وَهِيَ الْمَالُ الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ وَتَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ كَالسَّوْطِ وَالشِّسْعِ وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ الثَّانِي الضَّوَالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيْرِ، وَالْفُهُودِ، وَنَحْوِهَا
الشروح عليها
بابُ اللُّقَطَةِ (وهي المالُ الضّائِعُ مِن رَبِّه) يَلْتَقِطُه غيرُه. قال الخَليلُ بنُ أحمدَ: اللقَطَةُ، بفَتْحِ القافِ: اسْم للمُلْتَقِطِ؛ لأنَّ ما جاءَ على فُعَلَةٍ، فهو اسم للفاعِلِ، كالصُّحَلَةِ والصُّرَعَةِ، واللُّقْطَةُ، بسُكُونِ القافِ: المالُ المَلْقُوطُ، مِثلُ الضُّحْكةِ، الذي يُضْحَكُ منه، والهُزْأةُ الذي يُهْزأ به.
وقال الأصْمَعِي، وابنُ الأعْرابِيِّ، والفَرّاءُ: هي بفَتْحِ القافِ، اسْمُ المالِ المَلْقُوطِ أيضًا. والأصْلُ فيها ما روَي زَيدُ بنُ خالِدٍ الجُهَنِي، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، فقال:«اعْرِفْ وكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، فَإنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، ولتَكنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإنْ جَاءَ طَالِبُها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيهِ». وسَأله عن ضالَّةِ الإبِلِ، فقال:«مَالكَ وَلَهَا، دَعْهَا فَإنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأكلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».
وسَألهُ عن الشّاةِ فقال: «خُذْهَا، فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ». مُتَّفَق عليه . الوكَاءُ: الخَيطُ الذي يُشَدُّ به المالُ في الخِرْقَةِ. والعِفاصُ: الوعاءُ الذي هي فيه؛ مِن خِرْقَةٍ أو قِرْطاس أو غيرِه. قاله أبو عُبَيدٍ. والأصْلُ في العِفاصِ أنَّه الجِلْدُ الذي يُلْبِسُه رَأسَ القارُورَةِ. وقَوْلُه:«مَعَهَا حِذَاءَهَا». يَعْنِي خُفَّها؛ لأنَّه لقُوتِه وصَلابَتِه يَجْرِي مَجْرَى الحِذاءِ. وسِقاؤها: بَطْنُها تَأخُذُ فيه ماءً كَثِيرًا، فيَبْقَى معها يَمْنَعُها العَطَشَ. والضّالّةُ: اسْم للحَيَوانِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ اللُّقَطَةِ، والجَمْعُ ضَوال.
ويُقالُ لها أيضًا: الهوامِي والهَوامِلُ. ٢٥٠١ - مسألة: (وتَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسام؛ أحذها: ما لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ؛ كالسَّوْطِ، والشِّسْعِ (١) ، والرَّغِيفِ، فيَمْلِكُه بأخْذِه. بلا تَعْرِيفٍ) لِما روَى جابِر، قال: رَخَّصَ لنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في العَصا والسَّوْطِ والحَبْلِ وأشباهِه، يَلْتَقِطُه الرجلُ فيَنْتَفِعُ به. رَواه أبو داودَ .
وكذلك التَّمْرَةُ، والكِسْرَةُ، والخِرْقَةُ، وما لا خَطر له، يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْكِرْ على واجِدِ التَّمْرَةِ حيث أكلَها، بل قال له:«لَوْ لَمْ تَأتِهَا لأتتْكَ». ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تَمْرَةً فقال:«لَوْلَا أنِّي أخشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لأكَلْتُهَا». ولا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهلِ العِلمِ في إباحَةِ اليَسِير والانْتِقاعِ به. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعَلِي، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ.
وبه قال عَطاء، وجابرُ بنُ زَيد، وطاوس، والنَّخَعِيُّ، ويحيى بنُ أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأي. قال شيخُنا : وليس عن أحمدَ تحديدُ اليَسِيرِ الذي يُباحُ. وروَى عن أحمدَ أبو بكرِ بنُ صَدَقَةَ: إذا أخَذَ دِرْهَمًا عَرّفه سَنة.
وقال، في رِوايةِ عبدِ اللهِ: ما كان نحوَ التَّمْرَةِ، والكِسْرَةِ، والخِرْقَةِ، وما لا خَطَرَ له، فلا بَأسَ. ونحوُ ذلك قولُ الشافعيِّ. وذَكَرَ القاضِي ذلك في كتابِ «الخِلافِ». ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ تَعرِيفُ ، ما لا يُقْطَعُ به السّارِقُ. [ذَكَرَه شيخُنا في كِتابِ «الكافِي».
وقال مالك، وأبو حنيفةَ: لا يَجِبُ تَعْرِيفُ ما لا يُقْطَعُ به السّارِقُ] . وهو رُبْعُ دِينارٍ عندَ مالكٍ، وعَشَرَةُ دَراهِمَ عندَ أبي حنيفةَ؛ لأن ما دونَ ذلك تافِهٌ، فلا يَجِبُ تَعْرِيفُه، كالكِسْرَةِ والتَّمْرَةِ؛ بدَليلِ قولِ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها: كانوا لا يَقْطَعُون في الشيءِ التّافِهِ. ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله عنه، أَنه وَجَدَ دِينارًا فتَصَرَّف فيه . وروَى الجُوزْجانِي، عن سَلْمَى بنتِ كَعْبٍ، قالت: وَجَدت خاتَمًا مِن ذَهَبٍ في طَرِيقِ مَكةَ، فسألْتُ عائشةَ عنه، فقالت: تَمَتَّعِي به .
ورَخصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الحَبْلِ، في حَدِيثِ جابر، وقد تكونُ قيمتُه دَراهِمَ. وعن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ قال: خَرجْتُ مع سلمانَ بنِ رَبيعَةَ، وزَيدِ بنِ صُوحانَ حتى إذا كُنّا بالعُذَيبِ، الْتَقَطْتُ سَوْطًا، فقال لي: ألْقِه. فأبَيت، فلمّا قَدِمْنا المدينةَ، أتَيتُ أبيَّ بنَ كَعْبٍ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: أصَبْتَ . قال التِّرْمِذِي: هذا حَديث حسن صَحيح. وللشافعيَّةِ ثلاثةُ أوْجُهٍ كالمذاهِبِ الثَّلاثة. ولَنا على إبْطالِ تَحْدِيدِه بما ذَكَروه، عُمُومُ حديثِ زَيدِ بنِ خالدٍ في كُلِّ لُقَطَةٍ، فيَجبُ إبْقاؤه على عُمومِه إلَّا ما خرَج منه بالدَّلِيلِ، ولم يَرِدْ بما ذَكَرُوه نَص، ولا هو في مَعْنَى ما ورَدَ به النَّصُّ.
ولأنَّ التَّحْدِيدَ لا يُعْلَمُ بالقِياسِ، وإنَّما يُؤْخَذُ مِن نَص أو إجْماع، وليس فيما ذَكَرُوه نَصٌّ ولا إجْماعٌ.
فأمّا حَدِيثُ عليّ، فهو ضَعِيفٌ، رَواه أبو داودَ وقال: طرُقُه كُلُّها مُضْطَرِبَة، ثم هو مُخالِفْ لمَذهَبِهِم ولسائِرِ المذاهِبِ، فتَعَينَ حَمْلُه على وَجْهٍ مِن الوُجوهِ غيرِ اللُّقَطَةِ،
إمّا لكَوْنِه مضْطَرًّا إليه، أو غيرِ ذلك. وحَدِيثُ عائِشةَ قَضِيَّة في عَين، لا يُدْرَى كم قَدْرُ الخاتَمِ، ثم هو قولُ صحابي، وهم لا يَرَوْنَ ذلك حُجةً، وسائِرُ الأحادِيثِ ليس فيها تَقْدِير، لكن يباحُ ما ذَكَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - ورَخصَ فيه مِن السَّوْطِ والعَصا والحَبْلِ، وما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك. فصل: والذي يَجُوزُ التِقاطُه والانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ، كالكِسْرَةِ، والتَّمْرَةِ، والعصا، ونحو ذلك، إذا التَقَطَه إنْسان وانْتَفَعَ به وتَلِف، فلا ضَمانَ فيه.
ذَكَرَه صاحِبُ المُستوعِبِ. وكذلك ما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فيه، ولم يَذْكُرْ عليه ضَمانًا،
ولا يَجُوزُ تَأخِيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجَةِ،
وكذلك يُخَرَّجُ في السَّوْطِ والحَبْلِ وشِبْهِه، المَذْكُورِ في حديثِ جابِر. وقَدرَه الشيخُ أبو الفَرَجِ بما دونَ القيراطِ.
ولا يَصِحُّ تَحْدِيدُه؛ لِما ذَكَرْناه. وذَكَرَ القاضِي، أنَّه لا يَجِبُ تعريفُ الدّانِقِ. القِسمُ (الثاني، الضَّوالُّ التي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغارِ السِّباعِ؛ كالإِبِلِ، والبَقَرِ، والخَيلِ، والبِغالِ، والظِّباءِ، والطَّيرِ، والفُهودِ، ونحوها، لا يَجوزُ التِقاطُها) كُلُّ حَيَوانٍ يَقْوَى على الامْتِناعِ مِن صِغارِ السِّباعِ، ووُرُودِ الماءِ، لا يَجُوزُ التِقاطُه، سَواءٌ كان لكِبَرِ جُثَّتِه؛ كالإبِلِ، والخَيلِ، أو لطيرانِه؛ كالطّيورِ كُلِّها، أو لعَدْوه؛ كالظِّباءِ، أو بنابِهِ، كالكِلابِ، والفُهودِ. قال عُمر، رَضِي الله عنه: مَن أخَذَ الضّالَّةَ فهو ضالّ.
أي مُخْطِئٌ. وبهذا قال الشافعيّ، وأبو عُبَيدٍ.
وقال مالك، واللَّيثُ، في ضالَّةِ الإبِلِ: مَن وَجَدَها في الصَّحْراءِ لا يَقْرَبُها. ورَواه المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ. وكان الزُّهْرِيُّ يقولُ: مَن وَجَدَ بَدَنَةً فليعَرِّفْها،
فإن لم يَجِدْ صاحِبَها فلْيَنْحَرْها قبلَ أن تَنْقَضِيَ الأيامُ الثّلاثةُ.
وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ التِقاطُها؛ لأنها لُقَطَةٌ، أشْبَهَتِ الغَنَمَ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سُئِلَ عنها: «مَا لكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِن مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأكل الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» . وسُئِلَ - صلى الله عليه وسلم - فقِيلَ: يا رسولَ اللهِ إنّا نُصِيبُ هَوامِيَ الإبِلِ. فقال:«ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النارِ». وعن جَرِير بن، عبدِ اللهِ، أنَّه أمَرَ بطَرْدِ بَقَرَةٍ لَحِقَتْ ببَقَره حتى تَوَارَتْ،
وقال سمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«لَا يُؤْوي الضَّالَّةَ إلا ضَال». رَواه أبو داودَ بمعناه . وقِياسُهُم يُعارِضُ صَرِيحَ النَّصِّ، وكيف. يَجُوزُ تَرْكُ نَصِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصَرِيحِ قولِه بقِياسِ نَصِّه في مَوْضِعٍ آخَرَ! على أن الإبِلَ تُفارِقُ الغَنَمَ؛ لضَعْفِها، وقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ، والخَوْفِ عليها مِن الذِّئبِ.
فصل: فإن كانتِ الصُّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً إذا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلى الصَّحْراءِ وعَجَزَ عنها صاحِبُها، جاز التقاطُها؛ لأنَّ تَرْكَها أضْيَعُ لها مِن سائِرِ الأمْوالِ. والمَقْصُودُ حِفْظُها لصاحِبِها، لا حِفْظُها في نَفْسِها،
ولو كان المقصودُ حِفْظَها في نَفْسِها، لمَا جازَ الْتِقاطُ الأثْمانِ،
فإنَّ الدِّينارَ دِينار حيث كان. فصل: والبَقَرُ كالإبِلِ. نَص عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ. وحُكِيَ عن مالكٍ، أن البَقَرةَ كالشّاةِ. ولَنا، خبَرُ جَرِير فإنه طَرَد البَقَرَةَ ولم يَأخُذْها، ولأنها تَمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ، وتُجْزِئ في الأضْحِيَةِ عن سَبْعَةٍ، فأشْبَهَتِ الإبِلَ.
وكذلك الحُكْمُ في الخَيلِ والبِغالِ.
فأمّا الحُمُرُ، فجَعَلَها أصْحَابُنا مِن هذا القِسْمِ الذي لا يَجُوزُ الْتِقاطُه؛ لكِبرِ أجْسامِها، فأشْبَهَتِ الخَيلَ والبِغال. قال شَيخُنا : والأوْلَى إلْحاقُها بالشّاةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ الإبِلَ بأنَّ معها سِقاءها، يُرِيدُ شِدَّةَ صَبْرِها عن الماءِ؛ لكَثْرَةٍ ما تُوعِي في بُطُونِها منه، وقُوتِها على وُرُودِه،
وفي إباحَةِ ضالَّةِ الغَنَمِ بأنها مُعَرَّضَة لأخْذِ الذِّئْب إيّاها، [بقولِه: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ]. والحُمُرُ مُساويِة للشّاةِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا تَمْتَنِعُ مِن الذِّئْبِ، وتُفارقُ الإبِلَ في علَّتِها؛ لكَوْنِها لا صَبْرَ لها عن الماءِ، ولهذا يُضْرَبُ المَثَلُ بقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ، فيُقالُ: ما بَقِيَ من مُدَّتِه إلَّا ظمْء حِمار. وإلْحاقُ الشيءِ بما ساواه في عِلَّةِ الحُكْمِ وفارَقَه في الصُّورَةِ أوْلَى مِن إلْحاقِه بما قَارَبَه في الصُّورَةِ وفارَقَه في العِلَّةِ. فصل: فأمّا غيرُ الحَيَوانِ، فما كان منه يَنْحَفِظُ بنَفْسِه، كأحْجارِ الطَّواحِينِ، والكَبِيرِ مِن الخَشَب، وقُدُورِ النُّحاسِ، فهو كالإِبِلِ في تَحْرِيمِ أخْذِه، بل أوْلَى منه؛ لأنَّ الإِبِلَ مُعَرَّضَة للتَّلَفِ في الجُمْلَةِ بالأسَدِ وبالجُوعِ والعَطَشِ، وغيرِ ذلك، وهذه بخِلافِ ذلك، ولأنَّ هذه لا تَكادُ تَضِيعُ عن صاحِبِها ولا تَبْرَحُ مِن مكانِها، بخِلافِ الحَيوانِ، فإذا حُرِّمَ أخْذُ الحَيَوانِ، فهذه أوْلَى. فصل: فإن أخَذَ الحَيَوانَ الذي لا يَجوزُ أخْذُه على سَبِيلِ الالْتِقاطِ، ضَمِنَه، إمامًا كان أو غيرَه؛ لأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه بغير إذْنِه ولا إذْنِ الشّارِعِ له، فهو كالغاصِب. فإن رَدَّه إلى مَوْضِعِه، لم يَبْرأ مِن الضّمانِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال مالك: يَبرأ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، قال: أرْسِلْه إلى المَوْضِعِ الذي أصَبتَه فيه . وجَرِير طَرَد البَقَرَةَ التي لَحِقَتْ ببَقَرِه. ولَنا، أنَّ ما لَزِمَه ضَمانُه لا يَزُولُ عنه إلَّا بِرَدة إلى صاحِبِه أو نائِبِه، كالمَسْرُوقِ والمَغْصُوبِ. وأمّا حَدِيثُ جَرِير، فإنَّه لم يَأخُذِ البَقَرَةَ، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ فطَرَدَها، فأشْبَهَ ما لو دَخَلَتْ دارَه فأخْرَجَها. وأمّا عُمَرُ، فهو كان الإِمامَ، فأمْرُه برَدِّها إلى مَكانِها كأخْذِها. فعلى هذا، متى لم يَأخُذْها بحيثُ تَثْبُتُ يَدُه عليها لا يَلْزَمُه ضَمانُها، سواء طَرَدَها أو لم يَطْرُدْها. فإن دَفَعَها إلى نائِبِ الامامِ، زال عنه الضّمانُ؛ لأنَّ له نَظَرًا في ضَوالِّ النّاسِ، بدَلِيلِ أنَّ له أخْذَها، فكان نائِبًا عن أصْحابِها فِيها. فصل: وللإمامِ أو نائِبِه أخْذُ الضّالَّةِ ليَحْفَظَها لصاحِبِها؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، حَمَى مَوْضِعًا يُقالُ له النَّقِيعُ لخَيلِ المُجاهِدِين والضَّوَالِّ، ولأنَّ للإِمامِ نَظَرًا في حِفْظِ مال الغائِبِ، وفي أخْذِ هذه حِفْط لها عن الهَلاكِ. ولا يَلْزَمُه تَعْرِيفُها؛ لأَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، لم يَكُنْ يُعَرِّف الضَّوالَّ، ولأَنه إذا عُرِفَ ذلك، فمَن كانت له ضالة فإنَّه يَجِئُ إلى مَوْضِعِ الضَّوالِّ، فإذا عَرَف ضالَّتَه، أقامَ البَينةَ عليها وأخَذَها، ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ؛ لأنَّها ظاهِرَة بينَ النّاسِ، فيَعْرِفُ صِفَاتِها مَن رَآها مِن غيرِ أهْلِها، فلم تَكُنِ الصِّفَةُ دَلِيلًا على مِلْكِه لها. ولأنَّ الضَّالَّةَ كانت ظاهِرَةً للنَّاسِ حين كانت في يَدِ مالِكِها، فلا يَخْتَصُّ هو بمَعْرِفَةِ صِفاتِها دُونَ غيرِها، فلم يَكُنْ ذلك دَلِيلًا، ويُمْكِنُه إقامَةُ البَينةِ عليها لظُهُورِها للنّاسِ، ومَعْرِفَةِ خُلَطائِه وجيِرانِه تَمَلكَه إيّاها.
فصل: وإن أخَذَها غيرُ الإِمامِ أو نائِبه ليَحْفَظَها لصاحِبِها، لم يَجُزْ له ذلك، ولَزِمَه ضَمانُها؛ لأنَّه لا ولايةَ له على صاحِبِها. وهذا ظاهِر مَذْهَبِ الشافعيِّ. ولأصْحابه وَجْه، أنَّ له أخْذَها لحِفْظِها، كالإمامِ أو نائِبِه، [ولا يَصِحُّ]؛ [لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - منَع أخْذَها مِن غير تَفْرِيقٍ بين قاصِدِ الحِفْظِ وقاصِدِ الالْتِقاطِ، ولا يَصِحُّ] القِياس على الإمامِ؛ لأنَّ له ولَايةً، وهذا لا ولايةَ له. فإن وَجَدها في مَوْضِع يَخَاف عليها به، كأرْضِ مَسْبَعَةٍ، يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ الأسَدَ يَفتَرِسُها إن تُرِكَتْ به، أو قَرِيبًا مِن دارِ الحَرْبِ، يَخافُ عليها مِن أهْلِها، أو بمَوْضِع يَسْتَحِل أهْلُه أمْوال المُسْلِمِين، أو في بَرِّيَّةٍ لا ماءَ بها ولا مَرْعَى، فالأوْلَى جَواز أخْذِها للْحِفْظِ، ولا ضَمانَ على آخِذِها؛ لأن فيه إنْقاذَها مِن الهَلاكِ، فأشْبَهَ تَخْلِيصَها مِن غَرَقٍ أو حَرِيق، وإذا أخَذَها سَلمها إلى نائِبِ الإمامِ، وبَرِئ مِن ضَمانِها، ولا يَمْلِكُها بالتَّعْرِيفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بذلك فيها.
فصل: ويَسِم الإِمامُ ما يَحْصُلُ عنده مِن الضَّوَال بأنها ضالَّة، ويُشْهِدُ عليها، ثم إن كان له حِمى تَرْعَى فيه تَرَكَها فيه إن رَأى ذلك، وإن رأى المَصْلَحَةَ في بَيعِها، أو لم يَكُنْ له حِمي، باعَها بعدَ أن يَحْلِيَها ويَحْفَظَ صِفاتِها، ويَحْفَظُ ثَمَنَها لصاحِبِها، فإن ذلك أحْفَظُ لها؛ لأنَّ تَرْكَها يفْضِي إلى أن تَأكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِها. فصل: ومَنْ ترك دابَّةً بمَهْلَكَةٍ، فأخَذَها إنْسان فأطْعَمَها وسَقاها وخَلصَها، مَلَكَها. وبه قال اللَّيثُ، والحَسَنُ بنُ صالِح، وإسحاقُ، إلَّا أن يكونَ تَرَكَها لتَرْجِعَ إليه، أو ضَلَّتْ منه. وقال مالك: هي لمالِكِها، ويَغْرَمُ ما أنْفَقَ عليها. وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: هي لمالِكِها، والآخَرُ مُتَبَرِّع بالنَّفَقَةِ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه مِلْكُ غيرِه، فلم يَمْلِكْه بغيرِ عِوَض مِن غيرِ رِضاه، كما لو كانت في غيرِ مَهْلَكَةٍ، ولا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بما أنْفَقَ، لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَرجعْ به، كما لو بَنَى دارَه. ولَنا، ما روَى الشّعْبِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَز عَنْهَا أهلُها فَسَيبوهَا، فأخَذهَا فَأحيَاهَا، فَهِيَ لَهُ». قال [عُبَيد اللهِ بنُ حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ]: فقلتُ -يعني للشَّعْبِيِّ-: مَنْ حَدَّثَكَ بهذا؟ قال: غيرُ واحدٍ مِن أصحابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَوَاهُ أبو داودَ . وفي لَفْظٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بمَهْلَكَة، فَأحيَاهَا رَجُل، فَهيَ لِمَنْ أحْيَاهَا». ولأنَّ في الحُكْمِ بملْكِها إحياءَها وإنْقاذَها مِن الهَلَاكِ، ومُحافَظَةً على حُرْمَةِ الحَيَوانِ، وفي القَوْلِ بأنَّها لا تُمْلَكُ تَضْيِيعٌ لذلك كلِّه مِن غيرِ مَصْلَحَةٍ تَحْصُلُ، ولأنه نُبِذَ رَغْبَةً عنه وعَجْزًا عن أخْذِه، فمَلَكَه آخِذُه، كالساقِطِ مِن السُّنْبُلِ، وسائِرِ ما يَنْتَبِذُه الناسُ رَغْبَةً عنه. فأمّا إن تَرَكَ مَتاعًا، فخَلَّصَه إنْسان، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه، ولا يُخْشَى عليه التَّلَفُ كالخَشْيَةِ على الحَيَوانِ؛ فإنَّ الحَيَوانَ يَمُوتُ إذا لم يُطْعَمْ ويُسْقَى، وتَأكلُه السِّباعُ، والمَتَاعُ يَبْقَى حتى يَرْجعَ إليه صاحِبُه. وإن كان المَتْرُوكُ عَبْدًا، لم يَأخُذْه؛ لأنَّ العَبْدَ في العادَةِ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ إلى الأماكِنِ التي يَعِيشُ بها، بخِلافِ البَهِيمَةِ. وله أخْذُ العَبْدِ والمَتَاعِ ليُخَلِّصَه لِصاحِبِه، وله أجْرُ مِثْلِه في تَخْلِيصِ المَتَاعِ. نَصَّ عليه، وكذلك العَبْدُ على قِيَاسِه. قال القاضِي: يَجِبُ أن يُحْمَلَ قولُه في وُجُوبِ الأجْرِ، على أنَّه جَعَل له ذلك أو أمَرَه به، فأمّا إن لم يَجْعَلْ له شيئًا، فلا شيءَ له؛ لأنَّه عَمِلَ في مال غيرِه بغيرِ جُعْل، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كالمُلْتَقِطِ، وهذا خِلاف ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه لو جَعَل له جُعْلًا لَاسْتَحَقَّه، ولم يَجْعَلْ له أجْرَ المِثْلِ. ويُفارِقُ هذا المُلْتَقِطَ، فإنه لم يُخَلِّصِ اللُّقَطَةَ مِن الهَلاكِ، ولو تَرَكَها أمكنَ أن يَرْجِعَ صاحِبُها فيَطْلُبَها في مَكانِها فيَجِدَها، وههُنا إن لم يُخْرِجْه هذا ضاع وهَلَك، ولم يَرْجِعْ إليه صاحِبُه، فَفِي جَعْلِ الأجْرِ فيه حِفْظُ الأمْوالِ مِن الهَلاكِ مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، فجازَ، كالجُعْلِ في الآبِقِ. ولأنَّ اللُّقَطَةَ جَعَل فيها الشارِع ما يَحُثُّ على أخْذِها، وهو مِلْكها إن لم يَجيء صاحِبُها، فاكْتَفَى به عن الأجْرِ، فَيَنْبَغِي أن يُشْرَحَ في هذا ما يَحُثُّ على تَخْلِيصِه بطَرِيقِ الأوْلَى، وليس إلَّا الأجْرُ، كَرَدِّ لآبِقِ.
فصل: فأمّا ما ألقاه رُكّابُ البَحْرِ فيه خَوْفًا مِن الغَرَقِ، فلم أعْلَمْ لأصْحابِنا فيه قَوْلًا، سِوَى عُمُومِ قَوْلِهم الذي ذَكَرْناه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ هذا مَنْ أخَذَه. وهو قولُ اللَّيثِ. وبه قال الحَسَنُ، فيما أخْرَجه، قال: وما نَضَبَ عنه الماءُ فهو لأهْلِه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَرُدُّه على أصْحابِه، ولا شيءَ له. ويَقْتَضِيه قولُ الشافعيِّ، والقاضِي؛ لِما تَقَدَّمَ في الفَصْلِ قَبلَه. ويَقْتَضِي قولُ الإِمامِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ لمَن أنْقَذَه أجْرَ مِثْلِه؛ لِما ذَكَرْنا. قال شَيخُنا : ووَجْهُ ما ذَكَرْنا مِن الاحْتِمالِ أنَّ هذا مال ألْقَاهُ أصْحابُه فيما يتلَفُ ببَقائِه فيه اخْتِيارًا منهم، فمَلَكَه مَن أخَذَه، كالذي ألْقَوْه رَغْبَةً عنه، ولأنَّ فيما ذَكَرُوه تَحْقِيقًا لإتْلافِه، فلم يَجُزْ، كمُباشَرَتِه بالاتْلافِ. فأمّا إن انْكَسَرتِ السَّفِينَة، فأخرَجَه قوم. فقال مالِك: يَأخُذُ أصحابُ المَتاعِ مَتاعَهُم، ولا شيءَ للذين أصابُوه. وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، والقاضِي. وعلى قِياسِ نَصِّ أحمدَ يكونُ لمُسْتَخْرِجِه ههُنا أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ ذلك وَسيلة إلى تَخْلِيصِه وحِفْظِه لصاحِبه وصِيانَتِه عن الغَرَقِ، فإنَّ الغَوّاصَ إذا عَلِمَ أنَّه يُدْفَعُ إليه الأَجْرُ، بادَرَ إلى التَّخْلِيصِ ليُخَلِّصَه، وإن عَلِمَ أنَّه يُؤْخَذُ منه بغيرِ شيءٍ، لم يُخاطِرْ بنَفسِه في اسْتِخْراجِه، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى له بالأجْرِ، كجُعْلِ رَدِّ الآبِقِ.
فصل: ذَكَرَ القاضِي فيما إذا الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا، أو جارِيَةً، أنَّ قِياسَ المَذْهَبِ أَنه لا يُمْلَكُ بالتَّعْرِيفِ. وقال الشافعيّ: يُمْلَكُ العَبْدُ دونَ الجارِيَةِ؛ ولأن التَّمَلكَ بالتَّعْرِيفِ عندَه اقْتِراض، والجاريَةُ عندَه لا تُمْلَكُ بالقرْضِ. قال شيخُنا : وهذه المسألةُ فيها نَظَر؛ فإنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُوم بحُرِّيته، وإن كان مِمّن يُعَبِّرُ عن نَفْسِه، فأقَرَّ بأنه مَمْلُوك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّ الطِّفْلَ لا قَوْلَ له، ولو اعْتُبِرَ قَوْلُه في ذلك، لاعْتُبِرَ في تعْرِيفِه لسَيِّدِه.
بَابُ اللُّقَطَةِ] [تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ] بَابُ اللُّقَطَةِ حُكِيَ عَنِ الْخَلِيلِ: اللُّقَطَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ: الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطِ، وَحُكِيَ عَنْهُ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا اسْمٌ لِلْمُلْتَقَطِ؛ لِأَنَّ مَا جَاءَ عَلَى فُعَلَةٍ فَهُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ كَالضُّحَكَةِ، وَالْهُمَزَةِ، وَاللُّمَزَةِ، وَبِسِكُونِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، وَالْفَرَّاءُ: هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْمَالِ الْمُلْتَقَطِ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ، وَلَقَطَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ. (وَهِيَ الْمَالُ الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى اللُّقَطَةِ شَرْعًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَتُسَمَّى ضَالَّةً، وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ:«سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنْمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَهَا أَرْكَانٌ ثَلَاثَةٌ، أَحَدُهَا: الْمَالُ الضَّائِعُ، الثَّانِي: الِالْتِقَاطُ، الثَّالِثُ: الْمُلْتَقَطُ، وَهُوَ كُلُّ مَنْ يَصِحُّ اكْتِسَابُهُ بِالْفِعْلِ مِنِ اصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِ. [أَقْسَامُ اللُّقَطَةِ][الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ] (وَتَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ) أَيْ: هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ وَلَوْ كَثُرَ (كَالسَّوْطِ) وَهُوَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، كَذَا أَطْلَقُوا،
وَفِي شَرْحِ " الْمُهَذَّبِ " هُوَ فَوْقَ الْقَضِيبِ وَدُونَ الْعَصَا،
وَفِي " الْمُخْتَارِ " هُوَ سَوْطٌ لَا ثَمَرَةَ لَهُ (وَالشِّسْعِ) أَحَدِ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْإِصْبُعَيْنِ (وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ)
وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالْحَبْلِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ،
وَكَذَا التَّمْرَةُ، وَالْخِرْقَةُ، وَمَا لَا خَطَرَ لَهُ،
وَفِي " التَّبْصِرَةِ " صَدَقَتُهُ بِهِ أَوْلَى،
فَإِنِ الْتَقَطَهُ وَانْتَفَعَ بِهِ وَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ،
وَفِي " الْمُغْنِي " لَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ تَحْدِيدُ الْيَسِيرِ الَّذِي يُبَاحُ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ تَقْيِيدُهُ بِمَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ وَلَوْ كَثُرَ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَدَقَةَ أَنَّهُ يَعْرِفُ الدِّرْهَمَ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجِبُ تَعْرِيفُ الدَّانِقِ، وَحَمَلَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " عَلَى دَانِقِ الذَّهَبِ نَظَرًا لِعُرْفِ الْعِرَاقِ،
وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْيَسِيرِ، وَقِيلَ: مُدَّةً يَظُنُّ طَلَبَ رَبِّهِ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ بَدَلِهِ خِلَافًا لِـ " التَّبْصِرَةِ "
وَقِيلَ لِأَحْمَدَ فِي الثَّمَرَةِ يَجِدُهَا أَوْ يُلْقِيهَا عُصْفُورٌ أَيَأْكُلُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: يَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: لَا يَعْرِضُ لَهَا، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي الضَّوَالُّ] (الثَّانِي الضَّوَالُّ) مُفْرَدُهُ ضَالَّةٌ، وَهِيَ اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ خَاصَّةً، وَيُقَالُ لَهَا: الْهَوَامِي، وَالْهَوَامِلُ (الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ) وَتَرِدُ الْمَاءَ (كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ) نَصَّ عَلَيْهِمَا (وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيْرِ، وَالْفُهُودِ، وَنَحْوِهَا) كَالْكَلْبِ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ تَقَوَّى عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَوُرُودِ الْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ لِكِبَرِ جُثَّتِهِ كَالْإِبِلِ، أَوْ لِطَيَرَانِهِ كَالطُّيُورِ كُلِّهَا، أَوْ لِعَدْوِهِ كَالظِّبَاءِ، أَوْ بِنَابِهِ كَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ
بَابُ اللُّقَطَةِ وَهِيَ الْمَالُ الضائِعُ مِنْ رَبهِ.
بابُ اللُّقَطَةِ فائدة: قوْلُه: وهي المالُ الضائِعُ مِن رَبه. هو تعْريف لمَعْناها الشرْعِي.
وكذا قال غيرُه. قال الحارِثي: وعلى هذا سُؤالان؛ أحدُهما، قد يكونُ المُلْتَقَط غيرَ ضائع؛ كالمَتْروكِ قَصْدًا لأمْر يقْتَضِيه، ومنه المالُ المَدْفونُ، والشيءُ الذي يُتْرَكُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثِقَةً به؛ كأحجارِ الطحْنِ، والخَشَبِ الكِبارِ.
والثَّاني، أنَّهم اخْتَلَفوا في التِقاطِ الكَلْبِ المُعَلَّمِ. فعلى القَوْلِ بالتِقاطِه، يكونُ خارِجًا عمَّا ذُكِرَ.
ومَن قال مِنَ الأصحابِ: لا يُلْتَقَطُ. إنما قال؛ لأجْلِ كَوْنِه مُمْتَنِعًا بنَابِه، لا لأنه غيرُ مالٍ. قال الحارِثِي: ويعْصِمُ مِنَ السُّؤالِ، أنْ يُضافَ إلى الحَدِّ، ما جرَى مَجْرَى المالِ. وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ: أحدُهَا، مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، كَالسَّوْطِ، وَالشِّسْعِ، وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ. وتنْقَسِمُ ثَلاثةَ أقْسام؛ أحَدُها، ما لا تتْبَعُه الهِمةُ. يَعْنِي، هِمةَ أوْساطِ الناسِ،
ولو كثرُ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
ومثلَه المُصَنِّفُ بالسوطِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشِّسْعِ، والرغِيفِ. ومثلَه في «الإرْشادِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيل»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وجماعةٌ، بالتمْرَةِ، والكِسْرَةِ، وشسعِ النعْلِ، وما أشْبَهَه.
ومثلَه في «المُغْنِي» بالعَصا والحَبْلِ، وما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك. قال الحارِثي: ما لا تتبعُه الهِمةُ. نص أحمدُ في رِوايَةِ عَبْدِ اللهِ وحَنبل، أنه ما كان مِثْلَ التمْرَةِ، والكِسْرَةِ، والخِرْقَةِ، وما لا خطَر له، فلا بأسَ.
وقال في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور: الذي يُعَرفُ مِنَ اللُّقَطَةِ كل شيءٍ، إلا مالا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِيمَةَ له. وسُئِلَ في رِوايَةِ حَرْبٍ، الرجُلُ يُصِيبُ الشِّسْعَ في الطريقِ، أيأخُذُه؟ قال: إذا كان جَيِّدًا مما لا يُطْرَحُ مِثْلُه، فلا يُعْجِبُنِي أنْ يأخُذَه،
وإنْ كان رَدِيئًا قد طرَحَه صاحِبُه، فلا بَأسَ. قال الحارِثِي: فكلامُ أحمدَ لا يُوافِقُ ما
قال في «المُغْنِي»، ولا شكَّ أن الحَبْلَ، والسَّوْطَ، والرغِيفَ يزِيدُ على التمْرَةِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكِسْرَةِ. قال: وسائرُ الأصحابِ على ما قال الإمامُ أحمدُ في ذلك كله، ولا أعْلَمُ أحدًا وافَقَ المُصَنِّفَ، إلا أبا الخَطابِ في الشِّسْعِ فقط. انتهى.
قال في «الرِّعايَةِ»: وما قل؛ كتَمْرَةٍ، وخِرْقَةٍ، وشسعِ نَعْل، وكِسْرَةٍ،
وقيل: ورَغيفٍ. انتهى. فحكَى في الرغيفِ الخِلافَ.
وقيل: هو ما دُونَ نِصابِ السرِقَةِ.
قال في «الكافِي»: ويحْتَمِلُ أنْ لا يجِبَ تَعْريفُ ما لا يُقْطَعُ فيه السارِقُ.
وقيل: هو ما دُونَ قِيراطٍ؛ مِن عَين أو وَرِق. اخْتارَه أبو الفَرَجِ في «المُبْهِجِ»، ورَدهْ المُصَنفُ. وذكَر القاضي، وابنُ عَقِيل، لا يجِبُ تَعْريف الدَّانِقِ. قال الحارِثِي: والظاهِرُ أنه عنَى دانِقًا مِن ذهَبٍ.
وكذا قال صاحِبُ «التلْخيصِ».
قال في «الرعايَةِ»: وقيلَ: بل ما فوقَ دانِقِ ذَهَبٍ.
وقال أيضًا: وعنه، يُعَرَّفُ الدِّرْهَمُ فأكثرُ.
فائدة: لو وجَد كَنَّاسٌ، أو نَخالٌ، أو مقلشٌ، قِطعًا صِغارًا مُفرَّقَةً، ملكَها بلا تَعْريفٍ،
وإنْ كَثُرَتْ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيُمْلَكُ بأخْذِه بلا تَعْرِيض. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونص عليه أحمدُ.
وعنه، يلْزَمُه تَعْريفُه. ذكَرَها أبو الحُسَينِ.
وقيل: يلْزَمُه تَعْريفُه مُدَّة يظُنُّ طلَبَ رِّبه له. اخْتارَه في «الرِّعايَةِ».
فوائد؛ منها ما قاله في «التبَّصَرَةِ»: إن الصدَقَةَ بذلك أوْلَى. ومنها، أنَّه لا يلْزَمُه دَفْعُ بَدَلِه، إذا وجَد ربه. على الصَّحيع مِنَ المذهبِ، وقُوةُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا تقْتَضِيه؛ لقَوْلِه: فيُمْلَكُ بأخْذِه بلا تَعْريفٍ. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «التبصِرَةِ»: يلْزَمُه. قال في «الفُروعِ»: وكلامُهم فيه يحْتَمِلُ وَجْهَين.
وقيل لأحمدَ في التَّمْرَةِ تجِدُها، أو يُلْقِيها عُصْفُوز: أيأكُلُها؟ قال: لا. قال: أيطْعِمُها صَبِيًّا، أو يتَصَدقُ بها؟ قال: لا يعْرِضُ لها. نقَلَها أبو طالب وغيرُه، واخْتارَه عَبدُ الوَهابِ الوَرَّاقُ. ومنها: لا يُعَرِّفُ الكَلْبَ إذا وجَدَه، بل ينتفِعُ به، إذا كان مُباحًا. على الصحيح مِنَ المذهبِ.
وقيل: يُعَرِّفُ سنَةً. ويأتِي قريبًا. الثَّانِي، الضوالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْإبِل، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيرِ، وَالفُهُودِ، وَنحْوهَا، فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا،
وَمَنْ أخذَهَا ضَمِنَهَا، فَإنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الإمَامِ زَال عَنْهُ الضَّمَانُ. الثانِي، الضوالُّ التي تمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ؛ كالأبِلِ، والبَقَرِ، والخَيلِ، والبِغالِ، والظباءِ، والطيرِ، والفُهُودِ، ونحوها، فلا يجوزُ التِقاطُها. بلا نِزاع. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها، الصحيحُ مِنَ المذهبِ، أن الحُمُرَ مما يمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ، وغيرُهما: قاله الأصحابُ. قال الحارِثِي: هو قوْلُ القاضي في آخرَين. وجزَم به في «الرِّعايتَين» وغيرِهما. وقدمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما. وألْحَقَ المُصَنِّفُ الحُمُرَ بالشاةِ ونحوها. قال الحارِثِي: وهو أوْلَى. ومنها، قال الحارِثِي: اخْتَلفَ الأصحابُ في الكَلْبِ المُعَلمِ؛ فأدْخَلَه المُصَنِّفُ فيما يمْتَنِعُ التِقاطُه، كما اقْتَضاه . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهِرُ لَفْظِه هنا، وصَريحُ لَفْظِه في «المُغْنِي»؛ اعْتِبارًا بمَنَعَتِه بنابِه. وجوَّزَ التِقاطَه القاضي وغيرُه، وهو أصحُّ؛ لأنه لا نَصَّ في المَنْعِ، وليس في مَعْنَى المَمْنُوعِ،
وفي أخْذِه حِفْظ على مُسْتَحِقِّه، أشْبَهَ الأثْمانَ وأوْلَى، مِن جِهَةِ أنه ليس مالًا، فيكونُ أخَفَّ. وعلى هذا، هل يَنْتَفِعُ به بعدَ حَوْلِ التعْريفِ؟ فيه وَجْهان، وفيهما طَرِيقان؛ أحَدُهما، بِناءُ الخِلافِ على الخِلافِ في تَمَلك الشَّاةِ بعدَ الحَوْلِ. وهي طَريقَةُ القاضي. الآخَرُ، بِناءُ الانْتِفاعِ على التمَلك لما يتمَلَّكُ بعدَ الحَوْلِ، وبِناءُ مَنْعِ الانْتِفاعِ على أنه لا يضْمَنُ لما ضاعَ منه بالقِيمَةِ لو تَلِفَ؛ لانْتِفاءِ كوْنِه مالا، فيُؤدِّي إلى الانْتِفاعِ مجَّانًا، وهو خِلافُ الأصْلِ.
انتهى كلامُ الحارِثيِّ. ومنها، يجوزُ للإمامِ ونائبِه أخْذُ ما يمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباع، وحِفْظُه لرَبِّه، ولا يلْزَمُه تَعْرِيفُه. قاله الأصحابُ. ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
ولا يجوزُ لغيرِهما أخْذُ شيء مِن ذلك لحِفْظِه لرَبه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال المُصَنِّفُ ومَن تَبِعَه: يجوزُ أخْذُها إذا خِيفَ عليها؛ كما لو كانتْ في أرْض مَسْبَعَةٍ، أو قريبًا مِن دارِ الحَرْبِ، أو بمَوْضِع يسْتَحِلُّ أهله أمْوال المُسْلِمين، أو في برِّيَّةٍ لا ماءَ فيها ولا مَرْعَى، ولا ضَمانَ على آخِذِها؛ لأنه إنْقاذ مِنَ الهَلاكِ. قال الحارِثِي: وهو كما قال. وجزَم به في «تَجْريدِ العِنايَةِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
قلتُ: لو قيلَ بوُجوبِ أخْذِها، والحالةُ هذه، لكان له وَجْه. ومنها، قطَع المُصَنِّفُ والشارِحُ بجَوازِ التِقاطِ الصيودِ المُتَوحِّشَةِ التي إذا تُرِكَتْ، رجَعَتْ إلى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصحْراءِ، بشَرْطِ أنْ يعْجِزَ عنها صاحِبُها. واقْتَصَر عليه الحارِثِي.
قلتُ: فيُعايَى بها. وظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ»، عدَمُ الجَوازِ.
قلتُ: وهو ضعيف، [لكِنَّه إنما حُكِيَ ذلك عنه في طَير مُتَوَحِّشَةٍ. وكلامُ المُصَنف أعَمُّ مِن ذلك]. ومنها، قال ابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، والمُصَنفُ، والشارِحُ، والزرْكَشِي، وجماعةٌ: أحْجارُ الطواحِينِ، والقُدورُ الضخْمَةُ، والأخْشابُ الكَبيرَةُ ونحوُها مُلْحَقَة بالإبِلِ في مَنْعِ الالتِقاطِ. [قال المُصَنِّفُ والشَّارِحُ: بل أوْلَى]. قال الحارِثِي: فظاهِرُ كلامِ غيرِ واحدٍ مِنَ الأصحابِ، جوازُ الالتِقاطِ،
وكذا نَصُّه في رِوايَةِ حَنْبَل. [وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الفُروعِ» في الخَشَبَةِ الكَبيرةِ] .
باب اللقطة] قال الخليل: اللُّقطة بفتح القاف: اسم للملتقِط، كالضُّحَكةِ، والهُزَأَةِ، والهُمَزةِ، واللمزةِ، وبالسكون: اسم للمال الملقوط كالضُّحْكةِ الذي يُضحك منه، والهُزْأة الذي يُهزَأ به.
وقال الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: هي بفتح القاف اسم للمال أيضاً.
والأصل فيها ما روى زيد بن خالد الجهني قال:«سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق. فقال: اعرف وِكَاءَهَا وعِفَاصَهَا ثم عَرِّفْهَا سنة. فإن لم تعرف فاسْتَنْفِقْهَا. ولتكن وَدِيعةً عندك. فإذا جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه. وسُئل عن ضالة الإبل فقال: مالكَ ولها دعها فإن معها حِذاءَهَا وسِقَاءَهَا تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشجرَ حتى يجدها ربُّها. وسُئل عن الشاة فقال: خذها. فإنما هيَ لكَ أو لأخيكَ أو للذئب».
متفق عليه.
الوكاء: الخيط الذي يشد به المال.
والعفاص: الوعاء الذي فيه المال.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: المال الضائع من ربه. وتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا تتبعه الهمّة، كالسَّوط، والشِّسْع، والرغيف: فيملك بأخذه بلا تعريف).
أما قوله رحمه الله: وهي المال الضائع من ربه؛ فبيان لمعنى اللقطة شرعاً.
وأما كونها تنقسم ثلاثة أقسام؛ فلأن منها: ما يملك بلا تعريف، ومنها: ما لا يملك البتة، ومنها: ما يملك بالتعريف. وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في مواضعه .
وأما كون ما لا تتبعه الهمة كالذي مثله المصنف رحمه الله يُملك بأخذه بلا تعريف، فلما روى جابر قال:«رخصَ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في العصا، والسوطِ، والحبلِ، وأشباههِ يلتقطُه الرجلَ ينتفعُ به». رواه أبو داود.
وروي عنه عليه السلام:«أنهُ أصابَ تمرةٍ. فقال: لولا أني أخشَى أن تكونَ صدقةً لأكلتُها» متفق عليه .
و«أصاب رجل تمرة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لو لمْ تأتِها لأتتْك». ولم ينكر عليه أكلها.
وأما قوله رحمه الله: كالسَّوْط والشِّسْع والرغيف؛ فبيان لصور من صور ما لا تتبعه الهمّة، وتُملك بغير تعريف.
قال: (الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والظباء، والطير، والفهود، ونحوها: فلا يجوز التقاطها. ومن أخذها ضمنها. فإن دفعها إلى نائب الإمام زال عنه الضمان) .
أما كون الإبل لا يجوز التقاطها؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام:«دعها فإن معها حذاءها وسقاءها».
وعن عمر رضي الله عنه:«من أخذَ ضالةً فهوَ ضالّ».
وأما كون البقر لا يجوز التقاطها، فـ «لأن جرير بن عبدالله طردَ بقرةً لحقتْ بالبقرِ حتى توارتْ. وقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يُؤْوِي الضالّةَ إلا ضَالّ». والحجة فيه: أنه فَهِم من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم شموله للبقر. ولأن البقر لها قوة تمتنع بها عن صغار السباع. فهي كالإبل.
وأما كون باقي الصور لا يجوز التقاطها؛ فلأن فيها قوة تمتنع بها عن صغار السباع. أشبهت الإبل.
ولم يذكر المصنف رحمه الله الحمير وهي ملحقة بذلك عند الأصحاب؛ لأن لها قوة. أشبهت البقر. وصرح في المغني بأنها ملحقة عنده بالشاة. وعلل ذلك: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «معها حذاءها وسقاءها». وعلل في الغنم بأنها معرضة لأخذ الذئب إياها، والحمير مساوية للغنم في علتها مفارقة للإبل في علتها؛ لأنها لا صبر لها عن الماء، وبِقِلَّةِ صبرها يضرب المثل فيقال: ما بقي من مدته إلا ظِمء حمار.
وأما كون من أخذها يضمنها؛ فلأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا إذن الشرع له. فضمنه، كالغاصب.
وأما كونه يزول الضمان عنه إذا دفعها إلى نائب الإمام؛ فلأن للإمام نظراً في ضوال الناس. بدليل أن له أخذها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.