وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ لَا يَتَبَيَّنُ لَمْ يَقَعْ وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَقَعُ وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ فِي لِسَانِ الْعَجَمِ: بِهِشْتَمْ
الشروح عليها
مسألة: (وإن كَتَبَه بِشئٍ لا يَبِينُ) مِثْلَ [أن كتبَه] بإصْبَعِهِ عَلَى وِسَادَةٍ، أَوْ في الهَوَاءِ، فَظَاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّه لا يَقَعُ (وقال أبو حفصٍ) العُكْبَرِىُّ: (يَقَعُ) ورَواهُ الأَثْرَمُ عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه كتبَ حروفَ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ ما لو كَتَبَه بشئٍ يَبِينُ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الكِتابةَ التى لا تَبِينُ كالهمْسِ بالفمِ بما لا يَسْتَبِينُ، وثَمَّ لا يَقَعُ، فههُنا أوْلَى. فصل: ولا يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِ لَفْظٍ إلَّا في مَوْضِعَيْن؛ أحدُهما، إذا كتبَ الطَّلاقَ ونَوَاه، وقد ذَكَرْناه.
الثانى، مَنْ لا يَقْدِرُ على الكلامِ، كالأخْرَسِ إذا طَلَّقَ بالإِشارَةِ، طَلُقَتْ زَوْجَتُه. وبهذا قال [مالكٌ و] الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خلافَهم؛ لأنَّه لا طريقَ له [إلى الطَّلاقِ] إلَّا بالإِشَارَةِ، فقامَتْ إشارَتُه مَقامَ النُّطْقِ مِن غيرِه فيه، كالنِّكاحِ.
فأمَّا القادِرُ، فلا يَصِحُّ طَلاقُه بالإِشارةِ، كما لا يَصِح نِكاحُه بها.
[فإنْ أشارَ الأخْرَسُ بأصابِعِه الثَّلاثِ، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأَنَّ إشارَتَه لا تَكْفِى]. ٣٤٥٤ - مسألة: (وصَرِيحُ الطَّلاقِ في لِسَانِ العَجَمِ بِهِشْتَمْ) فإذَا أتَى بها العَجَمِىُّ، وقَعَ الطَّلاقُ منه بغيرِ نِيَّةٍ.
وقال النَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: هو كنايةٌ، لا تَطْلُقُ به إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لأَنَّ معناه خلَّيْتُكِ، وهذه اللَّفْظَةُ كِنايةٌ. ولَنا، أنَّ هذه اللَّفْظةَ بلِسانِهم موْضوعةٌ للطَّلاقِ، ويَسْتَعْمِلونها فيه، فأشْبَهَ لفْظَ الطَّلاقِ بالعربيَّةِ،
ولو لم تكُنْ هذه صريحةً، لم يكُنْ في العَجَمِيَّةِ صريحٌ للطَّلاقِ ، وهذا بعيدٌ، ولا يَضُرُّ كوْنُها بمعنى خَلَّيْتكُ،
فإنَّ معنى طَلَّقْتُكِ خَلَّيْتُك أيضًا، إلَّا أنَّه لمَّا كان موْضوعًا له، يُسْتَعْمَلُ فيه، كان صريحًا، كذا هذه. ولا خلافَ في أنَّه إذا نَوَى بها الطَّلاقَ، كانت طلاقًا. كذلك قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسَنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفة، وزُفَرُ، والشافعىُّ
(وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ لَا يَتَبَيَّنُ) كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ أَوْ فِي مَاءٍ (لَمْ يَقَعْ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بِمَا لَا تَثْبُتُ، كَالْهَمْسِ بِلِسَانِهِ بِمَا لَا يُسْمَعُ. (وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَقَعُ) وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ يُبَيِّنُ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِغَيْرِ لَفْظٍ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْكِتَابَةُ بِشَرْطِهِ،
وَالثَّانِي: الْأَخْرَسُ، فَإِنَّهُ إِذَا طَلَّقَ بِالْإِشَارَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ،
فَلَوْ فَهِمَهَا الْبَعْضُ، فَكِنَايَةٌ، وَتَأْوِيلُهُ مَعَ صَرِيحٍ كَالنُّطْقِ، وَكِتَابَتُهُ طَلَاقٌ، وَيَقَعُ مِنَ الْعَدَدِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ،
وَفِي " الشَّرْحِ ": إِذَا أَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ لَمْ يَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ إِشَارَتَهُ لَا تَكْفِي.
[صَرِيحُ الطَّلَاقِ فِي لِسَانِ الْعَجَمِ] (وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ فِي لِسَانِ الْعَجَمِ: بِهِشْتَمْ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالْهَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ، وَمَعْنَاهُ: خَلَّيْتُكِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ إِنْ لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ،
وَلَوْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ لِلطَّلَاقِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا بِمَعْنَى خَلَّيْتُكِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى طَلَّقْتُكِ: خَلَّيْتُكِ.
فَإِنْ زَادَ:" بسيار "، فَثَلَاثٌ،
وَفِي " الْمُذْهَبِ " مَا نَوَاهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ،
وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مِثْلُ كَلَامٍ عَرَبِيٍّ
وإن كَتَبَه بشَىْءٍ لا يبِينُ، لم يَقَعْ. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ. قال فى «تَجْريدِ العِنايةِ»: لم يقَعْ، على الأظْهَرِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال أبو حَفْصٍ: يقَعُ. وأَطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِب».
فوائد؛ الأُولَى، لو كَتَبَه على شئٍ لا يثْبُتُ عليه خَطٌّ، كالكِتابةِ على الماءِ والهَواءِ، لم يقَعْ، بلا خِلافٍ عندَ أَكثرِ الأصحابِ.
وقال فى «الفُروعِ»: وذكرَ فى «المُغْنِى» الوَجْهَ لأبى حَفْصٍ، فيما إذا كَتَبَه بشئٍ لا يَبِينُ هنا. فالصُّورَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأُولَى، صِفَةُ المَكتُوبِ به، والصُّورَةُ الثَّانيةُ، صِفَةُ المَكتُوبِ عليه. قالَه فى «البُلْغَةِ» وغيرِه. فأجْرَى المُصَنِّفُ الخِلافَ فى المَكتُوبِ عليه، كما هو فى المَكتُوبِ به.
قلتُ: الشَّارِحُ مَثَّلَ كلامَ المُصَنِّفِ بصِفَةِ المَكتُوبِ عليه، فقال: مِثْلُ أَنْ يكْتُبَه بإصْبَعِه على وِسادَةٍ، أو فى الهَواءِ.
وكذا قال النَّاظِمُ. الثَّانيةُ، لو قرَأَ ما كَتَبَه، وقصَد القِراءةَ، ففى قَبُولِه حُكمًا الخِلافُ المُتقَدِّمُ، فيما إذا قصَدَ تجْوِيدَ خَطِّه، أو غَمَّ أهْلِه. ذكَرَه فى «التَّرْغيبِ». الثَّالثةُ، يقَعُ الطَّلاقُ مِنَ الأَخْرَسِ وحدَه بالإِشارَةِ،
فلو فَهِمَها البَعْضُ فكِنايَةٌ، وتأوِيلُه، مع صرِيحٍ، كالنُّطْقِ، وكنايَتُه طَلاقٌ، ولا يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِ لَفْظٍ إلَّا فى الكِنايَةِ، والأَخْرَسِ وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ فِى لِسَانِ الْعَجَمِ بِهِشْتَمْ.
فَإِنْ قَالَهُ الْعَرَبِىُّ وَلَا يَفْهَمُهُ، أَوْ نَطَقَ الْعَجَمِىُّ بِلَفْظِ الطَّلَاق وَلَا يَفْهَمُهُ، لَمْ يَقَعْ،
وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
بالإِشارَةِ، على ما تقدَّم فيهما. وصرِيحُ الطَّلاقِ فى لِسانِ العَجَمِ «بِهِشْتَمْ» -بكسْرِ الباء والهاءِ وسُكونِ الشِّينِ وفتحِ التَّاءِ- فإنْ قاله العرَبِىُّ، وهو لا يَفْهَمُه، أو نطَقَ الأَعْجَمِىُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بلَفْظِ الطَّلاقٍ وهو لا يَفْهَمُه، لم يَقَعْ -بلا نِزاعٍ- وإن نوَى مُوجِبَه، فعلى وَجْهَيْن. وأطْلَقهما فى «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»؛ أحدُهما، لا يقَعُ. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأَدَمِىِّ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه فى «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال فى «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ بعدَ المائةِ»: والمَنْصوصُ فى رِوايةِ أبى الحارِثِ، أنَّه لا يَلْزَمُه الطَّلاقُ، وهو قَوْلُ القاضى، وابنِ عَقِيلٍ، والأَكْثَرِينَ.
انتهى. والوجهُ الثَّانى، يقَعُ. جزَم به فى «المُذْهَبِ». وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وقال فى «الانْتِصارِ»، و «عُيونِ المَسائلِ»، و «المُفْرَداتِ»: مَن لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ، فهو غيرُ مُكَلَّفٍ، ويقَعُ طَلاقُه.
فائدة: لو قالَه العَجَمِىُّ، وقَع ما نواه،
فإن زادَ «بِسْيار» بأنْ قال: أنتِ بِهِشْتَم بسْيار. طَلُقَتْ ثلاثًا. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، ونَصراه.
وقال فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم: يقَعُ ما نواه. وجزَم به فى «الرِّعايتَيْن». ونقَله ابنُ مَنْصُورٍ،
وقال: كلُّ شئٍ بالفارِسِيَّةِ، على ما نواه؛ لأنَّه ليس لِه حَدٌّ، مثْلَ كَلامٍ عرَبِىٍّ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.