وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلًا وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ
الشروح عليها
مسألة: (وعليهما المُضِيُّ في فاسِدِه، والقَضاءُ على الفَوْرِ مِن حيثُ أحْرَما أوَّلاً. ونَفَقَةُ المَرْأةِ في القَضاءِ عليها إن طاوَعَتْ، وإن أُكْرِهَتْ فعلى الزَّوْجِ) لا يَفْسُد الحَجُّ بغيرِ الجِماعِ،
فإذا فَسَد فعليه إتْمامُه، وليس له الخُرُوجُ منه. رُوِيَ ذلك عن عُمرَ، وعليّ، وأبى هُرَيرةَ، وابنِ عباسٍ، رَضِيَ الله عنهم. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال الحسنُ، ومالكٌ: يَجْعَلُ الحَجَّةَ عُمْرَةً، ولا يُقيمُ على حَجَّةٍ فاسِدَةٍ.
وقال داودُ: يَخْرُجُ بالإفْسادِ مِنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْس عَلَيْهِ أمْرُنَا فهُوَ رَدُّ». ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}. ولأَّنه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفاً ولأنَّه مَعْنًى يَجِبُ به القَضاءُ، فلم يَخْرُجْ منه، كالفَوات. والخَبَرُ لا يُلْزِمُنا, لأن المُضِيَّ فيه بأمْرِ اللهِ، وإنَّما وَجَب القَضاءُ؛ لأنَّه لم يَأتِ به على الوَجْهِ الذي يَلْزَمُه بالإحْرامِ.
ونَخُصُّ مالكًا بأنَّها حَجَّةٌ لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ منها بالإِخْراجِ ، فلا يَخْرُجُ منها إلى عُمْرَةٍ، كالصَّحِيحَةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ عليه أن يَفْعَلَ بعدَ الإفْسادِ كما يَفْعَلُ قبلَه، مِن الوُقُوفِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، والرَّمْيِ، ويَجْتَنِبُ بعدَ الفَسادِ ما يَجْتَنِبُه قبلَه، مِن الوَطْءِ ثانِيًا، وقَتْلِ الصَّيْدِ، والطِّيبِ، واللِّباس، ونحوِه، وعليه الفِدْيَة بالجِنايَةِ على الإِحْرامِ الفاسِدِ، كالإِحْرامِ الصَّحِيحِ. ويَلْزَمه القَضاء مِن قابِلٍ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه قول ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، رَضِيَ الله عنهم.
فإن كانَتِ الحَجَّةُ التي أفْسَدَها واجِبَةً بأصْلِ الشَّرعِ، أو بالنَّذْرِ، أو قَضاءً، كانَتِ الحَجَّةُ مِن قابِلٍ مُجْزِئةً؛ لأنَّ الفاسِدَ إذا انْضَمَّ إليه القَضاء أجْزَأ عمّا يُجْزِئُّ عنه الأوَّلُ لولم يُفْسِدْه،
وإن كانَتْ تَطَوُّعًا وَجَب قَضاؤها أيْضًا؛ لأنَّه بالدُّخولِ في الإحْرامِ صارَ الإحْرام عليه واجِبًا،
فإذا أفْسَدَه وَجَب قَضاؤه، كالمَنْذُورِ. ويَكُون القَضاء على الفَوْرِ. ولا نَعْلَمُ فيه مخالِفًا؛ لأنَّ الحَجَّ الأَصْليُّ يَجبُ على الفَوْرِ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بالدُّخولِ فيه، والواجِب بأصْلِ الشَّرْعِ لم يَتَعَيَّن بذلك.
فصل:، ويُحْرِمُ بالقَضاءِ مِن أُبعَدِ المَوْضعَيْن؛ المِيقاتِ، أو مَوْضِع إحْرامِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إن كان المِيقات أبعَدَ، فلا يَجوز تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ،
وإن كان مَوْضِع إحْرامِه أبْعَدَ، فعليه الإحْرامُ بالقَضاءِ منه. نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه الله؛ ليَكُونَ القَضاءُ على صِفَةِ الأداءِ. ولأنَّه قولُ ابنِ عباسٍ. وبه يَقُولُ سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابن المُنْذِرِ.
وقال النَّخَعِيُّ: يُحْرِمُ مِن مَوْضِع الجِماعِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ الإفسادِ. ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ، فكانَ قَضاؤها على حَسَبِ أدائُها، كالصلاةِ.
فصل: ونَفَقَةُ المَرْأةِ في القَضاءِ عليها إن طاوَعَتْ؛ لأنَّها أفْسَدَتْ حَجَّتَها مُتَعَمِّدَةً، فكانتْ نَفَقَةُ القَضاء عليها، كالرجلِ،
وإن كانَتْ مُكْرَهَةً فعلى الزَّوْجِ؛ لأنَّه الذي أفْسَدَ حَجًّتَها، فكانَتِ النَّفَقَةُ عليه، كنَفَقَةِ حَجِّه ١٢١١ -
(وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُكْمُهُ كَإِحْرَامٍ صَحِيحٍ نَقَلَهُ الْجُمْهُورُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ أَمَرَ الْمُجَامِعَ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَعْنَى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْهُ كَالْفَوَاتِ، وَنَقَلَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ مِنَ التَّنْعِيمِ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْحَجَّ عُمْرَةً، (وَ) يَلْزَمُهُمَا (الْقَضَاءُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمَا: أَتِمَّا حَجَّكُمَا ثُمَّ ارْجِعَا وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى قَابِلَ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتَهَا فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا وَلَا يُؤَاكِلْ وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا وَأَهْدِيَا» وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ صَحِيحَةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَهَذَا مِنْهَا، وَرَوَى سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الَّذِي أَفْسَدَهَا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَوِ النَّذْرِ أَوْ قَضَاءً، لَكِنْ إِذَا أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ يَقْضِي الْوَاجِبَ، لَا الْقَضَاءَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ النَّفْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَصْحَابُ؛
لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَعَنْهُ: لَا قَضَاءَ فِيهِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ هُوَ (عَلَى الْفَوْرِ) لِتَعَيُّنِهِ بِالدُّخُولِ فِيهِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلًا) أَيْ: يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَبْعَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الْمِيقَاتِ أَوْ إِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمِيقَاتُ أَبْعَدَ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَجَاوُزُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ،
وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ إِحْرَامِهِ أَبْعَدَ لَزِمَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَإِلَّا لَزِمَهُمَا مِنَ الْمِيقَاتِ نصا، (وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: وَأَهْدِيَا هَدْيًا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِمَا، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَهْدِ نَاقَةً، وَلْتَهْدِ نَاقَةً. وَلِأَنَّهَا بِمُطَاوَعَتِهَا أَفْسَدَتْ نُسُكَهَا فَكَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا كَالرَّجُلِ،
وعليهما المُضِيُّ في فاسِدِه. حُكْمُه حُكْم الإحْرامِ الصَّحيحِ. نَقَله الجماعةُ، وعليه الأصحابُ.
وقال في رِوايَةِ ابنِ إبْرَاهِيمَ: أَحَبُّ إليَّ أنْ يَعْتَمِرَ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَنْعِيمِ، يعْنِي، يَجْعَلُ الحَجَّ عُمْرَةً، ولا يُقِيمُ على حَجَّةٍ فاسِدَةٍ. وهو مذهَبُ مالِكٍ. والقَضاءُ على الفَوْرِ. إِنْ كان ما أفْسَدَه حَجًّا واجبًا، فلا نِزاعَ في وُجوبِ القَضاءِ، وتُجْزِئُه الحَجَّةُ مِن قابِلٍ.
وإنْ كان الذي أفْسَدَه تَطوُّعاً، فَالمنْصُوصُ عنِ الإمامِ أحمدَ، وجُوبُ القَضاءِ، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به.
قال في «الفُروعِ»: والمُرادُ وُجوبُ إتْمامِه، لا وُجوبُه في نَفْسه، لقَوْلِهم: إنَّه تَطوُّعٌ، فيُثابُ عليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثَوابَ نَفْلٍ. وفي «الهِدايَةِ»، و «الانْتِصارِ»، و «عُيُونِ المَسائلِ» رِوايَةٌ، لا يَلْزَم القَضاءُ. قال المَجْدُ: لا أحْسَبُها إلَّا سَهْوَا. والقَضاءُ على الفَوْرِ مِن حيثُ أحْرَما أوَّلاً. إنْ كانَا أحْرَما قبلَ المِيقَاتِ، أو مِنَ المِيقاتِ، أحْرَما في القَضاءِ مِنَ المَوْضِعِ الذي أحْرَما منه أوَّلاً،
وإنْ كانَا أحْرَما مِن دُونِ المِيقاتِ، أحْرَما مِنَ المِيقاتِ. وهذا بلا نِزاع. ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ أنْ يُحْرِمَ مِنَ المِيقاتِ وَيَتَفَرَّقَانِ في الْقَضَاءِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أصَابَهَا فِيهِ إلَى أنْ يَحِلَّا. وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أوْ مُسْتَحَبٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
مُطقًا. ومالَ إليه. ونَفَقَةُ المرأةِ في القَضاءِ عليها إنْ طاوَعَتْ -بلا نِزاع- وإنْ أُكْرِهَتْ، فعلى الزَّوْجِ. وهو المذهبُ،
ولو طَلَّقَها. نقَل الأثرَمُ، على الزَّوْجِ حَمْلُها,
ولو طَلَّقَها وتَزوجَتْ بغيرِه، ويُجْبَرُ الزَّوْجُ الثَّانى على إرْسالِها إنِ امْتَنَعَ. ويأْتِي في بابِ الفِدْيَةِ في آخِرِ الضَّرْبِ الثَّانِي، وُجوبُ فِدْيَةِ الوَطْءِ على المَرْأةِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ. ويتَفرَّقان في القَضاءِ مِنَ الموْضِعِ الذي أصابَها فيه إلى أنْ يَحِلَّا. هذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال في «الفُروعِ»: هذا ظاهِر المذهبِ.
وعنه، يتَفَرَّقان مِنَ المَوْضِعِ الذي يُحْرِمان منه.
قال رحمه الله: (ونفقة المرأة في القضاء عليها إن طاوعت، وإن أكرهت فعلى الزوج) .
أما وجوب نفقة المرأة في القضاء عليها إذا طاوعت فلأنها أفسدت حجها بالمجامعة فكانت النفقة عليها.
ولقول ابن عمر رضي الله عنهما:«واهديا هديا» أضاف الفعل إليهما فكان على كل واحد منهما هديه.
ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما:«اهد ناقة ولتهد ناقة».
ولأنها بمطاوعتها أفسدت حجها فكانت النفقة عليها كالرجل المفسد لنسكه.
وأما وجوبها على الزوج إذا أكرهها فلأنه هو المفسد لحجها فكانت عليه نفقتها كنفقة حجه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.