وَالْعَفْوُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ سترا
الشروح عليها
(وَ) لِلْمَقْذُوفِ (الْعَفْوُ) عَنْ قَاذِفِهِ (قَبْلَ) بُلُوغِ (الْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ (أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ) الْمَقْذُوفُ (سَتْرًا) عَلَى نَفْسِهِ كَأَنْ يَخْشَى أَنَّهُ إنْ ظَهَرَ ذَلِكَ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِمَا رَمَاهُ بِهِ أَوْ يُقَالُ لِمَ حُدَّ فُلَانٌ يُقَالُ بِقَذْفِهِ فُلَانًا فَيَشْتَهِرُ الْأَمْرُ وَيَكْثُرُ لَغَطُ النَّاسِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَلِلْمَقْذُوفِ الْعَفْوُ إلَخْ) أَيْ
وَأَمَّا الْوَارِثُ الْقَائِمُ بِقَذْفِ مُوَرِّثِهِ فَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَاهُ بِالْقِيَامِ بِالْحَدِّ، وَإِلَّا فَلَهُ الْعَفْوُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ إنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ وَقَدْ عَفَا فَلَا قِيَامَ لِوَارِثِهِ،
وَإِنْ أَوْصَى بِالْقِيَامِ لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ عَفْوٌ،
فَإِنْ لَمْ يَعْفُ وَلَمْ يَرْضَ فَالْحَقُّ لِوَارِثِهِ إنْ شَاءَ قَامَ،
وَإِنْ شَاءَ عَفَا اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: إنْ أَرَادَ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ) قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ الْمَقْذُوفَ إذَا كَانَ عَفِيفًا فَاضِلًا لَا يُخْشَى مِنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِمَا رَمَاهُ بِهِ الْقَاذِفُ وَلَا يُخْشَى مِنْ لَغَطِ النَّاسِ وَالتَّكَلُّمِ فِيهِ إذَا حُدَّ قَاذِفُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَفْوُهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ إنْ أَرَادَ سَتْرًا مَا إذَا كَانَ الْقَاذِفُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ أَوْ جَدَّهُ فَلَهُ الْعَفْوُ،
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ سَتْرًا وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ التَّعْزِيرِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهِ وَلَوْ بَلَغَ الْإِمَامَ كَمَا فِي ح
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ التَّعْزِيرُ لِمَحْضِ حَقِّ اللَّهِ اُنْظُرْ عبق
ص (وَالْعَفْوُ قِبَلَ الْإِمَامِ) ش: وَهَذَا
بِخِلَافِ التَّعَازِيرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا الشَّفَاعَةُ وَالْعَفْوُ وَإِنْ بَلَغَ الْإِمَامَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرَعٌ عَفْوِ الِابْنِ عَنْ أَبِيهِ بَعْد بُلُوغِ الْإِمَامِ
وَكَذَلِكَ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ] (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ عَفْوِ الِابْنِ عَنْ أَبِيهِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ
وَكَذَلِكَ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ اُنْظُرْ اللَّخْمِيَّ وَالتَّوْضِيحَ
[فَرْعٌ عَفَا عَنْ قَاذِفِهِ] (الثَّانِي)
قَالَ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ عَفَا عَنْ قَاذِفِهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُومَ بِحَدِّهِ وَإِنْ رَفَعَ الْقَاذِفُ إلَى الْإِمَامِ أَجْنَبِيًّا غَيْرَ الْمَقْذُوفِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُحَدُّ بِهِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقُومُ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا صَاحِبُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَلَا يَقُومُ بِالْحَدِّ إلَّا الْمَقْذُوفُ.
وَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانًا وَفُلَانٌ يُكَذِّبُهُمْ وَيَقُولُ مَا قَذَفَنِي لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ هُوَ الَّذِي أَتَى بِهِمْ وَادَّعَى ذَلِكَ ثُمَّ أَكْذَبَهُمْ بَعْدَ أَنْ شَهِدُوا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَقَالَ مَا قَذَفَنِي فَإِنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ لَا يُزِيلُهُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ عَفْوِهِ عَنْهُ وَيُضْرَبُ الْقَاذِفُ الْحَدَّ انْتَهَى.
. ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ مَا وَجَبَ الْحَدُّ مَا شَهِدْنَا إلَّا بِزُورٍ دَرَأَ الْحَدَّ انْتَهَى.
[فَرْعٌ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا غَائِبًا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ وَمَعَهُ شُهُودٌ] (الثَّالِثُ) إنْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا غَائِبًا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ وَمَعَهُ شُهُودٌ
قَالَ فِي كِتَابِ الْقَطْعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَقَامَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْحَدَّ. فَتَأَوَّلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُهُ بَعْدَ طَلَبِ الْمَقْذُوفِ وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُهُ فِي غَيْبَتِهِ اُنْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنَ عَرَفَةَ وَأَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ فِي مَسْأَلَةِ سَمَاعِ الْإِمَامِ الْقَذْفَ. قَالَ وَتَأْوِيلُ ابْنِ الْمَوَّازِ أَحْسَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ صَالَحَ مَنْ قَذَفَ عَلَى شِقْصٍ أَوْ مَالٍ] (الرَّابِعُ)
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ صَالَحَ مَنْ قَذَفَ عَلَى شِقْصٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يَجُزْ وَرُدَّ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ بَلَغَ الْإِمَامَ أَمْ لَا اُنْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْأَخْذِ عَلَى الْعَرْضِ مَالًا. ص (بَابٌ)
(وَالْعَفْوُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ سَتْرًا) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ الْقَذْفَ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ لَمْ يَجُزْ عَفْوٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَالْعَفْوُ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ سَتْرًا. (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَقْذُوفِ أَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ قَذَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْأَمْرُ إلَى الْإِمَامِ، أَوْ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، أَوْ الْحَرَسِ،
فَإِذَا بَلَغَ حَدُّ الْمَقْذُوفِ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَلَيْسَ فِيهِ عَفْوٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَقًّا لِلَّهِ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَعْفُوَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ السَّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ،
فَإِنْ أَرَادَهُ فَلَهُ الْعَفْوُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِأَنْ يَسْأَلَ الْإِمَامُ خُفْيَةً عَنْ حَالِ الْمَقْذُوفِ،
فَإِذَا بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ الْآنَ أَمْرٌ سُمِعَ، وَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ أَجَازَ عَفْوَهُ، وَانْظُرْ إذَا أَرَادَ بِالسَّتْرِ عَلَى الْقَاذِفِ خَشْيَةَ حُصُولِ ضَرَرٍ لَهُ مِنْهُ فَهَلْ يَعْمَلُ بِعَفْوِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَمْ لَا؟ ، وَمَحَلُّ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ مَا لَمْ يَكُنْ الْقَاذِفُ أُمَّهُ، أَوْ أَبَاهُ فَلَهُ الْعَفْوُ،
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ سَتْرًا، وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ التَّعْزِيرِ وَالشَّفَاعَةُ فِيهِ،
وَلَوْ بَلَغَ الْإِمَامَ قَالَهُ ح،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللَّهِ مَحْضًا .
(قَوْلُهُ: وَالْعَفْوُ قَبْلَ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ حَقُّ مَخْلُوقٍ وَبَعْدَهُ حَقُّ خَالِقٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ حَقٌّ لِلْخَالِقِ فَلَا عَفْوَ وَلَوْ قَبْلَ الْبُلُوغِ،
وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ الْقَاذِفِ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ الْمَقْذُوفُ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ أَخْذُ مَالٍ عَنْ الْعِرْضِ، وَيُرَدُّ وَلَا شُفْعَةَ إنْ كَانَ عَلَى شِقْصٍ قَوْلُهُ: أَوْ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ إلَخْ) وِزَانُ غُرْفَةٍ
وَأَمَّا ضَمُّ الشِّينِ مَعَ فَتْحِ الرَّاءِ فَلُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَهُوَ الْحَاكِمُ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: مَعْنَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ صَاحِبُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ الْوَالِي وَنَحْوُهُ فِي زَمَانِنَا،
وَأَمَّا الشُّرَطُ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ فَأَعْوَانُ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا، الْوَاحِدُ شُرْطَةٌ مِثْلُ غُرَفٍ جَمْعُ غُرْفَةٍ وَإِذَا نُسِبَ إلَى هَذَا قِيلَ شُرْطِيٌّ بِالسُّكُونِ رَدًّا إلَى وَاحِدِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْحَرَسِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ أَعْوَانُ السُّلْطَانِ جُعِلَ عَلَمًا عَلَى الْجَمْعِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، وَلِهَذَا يُنْسَبُ إلَى الْجَمْعِ فَقِيلَ: حَرَسِيٌّ وَهَؤُلَاءِ مِنْ نُوَّابِ الْإِمَامِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يُقِيمُ الْحُدُودَ السُّلْطَانُ، أَوْ نُوَّابُهُ. نَعَمْ وَالِي الْمَاءِ الَّذِي يَجْبِي الزَّكَاةَ لَا يَدْخُلُ.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُثْبِتَ عَلَيْهِ) أَيْ: بِالْبَيِّنَةِ أَيْ: أَوْ يَخْشَى أَنْ يُقَالَ: مَا لِهَذَا حُدَّ فَيُقَالُ: قَذَفَ فُلَانًا فَيَخْشَى الْمَعَرَّةَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَخْشَى أَنَّ الْمَحْدُودَ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ فِي الْمَقْذُوفِ عَيْبًا، أَوْ يَكُونُ الْمَقْذُوفُ حُدَّ قَدِيمًا فَيَخْشَى إذَا أَقَامَ عَلَى قَاذِفِهِ حَدًّا أَنْ يُظْهِرَ حَدَّهُ الْقَدِيمَ، وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ الْقَاذِفُ إلَخْ هَذَا عَلَى الضَّعِيفِ مِنْ أَنَّ لَهُ حَدَّ أَبِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ التَّعْزِيرِ) قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: يَنْبَغِي مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعَدَاءِ فَلَا يَنْبَغِي الْعَفْوُ عَنْهُ وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ، وَنَذْكُرُ لَك مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَنْ حَدِّ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ حَيْثُ بَلَغَهُ،
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الشَّفَاعَةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَوْ تَابَ الْفَاعِلُ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ
وَأَمَّا قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ، فَتَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهَا قَالَهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ،
وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ إلَخْ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ أَمْ لَا وَلَكِنَّهُ فَصَّلَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ خَاصَّةً بَيْنَ الْمَعْرُوفِ بِالْفَسَادِ، فَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَتَجُوزُ .
(وَ) لِلْمَقْذُوفِ (الْعَفْوُ) عَنْ قَاذِفِهِ (قَبْلَ) بُلُوغِ (الْإِمَامِ) الْقَذْفَ، أَيْ الْحَاكِمِ خَلِيفَةً كَانَ أَوْ قَاضِيًا أَوْ صَاحِبَ شُرْطَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ عَفْوُهُ عَنْهُ لِشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ أَوْ لِشَفَاعَةِ شَفِيعٍ أَوْ لِإِرَادَةِ السَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ. (أَوْ) الْعَفْوُ عَنْهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بُلُوغِ الْقَذْفِ الْإِمَامَ فَيَجُوزُ (إنْ أَرَادَ) الْمَقْذُوفُ بِالْعَفْوِ عَنْ قَاذِفِهِ (سَتْرًا) عَلَى نَفْسِهِ مِنْ شُهْرَةِ نِسْبَةِ مَا قُذِفَ بِهِ إلَيْهِ أَوْ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ،
وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الشَّفَقَةَ عَلَى قَاذِفِهِ أَوْ جَبْرَ خَاطِرِ مَنْ شَفَعَ عِنْدَهُ فِي الْعَفْوِ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا لِمَنْ سَرَقَ رَجُلٌ بُرْدَتَهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ وَهُوَ مُتَوَسِّدُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَرَفَعَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ فَقَالَ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ عَفَوْت عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» «وَلِعَدَمِ قَبُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَفَاعَةَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَإِنْ حَصَلَ فِي الْحَدِّ اُبْتُدِئَ لَهُمَا، إلَّا أَنْ يَبْقَى يَسِيرٌ، فَيُكَمَّلُ الْأَوَّلُ.
[منح الجليل] فِي عَدَمِ قَطْعِ يَدِ السَّارِقَةِ بَعْدَ رَفْعِهَا لَهُ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» .
فِيهَا لَهُ الْعَفْوُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ إنْ أَرَادَ السَّتْرَ مِثْلَ أَنْ يَخَافَ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَعْفُ قِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " كَيْفَ يَعْلَمُ الْإِمَامُ ذَلِكَ، قَالَ يَسْأَلُ الْإِمَامُ عَنْ ذَلِكَ سِرًّا،
فَإِنْ أُخْبِرَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ قَدْ سُمِعَ وَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ جَازَ عَفْوُهُ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَعْنَى إرَادَةِ السَّتْرِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَدِيمًا فَيَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْآنَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مَعْنَى إرَادَةِ السَّتْرِ كَوْنُ مِثْلِهِ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ ظُهُورُ ذَلِكَ عَارٍ عَلَيَّ.
فَأَمَّا الْعَفِيفُ الْفَاضِلُ فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ. الصِّقِلِّيُّ هَذَا إنْ قَذَفَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ قَذَفَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا وَقَدْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ فَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ. (تَنْبِيهٌ) لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ عَفْوِ الِابْنِ عَنْ أَبِيهِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ،
وَكَذَلِكَ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَفَادَهُ الْحَطّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدُّ أَبِيهِ وَلَوْ قَامَ بِهِ وَبَلَغَ الْإِمَامَ.
والعفو قبل الإمام يعني أنه يجوز للمقذوف أن يعفو عن حد قاذفه قبل بلوغ الإمام أي قبل أن يصل الأمر إلى الإمام. قاله الخرشي.
وقال الشبراخيتي: وللمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام ما لم يكن وارثا قام بقذف موروثه، والمراد بالإمام الحاكم وإن لم يكن قاضيا لقول المدونة: إذا بلغ الإمام أو صاحب الشرط أو الحرس أي لا ولاة المياه وهم السعاة. انتهى.
وقال عبد الباقي: ويجوز للمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام أو صاحب الشرط أو الحرس كولاة المياه أي السعادة إلا الوارث القائم بقذف موروثه فليس له العفو. انتهى. قوله: إلا الوارث القائم بأمر موروثه الخ، قال البناني: محل هذا إذا أوصى الميت بالقيام به وإلا فله العفو، قال ابن عرفة: اللخمي: إن مات المقذوف وقد عفا فلا قيام لوارثه وإن أوصى بالقيام به لم يكن لوارثه عفو،
فإن لم يعف ولم يوص فالحق لوارثه. انتهى.
ومثله في التوضيح. انتهى. وبعده إن أراد سترا يعني أن العفو قبل بلوغ الإمام جائز مطلقا أراد المقذوف الستر على نفسه أم لا،
وأما بعد بلوغ الإمام فيجوز العفو إن أراد سترا على نفسه
لا إن لم يرده، قال في المدونة: مثل أن يخاف أن يثبت ذلك عليه إن لم يعف، قيل لمالك: وكيف يرى ذلك، قال: يسئل الإمام عن ذلك سرا،
فإن أُخْبرَ أن ذلك أمر قد سمع أجاز عفوه. الشيخ عن الموازية: معنى إذا أراد سترا قال مالك: مثل أن يكون ضرب الحد قديما فيخاف أن يظهر ذلك عليه الآن،
وقال ابن الماجشون: قول مالك: إذا أراد سترا يعني إذا كان مثله يفعل ذلك ولا يكلف أن يقول أردت سترا؛ لأن قول ذلك عَارٌ،
فأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه. الصقلي: وهذا إذا قذفه في نفسه،
فإن قذفه في أبويه أو أحدهما وقد مات المقذوف لم يجز العفو فيه بعد بلوغ الإمام. وقاله ابن القاسم. وأشهب. انتهى. ونحوه في التوضيح. واللَّه أعلم. نقله البناني. تنبيهات: الأوَّل: اختلف في القذف هل فيه حق للَّه تعالى وعليه فالحد يقيمه الإمام إذا بلغه رفعه صاحبه أم لا ولا عفو له،
وإذا ادُّعي عليه العفو لم يحلف لأن ما فيه حق للَّه تعالى ليس له إسقاطه،
وأما من ادعي عليه القذف فلا يحلف إلا بشاهد،
فإن نكل حبس حتى يحلف أو يقر. قاله في الميسر. الثاني: التعزير يجوز فيه العفو والشفاعة ولو بلغ الإمام. ذكره الحطاب. الثالث: قال الشبراخيتي: وبعده أي بعد بلوع الإمام إن أراد المقذوف سترا على نفسه بأن يخشى أنه إن ظهر ذلك للناس قامت عليه بينة به، قال التتائي: وتعرف إرادة الستر بأن يسأل الإمام خفية عن حال المقذوف،
فإن بلغه عنه أن الذي قيل فيه الآن أمر قد سمع وأنه يخشى أن يثبت عليه أجاز عفوه. أصبغ: ومثل أن يضرب الحد قديما فيخاف أن يظهر عليه الآن. انتهى. ويبقى النظر فيما إذا أراد الستر على القاذف خشية حصول ضرر له منه، فهل يعمل بعفوه بعد بلوغ الإمام وهو الظاهر أم لا؟ وقوله: "إن أراد سترا ما لم يكن القاذف أباه أو أمه أو جده فله العفو وإن لم يرد سترا.
انتهى. الرهوني: هذا الاستثناء على ما ذهب عليه المصنف،
وأما على المشهور ومذهب المدونة من أنه ليس له حدهم فلا استثناء، وقد صرح الحطاب بذلك، فقال: وعلى القول بأنه يحد لقذف ولده ويفسق فإنه يجوز عفوه،
ولو بلغ الإمام. قال اللخمي: ولا اختلاف في ذلك. انتهى.
وقال عبد الباقي: وبعده إن أراد المقذوف سترا على نفسه بأن يخشى أنه إن أظهر ذلك قامت عليه بينة بما رماه به القاذف، أو يخشى أن يقال: ما لهذا حُدَّ؟ فيقال: قذف فلانا، أو يخشى أن المحدود يظهر للناس في المقذوف عيبا أو يضرب المقذوف حدا قديما فيخشى إذا أقام على قاذفه حدا أن يظهر حده القديم،
وأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه، وينبغي شمول المصنف أيضا لإرادة الستر على القاذف لو حد من حصول ضرر له مآلا،
ويجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيه ولو بلغ الإمام. قاله الحطاب.
وظاهره ولو كان التعزير متمحضا لحق اللَّه. انتهى. قال مقيده عفا اللَّه عنه: انظر كيف يجوز العفو عنه والشفاعة فيه مع أنه واجب لحق اللَّه عز وجل؟. الرابع: قال أبو الوليد في المنتقى:
مَسْأَلَةٌ: وأما القاذف يعطي المقذوف دينارا على أن يعفوَ عنه، ففي العتبية من رواية أشهب عن مالك: لا يجوز ذلك ويجلد الحد، ووجه ذلك أنه حق يتعلق به حق اللَّه تعالى فلا يسقط بمال كالقطع في السرقة. انتهى.
وفي اختصار الشيخ حلولو لِنوازل شيخه البرزلي: مَسْأَلَةٌ: وفيها: من صالح رجلا عن قذف على شِقْص لم يجز لأن الحدود إنما فيها العفو أو إقامتها. انتهى. الرهوني: قول أبي الوليد الباجي: حق يتعلق به حق اللَّه تعالى الخ فيه إشكال؛ لأنه إن أراد يتعلق حق اللَّه به ليس للمقذوف إسقاطه وهو قول أشهب فالمذهب كما علمت خلافه،
وإن أراد يتعلق حق اللَّه به مع كونه حقا للمقذوف فهو منقوض بالقتل الذي هو أعظم من القذف بكثير، وبذلك رد اللخمي على أشهب، ونصه: قال أشهب في مدونته فيمن عفا عن قاذفه ثم أتى بعد زمان وأراد أن يحده أن ذلك له. قال: لأنه حد من حدود اللَّه تعالى. قال الشيخ رحمه اللَّه: قول مالك إن ذلك حق للمقذوف أحسن، وليس تعدي القاذف في قذفه أعظم من تعديه على قتله، ولا خلاف أن له أن يعفو عن قاتله.
انتهى. وهذا مما يزيد الإشكال قوة. فتأمله.
قلت: والظاهر في الفرق بين الصلح عن القصاص وعن القذف مع اشتراكهما في أن لمستحقهما إسقاطهما مجانا فيسقطان أن القصاص أقرب إلى المال من القذف ولا سيما على قول أشهب، وروايته عن مالك أن لأولياء المقتول جبر المقاتل على الدية وهو قول الشافعي وغير واحد من الأئمة، والموافق للحديث المتفق عليه ولأنه يؤل للمال على المشهور من قول مالك وابن القاسم أنه يجبر المقاتل على الدية في كثير من المسائل، ولأن الدم إذا استحقه متعدد يسقط بعفو بعضهم ويئول حق غيره إلى المال فيعطى نصيبه من الدية والقذف إذا استحقه متعدد لا يسقط بعفو بعضهم، بل يكون للآخر القيام به فلم يؤل إلى المال في حال من الأحوال، وقد قال الباجي نفسه قبل ما قدمناه عنه بقريب: إن حد القذف مبني على أنه لا يجوز عفو بعض القائمين،
بخلاف ولاة الدم لأن هذا ليس بدلا من المال فَيَؤُولُ بعض من قام بالدم إليه إذا عفا بعضهم. انتهى. فتأمله بإنصاف. وما تقدم من أن قول أشهب في مدونته أن للعافي القيام بالقذف بعد عفوه مقابل، محله إذا وقع العفو مطلقا لا مقيدا، ففي اختصار الشيخ حلولو لنوازل البرزلي وفيها: إذا عفا المقذوف على أنه متى شاء قام بحده وكتب بذلك كتابا وأشهد بذلك له متى قام به،
فإن مات كان لوالده القيام به، قال شيخنا: معناه إذا رضي القاذف بالتأخير. انتهى. والضمير في قوله: وفيها -واللَّه أعلم- للمدونة لأن المسألة مذكورة فيها وقد تردد أبو الحسن في فهمها، وما عزاه اللخمي لأشهب عزاه ابن يونس لروايته مع زيادة ونصه: وروى أشهب عن مالك أنه متى قام به بعد ذلك العفو حد له إلا أن يكون أراد سترا، وقاله ابن شهاب وابن وهب،
وقال أصبغ: قول مالك وابن القاسم أحب إلينا وهو قول الناس أن عفوه قبل بلوغ الإمام يسقط عنه الحد. انتهى. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى. الخامس: قال الشبراخيتي: لا يجوز للإمام العفو عن حد السرقة والزنى والشرب حيث بلغه،
ولا يجوز لأحد الشفاعة فيها لأنها حقوق للَّه تعالى ولو تاب الفاعل وحسنت حالته،
وأما قبل بلوغ الإمام فتجوز الشفاعة فيها. قاله التتائي.
قوله: وأما قبل بلوغ الإمام الخ ظاهره سواء كان معروفا بالفساد أم لا، ولكنه فصل في المدونة في حد السرقة خاصة بين المعروف بالفساد فلا تجوز الشفاعة فيه وبين غيره فتجوز. انتهى.
وإن قذف في الحد ابتدئ لهما يعني أن القاذف إذا قذف في أثناء الحد فإنه يُبْتَدَأُ للقذفين حَدٌّ واحد، سواء كان المقذوف ثانيا هو المقذوف أَوَّلًا أوْ لَا،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.