أَوْ يُقِرَّ سِرًّا فَقَطْ عَلَى الأحسن فيهما
الشروح عليها
(أَوْ يُقِرُّ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (سِرًّا فَقَطْ) وَيَجْحَدُهُ عَلَانِيَةً فَأَشْهَدَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى جَحْدِهِ عَلَانِيَةً ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى التَّأْخِيرِ سَنَةً مَثَلًا لِيَسْتَدْعِيَ إقْرَارَهُ فِي الْعَلَانِيَةِ وَأَشْهَدَ بَيِّنَةً قَبْلَ الصُّلْحِ لَمْ يَعْلَمْهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ عَلَى التَّأْخِيرِ لِيُقِرَّ لَهُ بِالْحَقِّ عَلَانِيَةً فَلَهُ نَقْضُهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ عَلَانِيَةً وَيَأْخُذُ حَقَّهُ عَاجِلًا (عَلَى الْأَحْسَنِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتُسَمَّى هَذِهِ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ اسْتِرْعَاءٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُ الِاسْتِرْعَاءِ تَقَدُّمُهُ عَلَى الصُّلْحِ فَيَجِبُ ضَبْطُ وَقْتِهِ
وَشَرْطُهُ أَيْضًا إنْكَارُ الْمَطْلُوبِ وَرُجُوعُهُ بَعْدَ الصُّلْحِ إلَى الْإِقْرَارِ وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ
ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ لَا يَنْتَقِضُ الصُّلْحُ فِيهِمَا مُخْرِجًا لَهُمَا مِمَّا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ أَوْ يُقِرُّ) هُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى لَمْ يُعْلِنْ أَيْ وَكَمَنْ يُقِرُّ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سِرًّا لَا عَلَى مَدْخُولِ لَمْ وَلَمْ يُبَالِ الْمُصَنِّفُ بِتَشْتِيتِ الْفَاعِلِ فَإِنَّ ضَمِيرَ " يُعْلِنْ " عَائِدٌ عَلَى مَنْ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَضَمِيرَ يُقِرُّ عَائِدٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اتِّكَالًا عَلَى الْمَوْقِفِ.
(قَوْلُهُ: وَأَشْهَدَ بَيِّنَةً إلَخْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَشْهَدَ قَبْلَ الصُّلْحِ وَبَعْدَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْإِنْكَارِ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ عَلَى التَّأْخِيرِ لِأَجْلِ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِالْحَقِّ عَلَانِيَةً وَتَكْفِي بَيِّنَةٌ وَاحِدَةٌ تَشْهَدُ بِالْجَحْدِ وَبِأَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ عَلَى التَّأْخِيرِ لِأَجْلِ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ عَلَانِيَةً وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهَا أَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِلتَّأْخِيرِ عِنْدَ إقْرَارِهِ بِحَقِّهِ عَلَانِيَةً لِأَنَّ إشْهَادَهُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ عَلَى التَّأْخِيرِ لِيُقِرَّ بِالْحَقِّ عَلَانِيَةً يَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُلْتَزِمٍ لِلتَّأْخِيرِ عِنْدَ إقْرَارِهِ بِحَقِّهِ عَلَانِيَةً.
(قَوْلُهُ: وَيَأْخُذُ حَقَّهُ عَاجِلًا) أَيْ وَلَا يَلْزَمُ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ تَأْخِيرِهِ بِهِ لِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَحْسَنِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الْكَافِ
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ عَلَى الْأَحْسَنِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِيَةِ لِفَتْوَى بَعْضِ أَشْيَاخِ شَيْخِهِ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَمُقَابِلُهُ لِمُطَرِّفٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلصُّورَةِ الْأُولَى فَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهَا ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ وَلَكِنْ اسْتَظْهَرَ فِيهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَ الْقِيَامِ عَكْسَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْأَحْسَنِ وَأَجَابَ شب بِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِي الثَّانِيَةِ لِلْمُصَنِّفِ لَا لِغَيْرِهِ وَهَذَا يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ وَأُشِيرَ بِصَحَّحَ أَوْ اسْتَحْسَنَ إلَى أَنَّ شَيْخًا غَيْرَ الَّذِينَ قَدَّمْتهمْ صَحَّحَ هَذَا أَوْ اسْتَحْسَنَهُ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ نَفْسَهُ مِنْ جُمْلَةٍ غَيْرِ الَّذِينَ قَدَّمْتهمْ.
(قَوْلُهُ: وَتُسَمَّى هَذِهِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ الَّتِي أَشْهَدَهَا الْمُدَّعِي بَعْدَ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَبْلَ الصُّلْحِ بِالتَّأْخِيرِ.
(قَوْلُهُ وَشَرْطُ الِاسْتِرْعَاءِ) أَيْ وَشَرْطُ إفَادَتِهِ فِي نَقْضِ الصُّلْحِ.
(قَوْلُهُ: فَيَجِبُ ضَبْطُ وَقْتِهِ) أَيْ فَيَجِبُ عَلَى الشُّهُودِ تَعْيِينُ وَقْتِهِ الْحَاصِلِ فِيهِ خَوْفًا مِنْ اتِّحَادِ وَقْتِهِ أَيْ الِاسْتِرْعَاءِ وَوَقْتِ الصُّلْحِ فَلَا يُفِيدُ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ) أَيْ وَإِلَّا يَرْجِعْ بِأَنْ ثَبَتَ إنْكَارُهُ وَتَمَادَى عَلَيْهِ وَصَالَحَ لَمْ يُفِدْ اسْتِرْعَاؤُهُ شَيْئًا وَقَوْلُ الْعَوَامّ صُلْحُ الْمُنْكِرِ إثْبَاتٌ لِحَقِّ الطَّالِبِ جَهْلٌ مِنْهُمْ .
(أَوْ) صُلْحِ مَظْلُومٍ (يُقِرُّ) لَهُ ظَالِمُهُ بِحَقِّهِ عِنْدَهُ (سِرًّا) فِيمَا بَيْنَهُمَا حِينَ لَمْ يَحْضُرْهُمَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِ وَيَجْحَدُهُ عَلَانِيَةً حِينَ حُضُورِ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ طَلَبِهِ عَاجِلًا أَوْ حَسْبُهُ بَعْدَ إشْهَادِ الْمَظْلُومِ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ لِيَطْمَئِنَّ وَيَأْمَنَ مِنْ ذَلِكَ وَيُقِرَّ عَلَانِيَةً فَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِبَاقِي حَقِّهِ،
فَإِنْ أَقَرَّ الظَّالِمُ بَعْدَ الصُّلْحِ فَلِمَنْ صَالَحَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي اسْتَرْعَاهَا وَنَقْضُ الصُّلْحِ وَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِبَاقِي حَقِّهِ (عَلَى الْأَحْسَنِ فِيهِمَا) أَيْ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْدَ الْكَافِ.
وَأَشَارَ بِالْأَحْسَنِ فِي الثَّانِيَةِ لِفَتْوَى بَعْضِ أَشْيَاخِ شَيْخِهِ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَمُقَابِلُهُ لِمُطَرِّفٍ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْأُولَى فَقَدْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهَا ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ وَاسْتَظْهَرَ فِيهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَ الْقِيَامِ عَكْسَ قَوْلِهِ عَلَى الْأَحْسَنِ، وَأَكْثَرُ النُّسَخِ لَيْسَ فِيهِ فِيهِمَا.
فَإِنْ قُلْت لَعَلَّ عَلَى الْأَحْسَنِ خَاصٌّ بِالثَّانِيَةِ. قُلْت هُوَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فِيمَنْ لَمْ يُعْلِنْ بِالْإِشْهَادِ، فَلَا يَكُونُ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُعْلِنِ وَغَيْرِهِ
فَائِدَةٌ، وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي يَشْهَدُهَا سِرًّا عَلَى عَدَمِ الْتِزَامِ الصُّلْحِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ تُسَمَّى بَيِّنَةَ الِاسْتِرْعَاءِ، أَيْ إيدَاعَ الشَّهَادَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] ابْنُ عَرَفَةَ الصِّقِلِّيُّ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ يُقِرُّ فِي السِّرِّ وَيَجْحَدُ فِي الْعَلَانِيَةِ إنْ صَالَحَهُ عَلَى تَأْخِيرِهِ سَنَةً، وَأَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ لِغَيْبَةِ بَيِّنَتِهِ وَإِنْ قَدِمَتْ قَامَ بِهَا فَقِيلَ لَهُ الْقِيَامُ بِهَا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُهُ فَيَجْحَدُهُ،
وَقِيلَ لَا قِيَامَ لَهُ بِهَا. قَالَ مُطَرِّفٌ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمَطْلُوبَ بَعْدِ إنْكَاره، وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى تَأْخِيرِهِ سَنَةً بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ عَلَى إنْكَارِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ لِيُقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ ثُمَّ صَالَحَهُ وَأَقَرَّ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَفِي لُزُومِ أَخْذِهِ بِإِقْرَارِهِ وَلَغْوِ صُلْحِهِ عَلَى تَأْخِيرِهِ وَلَغْوِ إقْرَارِهِ وَلُزُومِ صُلْحِهِ بِتَأْخِيرِهِ نَقَلَا الصِّقِلِّيِّ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِلًا، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ. قُلْت وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ وَالْمُوَثِّقِينَ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَحْكِ عَنْ الْمَذْهَبِ غَيْرَهُ.
وَحَكَى الْمُتَيْطِيُّ ثَانِيًا لَهُ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ أَصْبَغَ لَا يَنْفَعُ إشْهَادُ السِّرِّ إلَّا عَلَى مَنْ لَا يُنْتَصَفُ مِنْهُ كَالسُّلْطَانِ وَالرَّجُلِ الْقَاهِرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِي فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ حَاصِلُ حَقِيقَةِ الِاسْتِرْعَاءِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي وَقْتِنَا إيدَاعًا هُوَ إشْهَادُ الطَّالِبِ أَنَّهُ طَلَبَ فُلَانًا، وَأَنَّهُ أَنْكَرَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ إنْكَارُهُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ مَهْمَا أَشْهَدَ بِتَأْخِيرِهِ إيَّاهُ بِحَقِّهِ أَوْ بِوَضِيعَةِ شَيْءٍ مِنْهُ أَوْ بِإِسْقَاطِ بَيِّنَةِ الِاسْتِرْعَاءِ فَهُوَ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ لِيُقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ
وَشَرْطُهُ تَقَدُّمُهُ عَلَى الصُّلْحِ، فَيَجِبُ تَعْيِينُ وَقْتِهِ بِيَوْمِهِ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ هُوَ مِنْ يَوْمِهِ خَوْفَ اتِّحَادِ يَوْمِهِمَا،
فَإِنْ اتَّحَدَ دُونَ تَعْيِينِ جُزْءِ الْيَوْمِ لَمْ يُفِدْ اسْتِرْعَاؤُهُ.
الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ وَلَا يَنْفَعُ الِاسْتِرْعَاءُ إلَّا مَعَ ثُبُوتِ إنْكَارِ الْمَطْلُوبِ وَرُجُوعِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ إلَى الْإِقْرَارِ،
فَإِنْ ثَبَتَ إنْكَارُهُ وَتَمَادَى عَلَيْهِ بَعْدَ صُلْحِهِ لَمْ يُفِدْ اسْتِرْعَاؤُهُ شَيْئًا، وَقَوْلُ الْعَوَامّ صُلْحُ الْمُنْكِرِ إثْبَاتٌ لِحَقِّ الطَّالِبِ جَهْلٌ، وَقَوْلُهُمْ فِي الصُّلْحِ تَسَاقَطَا الِاسْتِرْعَاءُ وَالِاسْتِرْعَاءُ فِي الِاسْتِرْعَاءِ، لِأَنَّهُ إذَا اسْتَرْعَى
وَقَالَ فِي اسْتِرْعَائِهِ مَتَى أَشْهَدَ بِقَطْعِ اسْتِرْعَائِهِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ لِتَحْصِيلِ إقْرَارِ خَصْمِهِ لَمْ يَضُرَّهُ إسْقَاطُهُ فِي الصُّلْحِ اسْتِرْعَاؤُهُ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِي اسْتِرْعَائِهِ أَنَّهُ مَتَى أَسْقَطَ اسْتِرْعَاءَهُ فَهُوَ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لَهُ كَإِنَّ إسْقَاطُهُ فِي صُلْحِهِ اسْتِرْعَاءَهُ مُسْقِطًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
[منح الجليل] وَإِذَا قُلْت إنَّهُ قَطَعَ الِاسْتِرْعَاءَ وَالِاسْتِرْعَاءَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ ثُمَّ اسْتَرْعَى وَقَالَ إنَّهُ مَتَى أَشْهَدَ بِقَطْعِ الِاسْتِرْعَاءِ فَهُوَ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لَهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ لِتَحْصِيلِ إقْرَارِ خَصْمِهِ لَمْ يُفِدْهُ، إذْ لَا اسْتِرْعَاءَ، زَادَ الْمُتَيْطِيُّ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ فِيهِ تَنَازُعٌ وَالْأَحْسَنُ مَا قَدَّمْنَاهُ. قُلْت وَلِابْنِ رُشْدٍ كَلَامٌ فِي هَذَا مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ. اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ
فَرْعٌ إذَا أَشْهَدَ فِي السِّرِّ أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ لِأَجْلِ إنْكَارِهِ وَأَنَّهُ مَتَى وَجَدَ بَيِّنَةً قَامَ بِهَا فَالصُّلْحُ غَيْرُ لَازِمٍ إذَا ثَبَتَ إنْكَارُهُ وَثَبَتَ الْحَقُّ، وَغَايَةُ مَا عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا عُلِمَ بِبَيِّنَتِهِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا يَنْفَعُهُ مَا أَشْهَدَ بِهِ فِي السِّرِّ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ لَا يَنْفَعُ إشْهَادُ السِّرِّ إلَّا عَلَى مَنْ لَا يُنْتَصَفُ مِنْهُ كَالسُّلْطَانِ وَالرَّجُلِ الْقَاهِرِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِشْهَادُ السِّرِّ فِيهِ بَاطِلٌ. (فَرْعٌ) : إنْ تَقَيَّدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُودِعْ شَهَادَتَهُ يَعْنِي اسْتِرْعَاءً.
وَمَتَى قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا إنْ عَلِمَ بِبَيِّنَتِهِ وَلَمْ يُشْهِدْ أَوْ ادَّعَى ضَيَاعَ الصَّكِّ، فَقِيلَ لَهُ: حَقُّك ثَابِتٌ بِهِ فَائِتٌ بِهِ، فَصَالَحَ ثُمَّ وَجَدَهُ.
[منح الجليل] بِذَلِكَ فَهِيَ كَاذِبَةٌ. قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا وَكَثِيرًا مَا يُكْتَبُ عِنْدَنَا بِقَفِصَةٍ، وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا قِيَامَ لَهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ إنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ أَسْقَطَ الِاسْتِرْعَاءَ سَقَطَ. (فَرْعٌ) : لَوْ
قَالَ فِي اسْتِرْعَائِهِ: وَمَتَى أَشْهَدْت عَلَى نَفْسِي أَنِّي قَطَعْت الِاسْتِرْعَاءَ وَالِاسْتِرْعَاءَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ إلَى أَقْصَى تَنَاهِيهِ فَإِنَّمَا أَفْعَلُهُ لِلضَّرُورَةِ إلَيْهِ، وَأَنِّي غَيْرُ قَاطِعٍ لِشَيْءٍ مِنْهُ وَأَرْجِعُ فِي حَقِّي فَحَكَى صَاحِبُ الطُّرَرِ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّهُ مَا أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ،
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّهُ إنْ قَالَ فِي اسْتِرْعَائِهِ مَتَى أَشْهَدْت بِقَطْعِ الِاسْتِرْعَاءِ فَإِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِجْلَابًا لِإِقْرَارِ خَصْمِي فَلَهُ الْقِيَامُ وَلَا يَضُرُّهُ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ إسْقَاطِ الْبَيِّنَاتِ الْمُسْتَرْعَاةِ.
وَإِنْ قَالَ أَنَّهُ أُسْقِطُ الِاسْتِرْعَاءَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِاسْتِرْعَائِهِ. وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ وَفِيهِ تَنَازُعٌ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الطُّرَرِ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَى الصُّلْحِ بِإِنْكَارِهِ، وَالْمُكْرَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ قِيلَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ اسْتِرْعَاؤُهُ مُطْلَقًا لَكَانَ وَجْهًا إذَا ثَبَتَ إنْكَارُهُ. اهـ. كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ
وأشار إلى السادس بقوله: أو يقر سرا فقط يعني أن المدعى عليه إذا كان يقر بالحق سرا ويجحد علانية خوف أن يطلبه به عاجلا أو يحبسه مثلا، فأشهد المدعي بينة على جحده علانية ثم صالحه على تأخير الحق المدعى به سنة مثلا وقد أشهد المدعي قبل الصلح وبعد الإشهاد على الإنكار كما لابن عرفة بينة لا يعلمها الجاحد، أنه إنما يصالحه على التأخير ليقر له بحقه علانية،
وإن لم يشهد البينة أنه غير ملتزم للتأخير،
فإن له أن ينقض الصلح عند إقرار المدعى عليه بالحق علانية. هذا قول سحنون. ومقابله لمطرف، والأول هو الأحسن لفتوى بعض أشياخ شيخ المص بذلك. وقوله: "أو يقر" برفع يقر أي وكمن يقر له المدعى عليه سرا فقط والدعى عليه في هذه مقر حين عقد الصلح، ولذلك لم يمكن المدعي من نقض الصلح إلا بتقديم بينة الاسترعاء لاحتمال أن يكون أقر له قبل عقد الصلح،
ووقع الصلح من المدعي طوعًا خلاف قوله في الأولى: فلو أقر بعده فإن المدعى عليه فيها حين عقد الصلح منكر، فإقراره بعده يوجب للمدعي نقض الصلح من غير احتياج لاسترعاءٍ. واللَّه تعالى أعلم. قاله البناني. وعلم مما مر تصريحا أن قوله: على الأحسن راجع للمسألتين، وقد بان لك وجه الترجيح للقول بنقض الصلح في المسألتين.
تنبيه: قال عبد الباقي: وهذه البينة التي أشهدها المدعي بعد إنكار المدعى عليه، تسمى بينة استرعاء أي إيداع الشهادة،
فإن أشهدها أنه ليس ملتزما للتأخير أو إسقاط بعض حقه فهو استرعاء في استرعاء.
قال ابن عرفة: وشرطه أي الاسترعاء تقدمه على الصلح فيجب تعيين وقته بيومه،
وفي أي وقت من يومه خوف اتحاد يومهما أي وقتهما،
فإن اتحدا دون تعيين جزء اليوم لم يفد استرعاؤه،
وشرطه أيضًا إنكار المطلوب ورجوعه في الصلح إلى الإقرار،
فإن ثبت إنكاره وتمادى عليه لم يفد استرعاؤه، فقول العوام: صلح المنكر إثبات لحق الطالب جهل. انتهى. باختصار.
قوله: فإن أشهد أنه ليس ملتزما للتأخير أو إسقاط بعض حقه فهو استرعاء في استرعاء، قال البناني: فيه نظر، بل الاسترعاء في الاسترعاء كما ذكره ابن غازي هو أن يقول في استرعائه: متى أشهد على نفسه بإسقاط البينة المسترعاة فهو غير ملتزم لذلك. قال ابن عرفة: فهذا لا يضره إسقاطه في الصلح استرعاءه،
فإن لم يذكر في استرعائه ذلك كان إسقاطه في صلحه الاسترعاء مسقطا لاسترعائه،
وإذا قلت في الصلح إنه قطع الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء، وقد
قال في استرعائه: (إنه) متى أشهد بقطع الاسترعاء فهو غير ملتزم له لم يفده؛ إذ لا استرعاء في الاسترعاء، زاد المتيطى: وقاله غير واحد من الموثقين وفيه تنازع والأحسن ما قدمناه. انتهى من ابن عرفة.
تنبيه: قال أبو الحسن في شرح قولها في النكاح الثاني: وإن أظهرا مهرا وأسرا دونه أخذا بما أسرا ما نصه: الاسترعاء
إما أن يكون في المعاوضات أو في التبرعات،
فإن كان في المعاوضات فلابد من إثبات التقية، أو في التبرعات فإنه يصدق وإن لم يثبت التقية ويكفيه مجرد الاستحفاظ فإن لم يستحفظ وادعى بعد العقد التقية،
فإن أثبت التقية قبل قوله من غير استحفاظ ولو كان الاستحفاظ لكان أتم، ولا فرق في هذا بين التبرعات والمعاوضات. انتهى بلفظه. انتهى كلام البناني. قول البناني: زاد المتيطى وقاله غير واحد لخ، قال الرهوني: ما نسبه لابن عرفة هو كذلك فيه، وما نقله ابن عرفة عن المتيطى مثله في اختصار ابن هارون كذا وجدته فيه
وكذا نقله أبو علي، وقوله: والأحسن ما قدمناه أي من أنه لا ينفعه استرعاؤه وذلك خلاف ما نقله ابن غازي هنا في شفاء الغليل وفي تكميل التقييد، فإنه لم ينقل عن المتيطى والأحسن ما قدمناه بل جعل الأحسن متعلقا بما بعده. فقال ما نصه: زاد المتيطى وقاله غير واحد من الموثقين وفيه تنازع، والأحسن في هذا كله أن يُقِرَّ أن كلّ بينة تقوم له بالاسترعاء فهي ساقطة كاذبة، وإقراره أيضًا أنه لم يسترع ولا وقع بينه وبينه شيء يوجب الاسترعاء فإن ذلك يسقط دعواه ويخرج به من الخلاف إن شاء اللَّه تعالى؛
لأنه يصير مكذبا لبينته ومبطلا لها هذا من دقيق الفقه. انتهى منه بلفظه. وقد أسقط ابن فرحون في تبصرته من كلام المتيطي، والأحسن ما قدمناه وهو موافق لابن غازي، فابن عرفة وابن هارون كل منهما لم يستوف كلام المتيطى في نهايته، واختصراه اختصارا مخلا ثم في اقتصار أبي علي والبناني على ما نقلاه هنا نظر؛ لأنهما سلما قول المص في الخلع ولا يضرها إسقاط البينة المسترعاة على الأصح والانتفاع بذلك هو الذي اختاره ابن راشد كما في الحطاب هنا، وإلى اختياره أشار المص هناك بالأصح، وعليه اقتصر ابن عات في طرره ونقله عن الاستغناء، ونصه: قال الموثق في غير الوثائق: متى عقد على نفسه قطع الاسترعاء في الاسترعاء، وذكر في استرعائه أنه إن قطع عن نفسه الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء إلى أقصى تناهيه، فإنما يفعله للضرورة إلى ذلك وأنه غير قاطع لشيء من ذلك كله وراجع في حقه فله ذلك، ولا يضره ما أشهد به على نفسه من قطع ذلك كله.
من الاستغناء. انتهى منها بلفظها. وذكره ابن فرحون في تبصرته بالمعنى،
ثم ذكر بعده كلام المتيطى إلى قوله: وفيه تنازع،
وقال متصلا به ما نصه: وما قاله في الطرر أصح في النظر لأنه ألجأه إلى الصلح بإنكاره والمكره لا يلزمه شيء،
وقول البناني (في أبي) الحسن: وإن كان في التبرعات فإنه يصدق لخ، قد نص على هذا المتيطى وضيره. انتهى المراد من كلام الرهوني. ثم قال: انظر هل لابد من ذكر السبب بأن يقول إنما أفعله خوفا مثلا أو لا يحتاج إلى ذلك أصلا؟ بل يكفيه أن يقول ما أفعله من الهبة فأنا غير ملتزم له مثلا؟ لم أر في ذلك نصا صريحا، وظاهر كلامهم هو الأول. انتهى.
ولما ذكر السائل التي له النقض فيها ذكر فرعين ليس له النقض فيهما،
فقال: لا إن علم بينة ولم يشهد هذا مفهوم قوله: "أو شهدت بينة لم يعلمها" وهو الفرع السابع، يعني أنه إذا ادعى شخص على آخر بدين فأنكره ثم صالحه عليه وله بينة يعلمها حين الصلح ولم يشهد أنه يقوم بها، فإنه لا قيام له ببينته فليس له أن ينقض الصلح، سواء كانت بينته حاضرة أو غائبة غيبة قريبة أو بعيدة ولو لم يصرح بإسقاطها.
قال عبد الباقي: لا إن علم المصالح على إنكار ببينة شاهدة له على المنكر ولم يشهد قبل صلحه أنه يقوم بها، فليس له القيام بها ولو غائبة بعيدة وليس له نقضه لأنه كالتارك لها حين الصلح لقوة أمر الصلح، ولأنه بيع أو إجارة أو هبة
بخلاف ما يأتي من أن المدعي إذا استحلف المدعى عليه وله بينة غائبة غيبة بعيدة،
فإن له القيام بها وإن كان عالما بها ولم يشهد أنه يقوم بها للفرق المذكور مع ضعف أمر الاستحلاف. انتهى.
وأشار إلى الفرع الثامن بقوله: أو ادعى ضياع الصك فقيل له حقك ثابت فأت
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.