وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالصِّنَاعَةَ وَالْيَسَارَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ
الشروح عليها
مسألة: (وعنه، أنَّ الحُرِّيَّةَ والصِّناعَةَ واليَسارَ مِن شُرُوطِ الكَفاءَةِ، فلا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بعَبْدٍ، ولا بِنْتُ بزَّازٍ بحَجَّام، ولا بِنْتُ تانِئٍ (٢) بِحَائِكٍ، ولَا مُوسِرَةٌ بمُعْسِرٍ)
أمَّا الحرِّيَّةُ، فالصَّحِيحُ أنَّها مِن شُروطِ الكَفاءةِ، فلا يكونُ العَبْدُ كُفْئًا لحُرَّةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ بَرِيرَةَ حينَ عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ .
فإذا ثَبَت الخِيارُ بالحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ فبالحُرِّيَّةِ المُقارِنَةِ أوْلَى. ولأنَّ نَقْصَ الرِّقِّ كبيرٌ، وضَرَرَه بَيِّنٌ؛ فإنَّه مَشْغُولٌ عن امْرأتِه بحُقُوقِ سَيِّدِه، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةَ المُوسِرينَ، ولا يُنْفِقُ على وَلَدِه، وهو كالمَعْدُومِ بالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِه. ولا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ؛
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لبَرِيرَةَ:«لَوْ رَاجَعْتِيه». قالت: يا رسولَ اللهِ، أتَأْمُرُنِي؟ قال: «إنَّمَا أنَا شَفِيعٌ». قالتْ: فلا حاجةَ لي فيه. رَواه البخاريُّ . ومُراجَعَتُها إيَّاه ابْتِداءُ نِكاحٍ،
فإنَّ نِكاحَها قد انْفَسَخَ باخْتِيارِها، ولا يَشْفَعُ إليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في أنْ تَنكِحَ عَبْدًا إلَّا والنِّكاحُ صَحِيحٌ.
فأمَّا اليَسارُ، ففيه رِوايتان، إحْداهما، هو شَرْطٌ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الحَسَبُ المَالُ». وقال:«إنَّ أَحْسَابَ النَّاسِ بَينَهُمْ هَذَا المَالُ».
وقال لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ حينَ أخْبَرَتْه أنَّ مُعاويَةَ [خَطَبَها: «أمَّا مُعاويَةُ] فَصُعْلُوك لَا مَال لَهُ» . ولأنَّ على المُوسِرةِ ضَرَرًا في إعْسارِ زَوْجِها؛ لإِخْلالِه بنَفَقَتِها ومُؤْنَةِ أوْلادِه، ولهذا مَلَكَتِ الفَسْخَ بإخْلالِه بالنَّفَقَةِ، فكذلك إذا كان مُقارِنًا، ولأنَّ ذلك مَعْدُودٌ نَقْصًا في عُرْفِ النَّاسِ، يَتَفاضَلُونَ فيه كتَفاضُلِهم في النَّسَبِ وأْبلَغُ،
قال نُبَيهُ بنُ الحَجَّاجِ السَّهْمِيُّ :
سألَتَانِي الطَّلاقَ أنْ رَأَتانِي ... قَلَّ مَالِي قد جِئْتُمانِي بِنُكْرِ وَيكَأنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحـ ... ـبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيشَ ضُرِّ فكان مِن شُروطِ الكفاءَةِ، كالنَّسَب. والثانيةُ، ليس بشَرْطٍ؛ لأنَّ الفَقْرَ شَرَفٌ في الدِّينِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكِينًا، وأمِتْنِي مِسْكِينًا». وليس هو لازِمًا، فأشْبَهَ العافِيَةَ مِن المرَضِ. واليَسَارُ المُعْتَبَرُ ما يَقْدِرُ به على الإِنْفاقِ عليها، حَسَبَ ما يَجِبُ لها، ويُمْكِنُه أداءُ مَهْرِها.
وأمَّا الصِّناعَةُ، ففِيها أيضًا رِوَايتان؛ إحْداهما، أنَّها شَرْطٌ،
فمَن كان مِن أهلِ الصَّنائِعِ الدَّنِيئَةِ؛ كالحائِكِ، والحَجَّامِ، والحارِسِ، والكَسَّاحِ، والدَّبَّاغِ، [وقَيِّمِ الحَمّامِ]، والزَّبَّالِ، فليس بكُفْءٍ لبناتِ ذوي المُرُوءاتِ، كأصحابِ الصَّنائِعِ الجَلِيلَةِ، كالتِّجارَةِ والبِنايَةِ؛ لأنَّ ذلك نَقْصٌ في عُرْفِ النَّاسِ، فأشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وقد جاءَ في حديثٍ:«العَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْض أكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكًا أو حَجَّامًا». قيلَ لأحمدَ: وكيفَ تَأْخُذُ به وأنتَ تُضَعِّفُه؟ قال: العَمَلُ عليه. يعني أنَّه وَرَد مُوافِقًا لأهْلِ العُرْفِ. ورُوِيَ أنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ. ويُرْوَى نحوُ ذلك عن أبي حنيفةَ؛
لأنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ في الدِّينِ، ولا هو لازِمًا، فأشْبَهَ الضَّعْفَ والمرَضَ،
قال بَعْضُهم :
ألَا إنَّما التَّقْوَى هي العِزُّ والكَرَمْ ... وحُبُّكَ للدُّنْيَا هو الذُّلُّ والسَّقَمْ ولَيسَ على عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ ... إذا حَقَّقَ التَّقْوَى وإن حَاكَ أو حَجَمْ
وأما السَّلامةُ مِن العُيوبِ، فليست مِن شُروطِ الكفاءَةِ، فإنَّه لا خِلافَ في أنَّه لا يَبْطُل النِّكاحُ بها، ولكنَّها تُثْبِتُ الخِيَارَ للمرأةِ دُونَ الأوْلِياءِ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَصُّ بها. ولوَلِيِّها مَنْعُها مِن نِكاحِ المَجْذُوم والأبرَصِ والمَجْنُونِ، وما عدا هذا فليس بمُعْتَبَرٍ في الكفاءةِ.
فصل: ومَن أسْلَمَ أو عَتَقَ مِن العَبِيدِ، فهو كُفْءٌ لمَن له أبَوان في الإِسْلامِ والحُرِّيَّةِ.
وقال أبو حنيفةَ: ليصر بكُفْءٍ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ الصَّحابةَ أكْثَرُهُم أسْلَمُوا، وكانوا أفْضَلَ الأمَّةِ، فلا يَجُوزُ أن يُقال: إنَّهم غيرُ أكْفاءٍ للتَّابِعِينَ.
فصل: ووَلَدُ الزِّنَى قد قيل: إنَّه كُفْءٌ لذاتِ نَسَب. وعن أحمدَ أنَّه ذُكِر له أنَّه يَنْكِحُ ويُنْكَحُ إليه، فكأنَّه لم يُحِبَّ ذلك؛ لأنَّ المرأةَ تُعَيَّرُ به هي وأوْلِياؤُها، ويَتَعَدَّى ذلك إلى وَلَدِها، وليصر هو كُفْئًا للعَرَبِيَّةِ بغَيرِ إشْكالٍ فيه؛ لأنَّه أدْنَى حالًا مِن المَوْلَى.
فصل: والمَوالِي أكْفاءٌ بعضُهم لبعضٍ،
وكذلك العَجَمُ، قال أحمدُ، في رجل مِن بَنِي هاشمٍ له مَوْلَاةٌ: يُزَوِّجُها الخراسانِيَّ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهم». هو في الصَّدَقَةِ،
فأمَّا في النِّكاحِ، فلا. وذَكَر القاضي رِوايةً عن أحمدَ، أنَّ مَوْلَى القَوْمِ يُكَافِئُهم؛ لهَذا الخَبرِ، ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ زَيدًا وأُسَامَةَ عَرَبِيَّتَين ، ولأنَّ مَوالِيَ بَنِي هاشمٍ ساوَوْهُم في حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ، فساوَوْهُم في الكَفاءَةِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُوجِبُ أن يكونَ المَوَالِي أكْفَاءً للعربِ،
فإنَّ المَوْلَى إذا كانَ كُفْءَ سَيِّدِه، كان كُفْئًا لِمَن يُكَافِئُه سيدُه، فيَبْطُلُ اعْتِبارُ المَنْصِبِ، ولهذا لا يُساوُونهم في اسْتِحْقاقِ الخُمْسِ، ولا في الإِمامةِ، ولا في الشَّرَفِ،
وأمّا زَيدٌ وأسامةُ، فقد اسْتُدِلَّ بِنكاحِهِما عَرَبِيَّتين على أنَّ فَقْدَ الكَفاءَةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، واعْتَذَرَ أحمدُ عن تَزْويجهما بأنَّهُما مِن كَلْبٍ، فهما عَرَبيَّان، وإنَّما طَرَأَ عليهِما رِقٌّ. فعلى هذا، يكَونُ حُكْمُ كُلِّ عَرَبِيِّ الأصْلِ كذلك.
فصل: فأمَّا أهْلُ البِدَعِ، فإنَّ أحمدَ
قال في الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الجَهْمِيَّ: يُفَرَّقُ بينَهما.
وكذلك إذا زَوَّجَ الوَاقِفِيَّ، إذَا كان يُخاصِمُ ويَدْعُو،
وإذا زَوَّجَ أُخْتَه مِن هؤلاءِ اللَّفْظِيَّةِ، وقد كَتَب الحديثَ، فهذا شَرٌّ مِن جَهْمِيٍّ، يُفرَّقُ بينَهما.
وقال: لا يُزَوِّجُ بِنْتَه مِن حَرُورِيٍّ مَرَق مِن الدِّينِ، ولا مِن الرَّافِضِيِّ، ولا مِنَ القَدَرِيِّ،
فإذا كان لا يَدْعُو، فلا بَأْسَ.
وقال: مَن لم يُرْبعْ بعليٍّ في الخلافةِ، فَلَا تُناكِحُوه، ولا تُكَلِّمُوه. قال القاضي: المُقَلِّدُ منهم يَصِحُّ تَزْويجُه،
ومَن كان دَاعِيَةً منهم، فلا يَصِحُّ تَزْويجُه. فصل: وإنَّما تُعْتَبَرُ الكَفاءَة في الرجلِ دونَ المرأةِ،
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا مُكَافِئَ له، وقد تَزَوَّجَ مِن أحْياءِ العربِ، وتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ، وتَسَرَّى بالإِماءِ، وقال:«مَنْ كانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَة فَعَلَّمَهَا، وَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأحْسَنَ إلَيهَا، ثُمَّ أعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أجْرَانِ». متفقٌ عليه . ولأنَّ الوَلَدَ يَشْرُفُ بشَرَفِ أَبيه لا بأُمِّه، فلم يُعْتَبَرْ ذلك في الأُمِّ.
(وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالصِّنَاعَةَ وَالْيَسَارَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ) أَيْ: مَعَ الدِّينِ وَالنَّسَبِ، فَتَكُونُ خَمْسَةً، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ، وَصَحَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالشِّيرَازِيُّ فِي الْيَسَارِ،
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ ; فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ بَرِيرَةَ حِينَ عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ،
وَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي الِاسْتِدَامَةِ فَفِي الِابْتِدَاءِ أَوْلَى ; وَلِأَنَّ الرِّقَّ نَقْصُهُ كَثِيرٌ وَضَرَرُهُ بَيِّنٌ ; فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنِ امْرَأَتِهِ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَلَا يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ،
وَأَمَّا الصِّنَاعَةُ ; فَلِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وَقَدْ رُوِيَ:«الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، قَبِيلَةٌ لِقَبِيلَةٍ، وَحَيٌّ لِحَيٍّ، وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ، إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ» ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّمْهِيدِ "، وَذَكَرَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ،
وَأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ لَمَّا سَأَلَهُ مُهَنَّا،
وَأَمَّا الْيَسَارُ ; فَلِأَنَّ فِي عُرْفِ النَّاسِ التَّفَاضُلَ فِي ذَلِكَ ; وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ أَخْبَرَتْهُ بِخُطَّابِهَا، فَقَالَ لَهَا:«أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» ; وَلِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرَةِ ضَرَرًا فِي إِعْسَارِ زَوْجِهَا ; لِإِخْلَالِهِ بِنَفَقَتِهَا وَنَفَقَةِ وَلَدِهَا
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.