والبعيد: كإفريقية يقضى عليه بيمين القضاء
الشروح عليها
(وَ) الْغَيْبَةُ (الْبَعِيدَةُ كَإِفْرِيقِيَّةَ) مِنْ مَكَّةَ وَنَحْوِهَا (قُضِيَ عَلَيْهِ) فِي كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَتَزْكِيَتِهَا (بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) مِنْ الْمُدَّعِي أَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ وَلَا أَحَالَهُ الْغَائِبُ بِهِ وَلَا وَكَّلَ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ فِي الْكُلِّ وَلَا الْبَعْضِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَهَذِهِ الْيَمِينُ تَتَوَجَّهُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَحْبَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) سَوَاءٌ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي تَشْهَدُ بِدَيْنٍ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ كَانَتْ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْغَائِبَ أَقَرَّ أَنَّ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ كَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْضِيهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ، أَوْ يُبْرِئُهُ، أَوْ يُحِيلُ شَخْصًا عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ كَمَا فِي بْن خِلَافًا لعبق حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ لِيَمِينِ الْقَضَاءِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ) أَيْ وَلَا قَبَضَهُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ وَاجِبَةٌ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ) أَيْ
وَقِيلَ إنَّهَا اسْتِظْهَارٌ أَيْ مُقَوِّيَةٌ لِلْحُكْمِ فَقَطْ فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِدُونِهَا عَلَى هَذَا.
(قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْيَمِينُ تَتَوَجَّهُ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَيِّتِ) أَيْ وَالْحُكْمِ عَلَى الْمَيِّتِ كَمَا إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَيْهِ أَنَّ عِنْدَهُ كَذَا دَيْنًا مِنْ بَيْعٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ وَلَمْ يُقِرَّ وَرَثَتُهُ بِهِ أَصْلًا فَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي لِذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُدَّعِي بِهَذَا الدَّيْنِ إلَّا إذَا حَلَفَ يَمِينَ الْقَضَاءِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ وَرَثَتُهُ الْكِبَارُ فَلَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ
وَأَمَّا إذَا حَصَلَ الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ وَرَضُوا بِعَدَمِ حَلِفِهِ فَهَلْ كَذَلِكَ لَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ، أَوْ لَا؟ اخْتِلَافٌ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ.
(قَوْلُهُ: وَالْيَتِيمِ) أَيْ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ، أَوْ غَصَبَ، أَوْ أَتْلَفَ مَا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ عَلَى مَالِهِ بِمَا أَنْفَقَ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَمِثْلُ الْيَتِيمِ الصَّغِيرُ وَالسَّفِيهُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَسَاكِينُ) أَيْ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّ مَا حَبَّسَهُ فُلَانٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ بَعْدَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَحْبَاسِ) أَيْ فَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى دَارٍ مَثَلًا بِيَدِ جَمَاعَةٍ - يَدَّعُونَ أَنَّهَا حَبْسٌ - أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَتِمَّ الْحُكْمُ لَهُ بِهَا.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ كَالْحُكْمِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى مَنْ اُسْتُحِقَّ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ مُعْدِمٌ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ الَّذِي مَاتَ وَوُضِعَ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِظَنِّ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ مَعَ الْبَيِّنَةِ
وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى آخَرَ أَنَّ هَذَا الْجَمَلَ مَثَلًا مِلْكُهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَلَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ
بِخِلَافِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَشْتَبِهُ كَثِيرًا
بِخِلَافِ الْعَقَارِ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ
وَقِيلَ يَحْلِفُ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يَحْلِفُ مُطْلَقًا.
ص (وَالْبَعِيدُ جِدًّا إلَخْ) ش هَذِهِ تُسَمَّى يَمِينُ الِاسْتِبْرَاءِ وَيَمِينُ الْقَضَاءِ وَهِيَ تَتَوَجَّهُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ وَقَدْ عَقَدَ لَهَا فِي التَّبْصِرَةِ فَصْلًا وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ أَنَّهَا إنَّمَا تَتَوَجَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ
وَأَمَّا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الْمَيِّتَ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّيْءِ لِشَخْصٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ وَلَا يَمِينَ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ كَلَامٍ لِذَلِكَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ قَالَ: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ [مَسْأَلَة الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: «مَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ»
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ «مَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وَيُؤْخَذُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَحْرِيمُ الدَّعْوَى بِشَيْءٍ لَيْسَ هُوَ لِلْمُدَّعِي فَيَدْخُلُ فِيهِ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةُ كُلُّهَا وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَصْحِيحِ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ بِغَيْرِ مُسَخَّرٍ لِدُخُولِ الْمُسَخَّرِ فِي دَعْوَى مَا لَيْسَ لَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَالْقَاضِي الَّذِي يُقِيمُهُ أَيْضًا يَعْلَمُ أَنَّ دَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا الْقَانُونُ مَنْصُوصًا فِي الشَّرْعِ حَتَّى يَخُصَّ بِهِ عُمُومَ هَذَا الْوَعِيدِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ إيصَالُ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ، فَتَرْكُ مُرَاعَاةِ هَذَا الْقَدْرِ وَتَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ مِنْ إيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْلَى مِنْ الدُّخُولِ تَحْتَ هَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ الْمَذْكُورُ رَأَيْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لَهُ فِي كِتَابِ اللِّعَان فَلْيُنْظَرْ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَجَلَبَ الْخَصْمَ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ إنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى) ش: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَتَيْنِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَجِبُ فِيهِ إجَابَةُ الْحَاكِمِ فِيهِ إذَا دَعَاهُ إلَيْهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا تَجِبُ إجَابَتُهُ فِيهِ إنْ دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَمَا دُونَهَا وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ مَصَالِحُ الْأَحْكَامِ وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِينَ مِنْ الظَّالِمِينَ إلَّا بِذَلِكَ وَمَنْ بَعُدَ مِنْ الْمَسَافَةِ لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ أَوْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَاكِمِ لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ وَمَتَى عَلِمَ خَصْمُهُ إعْسَارَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ وَدَعْوَاهُ إلَى الْحَاكِمِ وَإِنْ دَعَاهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِجَبْرٍ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ وَتَحْرُمُ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ وَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَوْقُوفًا عَلَى الْحَاكِمِ كَتَأْجِيلِ الْعِنِّينِ يُخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْنَ الطَّلَاقِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا،
وَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ الْمُتَوَقِّفَةُ عَلَى الْحُكْمِ يُخَيَّرُ بَيْنَ تَمْلِيكِ صِحَّتِهِ لِغَرِيمِهِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ،
وَكَذَلِكَ الْفُسُوخُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى الْحُكَّامِ وَإِنْ دُعِيَ إلَى حَقٍّ يُخْتَلَفُ فِي ثُبُوتِهِ، وَخَصْمُهُ يَعْتَقِدُ ثُبُوتَهُ وَجَبَ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى حَقٍّ أَوْ يَعْتَقِدُ عَدَمَ ثُبُوتِهِ لَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ وَإِنْ دَعَاهُ الْحَاكِمُ وَجَبَتْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَابِلٌ لِلْحُكْمِ وَالتَّصَرُّفِ وَالِاجْتِهَادِ وَمَتَى طُولِبَ بِحَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَجَبَ أَدَاؤُهُ فِي الْحَالِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَدْفَعُهُ إلَّا بِالْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلَ ظُلْمٌ وَوُقُوفَ النَّاسِ عِنْدَ الْحَاكِمِ صَعْبٌ
وَأَمَّا النَّفَقَاتُ فَيَجِبُ الْحُضُورُ فِيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِتَقْدِيرِهَا إنْ كَانَتْ لِلْأَقَارِبِ وَإِنْ كَانَتْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ الرَّقِيقِ يُخَيَّرُ بَيْنَ إبَانَةِ الزَّوْجَةِ وَعِتْقِ الرَّقِيقِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الدَّعَاوَى وَصَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ إذَا دُعِيَ خَصْمٌ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَمَا دُونَهَا وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ إلَى آخِرِهِ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَسَافَةَ الْعَدْوَى هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَفِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُحْضِرُ الْحَاكِمُ الْخَصْمَ الْمَطْلُوبَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ وَجْهِ الدَّعْوَى وَيَذْكُرَ لِلْحَاكِمِ السَّبَبَ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُحْضِرُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْمُدَّعِي أَنَّ لِلدَّعْوَى أَصْلًا وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يُحْضِرُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛
لِأَنَّ الدَّعْوَى قَدْ لَا تَتَوَجَّهُ فَيَبْعَثُ إلَيْهِ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى وَيُحْضِرُهُ لِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ وَيَفُوتُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ مَصَالِحِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ حُضُورُ بَعْضِ النَّاسِ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ بِمَجْلِسِ الْحُكَّامِ مُزْرٍ بِهِ فَيَقْصِدُ مَنْ لَهُ غَرَضٌ فَاسِدٌ أَذَى مَنْ يُرِيدُ بِذَلِكَ، مِنْ التَّبْصِرَةِ، انْتَهَى.
(وَالْبَعِيدُ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ قَضَى عَلَيْهِ)
ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَانْقَطَعَتْ كَالْعُدْوَةِ مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَمَكَّةَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ حَكَمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَعُرُوضٍ وَدَيْنٍ وَالرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَرُجِئَتْ حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ.
زَادَ فِي أَجْوِبَتِهِ هَذَا التَّحْدِيدَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ إنَّمَا هُوَ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَكَوْنِهَا مَسْلُوكَةً،
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حَكَمَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ وَمِنْ خَلْفِ الْبَحْرِ فِي الْجَوَازِ الْقَرِيبِ الْمَأْمُونِ كَالْبَرِّ الْوَاحِدِ الْمُتَّصِلِ إلَّا فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَمْتَنِعُ فِيهِ رُكُوبُهُ، فَالْقَرِيبُ فِيهِ حُكْمُ الْبَعِيدِ، وَلِابْنِ عَاتٍ: إذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِشَرْطِهَا فِي الْمَغِيبِ لَا يُقْضَى بِهَا فِي الْقُرْبِ وَإِنَّمَا يَكْتُبُ لَهَا الْقَاضِي إلَى الزَّوْجِ بِأَنْ يَقْدُمُوا أَوْ يُوَصَّى عَلَيْهَا،
وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِ سُلْطَانٍ آخَرَ قَضَتْ بِشَرْطِهَا وَإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهَا (بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) ابْنُ شَاسٍ: الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ نَافِذٌ وَيَحْلِفُ لِلْقَاضِي الْمُدَّعِي بَعْدَ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَالِاعْتِيَاضِ وَالْإِحَالَةِ وَالِاحْتِيَالِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِي جَمِيعِ الْحَقِّ
(ص) وَالْبَعِيدُ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَةَ قَضَى عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْغَائِبَ غَيْبَةً بَعِيدَةً كَإِفْرِيقِيَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ يُقْضَى عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عَقَارًا لَكِنْ يَحْلِفُ الطَّالِبُ يَمِينَ الْقَضَاءِ الَّتِي لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا بِأَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا أَبْرَأَ وَلَا احْتَالَ وَلَا وَكَّلَ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِيهِ وَلَا فِي بَعْضِهِ وَتُسَمَّى يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ وَهَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَوْ اسْتِظْهَارٌ قَوْلَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الْأَوَّلُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَيَمِينُ الْقَضَاءِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ عَلَى غَائِبٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ عَلَى الْأَحْبَاسِ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ اهـ.
وَبِعِبَارَةٍ وَيَمِينُ الْقَضَاءِ تَجِبُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ مَا لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِالدَّيْنِ فَلَا يَجِبُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) أَيْ مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ أَوْ سَبَبِيَّةٍ وَهَذَا أَحْسَنُ كَمَا قَالَهُ اللَّقَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا احْتَالَ) أَيْ وَلَا حَوَّلَهُ الْمَدِينُ عَلَى غَيْرِهِ وَفِي عب وَلَا أَحَالَ أَيْ وَلَا أَحَالَ غَيْرَهُ عَلَى هَذَا الْمَدِينِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الْأَوَّلُ) أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَيِّتٍ) أَيْ عَلَى مَنْ يَدَّعِي عَلَى مَيِّتٍ أَيْ مَا لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِالدَّيْنِ فَلَا تَجِبُ
ثُمَّ إنَّ يَمِينَ الْقَضَاءِ تَجِبُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ وَإِنْ رَضِيَتْ الْوَرَثَةُ بِتَرْكِهَا حَيْثُ دَفَعُوا بِالْحَاكِمِ قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا تَجِبُ وَمِنْ ادَّعَى قَضَاءَ دَيْنِ مَيِّتٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ لِيَمِينِ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى غَائِبٍ) أَيْ غَيْبَةً بَعِيدَةً وَمَحَلُّ يَمِينِ الْقَضَاءِ فِي الْمُصَنِّفِ عَلَى الْحَاضِرِ إذَا كَانَتْ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتَهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ
وَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِأَنَّ الْغَائِبَ كَانَ أَقَرَّ أَنَّ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ كَذَا فَلَا يَحْتَاجُ لِيَمِينِ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يَتِيمٍ) أَيْ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ أَوْ أَنَّهُ أَتْلَفَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى تُسْمَعُ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ لِضَعْفِ الصَّغِيرِ وَمِثْلُ الْيَتِيمِ الصَّغِيرُ وَالسَّفِيهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى الْأَحْبَاسِ) أَيْ إذَا ادَّعَى مِلْكَ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْبَاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالْمِلْكِ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى الْحَبْسِ وَأَنْ لَهُ مَالًا تَجَمَّدَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْمَسَاكِينِ) أَيْ إذَا ادَّعَى عَلَى الْمِسْكِينِ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي يَدِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ بِمَا فِي يَدِ ذَلِكَ الْمِسْكِينِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ) بِأَنْ وَجَدَ كِتَابًا بِيَدِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقْرَءُونَ فِيهِ ادَّعَوْا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ فَادَّعَى مِلْكِيَّتَهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ بِأَنْ يَمُوتَ إنْسَانٌ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهِ وَارِثٌ وَأَخَذَ مَالَهُ بَيْتُ الْمَالِ فَقَدِمَ إنْسَانٌ وَادَّعَى أَنَّهُ وَارِثُهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهَا يَمِينَ الْقَضَاءِ أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ شَيْئًا فِي بَيْتِ الْمَالِ لِفَقْرِهِ فَيَحْلِفُ يَمِينَ الْقَضَاءِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ غَنِيٌّ بَاطِنًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَنْ يَقُومُ إلَخْ أَيْ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَيِّتٍ وَمُتَوَجِّهَةٌ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ كَمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَعْنَى مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَمَعْنَى الْعِبَارَةِ أَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْبَعِيرَ الَّذِي عِنْدَ زَيْدٍ مَثَلًا وَيُقِيمُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ الْبَيِّنَةِ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَقَارًا بِيَدِ زَيْدٍ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِيَمِينِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتَ أَقْوَالٍ فَقِيلَ لَا يَحْلِفُ مُطْلَقًا
وَقِيلَ يَحْلِفُ مُطْلَقًا وَقِيلَ يَحْلِفُ فِي الْحَيَوَانِ دُونَ الْعَقَارِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ أَقُولُ وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقَارَ الشَّأْنُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقَعُ مِنْهُ التَّبَرُّعُ بِهَا
بِخِلَافِ الْحَيَوَانَاتِ أَقُولُ وَلَكِنْ قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعُرُوض كَذَلِكَ وَظَاهِرُ النَّصِّ خِلَافُ ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ وَجَدْت عِنْدِي مَا نَصُّهُ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يُشْتَبَهُ كَثِيرًا
بِخِلَافِ الْعَقَارِ إلَخْ أَقُولُ وَالْعُرُوضُ كَالثِّيَابِ أَشَدُّ اشْتِبَاهًا .
(وَ) الْغَائِبُ (الْبَعِيدُ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ مَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ بِالْمَغْرِبِ الْأَوْسَطِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ بَلَدِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَثَلَاثَةٍ مِنْ مِصْرَ بَلَدِ ابْنِ الْقَاسِمِ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " (يُقْضَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ جِدًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَبْعٍ وَأَصْلٍ وَعَرْضٍ وَحَيَوَانٍ وَدَيْنٍ. وَفُهِمَ قَوْلُهُ يُقْضَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَنْهُ وَكِيلًا يَنُوبُ عَنْهُ فِي حُجَّتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا لَا يُقِيمُهُ عَنْ طِفْلٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمَا لِبَقَاءِ حُجَّتِهِمَا وَإِقَامَةُ الْوَكِيلِ تَقْطَعُهَا وَيُقْضَى عَلَيْهِ (بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) مِنْ الطَّالِبِ أَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ وَلَا اسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَا اعْتَاضَ وَلَا أَحَالَ وَلَا احْتَالَ وَلَا وُكِّلَ عَلَى الِاقْتِضَاءِ مِنْهُ كُلِّهِ وَلَا بَعْضِهِ وَتُسَمَّى يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ أَيْضًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ شَرْطًا،
وَقِيلَ اسْتِظْهَارٌ وَتَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مُدَّعٍ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ حُبُسٍ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَعَلَى مُسْتَحِقِّ الْحَيَوَانِ وَلَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَانْقَطَعَتْ كَالْعَدْوَةِ مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَمَكَّةَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ حُكِمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَعُرُوضٍ وَدَيْنٍ وَالرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَرُجِيَتْ حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَكَوْنِهَا مَسْلُوكَةً،
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حُكِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرُبَتْ وَسَمَّى الشُّهُودَ، وَإِلَّا نُقِضَ، وَالْعَشَرَةُ أَوْ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ وَحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ: كَدَيْنٍ [منح الجليل] غَيْبَتُهُ. ابْنُ شَاسٍ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ نَافِذٌ، وَيُحَلِّفُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَالِاعْتِيَاضِ وَالْإِحَالَةِ وَالِاحْتِيَالِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِي جَمِيعِ الْحَقِّ.
ثم قال المص: وسمى الشهود، يعني أن القاضي لابد أن يسمي الشهود في حكمه على الغائب ليجد مدفعا عند قدومه بتجريح الشهود لأنه باق على حجته. قاله الخرشي.
وقال الشبراخيتي: وسمى الشهود الذين قضى عليه بشهادتهم ليتمكن المطلوب من رد القضاء بتجريح أو غيره. وقوله: وسمى الشهود، يجري في متوسط الغيبة أيضا كما يفيده كلام الشارح وغيره، بل هو أولى بذلك من بعيدها، ولعل هذا وجه إسقاط المص ذكر وسمى الشهود في متوسطها. اهـ.
وقال عبد الباقي: وسمى الشهود بالحق والمعدلين لهم حيث يعذر فيهم ليجد مدفعا لأنه باق على حجته. وهذا في متوسطها وبعيدها. انتهى. وفهم من كلام المصنف: قُضِيَ عليه، أنه لا يقيم عن الغائب وكيلا ينوب عنه في حجته: وهو كذلك لانقطاع حجته بحجة وكيله، فكان ذلك أنفع له لبقاء حجته. قاله التتائي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.