وَكَذَا لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ كَنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَعُرْسِهِ وَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ إرْضَاعُهُ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ
الشروح عليها
(وَكَذَا) تَجِبُ (لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ) كَأُنْثَى مُطْلَقًا وَزَمِنٍ وَمَنْ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِالتَّكَسُّبِ وَطَالِبِ عِلْمٍ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالْعَيْنِيِّ. وَأَفْتَى أَبُو حَامِدٍ بِعَدَمِهَا لِطَلَبَةِ زَمَانِنَا كَمَا بَسَطَهُ فِي الْقُنْيَةِ، وَلِذَا قَيَّدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِذِي رُشْدٍ (لَا يُشَارِكُهُ) أَيْ الْأَبُ وَلَوْ فَقِيرًا (أَحَدٌ فِي ذَلِكَ كَنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَعُرْسِهِ) بِهِ يُفْتَى مَا لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا فَيَلْحَقُ بِالْمَيِّتِ، فَتَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ بِلَا رُجُوعٍ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ إلَّا لِأُمٍّ مُوسِرَةٍ بَحْرٌ.
قَالَ: وَعَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إصْلَاحِ الْمُتُونِ جَوْهَرَةٌ. فُرُوعٌ] لَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِ وَالِدَيْهِ فَالْأُمُّ أَحَقُّ،
وَلَوْ لَهُ أَبٌ وَطِفْلٌ فَالطِّفْلُ أَحَقُّ بِهِ،
وَقِيلَ يَقْسِمُهَا فِيهِمَا.
وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ بَلْ وَتَزْوِيجُهُ أَوْ تَسَرِّيهِ،
وَلَوْ لَهُ زَوْجَاتٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَاحِدَةٌ يَدْفَعُهَا لِلْأَبِ لِيُوَزِّعَهَا عَلَيْهِنَّ.
وَفِي الْمُخْتَارِ وَالْمُلْتَقَى: وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ إنْ كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا أَوْ زَمِنًا.
وَفِي وَاقِعَاتِ الْمُفْتِينَ لِقَدْرِي أَفَنْدِي: وَيُجْبَرُ الْأَبُ - عَلَى نَفَقَةِ امْرَأَةِ ابْنِهِ الْغَائِبِ وَوَلَدِهَا،
وَكَذَا الْأُمُّ عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ لِتَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْأَبِ،
وَكَذَا الِابْنُ عَلَى نَفَقَةِ الْأُمِّ لِيَرْجِعَ عَلَى زَوْجِ أُمِّهِ،
وَكَذَا الْأَخُ عَلَى نَفَقَةِ أَوْلَادِ أَخِيهِ لِيَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْأَبِ،
وَكَذَا الْأَبْعَدُ إذَا غَابَ الْأَقْرَبُ انْتَهَى. .
وَفِي الْفُصُولَيْنِ مِنْ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ: أَجْنَبِيٌّ أَنْفَقَ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ فَقَالَ: أَنْفَقْت بِأَمْرِ الْمُوصِي وَأَقَرَّ بِهِ الْوَصِيُّ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِ الْوَصِيِّ بَعْدَمَا أَنْفَقَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ لَوْ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ صَغِيرًا. اهـ وَفِيهِ قَالَ أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ عَلَى عِيَالِي أَوْ عَلَى أَوْلَادِي فَفَعَلَ، قِيلَ يَرْجِعُ بِلَا شَرْطِهِ،
وَقِيلَ لَا. وَلَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ رَجَعَ بِلَا شَرْطِهِ،
وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ مُطَالَبًا بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ كَجِنَايَةٍ وَمُؤَنٍ مَالِيَّةٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَسِيرَ وَمَنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ لِيُصَادِرَهُ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ خَلِّصْنِي فَدَفَعَ الْمَأْمُورُ مَالًا فَخَلَّصَهُ، قِيلَ يَرْجِعُ،
وَقِيلَ لَا فِي الصَّحِيحِ بِهِ يُفْتَى. (وَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ إرْضَاعُهُ) قَضَاءً بَلْ دِيَانَةً (إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ) فَتُجْبَرُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَضَانَةِ،
وَكَذَا الظِّئْرُ تُجْبَرُ عَلَى إبْقَاءِ الْإِجَارَةِ بَزَّازِيَّةٌ
(قَوْلُهُ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ إلَخْ) فَإِذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لَهُ النَّفَقَةَ عَلَى أَبِيهِ أَجَابَهُ وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ وَلَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ ذَخِيرَةٌ، وَعَلَيْهِ
فَلَوْ قَالَ لَهُ الْأَبُ: أَنَا أُطْعِمُك وَلَا أَدْفَعُ إلَيْك لَا يُجَابُ،
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي نَفَقَةِ كُلِّ مَحْرَمٍ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ كَأُنْثَى مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا زَمَانَةٌ تَمْنَعُهَا عَنْ الْكَسْبِ فَمُجَرَّدُ الْأُنُوثَةِ عَجْزٌ إلَّا إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ مَا دَامَتْ زَوْجَةً وَهَلْ إذَا نَشَزَتْ عَنْ طَاعَتِهِ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ عَلَى أَبِيهَا مَحَلُّ تَرَدُّدٍ فَتَأَمَّلْ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُؤْجِرَهَا فِي عَمَلٍ أَوْ خِدْمَةٍ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا كَسْبٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَزَمِنٍ) أَيْ مَنْ بِهِ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا مِنْ بِهِ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ الْكَسْبِ كَعَمًى وَشَلَلٍ،
وَلَوْ قَدَرَ عَلَى اكْتِسَابِ مَا لَا يَكْفِيهِ فَعَلَى أَبِيهِ تَكْمِيلُ الْكِفَايَةِ
(قَوْلُهُ وَمَنْ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِالتَّكَسُّبِ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ. وَاعْتَرَضَهُ الرَّحْمَتِيُّ بِأَنَّ الْكَسْبَ لِمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ فَرْضٌ فَكَيْفَ يَكُونُ عَارًا، الْأَوْلَى مَا فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ إذَا كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْكِرَامِ وَلَا يَسْتَأْجِرُهُ النَّاسُ فَهُوَ عَاجِزٌ. اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ.
(قَوْلُهُ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْقُنْيَةِ) حَاصِلُهُ أَنَّ السَّلَفَ قَالُوا بِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَى الْأَبِ، لَكِنْ أَفْتَى أَبُو حَامِدٍ بِعَدَمِهِ لِفَسَادِ أَحْوَالِ أَكْثَرِهِمْ،
وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِهِمْ نَادِرٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلَا يُفْرَدُ بِالْحُكْمِ دَفْعًا لِحَرَجِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُصْلِحِ وَالْمُفْسِدِ. قَالَ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ: لَكِنْ بَعْدَ الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ يَعْنِي فِتْنَةَ التَّتَارِ الَّتِي ذَهَبَ بِهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ نَرَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْفِقْهِ وَالْأَدَبِ اللَّذَيْنِ هُمَا قَوَاعِدُ الدِّينِ وَأُصُولُ كَلَامِ الْعَرَبِ يَمْنَعُهُمْ الِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ عَنْ التَّحْصِيلِ وَيُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ الْعِلْمِ وَالتَّعْطِيلِ، فَكَانَ الْمُخْتَارُ الْآنَ قَوْلُ السَّلَفِ، وَهَفَوَاتُ الْبَعْضِ لَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ كَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ. اهـ مُلَخَّصًا، وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ ح: وَأَقُولُ الْحَقُّ الَّذِي تَقْبَلُهُ الطِّبَاعُ الْمُسْتَقِيمَةُ وَلَا تَنْفِرُ مِنْهُ الْأَذْوَاقُ السَّلِيمَةُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا لِذِي الرُّشْدِ لَا غَيْرِهِ، وَلَا حَرَجَ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُصْلِحِ وَالْمُفْسِدِ لِظُهُورِ مَسَالِكِ الِاسْتِقَامَةِ وَتَمْيِيزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
(قَوْلُهُ وَلِذَا إلَخْ) أَيْ لِكَوْنِهَا لَا تَجِبُ لِطَلَبَةِ زَمَانِنَا الْغَالِبِ عَلَيْهِمْ الْفَسَادُ
(قَوْلُهُ لَا يُشَارِكُهُ) جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي تَجِبُ لِطِفْلِهِ الْفَقِيرِ إلَخْ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَلَوْ فَقِيرًا) هَذَا مُجَارَاةٌ لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْأَبَ تَبَعًا لِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي نَفَقَةِ طِفْلِهِ وَوَلَدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ
(قَوْلُهُ كَنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَعُرْسِهِ) أَيْ كَمَا لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَلَا فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ
(قَوْلُهُ بِهِ يُفْتَى) رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْفُرُوعِ، وَمُقَابِلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ أَثْلَاثًا يَعْنِي الْكَبِيرَ،
أَمَّا الصَّغِيرُ فَعَلَى أَبِيهِ خَاصَّةً بِلَا خِلَافٍ: قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ لِلْأَبِ فِي الصَّغِيرِ وِلَايَةٌ وَمُؤْنَةٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ فَاخْتَصَّ بِلُزُومِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْكَبِيرُ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ فَتُشَارِكُهُ الْأُمُّ. اهـ. ط وَصَرَّحَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ بِأَنَّ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَبِأَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى فَلِذَا تَبِعَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا إلَخْ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْأَبِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ كَانَ لِلْفَقِيرِ أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَجَدٌّ مُوسِرٌ يُؤْمَرُ الْجَدُّ بِالْإِنْفَاقِ صِيَانَةً لِوَلَدِ الْوَلَدِ وَيَكُونُ دَيْنًا عَلَى وَالِدِهِمْ هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ، فَلَمْ يَجْعَلْ النَّفَقَةَ عَلَى الْجَدِّ حَالَ عُسْرَةِ الْأَبِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ.
وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأَبَ الْفَقِيرَ يَلْحَقُ بِالْمَيِّتِ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ عَلَى الْجَدِّ،
وَإِنْ كَانَ الْأَبُ زَمِنًا يُقْضَى بِهَا عَلَى الْجَدِّ بِلَا رُجُوعٍ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَبِ حِينَئِذٍ عَلَى الْجَدِّ فَكَذَا نَفَقَةَ الصِّغَارِ. اهـ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا: وَلَوْ لَهُمْ أُمٌّ مُوسِرَةٌ أُمِرَتْ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ دَيْنًا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأَبِ إذَا أَيْسَرَ وَهِيَ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ إلَخْ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْأَبِ الْمُعْسِرِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَنْفَقَتْ الْأُمُّ الْمُوسِرَةُ، وَإِلَّا فَالْأَبُ كَالْمَيِّتِ وَالْوُجُوبُ عَلَى غَيْرِهِ لَوْ كَانَ مَيِّتًا وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ إصْلَاحِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ أَيْ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ: إنَّ الْأَبَ لَا يُشَارِكُهُ فِي نَفَقَةِ وَلَدِهِ أَحَدٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَأَمَرَ الْقَاضِي غَيْرَهُ بِالْإِنْفَاقِ يَرْجِعُ سَوَاءٌ كَانَ
أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ غَيْرَهُمَا، إذْ لَوْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ لَحَصَلَتْ الْمُشَارَكَةُ وَأَجَابَ الْمَقْدِسِيَّ بِحَمْلِ مَا فِي الْمُتُونِ عَلَى حَالَةِ الْيَسَارِ، لَكِنْ قَالَ الرَّمْلِيُّ: لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ اخْتَارَهَا أَهْلُ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهَا. اهـ.
قُلْت: وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُنْفِقِ
أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ غَيْرَهُمَا فِي ثُبُوتِ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَبِ، مَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ زَمِنًا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ اتِّفَاقًا وَقَدَّمْنَا عَنْ جَوَامِعِ الْفِقْهِ مَا يُؤَيِّدُ مَا فِي الْمُتُونِ،
وَمِثْلُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّ نَفَقَةَ الصِّغَارِ وَالْإِنَاثِ الْمُعْسِرَاتِ عَلَى الْأَبِ لَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَا تَسْقُطُ بِفَقْرِهِ. اهـ
وَكَذَا مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ لَهُمْ جَدٌّ مُوسِرٌ لَمْ تُفْرَضْ عَلَيْهِ بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا لِيَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْجَدِّ عِنْدَ وُجُودِ الْأَبِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْجَدِّ نَفَقَةُ ابْنِهِ الْمَذْكُورِ فَنَفَقَةُ أَوْلَادِهِ أَوْلَى، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْأَبُ زَمِنًا قُضِيَ بِنَفَقَتِهِمْ وَنَفَقَةِ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ. اهـ عَلَى أَنَّ مَا صَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ يَرِدُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ رُجُوعَ الْأُمِّ مَعَ أَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى أَوْلَادِهَا مِنْ الْجَدِّ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ، فَكَيْفَ يَرْجِعُ الْأَقْرَبُ دُونَ الْأَبْعَدِ؟
. وَمَسْأَلَةُ رُجُوعِ الْأُمِّ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ تُثْبِتُ رُجُوعَ غَيْرِهَا بِالْأَوْلَى، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ.
[تَنْبِيهٌ] فِي الْبَحْرِ: الْفَقِيرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ غَيْرِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالزَّوْجَةِ. اهـ وَشَمِلَ الْفُرُوعُ الْوَلَدَ الْكَبِيرَ الْعَاجِزَ وَالْأُنْثَى، وَتَقَدَّمَ آنِفًا فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ
(قَوْلُهُ جَوْهَرَةٌ) كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَلَا وَجْهَ لَهُ،
فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَنْقُلْهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ وَلَا هُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا.
وَفِي نُسْخَةِ الرَّحْمَتِيِّ: وَفِي الْجَوْهَرَةِ فُرُوعٌ إلَخْ وَهِيَ الصَّوَابُ،
فَإِنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ إلَى قَوْلِهِ.
وَفِي الْمُخْتَارِ ذَكَرَهَا فِي الْجَوْهَرَةِ فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرًا مُقَدَّمًا وَفُرُوعٌ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا
(قَوْلُهُ فَالْأُمُّ أَحَقُّ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَبُ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الِابْنِ فِي صِغَرِهِ دُونَ الْأُمِّ،
وَقِيلَ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمَا جَوْهَرَةٌ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ «عَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ أُمُّك، قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّك. قُلْت، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبَاك، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ» أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ يَقْسِمُهَا فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
[مَطْلَبٌ فِي نَفَقَةِ زَوْجَةِ الْأَبِ] ِ
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ) أَيْ فِي رِوَايَةٍ.
وَفِي أُخْرَى إنْ كَانَ الْأَبُ مَرِيضًا أَوْ بِهِ زَمَانَةٌ يَحْتَاجُ لِلْخِدْمَةِ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ،
فَإِنَّ الِابْنَ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ يُجْبَرُ الْأَبُ عَلَى نَفَقَةِ خَادِمِهِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ وُجُوبِ نَفَقَةِ امْرَأَةِ الْأَبِ أَوْ جَارِيَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِالْأَبِ عِلَّةٌ،
وَأَنَّ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا عَنْ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ: وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ فِي نَفَقَةِ الْخَادِمِ وَأَنَّهُ إذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمَا لِخَادِمٍ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ كَمَا وَجَبَتْ نَفَقَةُ الْمَخْدُومِ فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ نَفَقَتِهِ،
وَإِذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَاغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ كَثِيرُ الْوُقُوعِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ
قُلْت: بَقِيَ مَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ أُمَّ الِابْنِ فَهَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الِابْنِ أَمْ لَا؟
فَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ،
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ مُحْتَاجًا إلَيْهَا لِقَوْلِهِمْ لَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ؛
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً وَالْأَبُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا لِيَرْجِعَ عَلَى أَبِيهِ أَوْ تُنْفِقُ هِيَ لِتَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ، وَهَذَا أَقْرَبُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ بَلْ وَتَزْوِيجُهُ أَوْ تَسَرِّيهِ) ذَكَرَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ أَيْضًا عَنْ الْجَوْهَرَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ وَعَزَوْنَاهُ إلَى الزَّيْلَعِيِّ وَالدُّرَرِ وَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا هُنَا
(قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَاحِدَةٌ) بِالْإِضَافَةِ،
فَلَوْ مُوسِرَاتٍ فَالْوَسَطُ، أَوْ مُعْسِرَاتٍ فَالدُّونُ،
وَلَوْ مُخْتَلِفَاتٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَدْفَعُ نِصْفَ نَفَقَةِ الْوَسَطِ وَنِصْفَ الدُّونِ أَفَادَهُ ط
(قَوْلُهُ لِيُوَزِّعَهَا عَلَيْهِنَّ) وَلَهُنَّ رَفْعُ أَمْرِهِنَّ لِلْقَاضِي لِيَأْمُرَهُنَّ بِاسْتِدَانَةِ الْبَاقِي مِنْ كِفَايَتِهِنَّ لِتَكُونَ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ. وَتَجِبُ الْإِدَانَةُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُخْتَارِ وَالْمُلْتَقَى إلَخْ) هَذَا خِلَافُ نَصِّ الْمَذْهَبِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ أَوْ زَمِنًا) أَيْ أَوْ كَبِيرًا زَمِنًا
(قَوْلُهُ لِقَدْرِي أَفَنْدِي) هُوَ مِنْ مُتَأَخِّرِي عُلَمَاءِ الرُّومِ، اسْمُهُ عَبْدُ الْقَادِرِ
(قَوْلُهُ وَيُجْبَرُ الْأَبُ إلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِزَوْجَةِ الِابْنِ وَلَوْ صَغِيرًا فَقِيرًا،
فَلَوْ كَانَ كَبِيرًا غَائِبًا بِالْأَوْلَى إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا بِمَعْنَى أَنَّ الْأَبَ يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِيَرْجِعَ بِهَا عَلَى الِابْنِ إذَا حَضَرَ، لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ زَوْجَةَ الْغَائِبِ يَفْرِضُ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا وَيَأْمُرُهَا بِالِاسْتِدَانَةِ وَأَنَّهُ تَجِبُ الْإِدَانَةُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْأُمُّ إلَخْ) أَيْ إذَا غَابَ الْأَبُ وَلَمْ يَتْرُكْ نَفَقَةً تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ مَالِهَا إنْ كَانَ لَهَا مَالٌ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَقَدَّمَ الشَّارِحُ عَنْ الْبَحْرِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّهَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى النِّكَاحِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي عَالِمًا بِهِ ثُمَّ يَفْرِضُ لَهُمْ وَيَأْمُرُهَا بِالْإِنْفَاقِ وَالِاسْتِدَانَةِ لِتَرْجِعَ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَتْرُكْ مَالًا عِنْدَهُ أَوْ عَلَى مَنْ يُقِرُّ بِهِ وَبِالزَّوْجِيَّةِ وَالْوِلَادِ، وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَفْرِضُ لَهَا فِي ذَلِكَ الْمَالَ،
وَكَذَا لَوْ تَرَكَ مَالًا فِي بَيْتِهِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ
(قَوْلُهُ وَكَذَا الِابْنُ) أَيْ الْمُوسِرُ إذَا غَابَ زَوْجُ أُمِّهِ الْفَقِيرَةِ، هَذَا ظَاهِرُ السِّيَاقِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْغَيْبَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا وَهُوَ مُعْسِرٌ، لَكِنَّ هَذِهِ تَقَدَّمَتْ قُبَيْلَ قَوْلِهِ قَضَى بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ، وَهَذَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا غَيْرَ أَبِيهِ،
فَلَوْ كَانَ أَبَاهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ؟ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ قَرِيبًا
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْأَخُ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَوْلَادِ أُمٌّ مُوسِرَةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأُمَّ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى أَوْلَادِهَا
(قَوْلُهُ وَكَذَا الْأَبْعَدُ إذَا غَابَ الْأَقْرَبُ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، فَيَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ الْغَائِبُ ابْنًا أَوْ أَبًا أَوْ
أُمًّا أَوْ أَخًا وَالْحَاضِرُ الْمُوسِرُ خَالٌ أَوْ عَمٌّ أَوْ جَدٌّ، وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا هُنَا
وَكَذَا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ الْغَيْبَةَ كَالْإِعْسَارِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبْعَدِ وَرُجُوعِهِ عَلَى الْأَقْرَبِ بَعْدَ حُضُورِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَبِ خَاصًّا بِالْأُمِّ خِلَافًا لِقَوْلِهِ الْمَارِّ إلَّا لِأُمٍّ مُوسِرَةٍ.
(قَوْلُهُ أَجْنَبِيٌّ أَنْفَقَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قُبَيْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَدَبِ الْقَاضِي: ادَّعَى وَصِيٌّ أَوْ قَيِّمٌ أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إذْ يَدَّعِي دَيْنًا لِنَفْسِهِ عَلَى الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ فَلَا يَصِحُّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى،
فَلَوْ ادَّعَى الْإِنْفَاقَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَالْيَتِيمِ نَفَقَةَ الْمِثْلِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ صُدِّقَ. اهـ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَوْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ وَمَالِ الْوَصِيِّ، لَكِنَّ فِيهِ إثْبَاتَ دَيْنٍ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْيَتِيمِ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِ الْوَصِيِّ، وَلَمْ أَرَ صَرِيحًا صِحَّتَهُ، نَعَمْ فِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا: أَوْ أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَمْ يُشْهِدْ،
فَلَوْ كَانَ الْمُنْفِقُ أَبًا لَمْ يَرْجِعْ وَفِي الْوَصِيِّ اخْتِلَافٌ. اهـ. وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْمَهْرِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى ضَمَانِ الْوَلِيِّ الْمَهْرَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِشْهَادِ اسْتِحْسَانٌ، وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْأَبِ إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الْأَبَ يُنْفِقُ تَبَرُّعًا وَمَرَّ تَمَامُ الْكَلَامِ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا آخِرَ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
مَطْلَبٌ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْإِنْفَاقِ وَنَحْوِهِ هَلْ يَرْجِعُ
(قَوْلُهُ وَفِيهِ إلَخْ) أَقُولُ: فِي الْخَانِيَّةِ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا أَمَرَ صَيْرَفِيًّا فِي الْمُصَارَفَةِ أَنْ يُعْطِيَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ قَضَاءً عَنْهُ أَوْ لَمْ يَقُلْ قَضَاءً عَنْهُ فَفَعَلَ يُرْجَعُ عَلَى الْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَيْرَفِيًّا لَا يُرْجَعُ إلَّا أَنْ يَقُولَ عَنِّي،
وَلَوْ أَمَرَهُ بِشِرَائِهِ أَوْ بِدَفْعِ الْفِدَاءِ يُرْجَعُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا،
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى أَنْ تَرْجِعَ عَلَيَّ بِذَلِكَ،
وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْفِقْ مِنْ مَالِكَ عَلَى عِيَالِي أَوْ فِي بِنَاءِ دَارِي يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ،
وَكَذَا لَوْ قَالَ اقْضِ دَيْنِي يَرْجِعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ،
وَلَوْ قَضَى نَائِبَةَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الرُّجُوعَ هُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.
قُلْت: وَالْمُرَادُ بِالصَّيْرَفِيِّ مَنْ يَسْتَدِينُ مِنْهُ التُّجَّارُ وَيَقْبِضُ لَهُمْ فَيَرْجِعُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ لِلْعُرْفِ بِأَنَّ مَا يُؤْمَرُ بِإِعْطَائِهِ هُوَ دَيْنٌ عَلَى الْآمِرِ،
بِخِلَافِ غَيْرِ الصَّيْرَفِيِّ فَلَا يَرْجِعُ بِقَوْلِهِ أَعْطِ فُلَانًا كَذَا إلَّا بِشَرْطِ الرُّجُوعِ
(قَوْلُهُ كَجِنَايَةٍ) الَّذِي فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ جِبَايَةٍ بِالْبَاءِ بَعْدَ الْجِيمِ لَا بِالنُّونِ، وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَجْبِيهِ السُّلْطَانُ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ قُبَيْلَ كَفَالَةِ الرَّجُلَيْنِ أَنَّهُ تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالنَّوَائِبِ وَلَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، كَجِبَايَاتِ زَمَانِنَا فَإِنَّهَا فِي الْمُطَالَبَةِ كَالدُّيُونِ بَلْ فَوْقَهَا
(قَوْلُهُ وَمُؤَنٍ مَالِيَّةٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لِشُمُولِهِ مِثْلَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، لَكِنَّ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَيْضًا الْأَمْرَ بِإِنْفَاقٍ وَأَدَاءِ خَرَاجٍ وَصَدَقَاتٍ وَاجِبَةٍ لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِلَا شَرْطٍ إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ. اهـ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ عَطْفُ مُرَادِفٍ لِئَلَّا يَشْمَلَ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ
(قَوْلُهُ لِيُصَادِرَهُ) أَيْ لِيَأْخُذَ مِنْهُ مَالَهُ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا فِي الصَّحِيحِ) سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ تَصْحِيحَ الْأَوَّلِ،
وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخَانِيَّةِ مِنْ تَصْحِيحِ الرُّجُوعِ بِلَا شَرْطٍ فِي النَّائِبَةِ،
فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّائِبَةَ تَشْمَلُ مَسْأَلَةَ الْأَسِيرِ وَالْمُصَادَرَةِ وَقَاضِي خَانْ مِنْ أَجَلِّ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَى تَصْحِيحِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْبُيُوعِ.
[مَطْلَبٌ فِي إرْضَاعِ الصَّغِيرِ] ِ
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ) أَيْ الَّتِي فِي نِكَاحِ الْأَبِ أَوْ الْمُطَلَّقَةِ ط
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ أَوْ كَانَ الْوَلَدُ لَا يَأْخُذُ ثَدْيَ غَيْرِهَا، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خَانِيَّةٌ وَمُجْتَبًى، وَهُوَ الْأَصْوَبُ فَتْحٌ. وَظَاهِرُ الْكَنْزِ أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِتَغَذِّيهِ بِالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ: إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ فِي الْهِدَايَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
وَفِيهِ عَنْ الْخَانِيَّةِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَلَا لِلْوَلَدِ مَالٌ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى إرْضَاعِهِ عِنْدَ الْكُلِّ. اهـ قَالَ: فَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ قُدْرَةِ الْأَبِ بِالْمَالِ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْخَصَّافِ وَزَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَتُجْعَلُ الْأُجْرَةُ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ. اهـ.
قُلْت: وَمِثْلُهُ فِي الْمَجْمَعِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إجْبَارِهَا وَلُزُومِ الْأُجْرَةِ لَهَا خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي الْحَضَانَةِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ، وَمَرَّ تَمَامُهُ هُنَاكَ
(قَوْلُهُ وَكَذَا الظِّئْرُ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ الْعُيُونِ عَنْ مُحَمَّدٍ: فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ ظِئْرَ الصَّبِيِّ شَهْرًا فَلَمَّا انْقَضَى الشَّهْرُ أَبَتْ أَنْ تُرْضِعَهُ، وَالصَّبِيُّ لَا يَقْبَلَ ثَدْيَ غَيْرِهَا، قَالَ: أُجْبِرُهَا أَنْ تُرْضِعَ.
اهـ فَالْمُرَادُ بِإِبْقَاءِ الْإِجَارَةِ اسْتِدَامَةُ حُكْمِهَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّتِهَا؛ كَمَا لَوْ مَضَتْ إجَارَةُ السَّفِينَةِ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إجَارَةٌ مُبْتَدَأَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهَا مَا إذَا تَعَيَّنَتْ لِإِرْضَاعِهِ قَبْلَ اسْتِئْجَارِهَا فَتُجْبَرُ عَلَيْهَا وَإِنْ أَمْكَنَ تَغَذِّيهِ بِالدُّهْنِ مَثَلًا،
فَإِنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِضَعْفِهِ وَمَوْتِهِ، وَبِهَذَا رَجَّحُوا إجْبَارَ الْأُمِّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَأَمَّلْ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.