وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَفرغ مِنْ قَسْمِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَيَبْدَأُ بِبَيْعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ
الشروح عليها
مسألة: (ويُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن قَسْمِهِ بينَ غُرَمائِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا حُجِر على المُفْلِسِ،
فإن كان ذا كَسْبٍ يَفِي بنَفَقَتِه ونَفَقَةِ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فهي في كَسْبِه، فإنَّه لا حاجَةَ إلى إخْراجِ مالِه مع غِناه بكَسْبِه، فلم يَجُزْ، كالزِّيادَةِ على النَّفَقَةِ.
وإن كان كَسْبُه دُونَ نَفَقَتِه كُمِّلَتْ مِن مالِه.
وإن لم يكنْ ذا كسبٍ أُنْفِقَ عليه مِن مالِه مُدَّةَ الحَجْرِ وإن طال؛ لأنَّ مِلْكَه باقٍ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ابْدَأ بنَفْسِكَ ثُم بِمَنْ تَعُولُ». ومَعْلُومٌ أنَّ في مَن يَعُولُه مَن تَجِبُ نَفَقَتُه عليه، ويكونُ دَينًا عليه، وهي زَوْجَتُه،
فإذا قَدَّمَ نَفَقَةَ نَفْسِه على نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، فكذلك على حَقِّ الغُرَماءِ، ولأنَّ تَجْهِيزَ المَيِّتِ يُقَدَّمُ على دَينِه بالاتِّفاقِ، والحَيُّ آكَدُ حُرْمَةً مِن المَيِّتِ؛ لأنَّه مَضْمُونٌ بالإتْلافِ. ويُقَدَّمُ أَيضًا نَفَقَةُ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه مِن أقارِبِه؛ مثلَ الوالِدِ والوَلَدِ، وغَيرِهم ممَّن تَجِبُ نَفَقَتُه؛ لأنَّهم يَجْرُون مَجْرَى نفسِه، في كَوْنِ ذوي رَحِمِه منهم، يَعْتِقُون إذا مَلَكَهم، كما يَعْتِقُ إذا مَلَك نَفْسَه، فكانت نَفقَتُهُم كنَفَقَتِه،
وكذلك نَفَقَةُ زَوْجَتِه، لأنَّ نَفَقَتَها آكَدُ مِن نَفَقَةِ الأقَارِبِ، [لأنَّها تَجِبُ مِن طَرِيقِ المُعاوَضَةِ، وفيها مَعْنَى الإِحْياءِ، كما في الأقارِبِ]. ومِمَّن أوْجَبَ الإِنْفاقَ على المُفْلِسِ وزَوْجَتِه وأوْلادِه؛ أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وتَجبُ كُسْوَتُهم؛ لأنَّ ذلك ممّا لا بُدَّ منه. والواجبُ مِن النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ أَدْنَى ما يُنْفقُ على مِثْلِه بالمَعْرُوفِ، وأدْنَى ما يَكْتسِي مِثْلُه،
وكذلك كُسْوَتُه مِن جِنْسِ ما يَكْتَسِيه مِثْلُه، وكُسْوَةُ امْرأْتِه ونَفَقَتُها مثلُ ما يُفْرَضُ على مِثْلِه. وأقَلُّ ما يَكْفِيه مِن اللِّباسِ قَمِيصٌ وسَراويلُ، وشيءٌ يَلْبَسُه على رَأْسِه؛ قَلَنْسُوَةٌ، أو عِمامَةٌ، أو غيرُها ممَّا جَرَتْ عادَتُه به ، ولرِجْلِه حِذاءٌ، إن كان يَعْتادُه، وجُبَّةٌ أو فَرْوَةٌ في الشِّتاءِ لدَفْعِ البَرْدِ.
فإن كانت له ثِيابٌ لا يَلْبَسُ مِثْلُه مِثْلَها، بِيعَتْ، واشْتُرِيَ له كُسْوَةُ مِثْلِه، ورُدَّ الفَضْلُ على الغُرَماءِ،
فإن كانت إذا بِيعَتْ واشْتُرِيَ له كُسْوَةُ مثلِه لا يَفْضُلُ منها شيءٌ، تُرِكَتْ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ في بَيعِها.
فصل: وإن مات المُفْلِسُ، كُفِّنَ مِن مالِه؛ لأنَّ نَفَقَتَه كانت واجِبَةً مِن مالِه في حالِ حَياتِه، فوَجَبَ تَجْهِيزُه منه بعد المَوْتِ، كغيرِه.
وكذلك يَجِبُ كَفَنُ مَنْ يَمُونُه؛ لأنَّهم بمَنْزِلَتِه.
ولا يَلْزَمُ كَفَنُ زَوْجَتِه؛ لأنَّ نَفَقَتَها تَجبُ في مُقابلَةِ الاسْتِمْتاعِ، وقد فات بمَوْتِها، فسَقَطَتْ،
بخِلافِ الأَقارِبِ؛ فإنَّ قَرابَتَهم باقِيَةٌ. ويَلْزَمُه تَكْفِينُ مَن مات مِن عَبِيدِه وتَجْهِيزُه؛ لأنَّ نَفَقَتَه ليست في مُقابَلَةِ الانْتِفاعِ به، بدَلِيلِ وُجُوبِ نَفَقَةِ الصَّغِيرِ، والمَبِيعِ قبلَ التَّسْلِيمِ. ويُكَفَّنُ في ثَلاثَةِ أثْوَابٍ، كما كان يَلْبَسُ في حَياتِه. ويَحْتَمِلُ أن يُكَفَّنَ في ثَوْبٍ يَسْتُرُه؛ لأنَّه يَكْفِيه، فلا حَاجَةَ إلى الزِّيادَةِ. وفارَقَ حال الحَياةِ؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تَغْطِيَةِ رَأْسِه، وكَشْفُه يُؤْذِيه،
بخِلافِ المَيِّتِ. ويَمْتَدُّ الإِنْفاقُ المَذْكُورُ إلى حينِ فَراغِه مِن القِسْمَةِ بينَ الغُرَماءِ؛ لأنَّه لا يَزُولُ مِلْكُه إلَّا بذلك. ومَذهَبُ الشافعيِّ قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
فصل: وإن كان المُفْلِسُ ذا صَنْعَةٍ، يَكْسِبُ ما يَمُونُه ويَمُونُ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أو كان يَقْدِرُ على أن يَكْسِبَ مِن المُباحَاتِ ما يَكْفِيه، أو يُؤْجِرَ نَفْسَه، أو يَتَوَكَّلَ لإنْسانٍ بجُعْلٍ يَكْفِيه، لم يُتْرَكْ له شيءٌ مِن مالِه للنَّفَقَةِ.
وإن لم يَقْدِرْ على شيءٍ ممَّا ذَكَرْناه، تُرِك له مِن مالِه قَدْرُ ما يَكْفِيه. قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ أبي داودَ: يُتْرَكُ له قُوتٌ يَتَقَوَّتُه،
وإن كان له عِيالٌ تُرِك له قِوامٌ.
وقال، في رِوايَةِ المَيمُونِيِّ: يُتْرَكُ له قَدْرُ ما يَقُومُ به مَعاشُه، ويُباعُ الباقِي. وهذا في حَقِّ الشَّيخِ الكَبِيرِ وذوي الهَيئاتِ الذين لا يُمْكِنُهم التَّصَرُّفُ بأبْدانِهم. ويَنْبَغِي أن يُجْعَلَ ممّا لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ بَعْضِهم بعَينِه؛ لأنَّ مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بالعَينِ أقْوَى سَبَبًا مِن غيرِه، كما ذَكَرْنا في الدَّارِ والخادِمَ.
فصل: وإذا تَلِف شيءٌ مِن [مالِ المُفْلِسِ] تَحْتَ يَدِ الأمِينِ، أو بِيعَ شيءٌ مِن مالِه وأُودِعَ ثَمَنُه، فتَلِفَ عندَ المُودَعِ، فهو مِن ضَمانِ المُفْلِسِ. وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: العُرُوضُ مِن مالِه، والدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ مِن مالِ الغُرَماءِ.
وقال المُغِيرَةُ: الدَّنانِيرُ مِن مالِ أصْحابِ الدَّنانِيرِ، والدَّراهِمُ مِن مالِ أصْحابِ الدَّراهِمِ. ولَنا، أنَّه مِن مالِ المُفْلِسِ ، ونماؤُه له ، فكان تَلَفُه مِن مالِه، كالعُرُوضِ. ١٩٢٢ - مسألة: (ويَبْدَأُ بِبَيعِ ما يُسْرِعُ إليه الفَسَادُ) مِن الطَّعامِ الرَّطْبِ؛ لأنَّ بَقاءَه يُتْلِفُه بيَقِينٍ
(وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَفرغ مِنْ قَسْمِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» ، لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَكُسْوَتِهِمْ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَتَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَكُسْوَتِهَا،
وَكَذَا أَوْلَادُهُ وَأَقَارِبُهُ، وَالْوَاجِبُ فِيهِمَا أَدْنَى مَا يُنْفَقُ عَلَى مِثْلِهِ وَيُكْسَى وَتُتْرَكُ لَهُ آلَةُ حِرْفَةٍ، أَوْ مَا يَتَّجِرُ بِهِ إِنْ عَدِمَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَفِي " الْمُوجَزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ " وَفَرَسٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا. وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: يُبَاعُ الْكُلُّ إِلَّا الْمَسْكَنَ، وَمَا يُوَارِيهِ مِنْ ثِيَابٍ وَخَادِمًا يَحْتَاجُهُ (وَيَبْدَأُ بِبَيْعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ) كَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ بَقَاءَهُ يُتْلِفُهُ بِيَقِينٍ
ويُنفِقَ عليه بالمَعُروف إلى أنْ يَفْرَغَ مِن قَسْمِه بينَ غُرَمائِه. يعْنِي، عليه وعلى عِيالِه.
ومِنَ النَّفَقَةِ كُسْوَتُه وكُسْوَةُ عِيالِه. وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ مُطْلَقًا، وعليه أكْثَرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ» وغيرِه. وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: محَلُّ هذا إذا لم يَكُنْ له كَسْبٌ،
وأما إنْ كان يقْدِرُ على التَّكَسُّبِ، لم يُتْرَكْ له شيءٌ مِنَ النَّفَقَةِ. وقطَعا به. وهو قَويٌّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو ماتَ، جُهِّزَ مِن مالِه، كنَفَقَةٍ. قاله في «الفائقِ» وغيرِه. وَيَبْدَأُ بِبَيعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيهِ الْفَسَادُ، ثُمَّ بِالحَيَوانِ، ثُمَّ بِالْأَثَاثِ، ثُمَّ بِالْعَقَارِ. وَيُعْطِي الْمُنَادِيَ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمَالِ.
قال: (ويُبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد ثم بالحيوان ثم بالأثاث ثم بالعقار. ويعطي المنادي أجرته من المال) .
أما كون الحاكم يبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد كالبطيخ والطبيخ وما أشبههما؛ فلأن بقاءه يتلفه بيقين.
وأما كونه يقدم بيع الحيوان على ما بعده؛ فلأنه معرض للإتلاف ويحتاج في بقائه إلى نفقة.
وأما كونه يقدم بيع الأثاث على العقار؛ فلأنه يخاف عليه وتناله اليد.
وأما كونه يعطي المنادي أجرته من المال؛ فلأن البيع حق عليه.
وقال المصنف في المغني وأبو الخطاب في الهداية وغيرهما: الأجرة في بيت المال؛ لأنه من المصالح.
فإن لم يكن فمن المال لما تقدم. فيحتمل أن المصنف هنا قصد بقوله: أنه من المال ذلك. وإنما لم يذكر من بيت المال بناء على التعذر من بيت المال؛ لأنه يومئذ لا يصرف منه شيء في مثل ذلك. ويحتمل أن يكون في المسألة وجهان ذكر أحدهما هنا وفي المغني الآخر.
ويشترط أن يكون المنادي ثقة فإن اتفق المفلس والغرماء على ثقة أمضاه الحاكم لوجود الشرط فيه،
وإن اتفقوا على غير ثقة رده.
فإن قيل: لم يرده وأصحاب الحق قد رضوا به، وهلا كان ذلك مثل الراهن والمرتهن إذا اتفقا على غير ثقة؟
قيل: لأن للحاكم هنا نظراً واجتهاداً فإنه قد يظهر غريم آخر فيتعلق حقه به
بخلاف الرهن فإنه لا نظر للحاكم فيه.
فإن اختار المفلس والغرماء آخر قدم المتطوع منهما؛ لأنه أوفر،
وإن كانا متطوعان ضم أحدهما إلى الآخر وإلا قدم أوثقهما وأعرفهما.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.