ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْأَيْتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَالْوُقُوفِ
الشروح عليها
مسألة: (ثم يَنْظُرُ في أمْرِ اليَتَامَى والمَجانِينِ والوُقُوفِ) والنَّظَرُ في ذلك بالنَّظَرِ في أمْرِ الأوْصِياءِ، ونُظَّارِ الوُقُوفِ؛ لأنَّهم يكونون ناظِرِين في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِينِ وتَفْرِقَةِ الوصيةِ بينَ المساكِينِ، [وتَفْرِقَةِ الوَصايا والوُقُوفِ على أرْبابِها، فيَقْصِدُهم الحاكمُ بالنَّظَرِ]؛ لأنَّ المَنْظُورَ عليه إن كان مِن الأيتامِ والمَجانِينِ، لم تُمْكِنْهم المُطالبَةُ؛ لأنَّهم لا قولَ لهم،
وإن كانوا مَساكِينَ، ولم يَتَعَيَّنِ الأخْذُ منهم،
فإذا قَدِمَ إليه الوَصِيُّ، فإن كان الحاكمُ قبلَه نَفَّذَ وَصِيَّتَه، لم يَعْزِلْه؛ لأنَّ الحاكمَ ما نَفَّذَ وَصِيَّتَه إلَّا بعدَ مَعْرِفةِ أهْلِيَّتِه في الظاهِرِ، ولكنْ يُراعِيه،
فإن تَغَيَّرتْ حالُه بفِسْقٍ أو ضَعْفٍ، أضاف إليه أمِينًا قَويًّا يُعِينُه،
وإن كان الأوَّلُ ما نَفَّذَ وَصِيَّتَه، نَظَر فيه،
فإن كان أمِينًا قَويًّا، أقَرَّه،
وإن كان أمِينًا ضعيفًا، ضَمَّ إليه مَن يُعِينُه،
وإن كان فاسِقًا، عَزَلَه وأقام غيرَه. وعلى قولِ الخِرَقِيِّ، يُضَمُّ إليه أمِينٌ يَنْظُرُ عليه.
فإن كان قد تَصَرَّفَ، أو فَرَّقَ الوَصِيَّةَ، وهو أهْلٌ للوَصِيَّةِ، نَفَّذَ تَصَرُّفَه،
وإن كان ليسَ بأَهْلٍ، وكان المُوصَى لهم بالِغينَ عَاقِلينَ مُعيَّنِينَ صَحَّ الدَّفْعُ إِلَيهم؛ لأنَّهم قَبضُوا حُقُوقَهم،
وإن كانوا غيرَ مُعَيَّنِينَ، كالفُقَراءِ والمساكينِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، عليه الضَّمانُ. ذَكَرَه القاضي، وأصْحابُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ليس له التَّصَرُّفُ.
والثاني، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى أهْلِه.
وكذلك إن فَرَّقَ الوَصِيَّةَ غيرُ المُوصَى إليه بتَفْرِيقِها، فعلى الوَجْهَين.
فصل: ويَنْظُرُ في أُمَناءِ الحاكمِ وهم مَن رَدَّ إليهم الحاكمُ النَّظَرَ في أمْرِ الأطْفالِ، وتَفرِقَةِ الوصايا التي لم يَتَعَيَّنْ لها وَصِيٌّ،
فإن كانوا بحالِهم، أقَرَّهمِ؛ لأنَّ الذي قَبْلَه وَلَّاهم،
ومَن تَغَيَّرَ حالُه، عَزَلَه إن فَسَق،
وإن ضَعُفَ، ضَمَّ إليه أمِينًا. فصل: ثم يَنْظُرُ في أمرِ الضَّوالِّ واللُّقَطَةِ التي يَتَوَلَّى الحاكمُ حِفْظَها؛
فإن كانت ممَّا يُخافُ تَلَفُه، كالحيوانِ، أو في حِفْظِه مُؤْنَةٌ، كالأمْوالِ الجافِيَةِ ، باعَها، وحَفِظَ ثمنَها لأرْبابِها،
وإن لم تكنْ كذلك، كالأثْمانِ، حَفِظَها لأرْبابِها، ويَكْتُبُ عليها لتُعَرَّفَ .
٤٨٦٣ -
(ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْأَيْتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَالْوُقُوفِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ الْمُطَالَبَةَ، لِأَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا قَوْلَ لَهُمَا، وَأَرْبَابُ الْوُقُوفِ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يَتَعَيَّنُونَ. وَيَنْظُرُ أَيْضًا فِي الْوَصَايَا الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَاظِرٌ مُعَيَّنٌ.
فَلَوْ نَفَّذَ الْأَوَّلُ وَصِيَّتَهُ لَمْ يَعْزِلْهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعْرِفَةُ أَهْلِيَّتِهِ، لَكِنْ يُرَاعِيهِ، فَدَلَّ أَنَّ إِثْبَاتَ صِفَةٍ كَعَدَالَةٍ وَجَرْحٍ وَأَهْلِيَّةِ وَصِيَّةٍ وَغَيْرِهَا حُكْمٌ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ثم ينظرُ في أمر الأيتام والمجانين والوقوف. ثم في حال القاضي قبله، فإن كان ممن يصلح للقضاء لم ينقض من أحكامه إلا ما خالف نص كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعاً. وإن كان ممن لا يصلح نَقَضَ أحكامه وإن وافقت الصحيح. ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها) .
أما كون القاضي ينظر في أمر الأيتام والمجانين والوقوف بعد النظر في أمر المحبسين؛ فلأن المنظور عليه لا يمكنه المطالبة؛ لأن الصبي والمجنون لا قول لهما. وأرباب الوقوف؛ كالفقراء والمساكين لا يتعيَّنون.
وأما كونه ينظر في حال القاضي قبله فظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا على أن القاضي المتولي يتبع قضايا القاضي قبله؛ لأنه يحتمل أن يكون مصيباً، ويحتمل أن لا يكون مصيباً.
وقال في المغني: ليس عليه ذلك؛ لأن الظاهر صحة قضايا من قبله وصوابُها. وأنه لا يُولى إلا من هو أهلُ الولاية.
وهذا صحيح لكن في غير قُضاة هذا الزمان. فعلى هذا يترجح وجوب تتبّعها.
وأما كونه لا ينقض من أحكام من يصلح للقضاء ما لم يخالف ما ذكره؛ فلأنه يؤدي إلى أنه لا يثبت حكم أصلاً؛ لأن الحاكم الثالث يخالف الثاني، والرابع يخالف الثالث وهلم جرَّا. ولذلك أن عمر رضي الله عنه خالف أبا بكر في مسائل، وخالف علي عمر في مسائل، ولم ينقض واحد منهما على الآخر.
وفي الحديث:«أن أهل نجران جاؤوا إلى علي. فقالوا: يا أمير المؤمنين! كتابكَ بيدكَ وشفاعتُكَ بلسانك. فقال: ويحكم! إن عمرَ كان رشيدَ الأمر. ولا أردُ قضاء قضى به عمر». رواه سعيد. وروي «أن عمر حكم في المشرّكة بإسقاط الأخوة من الأبوين. ثم شرّك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا».
وقضى في الجد بقضايا مختلفة الحال .
وأما كونه ينقض ما خالف نص كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعاً؛ فلأنه حكم لم يصادف شرطه. فوجب نقضه. بيان مخالفة الشرط: أن الشرط الاجتهاد وعدم مخالفة ما ذكر.
ولأنه إذا وجد ذلك فقد فرّط. فوجب نقض حكمه؛ كما لو حكم بشهادة كافرين.
إذا ثبت هذا فظاهر إطلاق المصنف رحمه الله هنا أن القاضي المتولي ينقض حكم القاضي قبله سواء كان من حقوق الله أو حقوق الآدميين.
وفي المغني: إن كان الحق لله؛ كالعتاق والطلاق نقضه؛ لأن له النظر في حقوق الله سبحانه،
وإن كان يتعلق بحقوق الآدميين لم ينقضه إلا بمطالبة صاحبه؛ لأن الحاكم لا يستوفي حقاً لمن لا ولاية له عليه من غير مطالبة.
وأما كونه ينقض أحكام من لا يصلح للقضاء إذا لم توافق الصحيح؛ فلأن حكمه غير صحيح، وقضاؤه كلا فضاء؛ لعدم شرط القضاء فيه.
ولأن المانع من نقض حكم الصالح للقضاء نقض الاجتهاد بالاجتهاد وهو مفقود هاهنا؛ لأن الأول ليس باجتهاد بحال.
وأما كونه ينقض أحكامه إذا وافقت الصحيح على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونه يحتمل أن لا ينقض أحكامه الصواب منها؛ فلعدم الفائدة في ذلك. وهذا الاحتمال أصح؛ لما ذكر.
ولأن الحق وصل إلى مستحقه. فلم يجز نقض الحكم به؛ كحكم الصالح للقضاء.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.