ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجَعَ نُصِيبُهُ إِلَى الْآخَرَيْنِ فِي قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَفِي التَّقْدِيمِ
الشروح عليها
رَضِيَ اللهُ عنه: (ويُرْجَعُ إلى شَرْطِ الواقِفِ في قَسْمِه على المَوْقُوفِ عليهم؛ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرٍ، والجَمْعِ والتَّرْتِيبِ، والتَّسْويَةِ والتَّفْضِيلِ، وإخْراجِ مَن شاء بصِفةٍ وإدْخالِه بصِفَةٍ، وفي النّاظِرِ فيه، والإِنْفاقِ عليه، وسائِرِ أحْوَالِه) لأنَّه ثَبَت بوَقْفِه، فوَجَبَ أن يُتْبَعَ فيه شَرْطُه، ولأنَّ ابْتِداءَ الوَقْفِ مُفَوَّضٌ إليه، فكذلك تَفْضِيلُه وتَرْتِيبُه.
وكذلك إن شَرَط إخْراجَ بعضِهم بصِفَةٍ ورَدَّه بصِفَةٍ، مثلَ أن يقولَ: مَن تَزَوَّجَ منهم فله،
ومَن فارَقَ فلا شيءَ له. أو عكس ذلك. أو: مَن حَفِظ القُرآنَ فله،
ومَن نَسِيَه فلا شيءَ له. أو: مَن اشْتَغَلَ بالعِلْمِ فله،
ومَن تَرَكَه فلا شيءَ له. أو: مَن كان على مَذْهَبِ كذا فله ،
ومَن خرَجَ منه فلا شيءَ له.
وكذلك إن وَقَف على أوْلادِه على أنَّ للأُنْثَى سَهْمًا وللذَّكَرِ سَهْمَين، أو على حَسَبِ مِيِراثِهم، أو بالعَكْسِ، أو على أنَّ للكَبِيرِ ضِعْفَ ما للصَّغِيرِ، أو للفَقِيرِ ضِعْفَ ما للغَنِيِّ، أو عكس ذلك، أو عَيَّنَ بالتَّفْضِيلِ واحِدًا مُعَيَّنًا، أو وَلَدَه، وما أشْبَهَ هذا، فهو على ما قال؛ لِما ذَكَرْنا. فكلُّ هذا صَحِيحٌ، وهو على ما شَرَط. وقد رَوَى هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، أنَّ الزُّبَيرَ جَعَل دُورَه صَدَقَةً على بَنِيه، لا تُباعُ ولا تُوهَبُ،
وأنَّ للمَرْدُودَةِ مِن بَناتِه أن تَسْكُنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها،
فإنِ اسْتَغْنَتْ بزَوْجٍ فلا حَقَّ لها في الوَقْفِ . وليس هذا تَعْلِيقًا للوَقْفِ بصِفَةٍ، بل وَقْفٌ مُطْلَقٌ، والاسْتِحْقاقُ له بصِفَةٍ. وكلُّ هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ٢٥٧٩ -
(ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ) أَوْ رُدَّ (رَجَعَ نُصِيبُهُ إِلَى الْآخَرَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا، وَعَوْدُهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ مَشْرُوطٌ بِانْقِرَاضِهِمْ، إِذِ اسْتِحْقَاقُ الْمَسَاكِينِ مُرَتَّبٌ ثَمَّ،
فَإِذَا مَاتَ الثَّلَاثَةُ أَوْ رُدُّوا فَلِلْمَسَاكِينِ عَمَلًا بِشَرْطِهِ،
فَلَوْ وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَآلًا،
فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَحُكْمُ نَصِيبِهِ حُكْمُ الْمُنْقَطِعِ كَمَا لَوْ مَاتُوا جَمِيعًا، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَاخْتَارَ فِي " الْقَوَاعِدِ " أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْبَاقِي، وَهُوَ أَظْهَرُ. [فَصْلٌ: وَيَرْجِعُ إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ] ِ) لِأَنَّ عُمَرَ وَقَفَ وَقْفًا، وَشَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا،
وَلَوْ لَمْ يَجِبِ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِهِ
فَائِدَةٌ، وَلِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، وَجَعَلَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا،
فَإِذَا اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَا حَقَّ لَهَا فِيهِ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ مُتَلَقًّى مِنْ جِهَتِهِ، فَاتُّبِعَ شَرْطُهُ، وَنَصُّهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ لَفْظَهُ وَلَفْظَ الْمُوصِي، وَالْحَالِفِ، وَالنَّاذِرِ، وَكُلِّ عَاقِدٍ - يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا، وَافَقَتْ لُغَةَ الْعَرَبِ أَوِ الشَّارِعِ أَوْ لَا،
فَلَوْ تَعَقَّبَ شَرْطَهُ جُمَلًا عَادَ إِلَى الْكُلِّ، وَاسْتِثْنَاؤُهُ كَشَرْطٍ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَكَذَا مُخَصَّصٌ مِنْ صِفَةٍ، وَعَطْفُ بَيَانٍ، وَتَوْكِيدٌ، وَبَدَلٌ، وَنَحْوُهُ، وَجَارٌّ وَمَجْرُورٌ نَحْوُ: وَعَلَى أَنَّهُ، وَبِشَرْطِ أَنَّهُ، وَنَحْوُهُ (فِي قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى أَنَّ لِلْأُنْثَى سَهْمًا، وَلِلذَّكَرِ سَهْمَيْنِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْسِمَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمِيرَاثِ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) .
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، وَقَدِ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اتِّصَالُ الْمَالِ إِلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ كَالْعَطِيَّةِ، وَالذَّكَرُ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ غَالِبًا بِوُجُوبِ حُقُوقٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ
بِخِلَافِ الْأُنْثَى (وَفِي التَّقْدِيمِ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ مَثَلًا يُقَدِّمُ الْأَفْقَهَ، أَوِ الْأَدْيَنَ أَوِ الْمَرِيضَ، وَنَحْوَهُ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِيمَا إِذَا خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْوَقْفِ: إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْأَثَرَةِ، فَأَكْرَهُهُ،
وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَهُ عِيَالٌ وَبِهِ حَاجَةٌ، فَلَا بَأْسَ،
للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثيَيْن. هذا المذهبُ. جزَم به الخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «العُمْدَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرُهم. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصحَّحه فى «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
[وعنه، الذَّكَرُ والأُنْثَى فيه سواءٌ. قدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»، وأطْلَقهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»] .
فصل [في شرط الواقف] قال المصنف رحمه الله: (ويُرجع إلى شرط الواقف في قسمه على الموقوف عليه، وفي التقديم والتأخير، والجمع والترتيب، والتسوية والتفضيل، وإخراج من شاء بصفة وإدخاله بصفة، وفي الناظر فيه، والإنفاق عليه، وسائر أحواله. فإن لم يشترط ناظراً فالنظر للموقوف عليه. وقيل: للحاكم، وينفق عليه من غلته) .
أما كونه يُرجع إلى شرط الواقف في جميع ما تقدم ذكره؛ فلأن الوقف متلقىً من جهته. فاتبع شرطه.
ولأن عمر وقف وشرط فيه شروطاً ،
ولو لم يجب اتباع الشرط لم يكن في اشتراطه
فائدة.
و«لأن ابن الزبير وقفَ على ولدهِ، وجعل لِلْمَرْدُودَةِ من بناتهِ أن تَسكنَ غيرَ مُضرةٍ ولا مُضرٍ بها. فإذا استغنتْ بزوجٍ فلا حقَ لها فيه».
فعلى هذا: معنى القسمة أن يقول: لزيدٍ كذا ولعمروٍ كذا .
ومعنى التقديم: أن يَقف على أولاده مثلاً، ويقول: يقدم الأفقه منهم، أو الأدين، أو ما أشبه ذلك.
ومعنى التأخير أن يقول: لولد بني فلان كذا بعد أخذ ولدي فلان كذا.
ومعنى الجمع: أن يقف على أولاده وأولاد أولاده ونسله وعقبه.
ومعنى الترتيب: أن يجعل استحقاق بطن مرتباً على غيره وله ألفاظ:
أحدها: أن يقف على أولاده ثم أولادهم ثم أولاد أولادهم. الثاني: أن يقف على أولاده وإن نزلوا: الأعلى فالأعلى، أو الأقرب فالأقرب، أو الأول فالأول.
الثالث: أن يقف على أولاده.
فإذا انقرضوا فعلى أولاد أولاده.
ومعنى التسوية: أن يقف على أولاده بينهم بالسوية.
ومعنى التفضيل أن يقول: للواحد الثلث وللآخر الثلثان.
ومعنى إخراج من شاء بصفة وإدخاله بصفة ما تقدم من قصة ابن الزبير في بناته ونحوه.
ومعنى الناظر أن يقول: فلان الناظرُ.
فإن مات ففلان.
ومعنى الإنفاق أن يقول: يعمّر الوقف من المكان الفلاني أو من الكل.
وأما كون النظر للموقوف عليه على المذهب إذا لم يشترط ناظراً؛ فلأن الريع له، والرقبة: على الصحيح.
وأما كونه للحاكم على قولٍ؛ فلأن له النظر بالولاية العامة. فحيث لم يصرح الواقف بناظرٍ يجب أن يدخل تحت ولايته العامة.
ولا بد أن يُلحظ في الخلاف المذكور كون الموقوف عليه معيناً.
فإن كان غير معين كالفقراء ونحو ذلك كان النظر للحاكم بلا خلاف؛ لأن ما تقدم من العلة في كون النظر للموقوف عليه موجود في الموقوف عليه المعين مفقودة في الموقوف عليه غير المعين.
وأما كونه يُنفق عليه من غلته؛ فلأن في الإنفاق عليه إبقاءً له، ولا جهة له أولى من ريعه.
ولأن العرف يقتضي ذلك. فيكون مُراداً عرفاً.
ولا بد أن يلحظ في هذا القول أن الواقف لم يعين جهة الإنفاق في الوقف. جمعاً بينه وبين ما تقدم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.