هُوَ زِيَارَةُ مَكَان مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ فُرِضَ مَرَّةً عَلَى الْفَوْرِ عَلَى مُسْلِمٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ صَحِيحِ بَصِيرٍ ذِي زَادٍ
الشروح عليها
كِتَابُ الْحَجِّ (هُوَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرُهَا لُغَةٌ: الْقَصْدُ إلَى مُعَظَّمٍ لَا مُطْلَقُ الْقَصْدِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ.
وَشَرْعًا (زِيَارَةُ) أَيْ طَوَافٌ وَوُقُوفٌ (مَكَان مَخْصُوصٍ) أَيْ الْكَعْبَةِ وَعَرَفَةَ (فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) فِي الطَّوَافِ مِنْ فَجْرِ النَّحْرِ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ وَفِي الْوُقُوفِ مِنْ زَوَالِ شَمْسِ عَرَفَةَ لِفَجْرِ النَّحْرِ (بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ) بِأَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِنِيَّةِ الْحَجِّ سَابِقًا كَمَا سَيَجِيءُ لَمْ يَقُلْ لِأَدَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ لِيَعُمَّ حَجَّ النَّفْلِ. (فُرِضَ) سَنَةَ تِسْعٍ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَشْرٍ لِعُذْرٍ مَعَ عِلْمِهِ بِبَقَاءِ حَيَاتِهِ لِيُكْمِلَ التَّبْلِيغَ (مَرَّةً) لِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ وَهُوَ وَاحِدٌ وَالزِّيَارَةُ تَطَوُّعٌ وَقَدْ تَجِبُ كَمَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ فَإِنَّهُ كَمَا سَيَجِيءُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ الْحَجَّ اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ وَقَدْ يَتَّصِفُ بِالْحُرْمَةِ كَالْحَجِّ بِمَالٍ حَرَامٍ، وَبِالْكَرَاهَةِ كَالْحَجِّ بِلَا إذْنٍ مِمَّنْ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ وَفِي النَّوَازِلِ: لَوْ كَانَ الِابْنُ صَبِيًّا فَلِلْأَبِ مَنْعُهُ حَتَّى يَلْتَحِيَ (عَلَى الْفَوْرِ) فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الثَّانِي وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فَيُفَسَّقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِتَأْخِيرِهِ أَيْ سِنِينًا لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ صَغِيرَةٌ وَبِارْتِكَابِهِ مَرَّةً لَا يُفَسَّقُ إلَّا بِالْإِصْرَارِ بَحْرٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ ظَنِّيَّةٌ لِأَنَّ دَلِيلَ الِاحْتِيَاطِ ظَنِّيٌّ، وَلِذَا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ تَرَاخَى كَانَ أَدَاءً وَإِنْ أَثِمَ بِمَوْتِهِ قَبْلَهُ وَقَالُوا لَوْ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى أَتْلَفَ مَالَهُ وَسِعَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَحُجَّ وَلَوْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى وَفَائِهِ وَيُرْجَى أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، أَيْ لَوْ نَاوِيًا وَفَاءً إذَا قَدَرَ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ. (عَلَى مُسْلِمٍ) لِأَنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِفُرُوعِ الْإِيمَانِ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْمَنَارِ (حُرٍّ مُكَلَّفٍ) عَالِمٌ بِفَرْضِيَّتِهِ
إمَّا بِالْكَوْنِ بِدَارِنَا وَإِمَّا بِإِخْبَارِ عَدْلٍ أَوْ مَسْتُورَيْنِ (صَحِيحِ) الْبَدَنِ (بَصِيرٍ) غَيْرِ مَحْبُوسٍ وَخَائِفٍ مِنْ سُلْطَانٍ يَمْنَعُ مِنْهُ (ذِي زَادٍ) يَصِحُّ بِهِ بَدَنُهُ فَالْمُعْتَادُ اللَّحْمُ وَنَحْوُهُ إذَا قَدَرَ عَلَى خُبْزٍ وَجُبْنٍ لَا يُعَدُّ قَادِرًا
(قَوْلُهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا) بِهِمَا قُرِئَ فِي السَّبْعِ
وَقِيلَ الْأَوَّلُ الِاسْمُ وَالثَّانِي الْمَصْدَرُ ط عَنْ الْمِنَحِ وَالنَّهْرِ
(قَوْلُهُ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ) هُوَ الزَّيْلَعِيُّ تَبَعًا لِإِطْلَاقِ كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ، وَنَقَلَ فِي الْفَتْحِ تَقْيِيدَهُ عَنْ ابْنِ السِّكِّيتِ،
وَكَذَا قَيَّدَهُ بِهِ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ فِي تَعْرِيفَاتِهِ وَكَذَا فِي الِاخْتِيَارِ
(قَوْلُهُ وَشَرْعًا زِيَارَةُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ قَصْدُ الْبَيْتِ لِأَدَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ فَفِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ، وَاعْتَرَضَهُمْ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ أَرْكَانَهُ الطَّوَافُ، وَالْوُقُوفُ، وَلَا وُجُودَ لِلْمُتَشَخِّصِ إلَّا بِأَجْزَائِهِ الْمُشَخِّصَةِ مَاهِيَّتَه الْكُلِّيَّةَ مُنْتَزَعَةً مِنْهَا وَتَعْرِيفُهُ بِالْقَصْدِ لِأَجْلِ الْأَعْمَالِ مُخْرِجٌ لَهَا عَنْ الْمَفْهُومِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفًا اسْمِيًّا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ فَهُوَ تَعْرِيفٌ لِمَفْهُومِ الِاسْمِ عُرْفًا لَكِنْ فِيهِ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الِاسْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، هُوَ الْأَعْمَالُ الْمَخْصُوصَةُ لَا نَفْسُ الْقَصْدِ الْمُخْرِجِ لَهَا عَنْ الْمَفْهُومِ مَعَ أَنَّهُ فَاسِدٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْحَجَّ النَّفَلَ، وَالتَّعْرِيفُ إنَّمَا هُوَ لِلْحَجِّ مُطْلَقًا كَتَعْرِيفِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا لِلْفَرْضِ فَقَطْ وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُخَالِفُ سَائِرَ أَسْمَاءِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلْأَفْعَالِ كَالصَّلَاةِ لِلْقِيَامِ، وَالْقِرَاءَةِ إلَخْ، وَالصَّوْمِ لِلْإِمْسَاكِ إلَخْ وَالزَّكَاةِ لِأَدَاءِ الْمَالِ، فَلْيَكُنْ الْحَجُّ أَيْضًا عِبَارَةً عَنْ الْأَفْعَالِ الْكَائِنَةِ عِنْدَ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ كَعَرَفَةَ اهـ مُلَخَّصًا فَعَدَلَ الشَّارِحُ عَنْ تَفْسِيرِ الزَّيْلَعِيِّ الزِّيَارَةَ بِالْقَصْدِ إلَى تَفْسِيرِهَا بِالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ لِيَكُونَ اسْمًا لِلْأَفْعَالِ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْعِبَادَاتِ،
وَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ حَشْوًا إذْ الْمُرَادُ بِهِ كَمَا قَالُوا هُوَ الطَّوَافُ وَالْوُقُوفُ تَخَلَّصَ عَنْهُ بِتَفْسِيرِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا إلَخْ قِيلَ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إدْخَالُ الشَّرْطِ أَيْ الْإِحْرَامِ فِي التَّعْرِيفِ،
فَلَوْ أَبْقَى الزِّيَارَةَ عَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الذَّهَابُ وَفَسَّرَ الْفِعْلَ الْمَخْصُوصَ بِالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ لَكَانَ أَوْلَى. اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الزِّيَارَةَ أَيْضًا لَيْسَتْ مَاهِيَّتَه الْحَقِيقِيَّةَ فَيُرَدُّ مَا مَرَّ فِي تَفْسِيرِهِ بِالْقَصْدِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا ابْتِدَاءً فَهُوَ فِي حُكْمِ الرُّكْنِ انْتِهَاءً كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الشَّارِحُ،
وَلَوْ سُلِّمَ فَذِكْرُ الشَّرْطِ لَا يُخِلُّ بِالتَّعْرِيفِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ بِدُونِهِ كَمَنْ صَلَّى بِلَا طَهَارَةٍ وَلِذَا ذَكَرُوا النِّيَّةَ فِي تَعْرِيفِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ فَافْهَمْ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِالْقَصْدِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ نَظَائِرِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَصْدِ هُنَا الْإِحْرَامُ، وَهُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ بِالنِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ مِنْ تَقْلِيدِ الْبَدَنَةِ مَعَ السَّوْقِ كَمَا سَيَأْتِي، فَيَكُونُ عَمَلَ الْجَوَارِحِ أَيْضًا وَلِأَنَّ قَوْلَهُ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ الْبَاءُ فِيهِ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الطَّوَافُ وَالْوُقُوفُ، فَهُوَ قَصْدٌ مُقْتَرِنٌ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ لَا مُجَرَّدُ الْقَصْدِ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ فِعْلًا مَخْصُوصًا كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْعِبَادَاتِ نَعَمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْعِبَادَاتِ حَيْثُ جَعَلُوا الْقَصْدَ فِيهِ أَصْلًا، وَالْفِعْلَ تَبَعًا وَعَكَسُوا فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ الشَّائِعَ فِي الْمَعَانِي الِاصْطِلَاحِيَّةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ أَنْ تَكُونَ أَخَصَّ مِنْ اللُّغَوِيَّةِ لَا مُبَايِنَةً لَهَا.
وَلَمَّا كَانَ الْحَجُّ لُغَةً هُوَ مُطْلَقُ الْقَصْدِ إلَى مُعَظَّمٍ خَصَّصُوهُ بِكَوْنِهِ قَصْدًا إلَى مُعَظَّمٍ مُعَيَّنٍ بِأَفْعَالٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَوْ جُعِلَ اسْمًا لِلْأَفْعَالِ الْمُعَيَّنَةِ أَصَالَةً لَبَايَنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ،
بِخِلَافِ نَحْوِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ فَخَصَّصُوهُ بِكَوْنِهِ إمْسَاكًا عَنْ الْمُفْطِرَاتِ، بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ،
وَكَذَا الزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ الطَّهَارَةُ.
وَتَزْكِيَةُ الشَّيْءِ تَطْهِيرُهُ.
وَتَزْكِيَةُ الْمَالِ الْمُسَمَّاةُ زَكَاةً شَرْعًا تَمْلِيكُ جُزْءٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ لَهُ - {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}- فَهِيَ تَطْهِيرٌ مَخْصُوصٌ بِفِعْلٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ التَّمْلِيكُ، فَلِهَذَا جُعِلَ الْقَصْدُ أَصْلًا فِي تَعْرِيفِ الْحَجِّ شَرْعًا دُونَ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ شَرْطًا فِي الْكُلِّ
وَكَذَا جُعِلَ أَصْلًا فِي تَعْرِيفِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ الْقَصْدِ. وَعَرَّفُوهُ شَرْعًا بِأَنَّهُ قَصْدُ الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الضَّرْبَتَانِ فَهُوَ قَصْدٌ مُقْتَرِنٌ بِفِعْلٍ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ اسْمًا لِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ جُعِلَ الْحَجُّ اسْمًا لِقَصْدٍ خَاصٍّ مَعَ زِيَادَةِ وَصْفٍ كَالتَّيَمُّمِ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْقَصْدِ، ثُمَّ جُعِلَ فِي الشَّرْعِ اسْمًا لِقَصْدٍ خَاصٍّ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ اهـ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَحَلِّ
(قَوْلُهُ سَابِقًا) أَيْ عَلَى الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ،
أَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَوَاجِبٌ ط.
(قَوْلُهُ لِعُذْرٍ) إمَّا لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ، أَوْ لِخَوْفٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ كُرْهِ مُخَالَطَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي نُسُكِهِمْ إذْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ زَيْلَعِيٌّ.
وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِمَا فِي حَاشِيَتِهِ لِلشَّلَبِيِّ عَنْ الْهَدْيِ لِابْنِ الْقَيِّمِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ،
وَأَنَّ آيَةَ فَرْضِهِ هِيَ قَوْله تَعَالَى - {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}- وَهِيَ نَزَلَتْ عَامَ الْوُفُودِ أَوَاخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤَخِّرْ الْحَجَّ بَعْدَ فَرْضِهِ عَامًا وَاحِدًا، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَدْيِهِ وَحَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ بِيَدِ مَنْ ادَّعَى تَقَدُّمَ فَرْضِ الْحَجِّ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ دَلِيلٌ وَاحِدٌ، وَغَايَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ سَنَةَ سِتٍّ أَنَّ فِيهَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى - {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}- وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ ابْتِدَاءُ فَرْضِ الْحَجِّ وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ إذَا شَرَعَ فِيهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ وُجُوبِ ابْتِدَائِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ إلَخْ) جَوَابٌ آخَرُ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى وُجُودِ الْعُذْرِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى الْفَوْرِ لِلِاحْتِيَاطِ فَإِنَّ فِي تَأْخِيرِهِ تَعْرِيضًا لِلْفَوَاتِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ بَقَاءَ حَيَاتِهِ إلَى أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ تَكْمِيلًا لِلتَّبْلِيغِ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} الْآيَةَ - فَهَذَا أَرْقَى فِي التَّعْلِيلِ وَلِذَا جُعِلَ الْأَوَّلُ تَابِعًا لَهُ فَهُوَ كَقَوْلِك: أَكْرِمْ زَيْدًا لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ إلَيْك مَعَ أَنَّهُ أَبُوك
(قَوْلُهُ لِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ) بِدَلِيلِ الْإِضَافَةِ فِي قَوْله تَعَالَى - {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}- فَإِنَّ الْأَصْلَ إضَافَةُ الْأَحْكَامِ إلَى أَسْبَابِهَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَلَا يَتَكَرَّرُ الْوَاجِبُ إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ سَبَبُهُ وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» "
قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ كَافِيَةً فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى نَفْيِ التَّكْرَارِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَحْتَمِلُهُ إلَّا أَنَّ إثْبَاتَ النَّفْيِ بِمُقْتَضَى النَّفْيِ أَوْلَى
(قَوْلُهُ وَقَدْ يَجِبُ) أَيْ الْحَجُّ وَهَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فُرِضَ
(قَوْلُهُ كَمَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ) أَيْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمِيقَاتِ وَيُلَبِّيَ مِنْهُ،
وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمُجَاوَزَةِ
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ الْآفَاقِيُّ إذَا انْتَهَى إلَى الْمَوَاقِيتِ عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ قَصْدَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ عِنْدَنَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا وَلَوْ لِتِجَارَةٍ» وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ التَّاجِرُ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا اهـ.
قَالَ ح: فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَا يَكُونَانِ نَفْلًا مِنْ الْآفَاقِيِّ وَإِنَّمَا يَكُونَانِ نَفْلًا مِنْ الْبُسْتَانِيِّ وَالْحَرَمِيِّ. اهـ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ حُرْمَةَ مُجَاوَزَتِهِ بِدُونِ إحْرَامٍ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا مِنْ الْآفَاقِيِّ لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَوْنُهُ مُتَلَبِّسًا بِالْإِحْرَامِ وَقْتَ الْمُجَاوَزَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَجِّ نَفْلٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ لِحِلِّ الْمُجَاوَزَةِ وَالشَّرْطُ لَا يَلْزَمُ تَحْصِيلُهُ مَقْصُودًا كَمَا مَرَّ فِي الِاعْتِكَافِ، وَنَظِيرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَحِلُّ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ، حَتَّى يَغْتَسِلَ فَإِذَا اغْتَسَلَ لِسُنَّةِ الْجُمُعَةِ مَثَلًا ثُمَّ دَخَلَ جَازَ، مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا نَوَى الْغُسْلَ الْمَسْنُونَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ، وَلَمْ يَغْتَسِلْ لِغَيْرِهِ وَهُنَا إذَا أَرَادَ مُجَاوَزَةَ الْمِيقَاتِ وَكَانَ قَاصِدًا لِلنُّسُكِ وَأَحْرَمَ بِنُسُكِ فَرْضٍ أَوْ مَنْذُورٍ أَوْ نَفْلٍ كَفَاهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي تَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِذَلِكَ بِأَنْ قَصَدَ الدُّخُولَ لِتِجَارَةٍ مَثَلًا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ إحْرَامُهُ وَاجِبًا وَنَظِيرُهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ تَنْدَرِجُ فِي أَيِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا،
فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا بُدَّ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ مِنْ صَلَاتِهَا عَلَى الْخُصُوصِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَعَنْ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَرَضَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْبَحْرِ وَالنَّهْرِ تَصْوِيرَ الْوُجُوبِ بِمَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى الْمِيقَاتِ وَيُلَبِّي مِنْهُ، وَيَكُونُ إحْرَامُهُ حِينَئِذٍ وَاجِبًا إذَا كَانَ لِأَجْلِ الْمُجَاوَزَةِ
أَمَّا لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَهَا بِنُسُكِ فَرْضٍ، أَوْ نَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى مِنْ فَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إحْرَامٌ خَاصٌّ لِأَجْلِ الْمُجَاوَزَةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَزَازَةَ فِي عِبَارَتِهِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ قُبَيْلَ فَصْلِ الْإِحْرَامِ
وَكَذَا قُبَيْلَ فَصْلِ الْإِحْصَارِ
(قَوْلُهُ فَإِنْ اخْتَارَ الْحَجَّ اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ) فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْوَاجِب الْمُخَيَّرِ أَيْ وَإِنْ اخْتَارَ الْعُمْرَةَ اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِعَدَمِ اقْتِضَاءِ الْمَقَامِ إيَّاهُ. اهـ. ح.
مَطْلَبٌ فِيمَنْ حَجّ بِمَالٍ حَرَامٍ
(قَوْلُهُ كَالْحَجِّ بِمَالٍ حَرَامٍ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالْأَوْلَى التَّمْثِيلُ بِالْحَجِّ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْحَجَّ نَفْسَهُ الَّذِي هُوَ زِيَارَةُ مَكَان مَخْصُوصٍ إلَخْ لَيْسَ حَرَامًا بَلْ الْحَرَامُ هُوَ إنْفَاقُ الْمَالِ الْحَرَامِ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ تَقَعُ فَرْضًا، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ شَغْلُ الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْفِعْلِ صَلَاةً لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِالْحُرْمَةِ، وَهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحَجَّ فِي نَفْسِهِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ حَيْثُ الْإِنْفَاقُ، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْحُرْمَةَ لِأَنَّ لِلْمَالِ دَخْلًا فِيهِ،
فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ عَمَل الْبَدَنِ وَالْمَالِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلِذَا
قَالَ فِي الْبَحْرِ وَيَجْتَهِدُ فِي تَحْصِيلِ نَفَقَةٍ حَلَالٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ بِالنَّفَقَةِ الْحَرَامِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، مَعَ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ مَعَهَا وَلَا تَنَافِي بَيْنَ سُقُوطِهِ، وَعَدَمِ قَبُولِهِ فَلَا يُثَابُ لِعَدَمِ الْقَبُولِ، وَلَا يُعَاقَبُ عِقَابَ تَارِكِ الْحَجِّ. اهـ.
أَيْ لِأَنَّ عَدَمَ التَّرْكِ يُبْتَنَى عَلَى الصِّحَّةِ: وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِالشَّرَائِطِ، وَالْأَرْكَانُ وَالْقَبُولُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ يُبْتَنَى عَلَى أَشْيَاءَ كَحِلِّ الْمَالِ وَالْإِخْلَاصِ كَمَا لَوْ صَلَّى مُرَائِيًا أَوْ صَامَ وَاغْتَابَ فَإِنَّ الْفِعْلَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ بِلَا ثَوَابٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ مِمَّنْ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ) كَأَحَدِ أَبَوَيْهِ الْمُحْتَاجِ إلَى خِدْمَتِهِ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ كَالْأَبَوَيْنِ عِنْدَ فَقْدِهِمَا،
وَكَذَا الْغَرِيمُ لِمَدْيُونٍ لَا مَالَ لَهُ يَقْضِي بِهِ، وَالْكَفِيلُ لَوْ بِالْإِذْنِ، فَيُكْرَهُ خُرُوجُهُ بِلَا إذْنِهِمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ وَلِذَا عَبَّرَ الشَّارِحُ بِالْوُجُوبِ، وَزَادَ فِي الْبَحْرِ عَنْ السَّيْرِ
وَكَذَا إنْ كَرِهَتْ خُرُوجَهُ زَوْجَتُهُ وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَدْفَعُهُ لِلنَّفَقَةِ فِي غَيْبَتِهِ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ.
أَمَّا حَجُّ النَّفْلِ فَطَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ أَوْلَى مُطْلَقًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُلْتَقَطِ
(قَوْلُهُ حَتَّى يَلْتَحِيَ) وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا لَا يَخْرُجُ وَإِنْ الْتَحَى بَحْرٌ عَنْ النَّوَازِلِ
(قَوْلُهُ عَلَى الْفَوْرِ) هُوَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَيُقَابِلُهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَلَيْسَ مَعْنَاهُ تَعَيُّنَ التَّأْخِيرِ بَلْ بِمَعْنَى عَدَمِ لُزُومِ الْفَوْرِ
(قَوْلُهُ وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ) لَا يَصْلُحُ عَطْفُهُ عَلَى الثَّانِي، فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وَقَوْلُهُ عِنْدَ الثَّانِي: خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا عِنْدَ الثَّانِي فَقَوْلُهُ وَأَصَحُّ عَطْفٌ عَلَيْهِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَمَالِكُ وَأَحْمَدُ) عَطْفٌ عَلَى الْإِمَامِ فَيُفِيدُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا أَيْضًا، وَعِبَارَةُ شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ تُفِيدُهُ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ أَيْ سِنِينًا إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا وَأَتَى بِسِنِينَ مُنَوَّنًا لِأَنَّهُ قَدْ يَجْرِي مَجْرَى حِينٍ، وَهُوَ عِنْدَ قَوْمٍ مُطَّرِدٌ
(قَوْلُهُ إلَّا بِالْإِصْرَارِ) أَيْ لَكِنْ بِالْإِصْرَارِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الْإِصْرَارِ تَحْتَ الْمَرَّةِ ح ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْفِسْقِ عَدَمُ الْإِثْمِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَفِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِابْنِ نُجَيْمٍ عَنْ التَّقْرِيرِ لِلْأَكْمَلِ أَنَّ حَدَّ الْإِصْرَارِ أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْهُ تَكَرُّرًا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِدِينِهِ إشْعَارَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ بِذَلِكَ اهـ
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِعَدَدٍ بَلْ مُفَوَّضٌ إلَى الرَّأْيِ وَالْعُرْفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِمَرَّتَيْنِ لَا يَكُونُ إصْرَارًا وَلِذَا قَالَ: أَيْ سِنِينًا فَقَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، فَيُفَسَّقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ بِلَا عُذْرٍ غَيْرِ مُحَرَّرٍ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ حُصُولُهُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَضْلًا عَنْ الْمَرَّتَيْنِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَوَجْهُهُ إلَخْ) أَيْ وَجْهُ كَوْنِ التَّأْخِيرِ صَغِيرَةً أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ وَاجِبَةٌ لِأَنَّهَا ظَنِّيَّةٌ لِظَنِّيَّةِ دَلِيلِهَا وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ تَعْرِيضًا لَهُ لِلْفَوَاتِ، وَهُوَ غَيْرُ قَطْعِيٍّ فَيَكُونُ التَّأْخِيرُ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا لَا حَرَامًا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِقَطْعِيٍّ كَمُقَابِلِهَا، وَهُوَ الْفَرْضِيَّةُ وَمَا ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي رِسَالَتِهِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي بَيَانِ الْمَعَاصِي أَنَّ كُلَّ مَا كُرِهَ عِنْدَنَا تَحْرِيمًا فَهُوَ مِنْ الصَّغَائِرِ لَكِنَّهُ عَدَّ فِيهَا مِنْ الصَّغَائِرِ مَا هُوَ ثَابِتٌ بِقَطْعِيٍّ كَوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَالْبَيْعِ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ كَانَ أَدَاءً) أَيْ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْإِثْمُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ قِيلَ: الْمُرَادُ إثْمُ تَفْوِيتِ الْحَجِّ لَا إثْمُ التَّأْخِيرِ.
قُلْت: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوَابَ إثْمُ التَّأْخِيرِ إذْ بَعْدَ الْأَدَاءِ لَا تَفْوِيتَ وَفِي الْفَتْحِ: وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ
فَلَوْ حَجَّ بَعْدَهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اهـ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: فَيَأْثَمُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غَيْرِهِ بِلَا عُذْرٍ إلَّا إذَا أَدَّى وَلَوْ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فَإِنَّهُ رَافِعٌ لِلْإِثْمِ بِلَا خِلَافٍ
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَثِمَ بِمَوْتِهِ قَبْلَهُ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ،
أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ الْأَدَاءِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِذَا مَاتَ قَبْلَهُ ظَهَرَ أَنَّهُ آثِمٌ قِيلَ مِنْ السَّنَةِ الْأُولَى
وَقِيلَ مِنْ الْأَخِيرَةِ مِنْ سَنَةِ رَأَى فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ،
وَقِيلَ: يَأْثَمُ فِي الْجُمْلَةِ غَيْرُ مَحْكُومٍ بِمُعَيَّنٍ بَلْ عِلْمُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ وَسِعَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ إلَخْ) أَيْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ
وَقِيلَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْرَاضُ كَمَا فِي لُبَابِ الْمَنَاسِكِ قَالَ مُنْلَا عَلَى الْقَارِيّ فِي شَرْحِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ تَحَمُّلَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَخَفُّ مِنْ ثِقَلِ حُقُوقِ الْعِبَادِ اهـ.
قُلْت: وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى وَفَائِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ جِهَةُ وَفَاءٍ أَصْلًا
أَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ فِي الْحَالِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ اجْتَهَدَ قَدَرَ عَلَى الْوَفَاءِ فَلَا يُرَدُّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ أُخِذَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا فِي الزَّكَاةِ حَيْثُ قَالَ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ لِأَدَاءِ الزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ إذَا اجْتَهَدَ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ قَدَرَ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ فَإِنْ اسْتَقْرَضَ وَأَدَّى وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَائِهِ حَتَّى مَاتَ يُرْجَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دَيْنَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْرَضَ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ كَانَ الْأَفْضَلُ لَهُ عَدَمَهُ اهـ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الزَّكَاةِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَفِي الْحَجِّ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْحَجِّ وَجَعَلَهَا فِي اللُّبَابِ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ.
الْأَوَّلُ: شُرُوطُ الْوُجُوبِ وَهِيَ الَّتِي إذَا وُجِدَتْ بِتَمَامِهَا وَجَبَ الْحَجُّ وَإِلَّا فَلَا وَهِيَ سَبْعَةٌ: الْإِسْلَامُ، وَالْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ لِمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ وَالْوَقْتُ أَيْ الْقُدْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي وَقْتِ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ عَلَى مَا يَأْتِي.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: شُرُوطُ الْأَدَاءِ وَهِيَ الَّتِي إنْ وُجِدَتْ بِتَمَامِهَا مَعَ شُرُوطِ الْوُجُوبِ، وَجَبَ أَدَاؤُهُ بِنَفْسِهِ،
وَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهَا مَعَ تَحَقُّقِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ، فَلَا يَجِبُ الْأَدَاءُ بَلْ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ أَوْ الْإِيصَاءُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: سَلَامَةُ الْبَدَنِ، وَأَمْنُ الطَّرِيقِ وَعَدَمُ الْحَبْسِ، وَالْمَحْرَمُ أَوْ الزَّوْجُ لِلْمَرْأَةِ وَعَدَمُ الْعِدَّةِ لَهَا.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: شَرَائِطُ صِحَّةِ الْأَدَاءِ وَهِيَ تِسْعَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْإِحْرَامُ، وَالزَّمَانُ، وَالْمَكَانُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْعَقْلُ وَمُبَاشَرَةُ الْأَفْعَالِ إلَّا بِعُذْرٍ وَعَدَمُ الْجِمَاعِ وَالْأَدَاءُ مِنْ عَامِ الْإِحْرَامِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: شَرَائِطُ وُقُوعِ الْحَجِّ عَنْ الْفَرْضِ وَهِيَ تِسْعَةٌ أَيْضًا: الْإِسْلَامُ، وَبَقَاؤُهُ إلَى الْمَوْتِ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْأَدَاءُ بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ، وَعَدَمُ نِيَّةِ النَّفْلِ، وَعَدَمُ الْإِفْسَادِ، وَعَدَمُ النِّيَّةِ عَنْ الْغَيْرِ
(قَوْلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ) فَلَوْ مَلَكَ الْكَافِرُ مَا بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مَا افْتَقَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَةِ
بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَكَهُ مُسْلِمًا فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى افْتَقَرَ حَيْثُ يَتَقَرَّرُ وُجُوبُهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَتْحٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِيَّةِ لَا التَّرَاخِي نَهْرٌ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي يَتَحَقَّقُ الْوُجُوبُ مِنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَلَكِنَّهُ يُتَخَيَّرُ فِي أَدَائِهِ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ مُوَسَّعًا وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْوُجُوبُ إلَّا قُبَيْلَ الْمَوْتِ،
وَأَنْ لَا يَجِبَ الْإِحْجَاجُ عَلَى مَنْ كَانَ صَحِيحًا ثُمَّ مَرِضَ أَوْ عَمِيَ وَأَنْ لَا يَأْثَمَ الْمُفَرِّطُ بِالتَّأْخِيرِ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَكُلُّ ذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ: أَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ بِالْعِبَادَاتِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ مَذْهَبُ السَّمرْقَنْديِّين نَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهَا أَدَاءً وَاعْتِقَادًا وَالْبُخَارِيِّينَ مُخَاطَبٌ اعْتِقَادًا فَقَطْ وَالْعِرَاقِيِّينَ مُخَاطَبٌ بِهِمَا فَيُعَاقَبُ عَلَيْهِمَا قَالَ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا حَرَّرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ لِأَنَّ ظَاهِرَ النُّصُوصِ يَشْهَدُ لَهُمْ وَخِلَافُهُ تَأْوِيلٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ يُفْهِمُ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا اعْتِقَادًا فَقَطْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّينَ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَنَارِ لَكِنْ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ مَا هُنَا هُوَ مَا اعْتَمَدَهُ هُنَاكَ وَمَا قِيلَ إنَّ مَا هُنَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ لَا نَصَّ عَنْ أَصْحَابِ الْمَذْهَبِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ حُرٍّ) فَلَا يَجِبُ عَلَى عَبْدٍ مُدَبَّرًا كَانَ أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُبَعَّضًا أَوْ مَأْذُونًا بِهِ وَلَوْ بِمَكَّةَ أَوْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى عَبِيدِ أَهْلِ مَكَّةَ
بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ، فَإِنَّهُ لِلتَّيْسِيرِ لَا لِلْأَهْلِيَّةِ، فَوَجَبَ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى الْعَبْدِ دُونَ الْحَجِّ نَهْرٌ وَهُوَ وُجُودُ الْأَهْلِيَّةِ فِيهِمَا لَا فِيهِ وَالْمُرَادُ أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ وَإِلَّا فَالْعَبْدُ أَهْلٌ لِلْأَدَاءِ فَيَقَعُ لَهُ نَفْلًا كَمَا سَيَأْتِي
(قَوْلُهُ مُكَلَّفٍ) أَيْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ،
وَفِي الْمَعْتُوهِ خِلَافٌ فِي الْأُصُولِ فَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّهُ يُوضَعُ الْخِطَابُ عَنْهُ كَالصَّبِيِّ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَذَهَبَ الدَّبُوسِيُّ إلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا احْتِيَاطًا بَحْرٌ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمَعْتُوهِ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ فَرَاجِعْهُ.
[تَنْبِيهٌ] ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْحَجِّ مِنْ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا اهـ وَنَقَلَ غَيْرُهُ صِحَّةَ حَجِّهِمَا وَوَفَّقَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ لَهُ بَعْضُ إدْرَاكٍ وَغَيْرِهِ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى أَدَائِهِمَا بِنَفْسِهِمَا وَالثَّانِي عَلَى فِعْلِ الْوَلِيِّ فَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا الصَّبِيُّ يَحُجُّ بِهِ أَبُوهُ
وَكَذَا الْمَجْنُونُ لِأَنَّ إحْرَامَهُ عَنْهُمَا وَهُمَا عَاجِزَانِ كَإِحْرَامِهِمَا بِنَفْسِهِمَا. اهـ. وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ
(قَوْلُهُ إمَّا بِالْكَوْنِ فِي دَارِنَا) سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْفَرْضِيَّةِ أَمْ لَا نَشَأَ عَلَى الْإِسْلَامِ فِيهَا أَمْ لَا بَحْرٌ وَقَوْلُهُ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلٍ إلَخْ هَذَا لِمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ بَقِيَ لَوْ أَدَّى قَبْلَهُ ذَكَرَ الْقُطْبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ بَحْثًا أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ الْفَرْضِ، وَنُوزِعَ بِأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ وُقُوعِ الْحَجِّ عَنْ الْفَرْضِ، كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَبِأَنَّ الْحَجَّ يَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ بِلَا تَعْيِينِ الْفَرْضِيَّةِ
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَبِأَنَّهُ يَصِحُّ مِمَّا نَشَأَ فِي دَارِنَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْفَرْضِيَّةِ عَلِمْته
(قَوْلُهُ أَوْ مَسْتُورَيْنِ) أَفَادَ أَنَّ الشَّرْطَ أَحَدُ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ كَمَا فِي النَّهْرِ
(قَوْلُهُ صَحِيحِ الْبَدَنِ) أَيْ سَالِمٍ عَنْ الْآفَاتِ الْمَانِعَةِ عَنْ الْقِيَامِ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي السَّفَرِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مُقْعَدٍ وَمَفْلُوجٍ وَشَيْخٍ كَبِيرٍ لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِنَفْسِهِ وَأَعْمَى،
وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَمَحْبُوسٍ، وَخَائِفٍ مِنْ سُلْطَانٍ لَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا بِالنِّيَابَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا وُجُوبُ الْإِحْجَاجِ عَلَيْهِمْ، وَيُجْزِيهِمْ إنْ دَامَ الْعَجْزُ وَإِنْ زَالَ أَعَادُوا بِأَنْفُسِهِمْ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ عِنْدَهُ وَمِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عِنْدَ هُمَا وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِحْجَاجِ وَالْإِيصَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنْ قَدَرَ ثُمَّ عَجَزَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ تَقَرَّرَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَيَلْزَمُهُ الْإِحْجَاجُ،
فَلَوْ خَرَجَ وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَجِبْ الْإِيصَاءُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَلَوْ تَكَلَّفُوا الْحَجَّ بِأَنْفُسِهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ وَظَاهِرُ التُّحْفَةِ اخْتِيَارُ قَوْلِهِمَا
وَكَذَا الْإِسْبِيجَابِيُّ وَقَوَّاهُ فِي الْفَتْحِ وَمَشَى عَلَى أَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ اهـ مِنْ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَحَكَى فِي اللُّبَابِ اخْتِلَافَ التَّصْحِيحِ وَفِي شَرْحِهِ أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْأَوَّلِ فِي النِّهَايَةِ
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَأَنَّ الثَّانِيَ صَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَمِنْهُمْ ابْنُ الْهُمَامِ
(قَوْلُهُ بَصِيرٍ) فِيهِ الْخِلَافُ الْمَارُّ كَمَا عَلِمْته
(قَوْلُهُ غَيْرِ مَحْبُوسٍ) هَذَا مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ كَمَا مَرَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَبْسُهُ لِمَنْعِهِ حَقًّا قَادِرًا عَلَى أَدَائِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ.
[تَنْبِيهٌ] ذَكَرَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ شَمْسِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السُّلْطَانَ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ مُلْحَقٌ بِالْمَحْبُوسِ فَيَجِبُ الْحَجُّ فِي مَالِهِ الْخَالِي عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَتَمَامُهُ فِيهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنْ دَامَ عَجْزُهُ إلَى الْمَوْتِ وَإِلَّا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْحَجِّ ثُمَّ عَجَزَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْجَاجُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ آنِفًا
(قَوْلُهُ يُمْنَعُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَجِّ أَيْ الْخُرُوجِ إلَيْهِ ط
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.