وَمَتَى أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ لَحِقَهُ النَّسَبُ أَوِ التَّعْزِيرُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً
الشروح عليها
مسأَلة: (ومَتى أكْذَبَ نَفْسَه بعدَ نَفْيِه، لَحِقَه نَسَبُه، ولَزِمَه الحَدُّ إن كانتِ المَرأةُ مُحْصَنَةً، أو التَّعْزِيرُ إن لم تَكُنْ مُحْصَنَةً) إذا لاعَنَ الرجلُ امرأَته، ونفَى ولَدَها ، ثم أكْذَبَ نَفْسَه، لَحِقَه الوَلَدُ إذا كان حَيًّا، غَنِيًّا كان أو فقيرًا، بغيرِ خِلافٍ بينَ أهْلِ العِلْمِ،
وكذلك إن كان مَيِّتًا. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الثَّوْرِيُّ: إذا اسْتَلْحَقَ الولَدَ المَيِّتَ، وكان ذا مالٍ، لم يَلْحَقْه؛ لأنَّه إِنَّما يَدَّعِي مالًا،
وإن لم يكنْ له مالٌ، لَحِقَه.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: إن كان الولدُ المَيِّتُ تَرَكَ ولدًا، ثَبَتَ نَسَبُه مِن المُسْتَلْحِقِ، وتَبِعَه نَسَبُ ابْنِه،
وإن لم يكنْ تَرَكَ ولَدًا، لم يَصِحَّ اسْتِلْحاقُه، ولم يَثْبُتْ نسَبُه، ولا يَرِثُ منه المُدَّعِي شيئًا؛ لأنَّ نَسَبَه مُنْقَطِعٌ بالموتِ، فلم يَصِحَّ اسْتِلْحاقُه،
فإذا كان له ولدٌ كان مُسْتَلْحِقًا لوَلَدِه، وتَبِعَه نَسَبُ المَيِّتِ. ولَنا، أنَّ هذا وَلَدٌ نَفَاهُ باللِّعانِ، فكان له اسْتِلْحاقُه، لو كان حَيًّا، أو كان له ولدٌ، ولأنَّ ولَدَ الولدِ يَتْبَعُ نَسَبَ الولدِ، وقد جَعَل أبو حنيفةَ نَسَبَ الولدِ تابعًا لنَسَبِ ابْنِه، فجَعَلَ الأصْلَ تابِعًا للفَرْعِ، وذلك باطِلٌ.
فأمَّا قولُ الثَّوْرِيِّ: إنَّه إنَّما يَدَّعِي مالًا. قُلْنا: إنَّما يَدَّعِي النَّسَبَ، والمِيراثُ تَبَعٌ له.
فإن قِيلَ: فهو مُتَّهَمٌ في أنَّ غَرَضَه ، حُصُولُ المِيراثِ. قُلْنا: النَّسبُ لا تَمْنَعُ التُّهْمَةُ لُحُوقَه، بدليلِ أنَّه لو كان له أخٌ يُعادِيه، فأقَرَّ بابنٍ، لَزِمَه، وسَقَطَ مِيراثُ أخِيه،
ولو كان الابنُ حَيًّا غنِيًّا والأبُ فَقِيرًا، فاسْتَلْحَقَه، فهو مُتَّهَمٌ في إيجابِ نَفَقَتِه على ابنِه، ويُقْبَلُ قولُه، كذلك ههُنا، ثم كان يَنْبَغِي أنَّ يَثْبُتَ النَّسَبُ ههُنا؛ لأنَّه حَق للوَلَدِ، ولا تُهْمَةَ فيه، ولا يثْبُتُ المِيراثُ المُخْتَصُّ بالتهْمَةِ،
ولا يَلْزَمُ مِن انْقِطاعِ [التبَّعَ انْقِطاعُ] الأصْلِ. قال القاضي: يَتَعَلَّقُ باللِّعانِ أرْبعةُ أحكامٍ؛ حَقَّانِ عليه، وُجُوبُ الحَدِّ، ولُحُوقُ النسبِ، وحَقَّان له؛ الفُرْقَةُ، والتَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ،
فإذا أكْذَبَ نَفْسَه، قُبِلَ قولُه فيما عليه، فلَزِمَه الحَدُّ والنَّسَبُ، ولم يُقْبَلْ فيما له، فلم تَزُلِ الفُرْقَةُ ولا التَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ.
فصل: فإن لم يُكْذِبْ نَفْسَه، ولكن لم تَكُنْ له بَيِّنَةٌ، ولا لَاعَنَ، أُقِيمَ عليه الحَدُّ.
فإن أُقِيمَ عليه بعْضُه قبلَ اللِّعانِ،
وقال: أنا أُلاعِنُ. قُبِلَ منه؛ لأن اللِّعانَ يُسْقِطُ جَمِيعَ الحَدِّ، فيُسْقِطُ بعضَه، كالبَيِّنَةِ.
فإنِ ادَّعَتْ زَوْجَتُه أنَّه قَذَفَها بالزِّنَى، فأنْكَرَ، فأقامَتْ عليه بَيِّنَةً أنَّه قَذَفَها بالزِّنَى. فقال: صَدَقَتِ البَيِّنَةُ، وليس ذلك قَذْفًا؛ لأنَّ القَذْفَ الرَّمْىُ بالزِّنَي كَذِبًا، وأنا صادِقٌ فيما رَمَيتُها به. لم يكنْ ذلك إكْذابًا لِنَفْسِه؛ لأنِّه مُصِرٌّ على رَمْيِها بالزِّنَى، وله إسْقاطُ الحدِّ باللِّعانِ. ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الفصلِ كمَذْهَبِنا.
فأمَّا إن قال: ما زَنَتْ، ولا رَمَيتُها بالزِّنَى. فقامَتِ البَيِّنَةُ عليه بقَذْفِها، لَزِمَه الحدُّ، ولم تُسْمَعْ بِيَّنَتُه ولا لِعانُه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ قولَه: ما زَنَتْ. تَكْذِيبٌ للبَيِّنَةِ واللِّعانِ، فلا تَثْبُتُ له حُجَّةٌ قد أكْذَبَها. وجَرَى هذا مَجْرَى قولِه في الوَدِيعةِ إذا ادُّعِيَتْ عليه، فقال: ما أوْدَعْتَنِي. فقامتْ عليه البَيِّنَةُ بالوَدِيعَةِ، فادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ.
ولو أجابَ بأنَّه ما له عندِي شيءٌ. أو لا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شيئًا. فقامتْ عليه البَيِّنَةُ، فادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، قُبِلَ منه. ٣٨٢٦ - مسألة: ويَلْزَمُه الحَدُّ إذا أكْذَبَ نَفْسَه، سَواءٌ أكْذَبَها قَبْلَ لِعانِها أو بعدَه. وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لأنَّ اللِّعانَ أُقِيمَ مُقامَ البَيِّنَةِ في حَقِّ الزَّوْجِ،
فإذا أكْذَبَ نَفْسَه بان أنَّ لِعانَه كَذِبٌ، وزِيادَةٌ في هَتْكِها، وتَكْرارٌ لِقَذْفِها، فلا أقَلَّ مِن أن يَجِبَ الحَدُّ الذي كان واجِبًا بالقَذْفِ المُجَرَّدِ.
فإن عاد عن إكْذابِ نَفْسِه،
وقال: لي بَيِّنَةٌ أُقِيمُها بِزِناها. أو أراد إسْقاطَ الحَدِّ عنه باللِّعانِ، لم يُسْمَعْ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ واللِّعانَ لتَحْقِيقِ ما قاله، وقد أقَرَّ بكَذِبِ نَفْسِه، فلا يُسْمَعُ منه خِلافُه. وهذا إذا كانتِ المَقْذُوفَةُ مُحْصَنةً،
فإن كانتْ غيرَ مُحْصَنةٍ، فعليه التَّعْزيرُ.
(وَمَتَى أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ لَحِقَهُ النَّسَبُ) أَيْ: إِذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَنَفَى وَلَدَهَا، ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ إِذَا كَانَ حَيًّا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا بِغَيْرِ خِلَافٍ،
وَكَذَا إِنْ كَانَ مَيِّتًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ الْمَيِّتَ، وَكَانَ ذَا مَالٍ لَمْ يَلْحَقْهُ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدَّعِي مَالًا وَإِلَّا لَحِقَهُ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْمَيِّتُ تَرَكَ وَلَدًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنَ الْمُسْتَلْحِقِ، وَتَبِعَهُ نَسَبُ ابْنِهِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَ وَلَدًا لَمْ يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُ الْمُدَّعِي شَيْئًا ; لِأَنَّ نَسَبَهُ مُنْقَطِعٌ بِالْمَوْتِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا وَلَدٌ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ، فَكَانَ لَهُ اسْتِلْحَاقُهُ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، وَلِأَنَّهُمْ جَعَلُوا نَسَبَ وَلَدِ الْوَلَدِ تَابِعًا لَنَسَبِ ابْنِهِ، أَيْ: يَتْبَعُ الْأَصْلُ الْفَرْعَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ. وَعَنِ الثَّوْرِيِّ: إِنَّمَا يَدَّعِي النَّسَبَ، وَالْمِيرَاثُ تَبَعٌ لَهُ. (وَلَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُحْصَنَةً) سَوَاءٌ أَكْذَبَهَا قَبْلَ لِعَانِهِ، أَوْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ;
لِأَنَّ اللِّعَانَ أُقِيمَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ،
فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَإِنَّ لِعَانَهُ كَذِبٌ وَزِيَادَةٌ فِي هَتْكِهَا وَتَكْرَارٌ لِقَذْفِهَا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا بِالْقَذْفِ " الْمُجَرَّدِ "،
فَإِنْ عَادَ عَنْ إِكْذَابُ نَفْسِهِ،
وَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا بِزِنَاهَا، أَوْ أَرَادَ إِسْقَاطَ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ لَمْ يُسْمَعْ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ، وَاللِّعَانَ لِتَحَقُّقِ مَا قَالَهُ، وَقَدْ أَقَرَّ بِكَذِبِ نَفْسِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ خِلَافُهُ. (أَوِ التَّعْزِيرُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً) ، كَقَذْفِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَحِينَئِذٍ يَنْجَرُّ النَّسَبُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ إِلَى جِهَةِ الْأَبِ كَالْوَلَاءِ، وَتَوَارَثَا. وَقَدْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَلْحَقَهُ وَرِثَهُ، وَقَدْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ.
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " رِوَايَةً: لَا يُحَدُّ،
وَإِنْ نَفَى مَنْ لَا يَنْتَفِي وَأَنَّهُ مِنْ زِنًا حُدَّ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يُلَاعِنْ، اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ.
وَمَنْ نَفَى أَوْلَادًا فَلِعَانٌ وَاحِدٌ.
[
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.