فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٦٬٧٧٥المقنعالحنابلةج ٨ ص ١٥٥ج ٨ ص ١٥٥

وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (والمُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، وسُنَّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - الحَقِيقَةَ والمَجازَ، والأمْرَ والنَّهْيَ، والمُجْمَلَ والمُبَيَّنَ، والمُحْكَمَ والمُتَشابِهَ، والخاصَّ والعامَّ، والمُطْلَقَ والمُقَيَّدَ، والنَّاسِخَ والمَنْسُوخَ، والمُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه، ويَعْرِفُ مِن السُّنَّةِ صحيحَها مِن سَقِيمِها، وتَواتُرَها مِن آحادِها، ومُرْسَلَها ومُتَّصِلَها، ومُسْنَدَها ومُنْقَطِعَها، ممّا له تَعَلُّقٌ بالأحْكامِ خاصَّة) وهي مِن كتابِ اللهِ تعالى نحوُ خَمْسِمائةِ آيةٍ، ولا يَلْزَمُه معرفةُ سائِرِ القُرآنِ.

٣٧٬٥٩٦

ومِن السُّنَّةِ ما يتَعَلَّقُ بالأحْكامِ دُونَ سائِرِ الأخْبارِ، مِن خَبَرِ الجَنَّةِ والنَّارِ، ونحوهما ممَّا لا يَتَعَلَّقُ بالأحْكامِ. وإنَّما كان المُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ هذه الأشْياءَ المَذْكُورَةَ؛ لأنَّ المُجْتَهِدَ هو مَن يُمْكِنُه تَعَرُّفُ الصَّوابِ بدَليله، كالمُجْتَهِدِ في القِبْلَةِ،

٣٧٬٥٩٧

ومَن لا يَعْرِفُه بدَلِيله يكونُ مُقَلِّدًا؛ لكونِه يَقْبَلُ قولَ غيرِه مِن غيرِ مَعْرِفَةٍ بصَوابِه، كالذي يَقْبَلُ قولَ الدَّليلِ على الطَّريقِ مِن غيرِ مَعْرِفَةٍ بَصوابه، وقولَ مَن يعْرِف جِهَةَ القِبْلَةِ مِن غيرِ مَعْرِفَتِه . وأدلةُ الأحْكامِ، الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ، والقِياسُ، وجِهَةُ دَلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن هذه الوُجوهِ،

٣٧٬٥٩٨

فإنَّ الكلامَ بإطْلاقِه يُحْمَلُ على الحقيقةِ دُونَ المجازِ، والعامُّ والخاصُّ إذا تَعارَضا قُدِّم الخاصُّ،

٣٧٬٥٩٩

ويَجُوزُ تَخْصِيصُ العامِّ، ولا يَدْخُلُ الخاصَّ تَخْصِيصٌ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. والمقْصودُ أنَّ لكلِّ واحدٍ ممَّا ذَكَرْنا دَلالةً لا يُمْكِنُ معرِفَتُها إلَّا بمعرفَتِه، فوَجَب معرفَةُ ذلك؛ ليَعْرِفَ دَلالتَه، ووَقَفَ الاجْتِهادُ على معرفتِه لذلك. ومثالُه، أنَّ المُجْتَهِدَ في القِبلةِ يَحْتاجُ في معرفةِ النُّجومِ إلى معرفتِها بأعْيانِها وجِهاتِها،

٣٧٬٦٠٠

فإذا عَرَف القُطْبَ، احْتاجَ إلى معرفةِ كونِه في الجِهَةِ الشَّمالِيَّةِ،

٣٧٬٦٠١

وكذلك إذا عَرَف الشمسَ، احْتاجَ إلى معرفةِ الجِهَةِ التي تكونُ فيها في حالِ طُلوعِها، وحالِ غُرُوبِها وتَوَسُّطِها، وهذا كذلك. والمُسْنَدُ مِن السُّنَّةِ والمُتَّصِلُ واحدٌ، والمُرْسَلُ الذي يكونُ بينَ الرَّاوي وبينَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ غيرُ مَذْكُورٍ، والمُنْقَطِعُ الذي يكونُ بينَهما أكثرُ مِن واحدٍ.

٣٧٬٦٠٢

وقيلَ: هو الذي يَرْويه مَن لم يُدْرِكِ الصحابةَ عنهم .

٤٨٣٩ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَالْمُجْتَهِدُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ: وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. (مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْحَقِيقَةَ) وَهِيَ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ. (وَالْمَجَازَ) وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ. زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ. (وَالْأَمْرَ) وَهُوَ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ. (وَالنَّهْيَ) وَهُوَ: اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، لَا بِقَوْلِ كُفَّ. (وَالْمُجْمَلَ) وَهُوَ: مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ. (وَالْمُبَيَّنَ) وَهُوَ: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ.

٢٤٬٠١١

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ مُجْتَمِعَةِ الْأُصُولِ مُتَشَعِّبَةِ الْفُرُوعِ. (وَالْمُحْكَمَ) الْمُتَّضِحَ الْمَعْنَى. (وَالْمُتَشَابِهَ)

٢٤٬٠١٢

مُقَابِلُهُ: إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ، أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ.

الإنصافالمرداوي

والمُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنَّةِ رَسُولِه عليه الصلاةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والسَّلامُ الْحَقِيقَةَ والْمَجازَ، والأَمْرَ والنَّهْيَ، والمُجْمَلَ والمُبَيَّنَ، والمُحْكَمَ والمُتَشابِهَ، والْخاصَّ والعامَّ، والمُطْلَقَ والمُقَيَّدَ، والنَّاسِخَ والمنْسُوخَ، والمُسْتَثْنَى والمسْتَثْنَى منه، ويَعْرِفُ مِن السُّنَّةِ صَحِيحَها مِن سَقِيمِها، وتَواتُرَها مِن آحادِها، ومُرْسَلَها ومُتَّصِلَها، ومُسْنَدَها ومُنْقَطِعَها، ممَّا له تَعَلُّقٌ بالأحْكامِ خاصَّةٌ، ويَعْرِفُ ما أُجْمِعَ عليه ممَّا اخْتُلِفَ فيه، والقِياسَ وحُدُودَه وشُرُوطَه ويَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيهِ ممَّا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْقِيَاسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ وَكَيفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ، وَالْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا يُوَالِيهِمْ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ،

٣٩٬٨٥٠

فَمَنْ وَقَفَ عَلَيهِ وَرُزِقَ فَهْمَهُ، صَلُحَ لِلْقَضَاءِ، وَالْفُتْيَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

وكَيفِيَّةَ اسْتِنْباطِه، والْعَرَبِيَّةَ المُتَداوَلَةَ بالْحِجازِ والشَامِ والْعِراقِ وما يُوالِيهِمْ، وكُلُّ ذلك مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ وفُرُوعِه،

٣٩٬٨٥١

فمَن وَقَفَ عليه ورُزِقَ فهْمَه، صَلُحَ للْفُتْيا والْقَضاءِ، وباللهِ التَّوْفِيقُ.

٣٩٬٨٥٢

وكذا قال كثير مِن الأصحابِ.

٣٩٬٨٥٣

وقال في «الفُروعِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

٣٩٬٨٥٤

فمَن عَرَفَ أكثره، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ.

٣٩٬٨٥٥

وقال في «الوَجيزِ»: فمَن وَقَفَ على أكْثَرِ ذلك وفَهِمَه، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ.

٣٩٬٨٥٦

وقال في «المُحَرَّرِ»: فمَن وَقَفَ عليه أو على أكْثَرِه، ورُزِقَ فهْمَه، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ. انتهى.

٣٩٬٨٥٧

وقيل: يُشْتَرَطُ أنْ يعْرِفَ أكْثَرَ الفِقْهِ.

٣٩٬٨٥٨

وقال في «الواضِحِ»: يجِبُ معْرِفَةُ جميعِ أُصُولِ الفِقْهِ، وأدَلّةِ الأحْكامِ.

٣٩٬٨٥٩

وقال أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ: مَن حصَّلَ أُصُولَ الفِقْهِ وفرُوعَه، فمُجْتَهِدٌ. انتهى.

٣٩٬٨٦٠

وقال ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه»: والمُفْتِي؛ العالِمُ بأُصُولِ الفِقْهِ وما يُسْتَمَدُّ منه، والأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مُفَصَّلَةً، واخْتِلافِ مَراتِبِها غالِبًا، واعْتَبَرَ بعْضُ أصحابِنا معْرِفَةَ أكْثَرَ الفِقْهِ، والأشْهَرُ، لا. انتهى.

٣٩٬٨٦١

وقال في «آدابِ المُفْتِي»: لا يضُرُّ جَهْلُه ببَعْضِ ذلك لشُبْهَةٍ أو إشْكالٍ، لكِنْ يكْفِيه معْرِفَةُ وُجوهِ دَلالةِ الأدِلَّةِ، ويكْفِيه أخْذُ الأحْكامِ مِن لَفْظِها ومَعْناها. زادَ ابنُ عَقِيلٍ في «التّذْكِرَةِ»، ويعْرِفُ الاسْتِدْلال، واسْتِصْحابَ الحالِ، والقُدْرَةَ على إبْطالِ شُبْهَةِ المُخالِفِ، وإقامَةَ الدَّلائِلِ على مذهَبِه. انتهى.

٣٩٬٨٦٢

وقال في «آدابِ المُفْتِي» أيضًا: وهل يُشْتَرَطُ معْرِفَةُ الحِسابِ ونحوه مِن المَسائلِ المُتَوَقِّفَةِ عليه؟ فيه خِلافٌ. ويأْتي -بعدَ فَراغِ الكتابِ- أقْسامُ المُجْتَهِدِين، وتقدَّم قريبًا عندَ قوْلِه: مُجْتَهِدًا. أنَّه لا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِدٌ، على الصَّحيحِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فوائد؛ منها، لو أدَّاه اجْتِهادُه إلى حُكْم، لم يَجُزْ له تقْلِيدُ غيرِه إجْماعًا. ويأْتي هذا في كلامِ المُصَنِّفِ في أوَّلِ الباب الذي يَلِيه، في قوْلِه: ولا يُقَلِّدُ غيرَه وإنْ كان أعْلَمَ منه.

٣٩٬٨٦٣

وإنْ لم يَجْتَهِدْ، لم يَجُزْ. أَنْ يُقَفد غيرَه أيضًا مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. ونصَّ عليه في رِوايةِ الفَضْلِ بنِ زِيادٍ. قال ابنُ مُفْلِحٍ في «أُصُولِه»: قاله أحمدُ وأكثرُ أصحابِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.

٣٩٬٨٦٤

وعنه، يجوزُ. اخْتارَه الشِّيرَازِي فقال: مذهَبُنا جوازُ تقْليدِ العالِم للعالِمِ. قال أبو الخَطَّابِ: وهذا لا نعْرِفُه عن أصحابِنا. نقَلَه في «الحاوي الكَبِيرِ» في الخُطْبَةِ.

٣٩٬٨٦٥

وعنه، يجوزُ مع ضِيقِ الوَقْتِ.

٣٩٬٨٦٦

وقيل: يجوزُ لأعلَمَ منه. وذكَر أبو المَعالِي، عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: يُقَلِّدُ صحابِيًّا، ويُخَيَّرُ فيهم، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

٣٩٬٨٦٧

ومِن التَّابعِين عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ فقطْ.

٣٩٬٨٦٨

وفي هذه المَسْألَةِ للعُلَماءِ عِدَّةُ أقْوالٍ غيرِ ذلك. وتقدَّم نظِيرُها في بابِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ.

٣٩٬٨٦٩

وقال في «الرِّعايةِ»: يجوزُ له التقْلِيدُ؛ لخَوْفِه على خُصوم مُسافِرين فَوْتَ رُفْقَتِهم، في الأصحِّ.

ومنها، يتَحَرَّى الاجْتِهادَ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه الأصحابُ.

٣٩٬٨٧٠

وقال ابنُ مُفْلِحٍ في «أُصُولِه»: قاله أصحابُنا. وصحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقطَع به المُصَنِّفُ في «الرَّوْضَةِ» وغيرُه.

٣٩٬٨٧١

وقيل: لا يتَحَرَّى. وقيل: يتَحَرَّى في بابٍ، لا في مسْألَةٍ.

ومنها، وتَشْتَمِلُ على مَسائِلَ كثيرةٍ في أحْكامِ المُفْتِي والمُسْتَفْتِي؛ تقدَّم قريبًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تحْريمُ الحُكْمِ والفُتْيا بالهَوَى، وبقَوْلٍ أو وَجْهٍ مِن غيرِ نظَو في التَّرْجيحِ إجْماعًا. واعلمْ أنَّ السَّلَف الصَّالِحَ، رَحِمَهُم اللهُ، كانُوا يَهابُون الفُتْيا، ويُشَدِّدُونَ فيها، ويتَدافَعُونَها، وأنْكَرَ الإِمامُ أحمدُ، رحِمَه اللهُ، وغيرُه على مَنْ تهَجَّمَ في الجَوابِ.

٣٩٬٨٧٢

وقال: لا يَنْبَغِي أنْ يُجيبَ في كل ما يُسْتَفْتَى.

٣٩٬٨٧٣

وقال: إذا هابَ الرَّجُلُ شيئًا، لا ينْبَغِي أنْ يُحْمَلَ على أَنْ يقولَ. إذا عَلِمْتَ ذلك، ففي وُجوبِ تقْديمِ معْرِفَةِ الفِقْهِ على أصُولِه وَجهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يجِبُ تقْديمُ معْرِفَةِ الفِقْهِ. اخْتارَه القاضي وغيرُه.

٣٩٬٨٧٤

قال في «آدابِ المُفْتِي»: وهو أوْلَى.

٣٩٬٨٧٥

والثَّاني، يجِبُ تقْديمُ معْرِفَةِ أُصُولِ الفِقْهِ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ وابنُ البَنَّا، وغيرُهما.

٣٩٬٨٧٦

قال في «آدابِ المُفْتِي»: وقد أوْجَبَ ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، تقْدِيمَ معْرِفَةِ أُصُولِ الفِقْهِ على فُروعِه؛ ولهذا ذكَرَه أبو بَكْرٍ، وابنُ أبي مُوسى، والقاضي، وابنُ البَنَّا في أوَائلِ كُتُبِهم الفُرُوعِيَّةِ،

٣٩٬٨٧٧

وقال أبو البَقَاءِ العُكْبَرِيُّ: أبْلَغُ ما تُوُصِّلَ به إلى إحْكامِ الأحْكامِ، إتْقانُ أُصُولِ الفِقْهِ، وطَرَفٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ. انتهى.

٣٩٬٨٧٨

وقال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ابنُ قاضِي الجَبَلِ في «أُصُولِه»، تبَعًا لـ «مُسَوَّدَةِ ابنِ تَيمِيَّةَ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»: تقْدِيمُ معْرِفَتِها أوْلَى مِن الفُروعِ عندَ ابنِ عَقِيلٍ وغيرِه.

٣٩٬٨٧٩

قلتُ: في غيرِ فَرْضِ العَينِ. وعندَ القاضي عكْسُه. انتهى . فظاهِرُ كلامِهم، أنَّ الخِلافَ في الأوْلَويَّةِ، ولعَلَّه أولَى ، وكلامُ غيرِهم في الوُجوبِ. وتقدَّم: هل للمُفْتِي الأخْذُ مِن المُسْتَفْتِي إذا كان له كِفايَة، أمْ لا؟ ويأْتي: هل له أَخْذُ الهَدِيَّةِ، أمْ لا؟ عندَ أحْكام هَدِيَّةِ الحاكِمِ.

والمُفْتِي؛ مَن يُبَيِّنُ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، ويُخْبِرُ به مِن غيرِ إلْزامٍ. والحاكِمُ؛ مَن يُبَيِّنُه

٣٩٬٨٨٠

ويُلْزِمُ به. قاله شيخُنا في «حَواشِي الفُروعِ». ولا يُفْتِي في حالٍ لا يُحْكَمُ فيها، كغَضَبٍ ونحوه، على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ. قال ابنُ مُفْلِحٍ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«أُصُولِه»: فظاهِرُه، يَحْرُمُ كالحُكْمِ. وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: لا يُفْتِي في هذه الحالِ،

٣٩٬٨٨١

فإنْ أَفْتَى وأصابَ، صح وكُرِهَ.

٣٩٬٨٨٢

وقيل: لا يصِحُّ. ويأْتِي نظِيرُه في قَضاءِ الغَضْبانِ ونحوه. وتصِحُّ فَتْوَى العَبْدِ والمَرْأةِ والقَريبِ ويأْتِي والأخْرَسِ المَفْهُومِ الإشارَةِ أو الكِتابَةِ، وتصِحُّ مع جَرِّ النفْعِ ودَفْعِ الضرَرِ، وتصِحُّ مِن العَدُوِّ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الرِّعايةِ»، و «آدابِ المُفْتِي»، و «الفُروعِ» في بابِ أدَبِ القاضي.

٣٩٬٨٨٣

وقيل: لا تصِحُّ، كالحاكِمِ والشَاهِدِ. ولا تصِحُّ مِن فاسِقٍ لغيرِه وإنْ كان مُجْتَهِدًا، لكِنْ يُفْتِي نفْسَه، ولا يسْألُ غيرَه.

٣٩٬٨٨٤

وقال الطُّوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه» وغيرُه: لا تُشْتَرَطُ عَدالته في اجْتِهادِه، بل في قَبُولِ فُتْياه وخَبَرِه.

٣٩٬٨٨٥

وقال ابنُ القَيِّمِ، رحِمَه اللهُ في «إعْلامِ المُوَقعينَ»: قلتُ: الصَّوابُ جوازُ اسْتِفْتاءِ الفاسِقِ، إلا أنْ يكونَ مُعْلِنًا بفِسْقِه، داعِيًا إلى بدْعَتِه، فحُكْمُ اسْتِفْتائِه حكمُ إمامَتِه وشَهادَتِه. ولا تصِحُّ مِن مَسْتُورِ الحالِ أيضًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ»، وغيره مِن الأصُولِيِّينَ.

٣٩٬٨٨٦

وقيل: تصِحُّ. قدَّمه في «آدابِ المُفْتِي». وعملُ النَّاسِ عليه. وصححه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى». [واخْتارَه في «إعْلامِ المُوَقعينَ»] .

٣٩٬٨٨٧

وقيل: تصِحُّ إنِ اكْتَفَينا بالعَدالةِ الظاهِرَةِ، وإلَّا فلا. والحاكِمُ كغيرِه في الفُتْيا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.

٣٩٬٨٨٨

وقيل: تُكْرَهُ له مُطْلَقًا. وقيل: تُكْرَهُ في مَسائِلِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ به، دُونَ الطَّهارَةِ والصَّلاةِ ونحوهما.

٣٩٬٨٨٩

ويَحْرُمُ تَساهُلُ مُفْتٍ، وتَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ به. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: لا يجوزُ اسْتِفْتاءُ إلا مَن يُفْتِي بعِلْم وعَدْلٍ. ونقَل المَروذِيُّ، لا يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ في كُل ما يُسْتَفْتَى فيه. ويأْتِي: هل له قَبُولُ الهَدِيَّةِ، أمْ لا؟ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. .

وليسَ لمَنِ انْتَسَبَ إلى مذهبِ إمام في مسْألَةٍ ذاتِ قوْلَين أو وَجْهَين أنْ يتَخَيَّرَ، فَيَعْمَلَ أو يُفتِيَ بأيِّهما شاءَ، بل إنْ عَلِمَ تارِيخَ القَوْلَين، عَمِلَ بالمُتَأَخِّرِ إنْ صرَّح برُجُوعِه عن الأوَّلِ،

٣٩٬٨٩٠

وكذا إنْ أطْلَقَ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ فيهما.

٣٩٬٨٩١

وقيل : يجوزُ العَمَلُ بأحَدِهما إذا ترَجَّحَ أنَّه مذَهبٌ لقائِلِهما.

٣٩٬٨٩٢

وقال في «آدابِ المُفْتِي»: إذا وَجَدَ مَن ليسَ أهْلًا للتَّخْريجِ والتَّرْجيحِ بالدَّليلِ، اخْتِلافًا بينَ أئمَّةِ المذاهبِ، في الأصحِّ مِن القَوْلَينِ أو الوَجْهَين، فيَنْبَغِي أنْ يرْجِعَ في التَّرْجيحِ إلى صِفَاتِهم المُوجِبَةِ لزِيادَةِ الثِّقَةِ بآرَائِهم، فيَعْمَلَ بقَوْلِ الأكثرِ، والأعْلَمِ، والأوْرَعِ،

٣٩٬٨٩٣

فإنِ اخْتُصَّ أحدُهما بصِفَةٍ منها، والآخَرُ بصِفَةٍ أُخْرَى، قدَّم الذي هو أحْرَى منهما بالصَّوابِ، فالأعْلَمُ الوَرِعُ ، مُقَدَّئم على الأوْرَعِ العالِمِ.

٣٩٬٨٩٤

وكذلك إذا وَجَد قوْلَين أو وَجْهَين. لم يَبْلُغْه عن أحدٍ مِن أئمَّتِه بَيانُ الأصحِّ منهما، اعْتَبَرَ أوْصافَ [ناقِلِيهما وقابِلِيهما]، ويُرَجِّحُ ما وافَقَ منهما أئمَّةَ أكثرِ المذاهبِ المَتْبُوعَةِ، أو أكثر العُلَماءِ. انتهى.

٣٩٬٨٩٥

قلتُ: وفيما قاله نظر. وتقدَّم في آخِرِ الخُطْبَةِ تحْريرُ ذلك.

٣٩٬٨٩٦

وإذا اعْتَدَلَ عندَه قوْلان -وقُلْنا: يجوزُ- أفْتَى بأَيِّهما شاءَ. قاله القاضي في «الكِفايةِ»، وابنُ حَمْدانَ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم. كما يجوزُ للمُفْتِي أنْ يعْمَلَ بأيِّ القَوْلَين شاءَ.

٣٩٬٨٩٧

وقيلَ: يُخَيَّرُ المُسْتَفْتِي، وإلَّا تعَيَّنَ الأحْوَطُ.

٣٩٬٨٩٨

ويَلْزَمُ المُفْتِيَ تَكْرِيرُ النَّظرَ عندَ تكَرُّرِ الواقِعَةِ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. جزَم به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ،

٣٩٬٨٩٩

وقال: وإلَّا كان مُقَلِّدًا لنَفْسِه؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لاحْتِمالِ تغَيُّرِ اجْتِهادِه. وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه».

٣٩٬٩٠٠

وقيل: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما اطَّلَعَ عليه وعدَمُ غيرِه. ولُزومُ السُّؤالِ ثانيًا فيه الخِلافُ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، والآمِدِي، إنْ ذكَر المفْتِي طرِيقَ الاجْتِهادِ، لم يَلْزَمْه، وإلَّا لَزِمَه.

٣٩٬٩٠١

قلتُ: وهو الصَّوابُ. وإنْ حَدَثَ ما لا قَوْلَ فيه، تكَلَّم فيه حاكِمٌ ومُجْتَهِدٌ ومُفْتٍ.

٣٩٬٩٠٢

وقيل: لا يَجوزُ. وقيل: لا يجوزُ في أُصُولِ الدِّينِ.

٣٩٬٩٠٣

قال في «آدابِ المُفْتِي»: ليسَ له أنْ يُفْتِيَ في شيءٍ مِن مَسائلِ الكَلامِ مُفَصِّلًا، بل يَمْنَعُ السَّائِلَ وسائِرَ العامَّةِ مِن الخَوْضِ في ذلك أصْلًا. وقدَّمه في «مُقْنِعِه». [وجزَم به في «الرِّعايةِ الكُبْرى»] . وقدَّم ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه»، أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ في الأَفْضَلِيَّةِ، لا في الجوازِ وعدَمِه. وأطْلَقَ الخِلافَ.

٣٩٬٩٠٤

وقال في خُطْبَةِ «الإرْشادِ»: لابُدَّ مِن الجوابِ.

٣٩٬٩٠٥

وقال في «إعْلامِ المُوَقعينَ»، بعدَ أنْ حكَى الأقْوال: والحقُّ التَّفْصِيلُ،

٣٩٬٩٠٦

وأنَّ ذلك يجوزُ بل يُسْتَحَبُّ، أو يجِبُ عندَ الحاجَةِ وأهْلِيَّةِ المُفْتِي والحاكمِ،

٣٩٬٩٠٧

فإنْ عُدِمَ الأمْران، لم يَجُزْ،

٣٩٬٩٠٨

وإنْ وُجِدَ أحدُهما، احْتَمَلَ الجوازَ والمَنْعَ، والجَوازُ عندَ الحاجَةِ دُونَ عدَمِها. انتهى. وله تخْيِيرُ مَنِ اسْتَفْتاه بينَ قوْلِه وقول مُخالِفِه. رُوِيَ ذلك عن الإمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.

٣٩٬٩٠٩

وقيل: يأْخُذُ به إنْ لم يَجدْ غيرَه، [أو كان] أرْجَحَ، وسأَلَه [أبو داودَ]، الرجُل يسْأَلُ عن المَسْأَلَةِ، أدُلُّه على إنْسانٍ يسْأَلُه؟ قال: إذا كان الذي أرْشَدَ إليه يتَّبعُ ويُفْتِي بالسُّنَّةِ. فقيلَ له: إنَّه يريدُ الاتِّباعَ، وليسَ كل قوْلِه يُصِيبُ.

٣٩٬٩١٠

قال: ومَنْ يُصِيبُ في كل شيءٍ؟! . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وتقدَّم في آخِرِ الخُلْعِ التنبِيهُ على ذلك.

٣٩٬٩١١

ولا يَلْزَمُ جَوابُ ما لم يقَعْ، لكِنْ تُسْتَحبُّ إجابَتُه.

٣٩٬٩١٢

وقيل: تُكْرَهُ. قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله.

٣٩٬٩١٣

ولا يجبُ جَوابُ ما لا يَحْتَمِلُه كلامُ السَّائلِ، ولا ما لا نَفْعَ فيه.

٣٩٬٩١٤

ومَن عَدِمَ مُفْتِيًا في بَلَدِه وغيرِه، فحُكْمُه حُكْمُ ما قبلَ الشَّرْعِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ».

٣٩٬٩١٥

وقال في «آدابِ المُفْتِي»: وهو أقْيَسُ.

٣٩٬٩١٦

وقيل: متى خَلَتِ البَلْدَةُ مِن مُفْتٍ، حَرُمَتِ السكْنَى فيها. ذكَرَه في «آدابِ المُفْتِي». وله ردُّ الفُتْيا إنْ كان في البَلَدِ مَنْ يقُومُ مَقامَه، وإلَّا لم يَجُزْ. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيل، وغيرُهما. وقطَع به مَنْ بعدَهم.

٣٩٬٩١٧

وإنْ كان مَعْروفًا عندَ العامَّةِ بفُتْيا، وهو جاهِل، تعَين الجوابُ على العالمِ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ: الأظْهَرُ، لا يجوزُ في التي قبلَها، كسُؤالِ عامِّيّ عمَّا لم يقَعْ.

٣٩٬٩١٨

قال، في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِثْلُه، حاكم في البَلَدِ غيرُه، لا يَلْزَمُه الحُكْمُ، وإلَّا لَزِمَه.

٣٩٬٩١٩

وقال في «عُيونِ المَسائلِ» في شَهادَةِ العَبْدِ: الحُكْمُ يتَعَينُ بولايته؛ حتى لا يُمْكِنَه ردُّ مُحْتَكِمَينِ إليه، ويُمْكِنَه ردُّ مَن يسْتَشْهِدُه،

٣٩٬٩٢٠

وإنْ كان مُتَحَمِّلًا لشَهادَةٍ، فنادِر أنْ لا يكونَ سِواه،

٣٩٬٩٢١

وفي الحُكْمِ لا ينُوبُ البَعْضُ عنِ البَعْضِ، ولا يقولُ لمَنِ ارْتَفَعَ إليه: امْضِ إلى غيرِي مِن الحُكامِ. انتهى.

٣٩٬٩٢٢

قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ تخْرِيج مِن الوَجْهِ، في إثْمِ مَن دُعِيَ لشهادَةٍ، قالوا: لأنه تعَيَّنَ عليه بدُعائِه. لكِنْ يَلْزَمُ عليه إثْمُ مَن عُينَ في كل فَرْضِ كِفايةٍ فامْتَنَعَ. قال: وكلامُهم في الحاكمِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ودَعْوَةِ الوَلِيمَةِ، وصَلاةِ الجِنازَةِ، خِلافُه. انتهى.

٣٩٬٩٢٣

ومَن قَوِيَ عندَه مذهَبُ غيرِ إمامِه، أفْتَى به وأعْلَمَ السَّائِلَ.

٣٩٬٩٢٤

ومَن أرادَ كتابَةً على فُتْيا أو شَهادَةٍ، لم يَجُزْ أنْ يُكَبِّرَ خَطَّه؛ لتَصرُّفِه في مِلْكِ غيرِه بلا إذْنِه ولا حاجَةَ، كما لو أباحَه قَمِيصَه، فاسْتَعْملَه فيما يُخْرِجُه عن العادَةِ بلا حاجَةٍ. ذكَرَه ابنُ عَقِيل في «المَنْثُورِ» وغيرِه.

٣٩٬٩٢٥

وكذا قال في «عُيونِ المَسائلِ»: إذا أرادَ أنْ يُفْتِيَ أو يكْتُبَ شَهادةً، لم يَجُزْ أنْ يُوسِّعَ الأسْطُرَ، ولا يُكْثِرَ إذا أمْكَنَ الاخْتِصارُ؛ لأنه تَصَرُّف في مِلْكِ غيرِه بلا إذْنِه، ولم تَدْعُ الحاجَةُ إليه. واقْتَصَرَ على ذلك في «الفُروعِ».

٣٩٬٩٢٦

وقال في «أصُولِه»: ويتَوَجَّهُ مع قَرِينَةٍ خِلاف،

٣٩٬٩٢٧

ولا يجوزُ إطْلاقُه في الفُتْيا في اسْم مُشْتَرَكٍ إجْماعًا، بل عليه التَّفْصِيلُ؛

٣٩٬٩٢٨

فلو سُئِلَ: هل له الأكْلُ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ؛ فلابُدَّ أنْ يقولَ: يجوزُ بعدَ الفَجْرِ الأوَّلِ، لا الثَّاني. ومسْألةُ أبي حَنِيفَةَ مع أبي يُوسُفَ وأبي الطَّيِّبِ مع قَوْم معْلُومَة. واعلمْ أنَّه قد تقدَّم، أنَّه لا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِد. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وتقدَّم هناك قولٌ بالجَوازِ؛ فيُراعِي ألفاظَ إمامِه ومُتَأخِّرَها، ويُقَلِّدُ كِبارَ أئمَّةِ مذهَبِه. والعامِّيُّ يُخْبِرُ في فَتْواه فقطْ، فيقولُ: مذهَبُ فُلانٍ كذا. ذكرَه ابنُ عَقِيل وغيرُه.

٣٩٬٩٢٩

وكذا قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: النَّاظِرُ المُجَرَّدُ يكونُ حاكِيًا، لا مُفْتِيًا.

٣٩٬٩٣٠

وقال في «آدابِ عُيونِ المسَائلِ»: إنْ كان الفَقِيهُ مُجْتَهِدًا، يعْرِفُ صِحةَ الدَّليلِ، كتَب الجوابَ عن نفْسِه،

٣٩٬٩٣١

وإنْ كان ممَّن لا يعْرِفُ الدليلَ، قال: مذهبُ أحمدَ كذا، مذهَبُ الشَّافِعِي كذا. فيَكونُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مُخْبِرًا ، لا مُفْتِيًا. ويُقَلِّدُ العامي مَن عرَفَه عالِمًا عدْلًا، أو رَآه مُنْتَصِبًا مُعَظَّمًا، ولا يُقَلِّدُ مَن عَرَفَه جاهِلًا عندَ العُلَماءِ. قال المُصَنفُ في «الرَّوْضَةِ» وغيرِها: يكْفِيه قولُ عدْلٍ. ومُرادُه خَبِيرٌ. واعْتَبَرَ بعْضُ الأصحابِ الاسْتِفاضَةَ بكَوْنِه عالِمًا، لا مُجَرَّدَ اعْتِزائِه إلى العِلْمِ ولو بمَنْصِبِ تَدْرِيس.

٣٩٬٩٣٢

قلتُ: وهو الصّوابُ. وقال ابنُ عَقِيل: يجِبُ سُؤالُ أهْلِ الثقَةِ والخَيرِ. قال الطُّوفِيُّ في «مخْتَصَرِه»: يُقَلِّدُ مَن عَلِمَه أو ظَنَّه أهْلًا بطرَيق ما اتِّفاقًا،

٣٩٬٩٣٣

فإنْ جَهِلَ عدالتَه، ففي جَوازِ تقْلِيدِه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، عدَمُ الجوازِ. وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ. نَصَرَه المُصَنِّفُ في «الرَّوْضَةِ». وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»، والطُّوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه»، وغيرُهما.

٣٩٬٩٣٤

والثَّاني، الجوازُ. قدَّمه في «آدابِ المُفْتِي». وتقدَّم: هل تصِحُّ فُتْيا فاسِقٍ أو مَسْتُورِ الحال، أمْ لا؟ ويُقَلِّدُ مَيِّتًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه الأصحابُ. وهو كالإجماعِ في هذه الأعْصارِ.

٣٩٬٩٣٥

وقيل: لا يُقَلَّدُ مَيِّتٌ. وهو ضعيفٌ. واخْتارَه في «التَّمْهِيدِ»، في أن عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لم يُشْتَرَطْ عليه تقْلِيدُ أبي بَكْر وعمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما؛ لمَوْتِهما. ويَنْبَغِي للمُسْتَفْتِي أنْ يحْفَظَ الأدبَ مع المُفْتِي ويُجِلَّه، فلا يقولُ أو يفْعَلُ ما جرَتْ عادَةُ العَوام به؛ كإيماء بيَدِه في وَجْهِه، أو: ما مذهَبُ إمامِكَ في كذا؛ أو: ما تحْفَظُ في كذا؛ أو: أفْتاني غيرُك -أو فلانٌ- بكذا أو كذا. قلتُ أنا: أو: وَقِّعْ لي.

أو: إنْ كانَ جوابُك مُوافِقًا فاكْتُبْ. لكِنْ إنْ عَلِمَ غرَضَ السَّائلِ في شيء، لم يَجُزْ أنْ يكْتُبَ بغيرِه، أو يسْألهُ [في حالِ] ضَجَر، أو هَمٍّ، أو قِيامِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ونحوه، ولا يُطالِبُه بالحُجَّةِ. ويجوزُ تقْلِيدُ المَفْضولِ مِن المُجْتَهِدينَ. على الصحيحِ مِن المذهب. قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: قاله أكثرُ أصحابِنا؛ القاضي، وأبي الخَطَّابِ، وصاحِبِ «الرَّوْضَةِ»، وغيرِ هم . وقدَّمه هو وغيرُه.

٣٩٬٩٣٦

قال في «فُروعِه»، في اسْتِقْبال القِبْلَةِ: لا يجِبُ تقْليدُ الأوْثَقِ، على الأصح.

٣٩٬٩٣٧

قال في «الرعايةِ»: على الأقيَسِ.

٣٩٬٩٣٨

وعنه، يجِبُ عليه. قال ابنُ عَقِيل: يَلْزَمُه الاجْتِهادُ فيهما، فيُقَدمُ الأرْجَحَ. ومَعْناه قولُ الْخِرَقِيِّ: كالقِبْلَةِ في الأعْمَى والعامِّيِّ.

٣٩٬٩٣٩

قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: أمَّا لو بانَ للعاميِّ الأرْجَحُ منهما، لَزِمَه تقْلِيدُه. زادَ بعْضُ أصحابِنا، في الأظْهَرِ.

٣٩٬٩٤٠

قلتُ: ظاهرُ كلامِ كثير مِن الأصحابِ مُخالفِ لذلك.

٣٩٬٩٤١

وقال في «التَّمْهِيدِ»: إنْ رجحَ دِينَ واحدٍ، قدمه في أحَدِ الوَجْهَين.

٣٩٬٩٤٢

وفي الآخَرِ، لا؛ لأنَّ العُلَماءَ لا تُنْكِرُ على العامي ترْكَه.

٣٩٬٩٤٣

وقال أيضًا: في تقْديمِ الأدينِ على الأعْلَمِ وعكْسِه وَجْهان.

٣٩٬٩٤٤

قلتُ.: ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، تقْدِيمُ الأدينِ؛ حيثُ قيلَ له: مَن نسْألُ بعدَك؟ قال: عَبْدَ الوَهَّابِ الوَرَّاقَ؛ فإنَّه صالِح، مِثْلُه يُوَفَّقُ للحَق.

٣٩٬٩٤٥

قال في «الرعايةِ»: ولا يكْفِيهِ مَن لم تسْكُنْ نفْسُه إليه، وقدَّم الأعْلَمَ على الأوْرَعِ. انتهى.

٣٩٬٩٤٦

فإنِ اسْتَوَى مُجْتَهِدان، تَخَيَّرَ. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه مِن الأصحابِ.

٣٩٬٩٤٧

وقال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: وقال بعْضُ الأصحابِ: هل يَلْزَمُ المُقَلِّدَ التَّمَذْهُبُ بمَذهَبٍ، والأخْذُ برُخَصِه وعَزائمِه؟ فيه وَجْهان.

٣٩٬٩٤٨

قلتُ: قال في «الفُروعِ»، في أثْناءِ بابِ شُروطِ من تُقْبَلُ شهادَتُه: وأمَّا لُزومُ التَّمَذْهُبِ بمَذْهَب، وامْتِناعُ الانْتِقالِ إلى غيرِه في مَسْألةٍ، ففيه وَجْهان، وِفاقًا لمالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُما اللهُ، وعَدَمُه أشْهَرُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

انتهى. قال في «إعْلامِ المُوَقِّعِينَ»: وهو الصَّوابُ المَقْطُوعُ به.

٣٩٬٩٤٩

وقال في «أصُولِه»: عدَمُ اللُّزومِ قولُ جُمْهورِ العُلَماءِ، فَيَتَخَيَّرُ.

٣٩٬٩٥٠

وقال في «الرِّعايةِ الكبرى»: يَلْزَمُ كلَّ مُقَلِّدٍ أنْ يَلْتَزِمَ بمَذهَبٍ مُعَين في الأشْهَرِ، فلا يُقَلِّدُ غيرَ أهْلِه.

٣٩٬٩٥١

وقيلَ: بلَى. وقيل: ضَرُورَةً. فإنِ الْتَزَمَ فيما يُفْتِي به، أو عَمِلَ به، أو ظَنَّه حقَّا، أو لم يجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ، لَزِمَ قَبُولُه، وإلَّا فلا. انتهى. واخْتارَ الآمِدِي مَنْعَ الانْتِقالِ فيما عَمِلَ به. وعندَ بعْضِ الأصحابِ، يَجْتَهِدُ في أصحِّ المذاهبِ فيَتَبِعُه.

٣٩٬٩٥٢

وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الذينِ، رَحِمَه اللهُ: في الأخْذِ برُخَصِه وعَزائِمِه طاعَةُ غيرِ الرَّسُولِ، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، في كلِّ أمْرِه ونَهْيِه، وهو خِلافُ الإجْماعِ. وتوَقَّفَ أيضًا في جَوازِه،

٣٩٬٩٥٣

وقال أيضًا: إنْ خالفَه لقُوَّةِ دَليل، أو زِيادَةِ عِلْمٍ أو تَقْوَى، فقد أحْسَنَ، ولا يَقْدَحُ في عَدالتِه، بلا نِزاع.

٣٩٬٩٥٤

وقال أيضًا: بل يجِبُ في هذه الحالِ، وأنَّه نصُّ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ هُبَيرَةَ.

٣٩٬٩٥٥

وقال في «آدابِ المُفْتِي»: هل للعاميِّ أنْ يتَخَيَّرَ ويُقَلِّدَ أيَّ مَذهبٍ شاءَ، أم لا؟

٣٩٬٩٥٦

فإنْ كان مُنْتَسِبًا إلى مذهبٍ مُعَيَّن، بنَينَا ذلك على أنَّ العامِّيَّ هل له مذهب، أمْ لا؟ وفيه مذهَبان، أحدُهما، لا مذهبَ له، فله أنْ يسْتَفْتِيَ مَن شاءَ مِن أرْبابِ المذاهب، سِيَّما إنْ قُلْنا: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. والوَجْهُ الثَّاني، له مذَهب؛ لأنه اعْتَقَدَ أنَّ المذهبَ الذي انْتَسَبَ إليه هو الحقُّ، فعليه الوَفاءُ بمُوجَبِ اعْتِقادِه، فلا يسْتَفْتِي مَن يُخالِفُ مذهبَه.

٣٩٬٩٥٧

وإنْ لم يكُن انْتَسَبَ إلى مذهبٍ مُعَيَّن، انْبَنَى على أنَّ العامِّيَّ، هل يَلْزَمُه أنْ يتَمَذْهَبَ بمَذْهَبٍ مُعَيَّن يأخُذُ برُخَصِه وعَزائمِه؟ وفيه مذهَبان؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه، كما لم يَلْزَمْ في عَصْرِ أوائلِ الأمَّةِ أنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يَخُصَّ العامِّي عالِمًا مُعَيَّنًا يُقَلِّدُه، سِيَّما إنْ قُلْنا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصيبٌ. فعلى هذا، هل له أنْ يسْتَفْتِيَ على أيِّ مذهَبٍ شاءَ، أم يَلْزَمُه أنْ يبْحَثَ حتى يعْلَمَ -عِلْمَ مِثْلِه- أسَدَّ المَذاهبِ، وأصَحَّها أصْلًا؟ فيه مَذهبان.

٣٩٬٩٥٨

والثَّاني، يَلْزَمُه ذلك، وهو جارٍ في كل مَن لم يبلُغ درَجَةَ الاجْتِهادِ مِنَ الفُقَهاءِ وأرْبابِ سائرِ العُلومِ. فعلى هذا الوَجْهِ، يَلْزَمُه أنْ يَجْتَهِدَ في اخْتِيارِ مذهَبٍ يُقَلدُه على التَّعْيِينِ، وهذا أوْلَى بإلْحاقِ الاجْتِهادِ فيه على العامي ممَّا سَبَقَ في الاسْتِفْتاءِ. انتهى.

٣٩٬٩٥٩

ولا يجوزُ للعامِّي تَتَبُّعُ الرُّخَصِ. ذكَرَه ابنُ عَبْدِ البَر إجْماعًا. ويَفْسُقُ عندَ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، وغيرِه. وحَمَلَه القاضي على مُتَأوِّلٍ أو مقَلِّدٍ. قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: وفيه نظر. قال: وذكَر بعْضُ أصحابِنا في فِسْقِ مَن أخَذَ بالرُّخَصِ رِوايتَين،

٣٩٬٩٦٠

وإنْ قَوِيَ دَليلٌ أو كان عاميًّا، فلا. كذا قال. انتهى.

٣٩٬٩٦١

وإذا اسْتَفْتَى واحِدًا أخَذ بقَوْلِه. ذكَرَه ابنُ البَنَّا وغيرُه. وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه».

٣٩٬٩٦٢

وقال: والأشْهَرُ، يَلْزَمُه بالْتِزامِه. وقيل: وبظَنِّه حقا.

٣٩٬٩٦٣

وقيل: وبعَمَل به. وقيل: يَلْزَمُه إنْ ظنَّه حقا.

٣٩٬٩٦٤

وإنْ لم يجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ، لَزِمَه، كما لو حكَمَ به حاكِم.

٣٩٬٩٦٥

وقال بعْضهم: لا يَلْزَمُه مُطْلَقًا إلَّا مع عدَمِ غيرِه.

٣٩٬٩٦٦

ولو سألَ مُفْتِيَين، واخْتَلفا عليه، تَخَيَّرَ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم. قال أبو الخَطَّابِ: هو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله. وذكَر ابنُ البَنَّا وَجْهًا، أنَّه يأخُذُ بقَوْلِ الأرْجَحِ. واخْتارَه بعْضُ الأصحابِ. وقدَّم في «الرَّوْضَةِ»، أنه

٣٩٬٩٦٧

فَصْل: وَإنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُل يَصْلُحُ للقَضَاءِ، فَحَكَّمَاهُ بَينَهُمَا، فَحَكَمَ، نَفَذَ حُكمُهُ في الْمَالِ.

يَلْزَمُه الأخْذُ بقوْلِ الأفْضَلِ في عِلْمِه ودِينه. قال الطوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه»: وهو الظاهِرُ . وذكَر [ابنُ البَنَّا أيضًا] وَجْهًا آخَرَ، يأخُذُ بأغْلَظِهما.

٣٩٬٩٦٨

وقيل: يأخُذ بالأخَفِّ. وقيل: يسْألُ مُفْتِيًا آخَرَ.

٣٩٬٩٦٩

وقيل: يأخُذُ بأرْجَحِهما دَلِيلًا. وقال في «الفُروعِ»، في باب.

٣٩٬٩٧٠

اسْتِقْبال القِبْلَةِ: ولو سألَ مُفْتِيَين، فاخْتَلَفا، فهل يأخُذُ بالأرْجَحِ، أو الأخَفِّ، أو الأشدّ، أو يُخيَّرُ؟ فيه أوْجُهٌ في المذهبِ، وأطْلَقَهُن.

٣٩٬٩٧١

وإنْ سألَ، فلم تسْكُنْ نفْسُه، ففي تَكْرارِه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ» في بابِ اسْتِقْبالِ القِبْلةِ.

٣٩٬٩٧٢

وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ»: أظْهَرُهما، لا يَلْزَمُه. فهذه جملة صالحة نافعةٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

لا يتكلم على هذه المسألة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.