وَرَاحِلَةٍ فَضْلًا عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى عَوْدِهِ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ وَالْمُرَاهِقُ كَبَالِغٍ غَيْرِ مَجُوسِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ مَعَ عَلَيْهَا عَلَيْهَا وَعَدَمِ عِدَّةٍ عَلَيْهَا مُطْلَقًا
الشروح عليها
(وَرَاحِلَةٍ) مُخْتَصَّةٍ بِهِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُقَتَّبِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَتُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُحَارَةِ لِلْآفَاقِيِّ لَا لِمَكِّيٍّ يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ لِشَبَهِهِ بِالسَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ، وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِ الرَّاحِلَةِ مِنْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ لَمْ يَجِبْ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْكَرَاهَةِ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ الْحَجُّ رَاكِبًا أَفْضَلُ مِنْهُ مَاشِيًا بِهِ يُفْتَى وَالْمُقَتَّبُ أَفْضَلُ مِنْ الْمُحَارَةِ وَفِي إجَارَةِ الْخُلَاصَةِ حِمْلُ الْجَمَلِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ مَنًّا وَالْحِمَارِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَغْلَ كَالْحِمَارِ،
وَلَوْ وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ مَالًا يَحُجُّ بِهِ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ لِأَنَّ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا وَهَذَا مِنْهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ خِلَافًا لِلْأُصُولِيَّيْنِ (فَضْلًا عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ) كَمَا مَرَّ فِي الزَّكَاةِ وَمِنْهُ الْمَسْكَنُ وَمَرَمَّتُهُ وَلَوْ كَبِيرًا يُمْكِنُهُ الِاسْتِغْنَاءُ بِبَعْضِهِ، وَالْحَجُّ بِالْفَاضِلِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الزَّائِدِ.
نَعَمْ هُوَ الْأَفْضَلُ وَعُلِمَ بِهِ عَدَمُ لُزُومِ بَيْعِ الْكُلِّ وَالِاكْتِفَاءُ بِسُكْنَى الْإِجَارَةِ بِالْأَوْلَى
وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ مَسْكَنًا وَخَادِمًا لَا يَبْقَى بَعْدَهُ مَا يَكْفِي لِلْحَجِّ لَا يَلْزَمُهُ خُلَاصَةٌ وَحَرَّرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ رَأْسِ مَالٍ لِحِرْفَتِهِ إنْ احْتَاجَتْ لِذَلِكَ وَإِلَّا لَا وَفِي الْأَشْبَاهِ مَعَهُ أَلْفٌ وَخَافَ الْعُزُوبَةَ إنْ كَانَ قَبْلَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ فَلَهُ التَّزَوُّجُ وَلَوْ وَقْتَهُ لَزِمَهُ الْحَجُّ (وَ) فَضْلًا عَنْ (نَفَقَةِ عِيَالِهِ) مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِتَقَدُّمِ حَقِّ الْعَبْدِ (إلَى) حِينِ (عَوْدِهِ)
وَقِيلَ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ وَقِيلَ بِشَهْرٍ (مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ) بِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ وَلَوْ بِالرِّشْوَةِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْكَمَالُ وَسَيَجِيءُ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّ قَتْلَ بَعْضِ الْحُجَّاجِ عُذْرٌ وَهَلْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَكْسِ وَالْخَفَارَةِ عُذْرٌ قَوْلَانِ
وَالْمُعْتَمَدُ لَا كَمَا فِي الْقَنِيَّةِ وَالْمُجْتَبَى وَعَلَيْهِ فَيُحْتَسَبُ فِي الْفَاضِلِ عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَكْسِ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي مَنَاسِكِ الطَّرَابُلُسِيِّ. (وَ) مَعَ (زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ) وَلَوْ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ بِرَضَاعٍ (بَالِغٍ) قَيَّدَ لَهُمَا كَمَا فِي النَّهْرِ بَحْثًا (عَاقِلٍ وَالْمُرَاهِقُ كَبَالِغٍ) جَوْهَرَةٌ (غَيْرِ مَجُوسِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ) لِعَدَمِ حِفْظِهِمَا (مَعَ) وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِمَحْرَمِهَا (عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ (عَلَيْهَا) لِامْرَأَةٍ حَرَّةٍ وَلَوْ عَجُوزًا فِي سَفَرٍ وَهَلْ يَلْزَمُهَا التَّزَوُّجُ؟ قَوْلَانِ وَلَيْسَ عَبْدُهَا بِمَحْرَمٍ لَهَا وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ حَجَّتْ بِلَا مَحْرَمٍ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ (وَ) مَعَ (عَدَمِ عِدَّةٍ عَلَيْهَا مُطْلَقًا) أَيَّةَ عِدَّةٍ كَانَتْ ابْنُ مَالِكٍ
(قَوْلُهُ ذِي زَادٍ وَرَاحِلَةٍ) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِمِلْكِ الزَّادِ وَمِلْكِ أُجْرَةِ الرَّاحِلَةِ، فَلَا يَجِبُ بِالْإِبَاحَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَسَيُشِيرُ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ مُخْتَصَّةً بِهِ) فَلَا يَكْفِي لَوْ قَدَرَ عَلَى رَاحِلَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَرْكَبُهَا مَعَ غَيْرِهِ بِالْمُعَاقَبَةِ شَرْحُ اللُّبَابِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُقَتَّبِ) بِضَمِّ الْمِيمِ اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ ذُو الْقَتَبِ وَهُوَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ الْإِكَافُ الصَّغِيرُ حَوْلَ السَّنَامِ ح وَذِكْرُ ضَمِيرِ الرَّاحِلَةِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مَرْكُوبًا قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رُكُوبِ الْمُقَتَّبِ
(قَوْلُهُ عَلَى الْمَحَارَةِ) هِيَ شَبَهُ الْهَوْدَجِ قَامُوسٌ أَيْ عَلَى شِقٍّ مِنْهَا بِشَرْطِ أَنْ يَجِدَ لَهُ مُعَادِلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَضَعَ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ أَمْتِعَتَهُ رَدَّهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ
إمَّا بِرُكُوبِ زَامِلَةٍ أَيْ مُقَتَّبٍ أَوْ بِشِقِّ مَحْمَلٍ،
وَأَمَّا الْمِحَفَّةُ فَمِنْ مُبْتَدَعَاتِ الْمُتَرَفِّهَةِ فَلَيْسَ لَهَا عِبْرَةٌ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِحَفَّةِ التَّخْتُ الْمَعْرُوفُ فِي زَمَانِنَا الْمَحْمُولُ بَيْنَ جَمَلَيْنِ أَوْ بَغْلَيْنِ لَكِنْ اعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَفِيفُ فِي شَرْحِ مُنَكَّسِهِ بِأَنَّهُ مُنَابِذٌ لِمَا قَرَّرُوهُ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ عَادَةً وَعُرْفًا فَمَنْ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَيْهَا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ بِلَا ارْتِيَابٍ،
وَإِنْ قَدَرَ بِالْمَحْمَلِ أَوْ الْمُقَتَّبِ فَلَا يُعْذَرُ وَلَوْ كَانَ شَرِيفًا أَوْ ذَا ثَرْوَةٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِلْآفَاقِيِّ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَرَاحِلَةٌ لَا بِقَوْلِهِ فَتُشْتَرَطُ لِإِيهَامِهِ أَنَّ غَيْرَ الْآفَاقِيِّ يُشْتَرَطُ لَهُ الْمُقَتَّبُ فَلَا يُنَاسِبُ قَوْلُهُ لَا الْمَكِّيُّ يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الزَّادَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَوْ لِمَكِّيٍّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ كَصَاحِبِ الْيَنَابِيعِ وَالسِّرَاجِ، وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالنِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمَكِّيَّ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَلَوْ فَقِيرًا لَا زَادَ لَهُ نَظَرَ فِيهِ ابْنُ الْهُمَامِ إلَّا أَنْ يُرَادَ مَا إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ الِاكْتِسَابُ فِي الطَّرِيقِ،
وَأَمَّا الرَّاحِلَةُ فَشَرْطٌ لِلْآفَاقِيِّ دُونَ الْمَكِّيِّ الْقَادِرِ عَلَى الْمَشْيِ
وَقِيلَ شَرْطٌ مُطْلَقًا لِأَنَّ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعَرَفَاتٍ أَرْبَعُ فَرَاسِخَ، وَلَا يَقْدِرُ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى مَشْيِهَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَصَحَّحَ صَاحِبُ اللُّبَابِ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ الْأَوَّلَ، وَنَظَرَ فِيهِ شَارِحُهُ الْقَارِي بِأَنَّ الْقَادِرَ نَادِرٌ وَمَبْنَى الْأَحْكَامِ عَلَى الْغَالِبِ، وَحَدُّ الْمَكِّيِّ عِنْدَنَا مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ إلَى الْحَرَمِ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ الظَّاهِرُ مَا فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَفِي الْبَحْرِ الزَّاخِرِ وَاشْتِرَاطُ الرَّاحِلَةِ فِي حَقِّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا
أَمَّا مَا دُونَهُ فَلَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ.
[تَنْبِيهٌ] فِي اللُّبَابِ: الْفَقِيرُ الْآفَاقِيُّ إذَا وَصَلَ إلَى مِيقَاتٍ فَهُوَ كَالْمَكِّيِّ قَالَ شَارِحُهُ أَيْ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ إلَّا الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ الْمَشْيِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَنِيُّ الْآفَاقِيُّ كَذَلِكَ إذَا عَدِمَ الرُّكُوبَ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى أَحَدِ الْمَوَاقِيتِ فَالتَّقْيِيدُ بِالْفَقِيرِ لِظُهُورِ عَجْزِهِ عَنْ الْمَرْكَبِ، وَلِيُفِيدَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْوِيَ نَفْلًا عَلَى زَعْمِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ لِأَنَّهُ مَا كَانَ وَاجِبًا وَهُوَ آفَاقِيٌّ فَلَمَّا صَارَ كَالْمَكِّيِّ وَجَبَ عَلَيْهِ
فَلَوْ نَوَاهُ نَفْلًا لَزِمَهُ الْحَجُّ ثَانِيًا. اهـ.
مُلَخَّصًا وَنَظِيرُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْحَجِّ إذَا وَاصَلَ إلَى مَكَّةَ لَزِمَهُ أَنْ يَمْكُثَ لِيَحُجَّ حَجَّ الْفَرْضِ عَنْ نَفْسِهِ، لِكَوْنِهِ صَارَ قَادِرًا عَلَى مَا فِيهِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ لِشَبَهِهِ بِالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ) أَيْ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الرَّاحِلَةِ فِيهِ
(قَوْلُهُ وَأَفَادَ) أَيْ حَيْثُ عَبَّرَ بِالرَّاحِلَةِ وَهِيَ مِنْ الْإِبِلِ خَاصَّةً، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا،
وَلِمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّهَا الْمَرْكَبُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ تَفْسِيرِهَا بِأَنَّهَا مَا يَحْمِلُهُ وَيَحْمِلُ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ الْبَعِيرُ الْقَوِيُّ عَلَى الْأَسْفَارِ وَالْأَحْمَالِ. اهـ.
لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَعِيرِ لَا يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ مَعَ مَا يَحْتَاجُهُ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى عَنْ شَرْحِ الصَّبَّاغِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ كُرَّيْ حِمَارٍ فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ النَّفَقَةِ اهـ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ اعْتِبَارِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرَاحِلُ يَسِيرَةٌ دُونَ الْبَعِيدَةِ لِأَنَّ غَيْرَ الْإِبِلِ لَا يَقْوَى عَلَيْهَا قَالَ السِّنْدِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ جِدًّا وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا مَا يُخَالِفُهُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّفْصِيلُ مُرَادَهُمْ. اهـ.
فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْكَرَاهَةِ) أَيْ التَّنْزِيهِيَّةِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ بِدَلِيلِ أَفْضَلِيَّةِ مُقَابِلِهِ ط
(قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ النَّفَقَةِ، وَهِيَ مَقْصُودَةٌ فِي الْحَجِّ وَلِذَا اشْتَرَطَ فِي الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ أَنْ يَحُجَّ رَاكِبًا إذَا اتَّسَعَتْ النَّفَقَةُ، حَتَّى لَوْ حَجَّ مَاشِيًا وَلَوْ بِأَمْرِهِ ضَمِنَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللُّبَابُ، لَكِنْ سَيَأْتِي آخِرَ كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَنْ نَذَرَ حَجًّا مَاشِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ فِي الْأَصَحِّ وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ وَعَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْقُرْبَةَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَجَّ مَاشِيًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قِيلَ وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ كُلُّ حَسَنَةٍ بِسَبْعِمِائَةٍ» وَلِأَنَّهُ أَشَقُّ عَلَى الْبَدَنِ فَكَانَ أَفْضَلَ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْخَانِيِّ
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ إنْ قِيلَ كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحَجَّ مَاشِيًا فَكَيْفَ يَكُونُ صِفَةَ كَمَالٍ قُلْنَا إنَّمَا كَرِهَهُ إذَا كَانَ مَظِنَّةَ سُوءِ الْخُلُقِ كَأَنْ يَكُونَ صَائِمًا مَعَ الْمَشْيِ أَوْ لَا يُطِيقُهُ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ،
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَارَّ وَغَيْرَهُ.
قُلْت: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ فَلَعَلَّ وَجْهَهَا أَنَّ الْمَيِّتَ لَمَّا عَجَزَ عَنْ إحْدَى الْمَشَقَّتَيْنِ، وَهِيَ مَشَقَّةُ الْبَدَنِ وَلَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الْأُخْرَى وَهِيَ مَشَقَّةُ الْمَالِ صَارَتْ كَأَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهَا كَامِلَةً، وَلِذَا وَجَبَ الْإِحْجَاجُ مِنْ مَنْزِلِ الْآمِرِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يُجْزِهِ تَبَرُّعُ غَيْرِهِ عَنْهُ لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَالْمُقَتَّبُ أَفْضَلُ مِنْ الْمُحَارَةِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجٌّ كَذَلِكَ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَأَخَفُّ عَلَى الْحَيَوَانِ
(قَوْلُهُ وَفِي إجَارَةِ الْخُلَاصَةِ إلَخْ) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ نَقَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى، وَلَعَمْرِي هَذَا إجْحَافٌ عَلَى الْحِمَارِ وَإِنْصَافٌ فِي حَقِّ الْجَمَلِ فَتَأَمَّلْ.
وَذَكَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّ الْمَنَّ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ أُوقِيَّةً وَالْأُوقِيَّةُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَهِيَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَالْمِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ مَنًّا هِيَ الْوَسْقُ وَهِيَ قِنْطَارٌ دِمَشْقِيٌّ تَقْرِيبًا
(قَوْلُهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَغْلَ كَالْحِمَارِ) كَذَا فِي النَّهْرِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْحِمَارَ الْقَوِيَّ الْمُعَدَّ لِحَمْلِ الْأَثْقَالِ فِي الْأَسْفَارِ فَإِنَّهُ كَالْبَغْلِ وَإِلَّا فَأَكْثَرُ الْحَمِيرِ دُونَ الْبِغَالِ بِكَثِيرٍ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَلَوْ وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ إلَخْ)
وَكَذَا عَكْسُهُ وَحَيْثُ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَمُنُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ يُعْلَمُ حُكْمُ الْأَجْنَبِيِّ بِالْأَوْلَى وَمُرَادُهُ إفَادَةُ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْمِلْكِ دُونَ الْإِبَاحَةِ وَالْعَارِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِلْأُصُولِيِّينَ) حَيْثُ قَالُوا إنَّهَا مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَفِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ مِنْ بَيَانِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ كَفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ وَثِيَابِهِ وَعَبِيدِ خِدْمَتِهِ وَآلَاتِ حِرْفَتِهِ وَأَثَاثِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَأَصْدِقَتِهِ وَلَوْ مُؤَجَّلَةً كَمَا فِي اللُّبَابِ وَغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ قَضَاءُ دُيُونِ الْعِبَادِ وَلِذَا
قَالَ فِي اللُّبَابِ أَيْضًا وَإِنْ وَجَدَ مَالًا وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَزَكَاةٌ يَحُجُّ بِهِ قِيلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَيُصْرَفُ إلَيْهَا. اهـ.
[تَنْبِيهٌ] لَيْسَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمُحْدَثَةُ بِرَسْمِ الْهَدِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ، فَلَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْحَجِّ لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْعِمَادِيُّ فِي مَنْسَكِهِ، وَأَقَرَّهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى مَنْسَكِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَعَزَاهُ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ إلَى مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ
(قَوْلُهُ وَمِنْهُ الْمَسْكَنُ) أَيْ الَّذِي يَسْكُنُهُ هُوَ أَوْ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ
بِخِلَافِ الْفَاضِلِ عَنْهُ مِنْ مَسْكَنٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ كُتُبٍ شَرْعِيَّةٍ أَوْ آلِيَّةٍ كَعَرَبِيَّةٍ
أَمَّا نَحْوُ الطِّبِّ وَالنُّجُومِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ الْكُتُبِ الرِّيَاضِيَّةِ فَتَثْبُتُ بِهَا الِاسْتِطَاعَةُ وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهَا كَمَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الزَّائِدِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْحَاجَةِ قَدْرُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ سَنَةٍ،
وَلَوْ أَكْثَرَ لَزِمَهُ بَيْعُ الزَّائِدِ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ كَمَا فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ
(قَوْلُهُ وَالِاكْتِفَاءِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى بَيْعٍ
(قَوْلُهُ لَا يَلْزَمُهُ) تَبَعٌ فِي عَزْوِ ذَلِكَ إلَى الْخُلَاصَةِ مَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْخُلَاصَةِ هَكَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ دَرَاهِمُ تَبْلُغُ بِهِ الْحَجَّ وَتَبْلُغُ ثَمَنَ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَطَعَامٍ وَقُوتٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ جَعَلَهَا فِي غَيْرِهِ أَثِمَ اهـ لَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَ وَقْتُ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي اللُّبَابِ
أَمَّا قَبْلَهُ فَيَشْتَرِي بِهِ مَا شَاءَ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ التَّزَوُّجِ الْآتِيَةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ رَأْسِ مَالٍ لِحِرْفَتِهِ) كَتَاجِرٍ وَدِهْقَانٍ وَمُزَارِعٍ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَرَأْسُ الْمَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ بَحْرٌ.
قُلْت: وَالْمُرَادُ مَا يُمْكِنُهُ الِاكْتِسَابُ بِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ لَا أَكْثَرُ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ
(قَوْلُهُ وَفِي الْأَشْبَاهِ) الْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى التَّزَوُّجِ، وَالتَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ، وَذَكَرَهَا فِي الْهِدَايَةِ مُطْلَقَةً، وَاسْتَشْهَدَ بِهَا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ
وَمُقْتَضَاهُ تَقْدِيمُ الْحَجِّ عَلَى التَّزَوُّجِ،
وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَ التَّوَقَانِ وَهُوَ صَرِيحُ مَا فِي الْعِنَايَةِ مَعَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَلِذَا اعْتَرَضَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ حَالَ التَّوَقَانِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَجِّ اتِّفَاقًا لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ أَمْرَيْنِ تَرْكُ الْفَرْضِ وَالْوُقُوعُ فِي الزِّنَا وَجَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ حَالِ التَّوَقَانِ اهـ أَيْ فِي غَيْرِ حَالِ تَحَقُّقِهِ الزِّنَا لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَهُ فُرِضَ التَّزَوُّجُ
أَمَّا لَوْ خَافَهُ فَالتَّزَوُّجُ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ فَيُقَدَّمُ الْحَجُّ الْفَرْضُ عَلَيْهِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَفَضْلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ) هَذَا دَاخِلٌ تَحْتَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ نَهْرٌ، وَالنَّفَقَةُ تَشْمَلُ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ وَالسُّكْنَى، وَيُعْتَبَرُ فِي نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ وَلَا تَقْتِيرٍ بَحْرٌ: أَيْ الْوَسَطُ مِنْ حَالِهِ الْمَعْهُودِ وَلِذَا أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ إلَخْ لَا مَا بَيْنَ نَفَقَةِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فَلَا يُرَدُّ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ اعْتِبَارَ الْوَسَطِ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ خِلَافُ الْمُفْتَى بِهِ وَالْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
اهـ. لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسَطِ هُنَاكَ الْمَعْنَى الثَّانِي وَالْمُرَادَ هُنَا الْأَوَّلُ فَافْهَمْ.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ يُقَدَّمُ حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ
(قَوْلُهُ لِتَقَدُّمِ حَقِّ الْعَبْدِ) أَيْ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ لَا تَهَاوُنًا بِحَقِّ الشَّرْعِ، بَلْ لِحَاجَةِ الْعَبْدِ وَعَدَمِ حَاجَةِ الشَّرْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَتْ الْحُدُودُ، وَفِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ يُبْدَأُ بِحَقِّ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ إلَّا وَلِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حَقٌّ،
فَلَوْ قُدِّمَ حَقُّ الشَّرْعِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ بَطَلَ حُقُوقُ الْعِبَادِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ جِهَةِ التَّعْظِيمِ، لَا مِنْ جِهَةِ التَّقْدِيمِ، وَلِذَا قُلْنَا لَا يَسْتَقْرِضُ لِيَحُجَّ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الْوَفَاءِ كَمَا مَرَّ
وَكَذَا جَازَ قَطْعُ الصَّلَاةِ أَوْ تَأْخِيرُهَا لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ نَفْسِ غَيْرِهِ أَوْ مَالِهِ كَخَوْفِ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوَلَدِ وَالْخَوْفِ مِنْ تَرَدِّي أَعْمَى وَخَوْفِ الرَّاعِي مِنْ الذِّئْبِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ كَإِفْطَارِ الضَّيْفِ
(قَوْلُهُ إلَى حِينِ عَوْدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَضْلًا أَوْ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى مَا يَحْتَاجُ أَوْ بِنَفَقَةٍ أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ نَفَقَةٍ لِمَا بَعْدَ عَوْدِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ
(قَوْلُهُ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ) أَيْ وَقْتِ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ مُخِيفًا فِي غَيْرِهِ بَحْرٌ وَقَدَّمْنَا عَنْ اللُّبَابِ أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَفِي شَرْحِهِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَرَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ، وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ شَرْطُ وُجُوبٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَجِبُ الْوَصِيَّةُ بِهِ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَمْنِ الطَّرِيقِ
أَمَّا بَعْدَهُ فَتَجِبُ اتِّفَاقًا بَحْرٌ
(قَوْلُهُ بِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ) كَذَا اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ.
وَاخْتَلَفَ فِي سُقُوطِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ فَقِيلَ: يَسْقُطُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ مِنْ مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُكُوبِهِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْأَصَحُّ بَحْرٌ
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ عَدَمُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ، حَتَّى لَوْ غَلَبَ لِوُقُوعِ النَّهْبِ وَالْغَلَبَةِ مِنْ الْمُحَارِبِينَ مِرَارًا أَوْ سَمِعُوا أَنَّ طَائِفَةً تَعَرَّضَتْ لِلطَّرِيقِ، وَلَهَا شَوْكَةٌ وَالنَّاسُ يَسْتَضْعِفُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْهُمْ لَا يَجِبُ، وَمَا أَفْتَى بِهِ الرَّازِيّ مِنْ سُقُوطِهِ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَقَوْلِ الْإِسْكَافِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ لَا أَقُولُ إنَّهُ فُرِضَ فِي زَمَانِنَا وَقَوْلِ الثَّلْجِيِّ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ مُنْذُ كَذَا كَذَا سَنَةً حِجٌّ إنَّمَا كَانَ وَقْتَ غَلَبَةِ النَّهْبِ وَالْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ زَالَ وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ
(قَوْلُهُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْكَمَالُ) حَيْثُ قَالَ وَقَوْلُ الصَّفَارِ لَا أَرَى الْحَجَّ فَرْضًا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ حِينِ خَرَجَتْ الْقَرَامِطَةُ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِإِرْشَادِهِمْ، فَتَكُونُ الطَّاعَةُ سَبَبَ الْمَعْصِيَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ، إنَّمَا شَأْنُهُمْ اسْتِحْلَالُ قَتْلِ الْأَنْفُسِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَكَانُوا يَغْلِبُونَ عَلَى أَمَاكِنَ يَتَرَصَّدُونَ فِيهَا لِلْحُجَّاجِ، وَقَدْ هَجَمُوا عَلَيْهِمْ مَرَّةً فِي مَكَّةَ فَقَتَلُوا خَلْقًا فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ سُئِلَ الْكَرْخِيُّ عَمَّنْ لَا يَحُجُّ خَوْفًا مِنْهُمْ فَقَالَ: مَا سَلِمَتْ الْبَادِيَةُ مِنْ الْآفَاتِ أَيْ لَا تَخْلُو عَنْهَا لِقِلَّةِ الْمَاءِ وَهَيَجَانِ السَّمُومِ، وَهَذَا إيجَابٌ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَحْمَلُهُ أَنَّهُ رَأَى الْغَالِبَ انْدِفَاعَ شَرِّهِمْ عَنْ الْحَاجِّ، وَبِتَقْدِيرِهِ فَالْإِثْمُ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْآخِذِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ تَقْسِيمِ الرِّشْوَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ اهـ مُلَخَّصًا وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقَضَاءِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعْطِي مُضْطَرًّا بِأَنْ لَزِمَهُ الْإِعْطَاءُ ضَرُورَةً عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ
أَمَّا إذَا كَانَ بِالِالْتِزَامِ مِنْهُ فَبِالْإِعْطَاءِ أَيْضًا يَأْثَمُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ، وَأَجَابَ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ بِأَنَّهُ هُنَا مُضْطَرٌّ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ نَفْسِهِ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي عَنْ الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى فَإِنَّ الْمَكْسَ وَالْخَفَارَةَ رِشْوَةٌ وَنَقَلَ ح عَنْ الْبَحْرِ أَنَّ الرِّشْوَةَ فِي مِثْلِ هَذَا جَائِزَةٌ وَلَمْ أَرَهُ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ إنْ قُتِلَ بَعْضُ الْحُجَّاجِ) أَيْ فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ فِي غَالِبِ الْأَعْوَامِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكُونُ السَّلَامَةُ غَالِبَةً اهـ ح.
قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ غَلَبَةَ السَّلَامَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا لِكُلِّ أَحَدٍ بَلْ لِلْمَجْمُوعِ، وَهِيَ لَا تَنْتَفِي إلَّا بِقَتْلِ الْأَكْثَرِ أَوْ الْكَثِيرِ
أَمَّا قَتْلُ اللُّصُوصِ لِبَعْضٍ قَلِيلٌ مِنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ سِيَّمَا إذَا كَانَ بِتَفْرِيطِهِ بِنَفْسِهِ وَخُرُوجِهِ مِنْ بَيْنَهُمْ فَالسَّلَامَةُ فِيهِ غَالِبَةٌ نَعَمْ إذَا كَانَ الْقَتْلُ بِمُحَارَبَةِ الْقُطَّاعِ مَعَ الْحُجَّاجِ فَهُوَ عُذْرٌ إذَا غَلَبَ الْخَوْفُ لِمَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ إلَخْ عَلَى أَنَّك قَدْ سَمِعْت آنِفًا جَوَابَ الْكَرْخِيِّ فِي شَأْنِ الْقَرَامِطَةِ الْمُسْتَحِلِّينَ لِقَتْلِ الْحُجَّاجِ وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَوْتِ بِقِلَّةِ الْمَاءِ وَهَيَجَانِ السَّمُومِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ بِالْقَتْلِ بِأَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ،
فَلَوْ كَانَ عُذْرًا لَزِمَ أَنْ لَا يَجِبَ الْحَجُّ إلَّا عَلَى الْقَرِيبِ مِنْ مَكَّةَ فِي أَوْقَاتٍ خَاصَّةٍ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَهُ عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ سَفَرَهُ لَا يَخْلُو عَمَّا يَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْفَارِ مِنْ مَوْتٍ وَقَتْلٍ وَسَرِقَةٍ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ مِنْ الْمَكْسِ وَالْخَفَارَةِ) الْمَكْسُ مَا يَأْخُذُهُ الْعَشَّارُ وَالْخَفَارَةُ مَا يَأْخُذُهُ الْخَفِيرُ، وَهُوَ الْمُجِيرُ
وَمِثْلُهُ مَا يَأْخُذُهُ الْأَعْرَابُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الصِّرِّ الْمُعَيَّنِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ نَصَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِدَفْعِ شَرِّهِمْ
(قَوْلُهُ وَالْمُعْتَمَدُ لَا) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى شَرْحُ اللُّبَابِ عَنْ الْمِنْهَاجِ
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى كَوْنِ الْمُعْتَمَدِ عَدَمُ كَوْنِهِ عُذْرًا فَيُحْتَسَبُ إلَخْ ح
(قَوْلُهُ كَمَا فِي مَنَاسِكِ الطَّرَابُلُسِيِّ) وَعَزَاهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ إلَى الْكَرْمَانِيِّ.
(قَوْلُهُ وَمَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ) هَذَا وَقَوْلُهُ وَمَعَ عَدَمِ عِدَّةٍ عَلَيْهَا شَرْطَانِ مُخْتَصَّانِ بِالْمَرْأَةِ فَلِذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ وَمَا قَبْلَهُمَا مِنْ الشُّرُوطِ مُشْتَرَكٌ وَالْمَحْرَمُ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ مُنَاكَحَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَأَدْخَلَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِنْتَ مَوْطُوءَتِهِ مِنْ الزِّنَا حَيْثُ يَكُونُ مَحْرَمًا لَهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِهَا بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ، وَبِمَا تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ نَهْرٌ.
لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ذَكَرَ قِوَامُ الدِّينِ شَارِحُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُحْرِمًا بِالزِّنَا فَلَا تُسَافِرُ مَعَهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُدُورِيُّ وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ وَهُوَ الْأَحْوَطُ فِي الدِّينِ وَالْأَبْعَدُ عَنْ التُّهْمَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ عَبْدًا) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجِ وَالْمُحْرِمِ وَقَوْلُهُ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ بِرَضَاعٍ يَخْتَصُّ بِالْمَحْرَمِ كَمَا لَا يَخْفَى ح لَكِنْ نَقَلَ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ عَنْ نَفَقَاتِ الْبَزَّازِيَّةِ لَا تُسَافِرُ بِأَخِيهَا رَضَاعًا فِي زَمَانِنَا اهـ أَيْ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ كَرَاهَةُ الْخَلْوَةِ بِهَا كَالصِّهْرَةِ الشَّابَّةِ فَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ الصِّهْرَةِ الشَّابَّةِ هُنَا أَيْضًا لِأَنَّ السَّفَرَ كَالْخَلْوَةِ
(قَوْلُهُ كَمَا فِي النَّهْرِ بَحْثًا) حَيْثُ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الزَّوْجِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ، وَقَدْ اُشْتُرِطَ فِي الْمَحْرَمِ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ اهـ لَكِنْ كَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ عَاقِلٌ، وَهَذَا الْبَحْثُ نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ح
(قَوْلُهُ وَالْمُرَاهِقُ كَبَالِغٍ) اعْتِرَاضٌ بَيْنَ النُّعُوتِ ح
(قَوْلُهُ غَيْرِ مَجُوسِيٍّ) مُخْتَصٌّ بِالْمُحْرِمِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي زَوْجِ الْحَاجَّةِ أَنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا ح
(قَوْلُهُ وَلَا فَاسِقٍ) يَعُمُّ الزَّوْجَ وَالْمَحْرَمَ ح، وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ بِكَوْنِهِ مَاجِنًا لَا يُبَالِي.
(قَوْلُهُ لِعَدَمِ حِفْظِهِمَا لِمُعَدٍّ) لِأَنَّ الْمَجُوسِيَّ يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْهُ لِاعْتِقَادِهِ حِلِّ نِكَاحِ مَحْرَمَتِهِ، وَالْفَاسِقُ الَّذِي لَا مُرُوءَةَ لَهُ كَذَلِكَ وَلَوْ زَوْجًا وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ تَقْيِيدَ الْمَحْرَمِ بِكَوْنِهِ مَأْمُونًا لِإِغْنَاءِ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ مَعَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ إلَخْ) أَيْ فَيُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ قَادِرَةً عَلَى نَفَقَتِهَا وَنَفَقَتِهِ
(قَوْلُهُ لِمَحْرَمِهَا) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مَعَهَا زَوْجُهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهَا بَلْ هِيَ لَهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهَا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا مَانِعَةُ نَفْسِهَا بِفِعْلِهَا سِرَاجٌ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ عَلَيْهَا) أَيْ حَبَسَ نَفْسَهُ لِأَجْلِهَا وَمَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ لِغَيْرِهِ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ لِامْرَأَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضٍ
(قَوْلُهُ حَرَّةٍ) مُسْتَدْرَكٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَقَدْ مَرَّ اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، لَكِنْ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْمُقَامِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ السَّفَرِ لِلْمَرْأَةِ إلَّا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ خَاصٌّ بِالْحُرَّةِ فَيَجُوزُ لِلْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ السَّفَرُ بِدُونِهِ كَمَا فِي السِّرَاجِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالْفَتْوَى: عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي زَمَانِنَا
(قَوْلُهُ وَلَوْ عَجُوزًا) أَيْ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ بَحْرٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
لِكُلِّ سَاقِطَةٍ فِي الْحَيِّ لَاقِطَةٌ ... وَكُلُّ كَاسِدَةٍ يَوْمًا لَهَا سُوقُ
(قَوْلُهُ فِي سَفَرٍ) هُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فَيُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَا دُونَهُ لِحَاجَةٍ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ بَحْرٌ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَرَاهَةُ خُرُوجِهَا وَحْدَهَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَتْوَى عَلَيْهِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ شَرْحُ اللُّبَابِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ» وَفِي لَفْظٍ «يَوْمٌ»" لَكِنْ
قَالَ فِي الْفَتْحِ: ثُمَّ إذَا كَانَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (قَوْلُهُ قَوْلَانِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ شَرْطُ وُجُوبٍ أَمْ شَرْطُ وُجُوبِ أَدَاءً وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ مَعَ الصِّحَّةِ وَأَمْنِ الطَّرِيقِ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَيَجِبُ الْإِيصَاءُ إنْ مَنَعَ الْمَرَضُ، وَخَوْفُ الطَّرِيقِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ زَوْجٌ، وَلَا مُحْرِمٌ،
وَيَجِبُ عَلَيْهَا التَّزَوُّجُ عِنْدَ فَقْدِ الْمَحْرَمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَفِي النَّهْرِ وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ فِي الْبَدَائِعِ وَرَجَّحَ الثَّانِيَ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِقَاضِي خَانْ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ جَزَمَ فِي اللُّبَابِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّزَوُّجُ مَعَ أَنَّهُ مَشَى عَلَى جَعْلِ الْمَحْرَمِ أَوْ الزَّوْجِ شَرْطَ أَدَاءً وَرَجَّحَ هَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَابْنُ أَمِيرْ حَاجّْ فِي الْمَنَاسِكِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مِنَحِهِ قَالَ: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ غَرَضُهَا بِالتَّزَوُّجِ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهَا، بَعْدَ أَنْ يَمْلِكَهَا، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ وَرُبَّمَا لَا يُوَافِقُهَا فَتَتَضَرَّرُ مِنْهُ
بِخِلَافِ الْمَحْرَمِ، فَإِنَّهُ إنْ وَافَقَهَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ امْتَنَعَ أَمْسَكَتْ نَفَقَتَهَا وَتَرَكَتْ الْحَجَّ اهـ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ عَبْدُهَا بِمَحْرَمٍ لَهَا) أَيْ وَلَوْ مَجْبُوبًا أَوْ خَصِيًّا لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ نِكَاحُهَا عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بَلْ مَا دَامَ مَمْلُوكًا لَهَا
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا) أَيْ إذَا كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ وَإِلَّا فَلَهُ مَنْعُهَا كَمَا يَمْنَعُهَا عَنْ غَيْرِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ،
وَلَوْ وَاجِبَةً بِصُنْعِهَا كَالْمَنْذُورَةِ، وَاَلَّتِي أَحْرَمَتْ بِهَا فَفَاتَتْهَا وَتَحَلَّلَتْ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ فَلَا تَقْضِيهَا إلَّا بِإِذْنِهِ
وَكَذَا لَوْ دَخَلَتْ مَكَّةَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمَةٍ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا تَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ بِفِعْلِهَا بَلْ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ رَحْمَتِيٌّ،
وَإِذَا مَنَعَهَا زَوْجُهَا فِيمَا يَمْلِكُهُ تَصِيرُ مُحْصَرَةً كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ) أَيْ التَّحْرِيمِيَّةِ لِلنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ «أَوْ زَوْجٌ» " ط
(قَوْلُهُ وَمَعَ عَدَمِ عِدَّةٍ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ إذَا وَجَدَتْ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَاللُّبَابِ قَالَ شَارِحُهُ وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَمِيرْ حَاجّْ أَنَّهُ شَرْطُ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ
(قَوْلُهُ أَيَّةَ عِدَّةٍ كَانَتْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ ح
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.