عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) . اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.