فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الدر المختارالحصكفي

(وَكُلُّ مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ إلَّا) جَمَاعَةٌ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ عَلَى مَا مَرَّ وَ (الْكَافِرُ بِسَبِّ نَبِيٍّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا،

٢٬٧٢٣

وَلَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى قُبِلَتْ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَوَّلُ حَقُّ عَبْدٍ لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ،

٢٬٧٢٤

وَمَنْ شَكَّ فِي عَذَابِهِ وَكُفْرِهِ كَفَرَ، وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ فِي فَصْلِ الْجِزْيَةِ مَعْزِيًّا لِلْبَزَّازِيَّةِ،

٢٬٧٢٥

وَكَذَا لَوْ أَبْغَضَهُ بِالْقَلْبِ فَتْحٌ وَأَشْبَاهٌ.

٢٬٧٢٦

وَفِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ: وَيَجِبُ إلْحَاقُ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ أَيْضًا. وَفِيهَا: سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ لِشَرِيفٍ لَعَنَ اللَّهُ وَالِدَيْكَ وَوَالِدَيْ الَّذِينَ خَلَّفُوكَ. فَأَجَابَ: الْجَمْعُ الْمُضَافُ يَعُمُّ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ، خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَحِينَئِذٍ فَيَعُمُّ حَضْرَةَ الرِّسَالَةِ فَيَنْبَغِي الْقَوْلُ بِكُفْرِهِ،

٢٬٧٢٧

وَإِذَا كَفَرَ بِسَبِّهِ لَا تَوْبَةَ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ وَتَوَارَدَهُ الشَّارِحُونَ، نَعَمْ لَوْ لُوحِظَ قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِاحْتِمَالِ الْعَهْدِ فَلَا كُفْرَ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا لِتَصْرِيحِهِمْ بِالْمَيْلِ إلَى مَا لَا يَكْفُرُ. وَفِيهَا: مَنْ نَقَصَ مَقَامَ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ بِأَنْ سَبَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِفِعْلِهِ بِأَنْ بَغَضَهُ بِقَلْبِهِ قُتِلَ حَدًّا كَمَا مَرَّ التَّصْرِيحُ بِهِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي آخِرِ الشِّفَاءِ بِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمُرْتَدِّ، وَمُفَادُهُ قَبُولُ التَّوْبَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ: وَقَدْ سَمِعْت مِنْ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ بِمِصْرَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْعَالِ أَنَّ الْكَمَالَ وَغَيْرَهُ تَبِعُوا الْبَزَّازِيَّ وَالْبَزَّازِيُّ تَبِعَ صَاحِبَ [السَّيْفِ الْمَسْلُولِ] عَزَاهُ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي النُّتَفِ وَمُعِينِ الْحُكَّامِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَحَاوِي الزَّاهِدِيِّ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمُرْتَدِّ وَلَفْظُ النُّتَفِ مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ مُرْتَدٌّ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَيُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ انْتَهَى.

- وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَمَا مَرَّ عَنْ الشِّفَاءِ اهـ فَلْيُحْفَظْ.

٢٬٧٢٨

قُلْت: وَظَاهِرُ الشِّفَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ يَا ابْنَ أَلْفِ خِنْزِيرٍ أَوْ يَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ،

٢٬٧٢٩

وَأَنَّ قَوْلَهُ لِهَاشِمِيٍّ لَعَنَ اللَّهُ بَنِي هَاشِمٍ كَذَلِكَ وَأَنَّ شَتْمَ الْمَلَائِكَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ فَلْيُحَرَّرْ.

٢٬٧٣٠

وَمِنْ حَوَادِثِ الْفَتْوَى مَا لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِكُفْرِهِ بِسَبِّ نَبِيٍّ هَلْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، الظَّاهِرُ نَعَمْ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ أُخْرَى وَإِنْ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ نَهْرٌ.

٢٬٧٣١

قُلْت: ثُمَّ رَأَيْت فِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ سُؤَالًا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ طَالِبَ عِلْمٍ ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ نَبَوِيٌّ فَقَالَ أَكُلُّ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِدْقٌ يُعْمَلُ بِهَا. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَكْفُرُ أَوَّلًا بِسَبَبِ اسْتِفْهَامِهِ الْإِنْكَارِيِّ، وَثَانِيًا بِإِلْحَاقِهِ الشَّيْنَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي كُفْرِهِ الْأَوَّلِ عَنْ اعْتِقَادِهِ يُؤْمَرُ بِتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ فَلَا يُقْتَلُ،

٢٬٧٣٢

وَالثَّانِي يُفِيدُ الزَّنْدَقَةَ، -. فَبَعْدَ أَخْذِهِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ اتِّفَاقًا فَيُقْتَلُ، وَقَبْلَهُ اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْبَلُ فَلَا يُقْتَلُ وَعِنْدَ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ لَا تُقْبَلُ وَيُقْتَلُ حَدًّا فَلِذَلِكَ وَرَدَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ فِي سَنَةِ ٩٤٤ لِقُضَاةِ الْمَمَالِكِ الْمَحْمِيَّةِ بِرِعَايَةِ رَأْيِ الْجَانِبَيْنِ بِأَنَّهُ إنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ وَحُسْنُ تَوْبَتِهِ وَإِسْلَامِهِ لَا يُقْتَلُ، وَيُكْتَفَى بِتَعْزِيرِهِ وَحَبْسِهِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أُنَاسٍ يُفْهَمُ خَيْرُهُمْ يُقْتَلُ عَمَلًا بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ فِي سَنَةِ ٩٥٥ تَقَرَّرَ هَذَا الْأَمْرُ بِآخَرَ، فَيُنْظَرُ الْقَائِلُ مِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ هُوَ فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ اهـ فَلْيُحْفَظْ، وَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ (أَوْ) الْكَافِرُ بِسَبِّ (الشَّيْخَيْنِ أَوْ) بِسَبِّ (أَحَدِهِمَا) فِي الْبَحْرِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ مَعْزِيًّا لِلشَّهِيدِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ طَعَنَ فِيهِمَا كَفَرَ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَبِهِ أَخَذَ الدَّبُوسِيُّ وَأَبُو اللَّيْثِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى انْتَهَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَشْبَاهِ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ قَائِلًا: وَهَذَا يُقَوِّي الْقَوْلَ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ سَابِّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ رِعَايَةً لِجَانِبِ حَضْرَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ لَكِنْ فِي النَّهْرِ وَهَذَا لَا وُجُودَ لَهُ فِي أَصْلِ الْجَوْهَرَةِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ عَلَى هَامِشِ بَعْضِ النُّسَخِ، فَأُلْحِقَ بِالْأَصْلِ مَعَ أَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ انْتَهَى.

٢٬٧٣٣

قُلْت: وَيَكْفِينَا مَا مَرَّ مِنْ الْأَمْرِ فَتَدَبَّرْ. - وَفِي الْمَعْرُوضَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ قَالَ عَنْ فُصُوصِ الْحُكْمِ لِلشَّيْخِ مُحْيِى الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ صَنَّفَهُ لِلْإِضْلَالِ وَمَنْ طَالَعَهُ مُلْحِدٌ مَاذَا يَلْزَمُهُ؟ أَجَابَ: نَعَمْ فِيهِ كَلِمَاتٌ تُبَايِنُ الشَّرِيعَةَ، وَتَكَلَّفَ بَعْضُ الْمُتَصَلَّفِينَ لِإِرْجَاعِهَا إلَى الشَّرْعِ، لَكِنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ بَعْضَ الْيَهُودِ افْتَرَاهَا عَلَى الشَّيْخِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ فَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ بِتَرْكِ مُطَالَعَةِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَقَدْ صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِالنَّهْيِ فَيَجِبُ الِاجْتِنَابُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ انْتَهَى فَلْيُحْفَظْ، وَقَدْ أَثْنَى صَاحِبُ الْقَامُوسِ عَلَيْهِ فِي سُؤَالٍ رُفِعَ إلَيْهِ فِيهِ، فَكَتَبَ اللَّهُمَّ أَنْطِقْنَا بِمَا فِيهِ رِضَاك، الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ إنَّهُ كَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - شَيْخَ الطَّرِيقَةِ حَالًا وَعِلْمًا،

وَإِمَامَ الْحَقِيقَةِ حَقِيقَةً وَرَسْمًا وَمُحْيِي رُسُومِ الْمَعَارِفِ فِعْلًا وَاسْمًا:

إذَا تَغَلْغَلَ فِكْرُ الْمَرْءِ فِي طَرَفٍ ... مِنْ عِلْمِهِ غَرِقَتْ فِيهِ خَوَاطِرُهُ عُبَابٌ لَا تُكَدِّرُ الدِّلَاءُ، وَسَحَابٌ تَتَقَاصَى عَنْهُ الْأَنْوَاءُ، كَانَتْ دَعْوَتُهُ تَخْرِقُ السَّبْعَ الطِّبَاقَ، وَتُفَرَّقُ بَرَكَاتُهُ فَتَمْلَأُ الْآفَاقَ. وَإِنِّي أَصِفُهُ وَهُوَ يَقِينًا فَوْقَ مَا وَصَفْتُهُ، وَنَاطِقٌ بِمَا كَتَبْتُهُ،

وَغَالِبُ ظَنِّيِّ أَنِّي مَا أَنْصَفْتُهُ:

وَمَا عَلَيَّ إذَا مَا قُلْتُ مُعْتَقَدِي ... دَعْ الْجَهُولَ يَظُنُّ الْجَهْلَ عُدْوَانًا وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَمَنْ ... أَقَامَهُ حُجَّةً لِلَّهِ بُرْهَانًا إنَّ الَّذِي قُلْتُ بَعْضٌ مِنْ مَنَاقِبِهِ ... مَا زِدْتُ إلَّا لَعَلِّي زِدْتُ نُقْصَانًا إلَى أَنْ

٢٬٧٣٤

قَالَ: وَمِنْ خَوَاصِّ كُتُبِهِ أَنَّهُ مَنْ وَاظَبَ عَلَى مُطَالَعَتِهَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ لِفَكِّ الْمُعْضِلَاتِ، وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْعَارِفُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ سِيَّمَا فِي كِتَابِهِ

٢٬٧٣٥

[تَنْبِيهُ الْأَغْبِيَاءِ، عَلَى قَطْرَةٍ مِنْ بَحْرِ عُلُومِ الْأَوْلِيَاءِ] فَعَلَيْك وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ (وَ) الْكَافِرُ بِسَبَبِ اعْتِقَادِ (السِّحْرِ) لَا تَوْبَةٌ لَهُ

رد المحتارابن عابدين، حاشية على الدر المختار

(قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ عَنْ الْخَانِيَّةِ مَعْزِيًّا لِلْبَلْخِيِّ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا خِلَافُهُ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي حُكْمِ سَابِّ الْأَنْبِيَاءِ

(قَوْلُهُ الْكَافِرُ بِسَبِّ نَبِيٍّ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْكَافِرُ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ

(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا) يَعْنِي أَنَّ جَزَاءَهُ الْقَتْلُ عَلَى وَجْهِ كَوْنِهِ حَدًّا، وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ؛ وَأَفَادَ أَنَّهُ حُكْمُ الدُّنْيَا،

٢٣٬٤١١

أَمَّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ مَقْبُولَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مُجَارَاةً لِصَاحِبِ الدُّرَرِ وَالْبَزَّازِيَّةِ، وَإِلَّا فَسَيَذْكُرُ خِلَافَهُ وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ

(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ جَاءَ تَائِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَحْرٌ

(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ حَقُّ عَبْدٍ) فِيهِ أَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ لَا يَسْقُطُ إذَا طَالَبَ بِهِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، فَلَا بُدَّ هُنَا مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ هَذِهِ الْمُطَالَبَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَفَا عَنْ كَثِيرِينَ مِمَّنْ آذَوْهُ وَشَتَمُوهُ وَقَبِلَ إسْلَامَهُمْ كَأَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ

(قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ) حَيْثُ قَالَ نَقْلًا عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ.

٢٣٬٤١٢

وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ الْمَالِكِيُّ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ شَاتِمَهُ كَافِرٌ، وَحُكْمُهُ الْقَتْلُ،

٢٣٬٤١٣

وَمَنْ شَكَّ فِي عَذَابِهِ وَكُفْرِهِ كَفَرَ. اهـ.

٢٣٬٤١٤

قُلْت: وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَالِكِيِّ نَقَلَهَا عَنْهُ الْبَزَّازِيُّ وَأَخْطَأَ فِي فَهْمِهَا، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ الْقَائِلِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَسُقُوطِ الْقَتْلِ بِهَا عَنْهُ.

عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ يُقْتَلُ وَإِنْ تَابَ يَقُولُ إنَّهُ إذَا تَابَ لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَقَدَّمْنَاهُ آنِفًا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا قُلْنَاهُ قَطْعًا

(قَوْلُهُ وَالِدَيْكَ وَوَالِدِي الَّذِينَ خَلَّفُوكَ) بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا

(قَوْلُهُ فَيَعُمُّ حَضْرَةَ الرِّسَالَةِ) أَيْ صَاحِبَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالشَّرِيفِ بَلْ غَيْرُهُ مِثْلُهُ، لِأَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَبُو جَمِيعِ النَّاسِ وَنُوحٌ الْأَبُ الثَّانِي

(قَوْلُهُ بِاحْتِمَالِ الْعَهْدِ) الْمَفْهُومِ مِنْ الْعِبَارَةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِأَنَّهُ لَا يَعُمُّ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ

(قَوْلُهُ فَلَا كُفْرَ) أَيْ لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي عُمُومِهِ وَتَحَقَّقَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ

(قَوْلُهُ لَكِنْ صَرَّحَ فِي آخِرِ الشِّفَاءِ إلَخْ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ. وَعِبَارَةُ الشِّفَاءِ هَكَذَا: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْتَلُ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمُسْلِمِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ رِدَّةٌ.

وَرَوَى مِثْلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ يَنْقُصُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَرِئَ مِنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ. اهـ.

٢٣٬٤١٥

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى كُفْرِ السَّابِّ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَتْلِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَخْ أَيْ قَالَ إنَّهُ يُقْتَلُ يَعْنِي قَبْلَ التَّوْبَةِ لَا مُطْلَقًا، وَلِذَا اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ رِدَّةٌ: يَعْنِي لَيْسَتْ حَدًّا

تعليق

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْوَلِيدَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَصَارَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ وَعَدَمِهِ

٢٣٬٤١٦

وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْعَدَمُ وَلِذَا قَدَّمَهُ.

٢٣٬٤١٧

وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: مَنْ بَرِئَ مِنْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ كَذَّبَ بِهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ حَلَالُ الدَّمِ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ مِنْ عِبَارَتِهِ الْأُولَى.

٢٣٬٤١٨

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَكَلَامُ شُيُوخِنَا هَؤُلَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِقَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا.

٢٣٬٤١٩

وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ صَرَّحُوا أَنَّهُ رِدَّةٌ قَالُوا، وَيُسْتَتَابُ مِنْهَا، إنْ تَابَ نَكَلَ وَإِنْ أَبَى قُتِلَ، فَحَكَمُوا لَهُ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ مُطْلَقًا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ. اهـ.

يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ مِمَّا رَوَاهُ عَنْهُ الْوَلِيدُ، فَهَذَا كَلَامُ الشِّفَاءِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ الْقَوْلُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الْمُسْلِمِ أَيْ

٢٣٬٤٢٠

بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا سَبَّ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ عِنْدَهُمْ كَمَا مَرَّ تَحْرِيرُهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ.

تعليق

ثُمَّ إنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ خِلَافُ الْمَشْهُورِ عَنْهُ

٢٣٬٤٢١

وَالْمَشْهُورُ قَبُولُ التَّوْبَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ. قَالَ الْإِمَامُ خَاتِمَةُ الْمُجْتَهِدِينَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ [السَّيْفُ الْمَسْلُولُ عَلَى مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ] : حَاصِلُ الْمَنْقُولِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُسْلِمْ قُتِلَ قَطْعًا وَمَتَى أَسْلَمَ،

٢٣٬٤٢٢

فَإِنْ كَانَ السَّبُّ قَذْفًا فَالْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ هَلْ يُقْتَلُ أَوْ يُجْلَدُ أَوْ لَا شَيْءَ،

٢٣٬٤٢٣

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَذْفٍ فَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلًا لِلشَّافِعِيَّةِ غَيْرَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ. وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ قَرِيبٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَا يُوجَدُ لِلْحَنِيفَةِ غَيْرَ قَبُولِ التَّوْبَةِ.

٢٣٬٤٢٤

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَكَلَامُهُمْ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ

٢٣٬٤٢٥

وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ

٢٣٬٤٢٦

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ بِقَبُولِهَا فَمَذْهَبُهُ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ سَوَاءٌ، هَذَا تَحْرِيرُ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا، فَهَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَبُولُ وَأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُمْ بِخِلَافِهِ.

وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى نَقْلِ ذَلِكَ أَيْضًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ [الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] كَمَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مِنْهُ قَدِيمَةٍ عَلَيْهَا خَطُّهُ حَيْثُ

٢٣٬٤٢٧

قَالَ: وَكَذَلِكَ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُقْتَلُ سَابُّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ لَمَّا ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ قَالُوا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِهِمَا أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا يُسْتَتَابُ،

٢٣٬٤٢٨

فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَالْمُرْتَدِّ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ وَرَقَةٍ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ،

٢٣٬٤٢٩

وَفِي الْكَافِرِ إذَا سَبَّهَا ثُمَّ أَسْلَمَ رِوَايَتَانِ.

٢٣٬٤٣٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي الْحَالَيْنِ اهـ ثُمَّ

٢٣٬٤٣١

قَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ. اهـ.

فَهَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي الشِّفَاءِ وَالسُّبْكِيِّ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَأَئِمَّةُ مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ قَبُولُ التَّوْبَةِ بِلَا حِكَايَةِ قَوْلٍ آخَرَ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا حَكَوْا الْخِلَافَ فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ، وَكَفَى بِهَؤُلَاءِ حُجَّةٌ لَوْ لَمْ يُوجَدْ النَّقْلُ كَذَلِكَ فِي كُتُبِ مَذْهَبِنَا الَّتِي قَبْلَ الْبَزَّازِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قَرِيبًا، وَقَدْ اسْتَوْفَيْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابٍ سَمَّيْته

٢٣٬٤٣٢

[تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ عَلَى أَحْكَامِ شَاتِمِ خَيْرِ الْأَنَامِ] أَوْ أَحَدِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

(قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ قَبُولُ التَّوْبَةِ) أَقُولُ: بَلْ هُوَ صَرِيحٌ، وَنَصَّ فِي ذَلِكَ كَمَا عَلِمْته قَوْلُهُ وَالْبَزَّازِيُّ تَبِعَ صَاحِبَ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ) الَّذِي قَالَهُ الْبَزَّازِيُّ إنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَلَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا، سَوَاءٌ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَالزِّنْدِيقِ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ إلَى أَنْ قَالَ وَدَلَائِلُ الْمَسْأَلَةِ تُعْرَفُ فِي كِتَابِ [الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ] اهـ وَهَذَا كَلَامٌ يَقْضِي مِنْهُ غَايَةَ الْعَجَبِ، كَيْفَ يَقُولُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ لِأَحَدٍ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ صِدْقِ النَّاقِلِينَ عَنْهُمْ كَمَا أَسْمَعْنَاك وَعَزْوُهُ الْمَسْأَلَةَ إلَى كِتَابِ [الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ] وَهُوَ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَفَّحْ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ قَبُولُ التَّوْبَةِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ،

٢٣٬٤٣٣

وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيُّ فِي السَّيْفِ الْمَسْلُولِ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ كَمَا سَمِعْته مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيِّ بِطُولِهَا أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنْ الشِّفَاءِ.

فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْبَزَّازِيَّ قَدْ تَسَاهَلَ غَايَةَ التَّسَاهُلِ فِي نَقْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْتَهُ حَيْثُ لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِنَا بَلْ اسْتَنَدَ إلَى مَا فِي الشِّفَاءِ وَالصَّارِمِ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي الْمُرَاجَعَةِ حَتَّى يَرَى مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِ مَا فَهِمَهُ مِمَّنْ نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُمْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. فَلَقَدْ صَارَ هَذَا التَّسَاهُلُ سَبَبًا لِوُقُوعِ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ فِي الْخَطَأِ حَيْثُ اعْتَمَدُوا عَلَى نَقْلِهِ وَقَلَّدُوهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْمَسْأَلَةَ عَنْ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، بَلْ الْمَنْقُولُ قَبْلَ حُدُوثِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْبَزَّازِيِّ فِي كُتُبِنَا وَكُتُبِ غَيْرِنَا خِلَافُهُ

(قَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي النُّتَفِ إلَخْ) أَقُولُ: وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ مَا نَصُّهُ: وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ،

٢٣٬٤٣٤

فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ اهـ وَهَكَذَا نَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا رِدَّةٌ، وَحُكْمُهَا حُكْمُهَا، ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ النُّتَفِ وَمُعِينِ الْحُكَّامِ: وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ أَفْتَى بِخِلَافِهِ فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ. رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ مَشَايِخِنَا السَّائِحَانِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ حَيْثُ سَمِعَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَالِ، وَرَأَى هَذِهِ النُّقُولَ كَيْفَ لَا يَشْطُبُ مَتْنَهُ عَنْ ذَلِكَ.

وَقَدْ أَسْمَعَنِي بَعْضُ مَشَايِخِي رِسَالَةً حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ اهـ

٢٣٬٤٣٥

وَكَذَلِكَ كَتَبَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الرَّحْمَتِيُّ هُنَا عَلَى نُسْخَتِهِ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الشِّفَاءِ وَابْنِ أَبِي جَمْرَةَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ «إنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي» إلَخْ " أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَمَا نَقَلَهُ هُنَا عَنْ النُّتَفِ وَغَيْرِهِ،

٢٣٬٤٣٦

فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي سَابِّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي سَابِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِالْأَوْلَى، فَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَبُولُ تَوْبَتِهِ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَنَّ تَحَتُّمَ قَتْلِهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَمَا عَدَاهُ فَإِنَّهُ

٢٣٬٤٣٧

إمَّا نَقْلُ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ طُرَّةُ مَجْهُولٍ لَمْ يُعْلَمْ كَاتِبُهَا، فَكُنْ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكُلِّ أَمْرٍ مُسْتَغْرَبٍ وَتَغْفُلْ عَنْ الصَّوَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.

٢٣٬٤٣٨

وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: إنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْأَشْبَاهِ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ عَصْرِهِ وَأَنْ ذَلِكَ إنَّمَا يُحْفَظُ لِبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ.

٢٣٬٤٣٩

أَمَّا عَلَى طَرِيقَتِنَا فَلَا. اهـ. وَذَكَرَ فِي آخِرِ كِتَابِ [نُورِ الْعَيْنِ] أَنَّ الْعَلَّامَةَ النِّحْرِيرَ الشَّهِيرَ بِحُسَامِ جَلْبِي أَلَّفَ رِسَالَةً فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَزَّازِيِّ

٢٣٬٤٤٠

وَقَالَ فِي آخِرِهَا: وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ تَتَبَّعْنَا كُتُبَ الْحَنَفِيَّةِ فَلَمْ نَجِدْ الْقَوْلَ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ السَّابِّ عِنْدَهُمْ سِوَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَهُ وَمَنْشَأَ غَلَطِهِ أَوَّلَ الرِّسَالَةِ. اهـ.

وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ عَنْ الْمُحَقِّقِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إذَا تَابَ وَيُكْتَفَى بِتَعْزِيرِهِ، فَهَذَا صَرِيحُ الْمَنْقُولِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْبَزَّازِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَلَمْ يَسْتَنِدْ هُوَ وَلَا مَنْ تَبِعَهُ إلَى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا اسْتَنَدَ إلَى فَهْمٍ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ نَقَلَ عَمَّنْ صَرَّحَ،

٢٣٬٤٤١

بِخِلَافِ مَا فَهِمَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ،

٢٣٬٤٤٢

وَإِنْ أَرَدْت زِيَادَةَ الْبَيَانِ فِي الْمَقَامِ فَارْجِعْ إلَى كِتَابِنَا تَنْبِيهِ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ

(قَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ) الْمُرَادُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ فِي الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْقَتْلِ عَنْهُ

٢٣٬٤٤٣

أَمَّا قَبُولُهَا فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ،

٢٣٬٤٤٤

فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ

(قَوْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ يَكُونُ شَاتِمًا لِنَبِيٍّ، لَكِنَّ قَوْلَهُ يَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ،

٢٣٬٤٤٥

وَإِنْ قَالَهُ لِشَرِيفٍ فَهُوَ مُمْكِنٌ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَارُّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَعَدَمِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِائَةُ أَبٍ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيٌّ. عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى أُمِّ الْمَشْتُومِ مِائَةُ كَلْبٍ أَوْ أَلْفُ خِنْزِيرٍ، فَلَا يَدْخُلُ أَجْدَادُهُ فِي ذَلِكَ، وَحَيْثُ احْتَمَلَ التَّأْوِيلَ فَلَا يُحْكَمُ بِالْكُفْرِ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ

(قَوْلُهُ وَأَنَّ شَتْمَ الْمَلَائِكَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ) هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ عِنْدَنَا فَقَالُوا: إذَا شَتَمَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ كَفَرَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْكُفْرَ بِشَتْمِ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرُ رِدَّةٍ فَكَذَا الْمَلَائِكَةُ،

٢٣٬٤٤٦

فَإِنْ تَابَ فَبِهَا وَإِلَّا قُتِلَ

(قَوْلُهُ فَلْيُحَرَّرْ) قَدْ عَلِمْت تَحْرِيرَهُ بِمَا قُلْنَا

(قَوْلُهُ هَلْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ) أَيْ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ عَنْهُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ قَائِلُونَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ فَلَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرَهُ. اهـ ط.

٢٣٬٤٤٧

وَكَذَا قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْحَنَفِيَّةِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُمْ وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ الْأَئِمَّةُ كَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَابْنِ أَبِي جَمْرَةَ

(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ أُخْرَى إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِكُفْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لِأَنَّ عَدَمَ قَبُولِهَا حَادِثَةٌ أُخْرَى لَمْ يَحْكُمْ بِهَا الْحَنَفِيُّ فَيَسُوغُ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِقَبُولِهَا وَإِنْ قَالَ الْحَنَفِيُّ حَكَمْت بِالْكُفْرِ وَمُوجِبُهُ لِأَنَّ مُوجِبَ الْكُفْرِ الْقَتْلُ إنْ لَمْ يَتُبْ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ،

٢٣٬٤٤٨

وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَتْلُ أَيْضًا إنْ تَابَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ مُوجِبَاتٌ أُخَرُ مِنْ فَسْخِ النِّكَاحِ وَحَبْطِ الْعَمَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ حَكَمْت بِمُوجِبِهِ حُكْمًا بِقَتْلِهِ،

٢٣٬٤٤٩

وَإِنْ تَابَ فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَمِ قَتْلِهِ إذَا تَابَ. وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ حَيْثُ نَقَلَ صَرِيحَ مَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الْحَنَفِيَّ كَالشَّافِعِيِّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَيْفَ جَارَى صَاحِبَ النَّهْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يُبَدِّلَ الْحَنَفِيَّ بِالْمَالِكِيِّ أَوْ الْحَنْبَلِيِّ.

(قَوْلُهُ سُؤَالًا) مَفْعُولُ رَأَيْت. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سُؤَالٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ

(قَوْلُهُ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَكْفُرُ إلَخْ) قَالَ السَّائِحَانِيُّ: أَقُولُ هَذَا لَا يَصْدُرُ عَنْ أَبِي السُّعُودِ لِأَنَّ كَلَامَ الْقَائِلِ يَحْتَمِلُ أَنَّ كُلَّ الْأَحَادِيثِ الْمَوْجُودَةِ لَيْسَتْ صِدْقًا لِأَنَّ فِيهَا الْمَوْضُوعَ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ الدُّرَرِ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ فَعَلَى الْمُفْتِي الْمَيْلُ لِمَا يَمْنَعُهُ وَقَوْلُهُ وَالثَّانِي: أَيْ إلْحَاقُ الشَّيْنِ يُفِيدُ الزَّنْدَقَةَ. أَقُولُ: لَا إفَادَةَ فِيهِ لِأَنَّ الزَّنْدَقَةَ أَنْ لَا يَتَدَيَّنَ بِدِينٍ اهـ وَكَتَبَ ط نَحْوَهُ

(قَوْلُهُ فَبَعْدَ أَخْذِهِ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِ صَارَ زِنْدِيقًا. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الزِّنْدِيقَ لَوْ تَابَ قَبْلَ أَخْذِهِ: أَيْ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْحَاكِمِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَنَا وَبَعْدَهُ لَا، اتِّفَاقًا. وَوَرَدَ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ لِلْقُضَاةِ بِأَنْ يُنْظَرَ فِي حَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ إنْ ظَهَرَ حُسْنُ تَوْبَتِهِ يُعْمَلُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِلَّا فَبِقَوْلِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ عِنْدَهُمْ، وَتَبِعَهُ الْبَزَّازِيُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ،

٢٣٬٤٥٠

وَكَذَا تَبِعَهُ فِي الْفَتْحِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ صَرِيحَ مَذْهَبِنَا خِلَافُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ.

(قَوْلُهُ وَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ) أَيْ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ النُّتَفِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ عَلَى مَا إذَا تَابَ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَحُمِلَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَلَى مَا بَعْدَ أَخْذِهِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا التَّوْفِيقَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِتَصْرِيحِ عُلَمَائِنَا بِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ غَيْرُ حُكْمِ الزِّنْدِيقِ وَلَمْ يُفَصِّلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا التَّفْصِيلَ؛ وَلِأَنَّ الْبَزَّازِيَّ وَمَنْ تَابَعَهُ قَالُوا إنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا سَوَاءٌ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، بَلْ مَذْهَبَانِ مُتَبَايِنَانِ.

عَلَى أَنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الْأَخْذِ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالزَّنْدَقَةِ الدَّاعِي إلَى زَنْدَقَتِهِ كَمَا يَأْتِي،

٢٣٬٤٥١

وَمَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ كَلِمَةُ الشَّتْمِ مَرَّةً عَنْ غَيْظٍ أَوْ نَحْوِهِ لَا يَصِيرُ زِنْدِيقًا بِهَذَا الْمَعْنَى .

(قَوْلُهُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ)

٢٣٬٤٥٢

قُلْت: الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فَإِنَّ اتِّبَاعَنَا لَهُ وَاجِبٌ ط

(قَوْلُهُ رِعَايَةً لِجَانِبِ حَضْرَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَقُولُ: رِعَايَةُ جَانِبِهِ فِي اتِّبَاعِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ

(قَوْلُهُ لَكِنْ فِي النَّهْرِ إلَخْ) قَالَ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ: حُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ نُجَيْمٍ أَنَّ أَخَاهُ أَفْتَى بِذَلِكَ فَطَلَبَ مِنْهُ النَّقْلَ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا عَلَى طُرَّةِ الْجَوْهَرَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ حَرْقِ الرَّجُلِ. اهـ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي حُكْمِ سَبِّ الشَّيْخَيْنِ وَأَقُولُ: عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْجَوْهَرَةِ لَا وَجْهَ لَهُ يَظْهَرُ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ سَبَّ الْأَنْبِيَاءَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ،

٢٣٬٤٥٣

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ بَلْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِيمَا أَعْلَمُ اهـ وَنَقَلَهُ عَنْهُ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ الْأَزْهَرِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ ط. أَقُولُ: نَعَمْ نَقَلَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّ الرَّافِضِيَّ إذَا كَانَ يَسُبُّ الشَّيْخَيْنِ وَيَلْعَنُهُمَا فَهُوَ كَافِرٌ،

٢٣٬٤٥٤

وَإِنْ كَانَ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَيْهِمَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. اهـ.

وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ قَبُولِ التَّوْبَةِ. عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ مُشْكِلٌ، لِمَا فِي الِاخْتِيَارِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَضْلِيلِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَجْمَعَ وَتَخْطِئَتِهِمْ وَسَبُّ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبُغْضُهُ لَا يَكُونُ كُفْرًا، لَكِنْ يُضَلَّلُ إلَخْ. وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْخَوَارِجَ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُكَفِّرُونَ الصَّحَابَةَ حُكْمُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ حُكْمُ الْبُغَاةِ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي نَقْلَ إجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ.

وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَا يُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَبَعْضُهُمْ يُكَفِّرُونَ الْبَعْضَ، وَهُوَ مَنْ خَالَفَ بِبِدْعَتِهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَنَسَبَهُ إلَى أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالنَّقْلُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ أَعْرَفُ بِنَقْلِ كَلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ، نَعَمْ يَقَعُ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ الْمُجْتَهِدُونَ بَلْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَا ذَكَرْنَا اهـ وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ مُتُونًا وَشُرُوحًا مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةِ.

٢٣٬٤٥٥

وَقَالَ ابْنُ مُلْكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ: وَتُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ لِأَنَّهُ يَكُونُ ظَاهِرَ الْفِسْقِ، وَتُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الْجَبْرُ وَالْقَدَرُ وَالرَّفْضُ وَالْخَوَارِجُ وَالتَّشْبِيهُ وَالتَّعْطِيلُ. اهـ.

٢٣٬٤٥٦

وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَوْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ يَعْنِي الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى قُصُورِ عَقْلِهِ وَقِلَّةِ مُرُوءَتِهِ،

٢٣٬٤٥٧

وَمَنْ لَمْ يَمْتَنِعْ عَنْ مِثْلِهَا لَا يَمْتَنِعْ عَنْ الْكَذِبِ عَادَةً،

٢٣٬٤٥٨

بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ يُخْفِي السَّبَّ اهـ وَلَمْ يُعَلِّلْ أَحَدٌ لِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ بِالْكُفْرِ كَمَا تَرَى، نَعَمْ اسْتَثْنَوْا الْخَطَّابِيَّةِ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ شَهَادَةَ الزُّورِ لِأَشْيَاعِهِمْ أَوْ لِلْحَالِفِ،

٢٣٬٤٥٩

وَكَذَا نَصَّ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَهَذَا فِيمَنْ يَسُبُّ عَامَّةَ الصَّحَابَةِ وَيُكَفِّرُهُمْ بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلٍ لَهُ فَاسِدٍ. فَعُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّهُ كَافِرٌ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَمِعْت. وَقَدْ أَلَّفَ الْعَلَّامَةُ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي رِسَالَةً فِي الرَّدِّ عَلَى الْخُلَاصَةِ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ مَا عُزِيَ إلَى الْجَوْهَرَةِ مِنْ الْكُفْرِ مَعَ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَى فَرْضِ وُجُودِهِ فِي الْجَوْهَرَةِ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً، فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ، فَكَيْفَ يَمِيلُ هُنَا إلَى التَّكْفِيرِ الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ فَضْلًا عَنْ مَيْلِهِ إلَى قَتْلِهِ وَإِنْ تَابَ، وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا أَنَّ الْمَذْهَبَ قَبُولُ تَوْبَةِ سَابِّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ سَابُّ الشَّيْخَيْنِ.

وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ تَسَاهَلَ غَايَةَ التَّسَاهُلِ فِي الْإِفْتَاءِ بِقَتْلِهِ مَعَ قَوْلِهِ: وَقَدْ أَلْزَمْتُ نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى، نَعَمْ لَا شَكَّ فِي تَكْفِيرِ مَنْ قَذَفَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ، أَوْ اعْتَقَدَ الْأُلُوهِيَّةَ فِي عَلِيٍّ أَوْ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فِي الْوَحْيِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ الْمُخَالِفِ لِلْقُرْآنِ، وَلَكِنْ لَوْ تَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا حَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا

٢٣٬٤٦٠

تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ، وَإِنْ أَرَدْت الزِّيَادَةَ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ فَفِيهِ الْكِفَايَةُ لِذَوِي الدِّرَايَةِ.

(قَوْلُهُ وَيَكْفِينَا إلَخْ) هَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَهَذَا يُقَوِّي الْقَوْلَ إلَخْ وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ.

٢٣٬٤٦١

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا شَكَّ وَلَا شُبْهَةَ فِي كُفْرِ شَاتِمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي اسْتِبَاحَةِ قَتْلِهِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ إذَا أَسْلَمَ. فَعِنْدَنَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَبُولُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَدَمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ حَدًّا أَوْ لَا.

٢٣٬٤٦٢

وَأَمَّا الرَّافِضِيُّ سَابُّ الشَّيْخَيْنِ بِدُونِ قَذْفٍ لِلسَّيِّدَةِ عَائِشَةَ وَلَا إنْكَارٍ لِصُحْبَةِ الصِّدِّيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ فَضْلًا عَنْ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ بَلْ هُوَ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْبُغَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

مَطْلَبٌ فِي حَالِ الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ سَيِّدِي مُحْيِي الدِّينِ ابْنِ عَرَبِيٍّ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ

(قَوْلُهُ لِلشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَاتِمِيُّ الطَّائِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْعَارِفُ الْكَبِيرُ ابْنُ عَرَبِيٍّ، وَيُقَالُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وُلِدَ سَنَةَ ٥٦٠ وَمَاتَ فِي رَبِيعٍ سَنَةَ ٦٣٦ وَدُفِنَ بِالصَّالِحِيَّةِ. وَحَسْبُك قَوْلُ زَرُّوقٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُحُولِ ذَاكِرِينَ بَعْضَ فَضْلِهِ، هُوَ أَعْرَفُ بِكُلِّ فَنٍّ مِنْ أَهْلِهِ،

٢٣٬٤٦٣

وَإِذَا أُطْلِقَ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ فِي عُرْفِ الْقَوْمِ فَهُوَ الْمُرَادُ، وَتَمَامُهُ فِي ط عَنْ طَبَقَاتِ الْمُنَاوِيِّ

(قَوْلُهُ بَعْضُ الْمُتَصَلَّفِينَ) أَيْ الْمُتَكَلِّفِينَ

(قَوْلُهُ لَكِنَّا تَيَقَّنَّا إلَخْ) لَعَلَّ تَيَقُّنَهُ بِذَلِكَ بِدَلِيلٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ بِسَبَبِ عَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مُرَادِ الشَّيْخِ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا فَتَعَيَّنَ عِنْدَهُ أَنَّهَا مُفْتَرَاةٌ عَلَيْهِ؛ كَمَا وَقَعَ لِلْعَارِفِ الشَّعْرَانِيِّ أَنَّهُ افْتَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْحُسَّادِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَشْيَاءَ مُكَفِّرَةً وَأَشَاعَهَا عَنْهُ حَتَّى اجْتَمَعَ بِعُلَمَاءِ عَصْرِهِ وَأَخْرَجَ لَهُمْ مُسَوَّدَةَ كِتَابِهِ الَّتِي عَلَيْهَا خُطُوطُ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا هِيَ خَالِيَةٌ عَمَّا اُفْتُرِيَ عَلَيْهِ هَذَا.

٢٣٬٤٦٤

وَمَنْ أَرَادَ شَرْحَ كَلِمَاتِهِ الَّتِي اعْتَرَضَهَا الْمُنْكِرُونَ فَلْيَرْجِعْ إلَى كِتَابِ الرَّدِّ الْمَتِينِ عَلَى مُنْتَقِصِ الْعَارِفِ مُحْيِي الدِّينِ لِسَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيِّ

(قَوْلُهُ فَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ إلَخْ) لِأَنَّهُ إنْ ثَبَتَ افْتِرَاؤُهَا فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَلَا يَفْهَمُ كُلُّ أَحَدٍ مُرَادَهُ فِيهَا، فَيَخْشَى عَلَى النَّاظِرِ فِيهَا مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ أَوْ فَهِمَ خِلَافَ الْمُرَادِ. وَلِلْحَافِظِ السُّيُوطِيّ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا

٢٣٬٤٦٥

تَنْبِيهُ الْغَبِيِّ بِتَبْرِئَةِ ابْنِ عَرَبِيٍّ ذَكَرَ فِيهَا أَنَّ النَّاسَ افْتَرَقُوا فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: الْفِرْقَةُ الْمُصِيبَةُ تَعْتَقِدُ وِلَايَتَهُ، وَالْأُخْرَى بِخِلَافِهَا. ثُمَّ قَالَ: وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ عِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ لَا يَرْضَاهَا الْفِرْقَتَانِ، وَهِيَ اعْتِقَادُ وِلَايَتِهِ وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ فِي كُتُبِهِ. فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: نَحْنُ قَوْمٌ يَحْرُمُ النَّظَرُ فِي كُتُبِنَا، وَذَلِكَ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَلْفَاظٍ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا وَأَرَادُوا بِهَا مَعَانِيَ غَيْرَ الْمَعَانِي الْمُتَعَارَفَةِ مِنْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ،

٢٣٬٤٦٦

فَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَعَانِيهَا الْمُتَعَارَفَةِ كَفَرَ؛ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ،

٢٣٬٤٦٧

وَقَالَ إنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالِاسْتِوَاءِ.

٢٣٬٤٦٨

وَإِذَا ثَبَتَ أَصْلُ الْكِتَابِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ كُلِّ كَلِمَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يهدَسَّ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مُلْحِدٍ أَوْ زِنْدِيقٍ وَثُبُوتُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفَ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ،

٢٣٬٤٦٩

وَمَنْ ادَّعَاهُ كَفَرَ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الْقَلْبِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنَّكُمْ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يُسْتَشْنَعُ ظَاهِرُهَا فَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى طَرِيقِنَا هَذَا أَنْ يَدَّعِيَهُ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَيْسَ أَهْلَهُ، وَالْمُتَصَدِّي لِلنَّظَرِ فِي كُتُبِهِ أَوْ إقْرَائِهَا لَمْ يَنْصَحْ نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِنْ الْقَاصِرِينَ عَنْ عُلُومِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ يَضِلُّ وَيُضِلُّ،

٢٣٬٤٧٠

وَإِنْ كَانَ عَارِفًا فَلَيْسَ مِنْ طَرِيقَتِهِمْ إقْرَاءُ الْمُرِيدِينَ لِكُتُبِهِمْ، وَلَا يُؤْخَذُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ الْكُتُبِ اهـ مُلَخَّصًا. وَذَكَرَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ: سَمِعْت أَنَّ الْفَقِيهَ الْعَالِمَ الْعَلَّامَةَ عِزَّ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ كَانَ يَطْعَنُ فِي ابْنِ عَرَبِيٍّ وَيَقُولُ هُوَ زِنْدِيقٌ، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُرِيدُ أَنْ تُرِيَنِي الْقُطْبَ فَأَشَارَ إلَى ابْنِ عَرَبِيٍّ، فَقَالَ لَهُ أَنْتَ تَطْعَنُ فِيهِ: فَقَالَ حَتَّى أَصُونَ ظَاهِرَ الشَّرْعِ أَوْ كَمَا قَالَ. وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ كَمَالٍ بَاشَا فَتْوَى قَالَ فِيهَا بَعْدَ مَا أَبْدَعَ فِي مَدْحِهِ: وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا فُصُوصٌ حُكْمِيَّةٌ وَفُتُوحَاتٌ مَكِّيَّةٌ بَعْضُ مَسَائِلِهَا مَفْهُومُ النَّصِّ وَالْمَعْنَى وَمُوَافِقٌ لِلْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ وَالشَّرْعِ النَّبَوِيِّ؛

وَبَعْضُهَا خَفِيٌّ عَنْ إدْرَاكِ أَهْلِ الظَّاهِرِ دُونَ أَهْلِ الْكَشْفِ وَالْبَاطِنِ،

٢٣٬٤٧١

وَمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَامِ يَجِبْ عَلَيْهِ السُّكُوتُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى - {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا} -

(قَوْلُهُ شَيْخُ الطَّرِيقَةِ حَالًا وَعِلْمًا) الطَّرِيقَةُ: هِيَ السِّيرَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالسَّالِكِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى: مِنْ قَطْعِ الْمَنَازِلِ وَالتَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ، وَالْحَالُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ مَعْنًى يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ تَصَنُّعٍ وَلَا اجْتِلَابٍ وَلَا اكْتِسَابٍ، مِنْ طَرَبٍ أَوْ حُزْنٍ، أَوْ قَبْضٍ أَوْ بَسْطٍ، أَوْ هَيْبَةٍ، وَيَزُولُ بِظُهُورِ صِفَاتِ النَّفْسِ سَوَاءٌ تَعَقَّبَهُ الْمِثْلُ أَوْ لَا فَإِذَا دَامَ وَصَارَ مَلَكَةً يُسَمَّى مَقَامًا، فَالْأَحْوَالُ مَوَاهِبُ، وَالْمَقَامَاتُ تَحْصُلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ، وَالْعِلْمُ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، وَمِنْهُ فِعْلِيٌّ وَهُوَ مَا لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْغَيْرِ وَانْفِعَالِيٌّ مَا أُخِذَ مِنْ الْغَيْرِ اهـ مِنْ تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ قَدَّسَ سِرَّهُ.

(قَوْلُهُ وَإِمَامُ الْحَقِيقَةِ) هِيَ مُشَاهَدَةُ الرُّبُوبِيَّةِ بِالْقَلْبِ، وَيُقَالُ هِيَ سِرٌّ مَعْنَوِيٌّ لَا حَدَّ لَهُ وَلَا جِهَةَ، وَهِيَ وَالطَّرِيقَةُ وَالشَّرِيعَةُ مُتَلَازِمَةٌ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَهَا ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ؛ فَظَاهِرُهَا الشَّرِيعَةُ وَالطَّرِيقَةُ وَبَاطِنُهَا الْحَقِيقَةُ فَبُطُونُ الْحَقِيقَةِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ كَبُطُونِ الزُّبْدِ فِي لَبَنِهِ لَا يُظْفَرُ مِنْ اللَّبَنِ بِزُبْدِهِ بِدُونِ مَخْضِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إقَامَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنْ الْعَبْدِ اهـ مِنْ الْفُتُوحَاتِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْقَاضِي زَكَرِيَّا

(قَوْلُهُ حَقِيقَةً وَرَسْمًا) الْحَقِيقَةُ ضِدُّ الْمَجَازِ. وَالرَّسْمُ الْأَثَرُ أَوْ بَقِيَّتُهُ أَوْ مَا لَا شَخْصَ لَهُ مِنْ الْآثَارِ جَمْعُهُ أَرْسُمٌ وَرُسُومٌ قَامُوسٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ الْإِمَامُ مِنْ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ،

٢٣٬٤٧٢

وَمِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ الظَّاهِرِ لِلْبَصَرِ

(قَوْلُهُ فِعْلًا وَاسْمًا) أَيْ أَحْيَا آثَارَهَا مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ وَالِاسْمِ حَتَّى صَارَتْ الْمَعَارِفُ فَاعِلَةَ أَفْعَالِهَا وَمَشْهُورَةً بَيْنَ النَّاسِ

(قَوْلُهُ إذَا تَغَلْغَلَ إلَخْ) هَذَا بَيْتٌ مِنْ بَحْرِ الْبَسِيطِ. وَالتَّغَلْغُلُ الدُّخُولُ وَالْإِسْرَاعُ. وَالْفِكْرُ: بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ إعْمَالُ النَّظَرِ فِي الشَّيْءِ. وَالْخَاطِرُ: الْهَاجِسُ قَامُوسٌ، وَهُوَ مَا يَخْطُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ تَدْبِيرِ أَمْرٍ مِصْبَاحٌ

(قَوْلُهُ عُبَابٌ) كَغُرَابٍ مُعْظَمُ السَّيْلِ وَكَثْرَتُهُ وَمَوْجُهُ. وَالدِّلَاءُ جَمْعُ دَلْوٍ: أَيْ لَا يَتَغَيَّرُ بِأَخْذِ الدِّلَاءِ مِنْهُ، لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ إلَى أَسْفَلِهِ لِكَثْرَتِهِ

(قَوْلُهُ تَتَقَاصَى عَنْهُ الْأَنْوَاءُ) التَّقَاصِي: بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ التَّبَاعُدُ. وَالْأَنْوَاءُ: جَمْعُ نَوْءٍ وَهُوَ النَّجْمُ. وَاسْتِنَاءَهُ: طَلَبُ نَوْئِهِ أَيْ عَطَاءَهُ قَامُوسٌ: أَيْ أَنَّهُ سَحَابٌ تَتَبَاعَدُ عَنْ مَطَرِهِ وَفَيْضِهِ النُّجُومُ الَّتِي يَكُونُ الْمَطَرُ وَقْتَ طُلُوعِهَا، أَوْ تَتَبَاعَدُ عَنْهُ عَطَايَا النَّاسِ: أَيْ لَا تُشْبِهُهُ

(قَوْلُهُ الْآفَاقَ) جَمْعُ أُفُقٍ بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ النَّاحِيَةُ وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوَاحِي الْفَلَكِ قَامُوسٌ

(قَوْلُهُ وَهُوَ يَقِينًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ أَيْقَنَهُ، جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ ط

(قَوْلُهُ وَنَاطِقٌ بِمَا كَتَبْته) الْمُرَادُ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِهِ وَأَنَّ الْقَوْلَ طَابَقَ الْفِعْلَ ط. وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى أَصِفُهُ

(قَوْلُهُ مَا أَنْصَفْته) يُقَالُ أَنْصَفْته إنْصَافًا عَامَلْته بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ مِصْبَاحٌ

(قَوْلُهُ وَمَا عَلَيَّ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَوْ نَافِيَةٌ: أَيْ وَمَا عَلَيَّ شَيْءٌ

(قَوْلُهُ يَظُنُّ الْجَهْلَ) أَيْ يَظُنُّ الْجَهْلَ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ أَوَّلُ أَوْ يَظُنُّ الظَّنَّ الْجَهْلَ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَقَوْلُهُ عُدْوَانًا أَيْ ظُلْمًا مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَوْ حَالٌ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قِيلَ إنَّ الْجَهْلَ بِمَعْنَى الْمَجْهُولِ مَفْعُولٌ أَوَّلُ وَعُدْوَانًا مَفْعُولٌ ثَانٍ: أَيْ ذَا عُدْوَانٍ فَافْهَمْ

(قَوْلُهُ بُرْهَانًا) هُوَ الْحُجَّةُ قَامُوسٌ، فَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ ط

(قَوْلُهُ مِنْ مَنَاقِبِهِ) جَمْعُ مَنْقَبَةٍ وَهِيَ الْمَفْخَرَةُ قَامُوسٌ ط

(قَوْلُهُ إلَّا لَعَلِّي) أَيْ لَكِنْ أَخَافُ وَأُشْفِقُ أَنِّي زِدْتُ مِنْ جِهَةِ النُّقْصَانِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِ، فَنُقْصَانًا تَمْيِيزٌ لَا مَفْعُولُ زِدْت لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ مَا قِيلَ فِي زَادَ النَّقْصُ أَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ حَتَّى يَتَسَلَّطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ.

مَطْلَبٌ فِي السَّاحِرِ وَالزِّنْدِيقِ

(قَوْلُهُ وَالْكَافِرُ بِسَبَبِ اعْتِقَادِ السِّحْرِ) فِي الْفَتْحِ: السِّحْرُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاعْتِقَادُ إبَاحَتِهِ كُفْرٌ. وَعَنْ أَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ يَكْفُرُ السَّاحِرُ بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ سَوَاءٌ اعْتَقَدَ الْحُرْمَةَ أَوْ لَا وَيُقْتَلُ وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» يَعْنِي الْقَتْلَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُقْتَلُ وَلَا يَكْفُرُ إلَّا إذَا اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ.

٢٣٬٤٧٣

وَأَمَّا الْكَاهِنُ، فَقِيلَ هُوَ السَّاحِرُ،

٢٣٬٤٧٤

وَقِيلَ هُوَ الْعَرَّافُ الَّذِي يُحَدِّثُ وَيَتَخَرَّصُ،

٢٣٬٤٧٥

وَقِيلَ مَنْ لَهُ مِنْ الْجِنِّ مَنْ يَأْتِيهِ بِالْأَخْبَارِ.

٢٣٬٤٧٦

وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَفْعَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ كَفَرَ

٢٣٬٤٧٧

لَا إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ تَخْيِيلٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ اعْتَقَدَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ مِثْلَ التَّقَرُّبِ إلَى الْكَوَاكِبِ وَأَنَّهَا تَفْعَلُ مَا يَلْتَمِسُهُ كَفَرَ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ حُكْمُهُ كَالسَّاحِرِ فِي رِوَايَةٍ يُقْتَلُ،

٢٣٬٤٧٨

وَفِي رِوَايَةٍ إنْ لَمْ يَتُبْ،

٢٣٬٤٧٩

وَيَجِبُ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي كُفْرِ السَّاحِرِ وَالْعَرَّافِ وَعَدَمِهِ.

٢٣٬٤٨٠

وَأَمَّا قَتْلُهُ فَيَجِبُ وَلَا يُسْتَتَابُ إذَا عُرِفَتْ مُزَاوَلَتُهُ لِعَمَلِ السِّحْرِ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ. اهـ.

٢٣٬٤٨١

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ إلَّا إذَا اعْتَقَدَ مُكَفِّرًا، وَبِهِ جَزَمَ فِي النَّهْرِ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا إنْ عُرِفَ تَعَاطِيهِ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ: اتَّخَذَ لُعْبَةً لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ. قَالُوا: هُوَ مُرْتَدٌّ وَيُقْتَلُ إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ لَهَا أَثَرًا وَيَعْتَقِدُ التَّفْرِيقَ مِنْ اللُّعْبَةِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ. اهـ.

٢٣٬٤٨٢

وَفِي نُورِ الْعَيْنِ عَنْ الْمُخْتَارَاتِ: سَاحِرٌ يُسْحِرُ وَيَدَّعِي الْخَلْقَ مِنْ نَفْسِهِ يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ لِرِدَّتِهِ. وَسَاحِرٌ يُسْحِرُ وَهُوَ جَاحِدٌ لَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ وَيُقْتَلُ إذَا ثَبَتَ سِحْرُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ. وَسَاحِرٌ يُسْحِرُ تَجْرِبَةً وَلَا يَعْتَقِدُ بِهِ لَا يَكْفُرُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السَّاحِرُ إذَا أَقَرَّ بِسِحْرِهِ أَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِيهِ سَوَاءٌ.

٢٣٬٤٨٣

وَقِيلَ يُقْتَلُ السَّاحِرُ الْمُسْلِمُ لَا الْكِتَابِيُّ، وَالْمُرَادُ مِنْ السَّاحِرِ غَيْرُ الْمُشَعْوِذِ وَلَا صَاحِبُ الطَّلْسَمِ وَلَا الَّذِي يَعْتَقِدُ الْإِسْلَامَ. وَالسِّحْرُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ أَمْرٌ كَائِنٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلشَّرِّ وَالضَّرَرِ بِالْخَلْقِ، وَالْوَسِيلَةُ إلَى الشَّرِّ شَرٌّ فَيَصِيرُ مَذْمُومًا. اهـ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ: أَنَّ الْأَوَّلَ مُصَرِّحٌ بِمَا هُوَ كُفْرٌ.

٢٣٬٤٨٤

وَالثَّانِي لَا يَدْرِي كَيْفَ يَقُولُ كَمَا وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ لِأَنَّهُ جَاحِدٌ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُسْتَتَابُ: أَيْ لَا يُمْهَلُ طَلَبًا لِلتَّوْبَةِ لِأَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي دَفْعِ الْقَتْلِ عَنْهُ بَعْدَ أَخْذِهِ كَمَا يَأْتِي دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْخَنَّاقِ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الثَّالِثَ وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ يُقْتَلُ أَيْضًا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الضَّرَرِ،

٢٣٬٤٨٥

وَأَنَّ تَقْيِيدَ الشَّارِحِ بِكَوْنِهِ كَافِرًا بِسَبَبِ اعْتِقَادِ السِّحْرِ غَيْرُ قَيْدٍ، بَلْ يُقْتَلُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا أَوْ لَمْ يَكْفُرْ بِاعْتِقَادِهِ، نَعَمْ لَمَّا كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُسْلِمِ الَّذِي ارْتَدَّ قَيَّدَ بِذَلِكَ تَأَمَّلْ. وَعُلِمَ بِهِ وَبِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِ السِّحْرِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ اعْتِقَادٌ أَوْ عَمَلُ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ، وَلِذَا نَقَلَ فِي [تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ] عَنْ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَطَأٌ

٢٣٬٤٨٦

وَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ رَدَّ مَا لَزِمَ فِي شَرْطِ الْإِيمَانِ فَهُوَ كُفْرٌ وَإِلَّا فَلَا. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ أَصْحَابِنَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ كُفْرًا وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ وَقَدَّمْنَا فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ تَعْدَادَ أَنْوَاعِ السِّحْرِ وَتَمَامُ بَيَانِ ذَلِكَ فِي رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ [سَلْ الْحُسَامِ الْهِنْدِيِّ لِنُصْرَةِ مَوْلَانَا خَالِدٍ النَّقْشَبَنْدِيِّ]

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.