وَنَفَذَ حُكْمُ: أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ:
الشروح عليها
(وَ) إنْ وَقَعَ (نَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ) الْوَاوُ بِمَعْنَى، أَوْ أَيْ لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ ابْتِدَاءً وَلَا فِي صِحَّةِ دَوَامِهَا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ وَلِذَا قَالَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ) فَالْمَعْنَى وَنَفَذَ حُكْمُ مَنْ اتَّصَفَ بِوَاحِدَةٍ فَقَطْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ اتَّصَفَ بِاثْنَتَيْنِ مِنْهَا أَوْ بِالثَّلَاثَةِ فَلَا تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ كَمَا فِي ح عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي بْن رَجَّحَ الْبَاجِيَّ وَابْنُ رُشْدٍ صِحَّةَ وِلَايَةِ مَنْ لَا يَكْتُبُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَاضِي أَنْ يَعْرِفَ الْكِتَابَةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(قَوْلُهُ: فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " وَاجِبٌ " أَيْ وَحَيْثُ كَانَ وَاجِبًا فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِمْرَارُ وِلَايَتِهِ إلَّا إذَا اتَّصَفَ بِعَدَمِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ اتَّصَفَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِمْرَارًا مَعَ صِحَّةِ مَا وَقَعَ مِنْهُ الْحُكْمُ هَذَا وَتَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْأَعْمَى فِي الْفَتْوَى كَمَا فِي فَتَاوَى الْبُرْزُلِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ كَوْنِ عَدَمِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَاجِبًا بِالنَّظَرِ لِلِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ وَجَبَ عَزْلُهُ هَذَا إذَا كَانَ مُتَّصِفًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ حِينَ التَّوْلِيَةِ بَلْ وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَهَا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ وَوَجَبَ عَزْلُهُ) ش: هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَقْتَضِي عَدَمُهُ الْفَسْخَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُتَّصِفًا بِهَا،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ غَيْرُ شَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَلَكِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِهَا وَعَدَمُهَا مُوجِبٌ لِلْعَزْلِ وَيَنْفُذُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ، انْتَهَى. فَقَوْلُ الشَّيْخِ بَهْرَامُ: هَذِهِ الْأَوْصَافُ تُوجِبُ الْعَزْلَ وَلَيْسَ عَدَمُهَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ بَلْ وُجُودُهَا مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: (فَإِنْ قُلْت) لِمَ خُصَّتْ الصِّفَةُ الْأُولَى بِالشَّرْطِيَّةِ (قُلْت) ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِهَا وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَإِنْ وَجَبَ الْعَزْلُ إذَا انْعَدَمَتْ وَهَذَا كَمَا يُفَرِّقُونَ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْوَاجِبِ الَّذِي شُرِطَ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ الَّذِي لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا، انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ الْمُقَدِّمَاتِ بَعْدَ هَذَا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: الثَّانِي السَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَالْكَلَامُ يَعْنِي أَنَّ النَّوْعَ الثَّانِيَ مِنْ صِفَاتِ الْقَاضِي وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْعَزْلِ إذَا عُدِمَ أَوْ عُدِمَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ إلَّا أَنَّ وَحْدَةَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَجَعْلَ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْقُيُودِ كَالْأَجْزَاءِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ إذَا عُدِمَ مَنَعَ الْوِلَايَةَ وَلِأَنَّ جُزْءَ الشَّرْطِ يَنْعَدِمُ الْمَشْرُوطُ بِانْعِدَامِهِ
وَأَمَّا وَحْدَةُ هَذَا النَّوْعِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ جُزْءًا لَهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ وَذَلِكَ، أَنَّ الْمُؤَلِّفَ جَعَلَ أَثَرَ هَذَا النَّوْعِ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ الْعَزْلِ لَا فِي انْعِقَادِ الْوِلَايَةِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ هَذَا إذَا انْعَدَمَ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ
وَأَمَّا إذَا انْعَدَمَ اثْنَانِ مِنْهَا فَأَكْثَرُ فَلَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ أَصْلًا، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ (سُؤَالٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ (فَإِنْ قُلْت)
إمَّا أَنْ يَجْعَلَ الْعَمَى مَثَلًا مَانِعًا مِنْ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ أَوْ لَا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَجِبُ عَزْلُهُ (قُلْت) كُلٌّ مِنْ الشِّقَّيْنِ مَمْنُوعٌ وَسَنَدُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَانِعَ إذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْت، أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا طَرَأَ وَقَدْ كَانَ وَلِيَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهُ لَا تَنْفُذُ أَحْكَامُهُ فَمَنْ وَلِيَ صَحِيحًا وَطَرَأَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَانِعُ هُوَ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ وَسَنَدُ الثَّانِي أَنَّ مَا لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ نُفُوذِ الْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ مَعَهُ دَوَامُ التَّوْلِيَةِ؛
لِأَنَّ النُّفُوذَ مُسْتَنِدٌ إلَى التَّوْلِيَةِ الصَّحِيحَةِ وَوُجُوبَ الْعَزْلِ مُسْتَنِدٌ إلَى الطَّارِئِ، انْتَهَى.
وَفِي جَوَابِهِ نَظَرٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ نُفُوذَ حُكْمِ الْقَاضِي الْأَعْمَى إنَّمَا هُوَ إذَا وَلِيَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ،
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَأَمَّا الْخِصَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مَشْرُوطَةً فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ إلَّا أَنَّ عَدَمَهَا يُوجِبُ فَسْخَ الْوِلَايَةِ فَهِيَ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا عَدْلًا فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ خِصَالٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ فَإِنْ وَلِيَ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يُعْزَلَ مَتَى عُثِرَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ جَائِزًا إلَّا الْفَاسِقَ فَاخْتُلِفَ فِيمَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ فَقَالَ أَصْبَغُ: إنَّهَا جَائِزَةٌ
وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مَرْدُودَةٌ وَعَلَيْهِ فَالْعَدَالَةُ مَشْرُوطَةٌ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ كَالْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَنْفُذُ أَحْكَامُهُ سَوَاءٌ وَلِيَ كَذَلِكَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَالْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِهِ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُكَ الْعَمَى مَثَلًا مَانِعٌ مَا تَعْنِي بِهِ، مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ أَوْ مِنْ جَوَازِهَا، فَالْأَوَّلُ لَيْسَ مُرَادًا لَنَا وَعَلَيْهِ يَلْزَمُ مَا ذَكَرْت،
وَالثَّانِي مُرَادُنَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْت، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ] (تَنْبِيهٌ) تَرَكَ الْمُؤَلِّفُ الْكَلَامَ عَلَى الْكِتَابَةِ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ لَا نَصَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ وَعَنْ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَرَجَّحَ الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ صِحَّةَ الْوِلَايَةِ مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ الْمَنْعُ، انْتَهَى.
(وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ وَوَجَبَ عَزْلُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الْخِصَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مُشْتَرَطَةً فِي صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ إلَّا أَنَّ عَدَمَهَا يُوجِبُ فَسْخَ الْوِلَايَةِ هِيَ: أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا،
فَإِنْ وَلِيَ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ وَجَبَ عَزْلُهُ مَتَى عُثِرَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ جَائِزًا.
(ص) وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ وَوَجَبَ عَزْلُهُ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ حَيْثُ كَانَ صَوَابًا وَسَوَاءٌ تَوَلَّى وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ
وَيَجِبُ عَزْلُهُ لِتَعَذُّرِ غَالِبِ الْأَحْكَامِ مِنْهُ وَالْأُمِّيُّ كَالْأَعْمَى وَتَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ لِلْفَتْوَى
(قَوْلُهُ: وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى إلَخْ) الْحَاصِلُ إنَّمَا نَفَذَ حُكْمُهُمْ؛ لِأَنَّ عَدَمَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَلَا فِي صِحَّةِ دَوَامِهَا وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ وِلَايَتِهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَوَجَبَ عَزْلُهُ.
(قَوْلُهُ: لِتَعَذُّرِ غَالِبِ الْأَحْكَامِ) أَيْ مِنْ الْأَعْمَى أَوْ الْأَبْكَمِ أَوْ الْأَصَمِّ اُنْظُرْ مَا وَجْهُ تَعَذُّرِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأُمِّيُّ كَالْأَعْمَى) الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي لَيْسَ بِكَاتِبٍ وَالْحَالُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ قَالَ الْبَاجِيُّ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِ وِلَايَةِ الْأَعْمَى وَلَا نَصَّ لِأَصْحَابِنَا فِي الْأُمِّيِّ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ قَوْلَانِ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ جَرَى تَوْلِيَتُهُ عَلَى وِلَايَةِ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّ فِي الْكَتْبِ كَحَالِ الْأَعْمَى.
وَقَالَ عج الْمُتَّصِفُ بِصِفَاتٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ الْعَمَى وَالصَّمَمُ وَالْبَكَمُ أَوْ بِاثْنَيْنِ مِنْهَا هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَّصِفِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ حُكْمُ مَنْ فُقِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ اهـ. قَالَ عب وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضُرُّ وُجُودُ ثِنْتَيْنِ مِنْهَا أَوْ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ عج قَائِلًا فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ مُعَامَلَةِ الْأَعْمَى الْأَصَمِّ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ) أَيْ الْأَعْمَى.
.
(وَنَفَذَ) بِفَتَحَاتٍ مُعْجَمِ الدَّالِ، أَيْ مَضَى (حُكْمُ) قَاضٍ (أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فِيهِمَا،
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ وَلِيَ كَذَلِكَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَهَا
وأشار إلى القسم الثاني بقوله: ونفذ حكم أعمى وأبكم وأصم، يعني أن القاضي إذا حكم وهو متصف بصفة من هذه الصفات الثلاث وهي العمى والبكم والصمم فإنهُ حكمُه ينفذ سواء ولي كذلك أو طرأ عليه، لأن عدم واحد من هذه الأمور ليس شرطا في صحة ولايته ابتداء ودواما، وإنما هو شرط في جواز ولايته ابتداء ودواما، ولهذا قال: ووجب عزله،
بخلاف الخليفة يطرأ عليه ذلك فلا يعزل. قال عبد الباقي: والظاهر أنه يضر وجود اثنين منها أو الثلاثة. انتهى. قال بناني: هذا يقتضي أن ذلك من عنده وأنه لم يقف عليه لغيره، مع أن ابن عبد السلام صرح بذلك ونقله عنه الحطاب، ونصه بعد ذكره أنَّ هذه الأوصاف إنما يوثر فقدها في وجوب العزل لا في انعقاد الولاية، قال: وإنما يظهر هذا إذا انعدم واحد من تلك الأجزاء بقيد الوحدة،
وأما إذا انعدم اثنان منها فأكثر فلا تنعقد الولاية. انتهى. قال عبد الباقي.
ويجوز تولية الأعمى الفتوى كما للبرزلي.
تنبيه: ترك المؤلف الكلام على الكتابة، قال ابن رشد والباجي: هل يشترط في القاضي أن يكتب؟ وعن الشافعية قولان أظهرهما الجواز. انتهى. ابن عبد السلام: رجح الباجي وابن رشد صحة الولاية. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وَلنصرف العِنان إلى أمور لا بد منها قد تقدم ذكر شيء منها عند قول المص مبينا لما به الفتوى، فأقول وبالله تعالى التوفيق: قال ابن فرحون: يلزم القاضي المقلد إذا وجد المشهور أن لا يخرج عنه، وذكر عن المازري رحمه الله أنه بلغ درجة الاجتهاد وما أفتى قط بغير المشهور، وعاش ثلاثا وثمانين سنة وكفى به قدوةً في هذا،
فإن لم يقف على المشهور من القولين أو الروايتين فليس له التَّشهِّي والحكم بما شاء منهما من غير نظر وترجيح، فقد قال ابن الصلاح رحمه الله في كتاب أدب المفتي والمستفتي: اعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخَرَق الإجماعَ، وسبيلُهُ سبيل الذي حكى عنه أبو الوليد الباجي من فقهاء أصحابه أنه كان لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وحكى الباجي عمن يثق به أنه وقعت له واقعة وهو غائب من فقهائهم يعني المالكية من أهل الصلاح بما يضره، فلما عاد سألهم؟
فقالوا: ما علمنا أنها لك وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه، قال الباجي: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز. انتهى. واعلم أن قول من قال: من قلد عالما لقي الله سالما، محله حيث لم يبحث في كلام العالم أو يظهر بطلان قوله قاله الشيخ أبو علي عند قول ابن عاصم: كل من يمينه باللازمه … ....................... الأبيات الثلاثة،
وقال الحطاب: قال ابن الصلاح: فإذا وجد من ليس أهلا للتخريج والترجيح اختلافا بين أئمة المذاهب في الأصح من القولين أو الوجهين فينبغي أن يفزع في الترجيح إلى صفاتهم الموجبة لزيادة [الثقة ] بآرائهم، فيعمل بقول الأكثر والأورع والأعلم،
فإذا اختص أحدهما بصفة أخرى قدم الذي هو أحرى منهما بالإصابة، فالأعلم الورع مقدم على الأورع العالم،
وكذلك إذا وجد قولين أو وجهين لم يبلغه عن أحد من أئمة المذاهب بيان الأصح منهما اعتبر أوصاف ناقليهما أو قائليهما، قال ابن فرحون: وهذا الحكم جار في أصحاب المذاهب الأربعة ومُقَلّدِيهم،
وقال بعده بأسطر يسيرة: وهذه الأنواع من الترجيح معتبرة أيضا بالنسبة إلى أئمة المذاهب. ابن أبي زيد: ولا ينبغي الاختيار من الاختلاف للمتعلم ولا للمقصر،
ومن لم يكن فيه محلٌّ لِاختيارِ القول (فله في اختيار المتعصبين من أصحابنا (٣) من نقادهم) مقنع، مثل سحنون وأصبغ وعيسى بن دينار،
ومن بعدهم مثل ابن المواز وابن عبدوس وابن سحنون، وابنُ المواز أكثرُهم تكلفا للاختيارات، وابن حبيب لا يبلغ في اختيارته وقوة رواياته مبلغ من ذكرنا. انتهى. والحاكم إن كان مجتهدا لم يجز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده،
وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه،
وأما اتباعُ الهوى في القضاء والفتوى فحرام إجماعا، واعلم أن الفتيا والحكم بما هو مرجوح فخلاف الإجماع،
وإذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تسهيل فلا ينبغي أن يفتي العامة بالتشديد والخواص وولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة والتلاعب بالمسلمين، وذلك دليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق، نعوذ بالله من صفات الغافلين، والحاكم في هذا كالمفتي.
وإذا تعارضت الأدلة عند المجتهد وتساوت وعجز عن الترجيح فهل يتساقطان أو يختار أحدهما؟ قولان للعلماء. قاله القرافي.
وقال أيضا: إن للحاكم أن يحكم يأحد القولين المتساويين من غير ترجيح. انتهى. وما ذكره من العمل بأحد المتساويين حكى غيره الإجماع على منعه، وقد أنكر الشاطبي القول بالتخيير غاية، وبالغ في إبطاله،
وقال: إن القولين عند المقلد كالدليلين عند المجتهد، فكما أن المجتهد لا يجوز له العمل بأحد الدليلين من غير نظر بل لا بد له من الترجيح أو الوقف، فكذلك المقلد إن تعذر الترجيح توقف، وقول المفتي للمقلد: أنت مخير بين القولين إحداثُ قولٍ ثالث بلا دليل،
وإذا لم يجد المقلد في النازلة نصا فنقل في التوضيح عند قول ابن الحاجب، فيلزمه المصير إلى قول مقلده عن ابن العربي ما نصه ويقضي حينئذ بفتوى مقلده بنص النازلة،
فإن قاس على قوله أو قال يجيء من كذا [كذا ] فمتعذٍ، خليل: وفيه نظر والأقرب جوازه للمطلع بمدارك إمامه،
وقال ابن عرفة إثر كلام ابن العربي: قلت: يرد كلامه بأنه يؤدي إلى تعطيل الأحكام لأن الفرض عدم المجتهد،
فإذا كان حكم النازلة منصوصا عليه ولم يجز للمقلد المولَّى القياس على قول مقلده في نازلة أخرى تعطلت الأحكام، وبأنه خلاف عمل متقدمي أهل المذهب كابن القاسم في المدونة في قياسه على أقوال ملك، ومتأخريهم كاللخمي وابن رشد والتونسي والباجي وغير واحد من أهل المذهب، بل من تأمل كلام ابن رشد يعد اختياراته بتخريجاته في تحصيله الأقوال أقوالًا. انتهى.
وقال القرافي: لمن حفظ روايَاتِ المذهب وعلم مطلقها ومقيدها وعامها وخاصها أن يفتي بمحفوظه منها، وما ليس محفوظا له منها لا يجوز له تخريجه على ما هو محفوظ له منها إلا إن حصَّل علم أصول الفقه وكتاب القياس وأحكامه وترجيحاته وشرائطه وموانعه، وإلا حرم عليه التخريج، وكثير من الناس يُقدِمون على التخريج دون هذه الشروط، بل صار يفتي من لم يُحط بالتقييدات ولا التخصيصات من قول إمامه وذلك فسق ولعب، وشرط التخريج على قول إمامه أن يكون القول المخرج عليه ليس مخالفا للإجماع ولا لنص ولا لقياس جلي، لأن القياس عليه حينئذ معصية، وقول إمامه ذلك غير معصية لأنه باجتهاد أخطأ فيه.
قاله القرافي. والظاهر أن قول القرافي وعِلم مطلقَها لخ، معناه أن يغلب على ظنه أن هذه الرواية مطلقة وهذه مقيدة،
وأما القطع بأن هذه الرواية ليست مقيدة فبعيد، ويكفي الآن في ذلك وجود المسألة في التوضيح أو في ابن عبد السلام. قاله الحطاب. ابن رشد: لانعقاد الولاية ثلاثة شروط: المعلم بشرط الولاية في المولَّى. الثاني: ذكر المولَّى له كالقضاء والإمارة،
فإن جهل ذلك فسدت. الثالث: ذكر البلد الذي عقدت عليه الولاية ليمتاز عن غيره. والألفاظ التي تنعقد بها الولايات صريح وكناية، فالصريح: وليتك، وقلدتك واستخلفتك واستنبتك والكناية: اعتمدت عليك، وعولت عليك، ورددت عليك، وجعلت إليك، وفوضت إليك، ووكلت إليك، وأسندت إليك، وعهدت إليك.
وفي الذخيرة: قال الشافعية إذا انعقدت الولاية لا يجب على المتولي المنظر حتى تشيع ولايته في عمله ليذعنوا له، وهو شرط أيضا في وجوب الطاعة، وقواعد الشريعة تقتضي ما قالوه،
فإن التمكن والمعلم شرطان في التكليف عندنا، فالشياع يوجب له المكنة والعلم لهم. انتهى. وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه كالمالكي يولي شافعيا أو حنفيا،
ولو شرط الإمام على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلا وصح العقد، نقله في الجواهر عن الطرطوشي،
وقال غيره: العقد غير جائز، وينبغي فسخه وردُّه، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدا، وإلا فلا يحرم على الإمام أن يأمره أن لا يتعدى في قضائه مذهب ملك مثلا، وقول من قال: إن المجتهد ينهى عن الخروج عن مذهب أهل بلده لتهمة أن يكون خروجه هوى عمل بمقتضى السياسة، ومقتضى الأصول خلافه، والمشروع اتباع المجتهد مقتضى اجتهاده. تنبيهان: الأول: قال ابن عرفة: قال ابن سهل: قال بعض الناس: خطة القضاء من أعظم الخطط قدرا وأجلها خطرا لا سيما إذا جمعت إليها الصلاة أي إمامة الصلاة،
ومقتضاه حسن اجتماعهما، والمعروف ببلدنا قديما وحديثا مَنْعُ إمامة قاضي الجماعة بها أو الأنكحة [إمامة ] الجامع الأعظم بها، وسمعت بعض شيوخنا يعللون ذلك بأن القاضي مظنة لعدم طيب نفس المحكوم عليه به مع تكرر ذلك في الآحاد فيودي إلى إمامة الإمام من هو له كاره: وقد خرج الترمذي عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قومٍ وهم له كارهون (٢) ) الثاني:
قال في النوادر: قال ملك: أول من استقضى معاوية، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأبي بكر ولا لعثمان قاض، بل الوُلَاةُ يقضون، وأنكر قول أهل العراق: إن عمر استقضى شريحا،
وقال: كيف يستقضي بالعراق دون الشام واليمن وغيره؟ فليس كما قالوا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.