وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: ما لي بَيِّنَةٌ. فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه، فيُعْلِمُه أنَّ له اليمينَ على خَصْمِه، فإن سأله إحْلافَه، أحْلَفَه) لأنَّ الحَقَّ له،
فإذا أحْلَفَه خَلَّى سَبِيلَه. وليس له اسْتِحْلافُه قبلَ مسألةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ اليمينَ حقٌّ له، فلم يَجُزِ اسْتِيفاؤُها قبلَ مُطالبَةِ مُسْتَحِقِّها، كنفسِ الحقِّ، وسَقَطَتِ الدَّعْوى؛ لِما رَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ رجلًا مِن حَضْرَ مَوْتَ، ورجلًا مِن كِنْدَةَ، أتَيا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال الحَضْرَمِيُّ: إنَّ هذا غَلَبَنِي على أرْضٍ لي، وَرِثْتُها مِن أبي.
وقال الكِنْدِيُّ: أرْضِى، وفي يَدِي، لا حقَّ له فيها. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «شَاهِدَاكَ أوْ يمينُه». قال: إنَّه لا يَتَوَرَّعُ مِن شيءٍ. قال:«لَيسَ لَكَ إلَّا ذلك». رَواه مسلمٌ بمعناه . ٤٨٧٩ -
(وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ. (فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ قَال: ما لِي بَيِّنَةٌ. فالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه، فَيُعْلِمُه أَنَّ له الْيَمِينَ على خَصْمِه، وإِنْ سأَلَ إِحْلافَه، أَحْلَفَه، وخَلَّى سَبِيلَه. وليسَ له اسْتِحْلافُه قبلَ سُؤالِ المُدَّعِي؛ لأنَّ اليمينَ حقٌّ له.
وقال في «الفُروعِ»: وإنْ قال المُدَّعِي: ما لِي بَيِّنَةٌ. أعْلَمَه الحاكِمُ بأنَّ له اليمينَ على خَصْمِه. قال: وله تحْلِيفُه مع عِلْمِه قُدْرَتَه على حقِّه. نصَّ عليه. نقَل ابنُ هانِئٍ، إنْ عَلِمَ عندَه مالًا لا يُؤَدِّي إليه حقَّه، أرْجُو أنْ لا يأْثَمَ. وظاهِرُ رِوايةِ أبي طالِبٍ، يُكْرَهُ. وقاله شيخُنا، ونقَله مِن «حَواشِي تعْليقِ القاضي». وهذا يدُلُّ على تحْريمِ تَحْليفِ البَرِئِ دُونَ الظَّالمِ. انتهى.
فائدة: يكونُ تَحْلِيفُه على صِفَةِ جَوابِه لخَصْمِه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نصَّ عليه. وجزَم به في «الرِّعايةِ»، و «الوَجيزِ»، و [«المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». ذكَراه في آخِرِ بابِ اليمينِ في الدَّعاوَى] . وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه .
وعنه، يحلِفُ على صِفَةِ الدَّعْوى.
وعنه، يَكْفِي تحْلِيفُه: لا حَقَّ لكَ عليَّ.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: أَحْلَفَه وخَلَّى سَبِيلَه. أنَّه لا يُحَلِّفُه ثانيًا بدَعْوى أُخْرى. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ مُطْلَقًا؛ فَيَحْرُمُ تحْلِيفُه. أَطْلَقَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما . وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايةِ»: له تحْلِيفُه عندَ مَن جَهِلَ حَلِفَه عندَ غيرِه؛ لبَقاءِ الحقِّ، بدَلِيلِ أخْذِه ببَيِّنَةٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو أمْسَكَ عن تحْلِيفِه، وأرادَ تحْلِيفَه بعدَ ذلك بدَعْواه المُتَقَدِّمَةِ، كانَ له ذلك.
ولو أَبْرَأَه مِن يَمِينِه، بَرِئَ منها في هذه الدَّعْوى،
فلو جدَّد الدَّعْوى وطَلَبَ اليَمِينَ، كان له ذلك. جزَم به في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم .
الثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ يَمِينٌ في حقِّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ إلَّا بعدَ الدَّعْوى عليه وشَهادَةِ الشَّاهِدِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال في «الرِّعايةِ»: إلَّا بعدَ الدَّعْوى، وشَهادَةِ الشَّاهِدِ، والتَّزْكِيَةِ.
وقال في وَإِنْ أَحْلَفَهُ، أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ.
«التَّرْغيبِ»: يَنْبَغِي أنْ تتَقدَّمَ شَهادَةُ الشَّاهِدِ، وتَزْكِيَتُه اليَمِينَ.
قال: (وإن قال المدعي: ما لي بينة فالقول قول المنكر مع يمينه. فيعلمه أن له اليمين على خصمه. فإن سأل إحلافه أحلفه وخلى سبيله. وإن أحلفه أو حلف هو من غير سؤال المدعي لم يُعتد بيمينه) .
أما كون القول فيما ذكر قول المنكر؛ فلأن الأصل براءة ذمته.
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلاحتمال كون المدعي مُحقاً.
وأما كون الحاكم يُعلم المدعي أن له على خصمه اليمين؛ فلأنه موضع حاجة.
وأما كونه يحلف المدعى عليه إذا سأله المدعي ذلك؛ فلأن اليمين طريق إلى تخليص حقه. فلزم الحاكم إجابة المدعي إليه؛ كسماع البينة.
وأما كونه يخلي سبيله إذا أحلفه؛ فلأنه لم يتوجه عليه حق.
وأما كونه إذا أحلفه أو حلف هو من غير سؤال المدعي لا يُعتد بيمينه؛ فلأنه أتى باليمين في غير موضعها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.