وَالتَّعْدِيلِ إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ جَازَ وَهَذِهِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعُ،
الشروح عليها
(وهذه جارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ، لا يُجْبَرُ عليها المُمْتَنِعُ منها، [ولا] (٢) يَجُوزُ فيها إلَّا ما يَجُوزُ في البَيْعِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّريكَيْن والشُّركاءَ في شيءٍ، رَبْعًا كان أو غيرَه - والرَّبْعُ هو العَقارُ مِن الدُّورِ ونحوِها - إذا طَلَبَا مِن الحاكمِ أن يَقسِمَه بينَهما، أجابَهما إليه وإن لم يَثْبُتْ عندَه مِلْكُهما. وبهذا قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان عَقارًا نَسَبُوه إلى ميراثٍ، لم يَقْسِمْه حتَّى يَثْبُتَ الموتُ والوَرَثَةُ؛ لأنَّ المِيراثَ باقٍ على حُكْمِ مِلْكِ الميِّتِ، فلا يَقْسِمُه احْتِياطًا للمَيِّتِ، وماعَدا العَقارَ يَقْسِمُه وإن كانَ مِيراثًا؛ لأنَّه يَثْوِى ويَهْلِكُ، وقِسْمَتُه تَحْفَظُه،
وكذلك العقارُ الَّذي لا يُنْسَبُ إلى الميراثِ.
وظاهِرُ قولِ الشافعىِّ، أنَّه لا يُقْسَمُ، عقارًا كان أو غيرَه، ما لم يَثْبُتْ مِلْكُهما؛ لأنَّ قَسْمَه بقولِهم لو رُفِع بعدَ ذلك إلى حاكمٍ آخرَ سَهُل أن يَجْعَلَه حُكْمًا لهم، ولعلَّه أن يكونَ لغيرِهم. ولَنا، أنَّ اليَدَ تَدُلُّ على الملكِ، ولا مُنازِعَ لهم، فيَثْبُتُ لهم من طريقِ الظاهرِ، ولهذا يجوزُ لهم التَّصَرُّفُ فيه،
ويجوزُ شِراؤُه منهم، واتِّهابُه، واسْتِئْجارُه. وما ذَكَرَه الشافعىُّ يَنْدَفِعُ إذا أثْبَتَ في القضيةِ : إنِّى قَسَمْتُه بينَهم بإقْرارِهم، لا عن بَيَّنةٍ شَهِدَتْ لهم أنَّه مِلْكُهم، وكلُّ ذى حُجَّةٍ على حُجَّتِه. وما ذَكَرَه أبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الظّاهِرَ تَمَلُّكُهم، ولا حَقَّ للمَيِّتِ فيه، إلَّا أن يكونَ عليه دَيْنٌ، وما ظَهَر، والأصْلُ عَدَمُه، ولهذا اكْتَفَيْنا به في غيرِ العَقارِ، وفيما لم يَنْسِبُوه إلى الميراثِ.
٤٩٣٩ -
(وَالتَّعْدِيلِ) مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْأَرْضِ بِئْرٌ يُسَاوِي مِائَةً،
وَفِي الْآخَرِ مِنْهَا بِنَاءٌ يُسَاوِي مِائَةً، تَكُونُ الْقِسْمَةُ قِسْمَةَ إِجْبَارٍ لَا قِسْمَةَ تَرَاضٍ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ الْبِئْرُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَعَ نِصْفِ الْأَرْضِ، وَالْبِنَاءُ لِلْآخَرِ مَعَ نِصْفِ الْأَرْضِ. (إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ جَازَ) فَأَجَازَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا،
وَإِنْ طَلَبَا مِنَ الْحَاكِمِ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَهُمَا أَجَابَهُمَا إِلَيْهِ،
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِلْكُهُمَا ; لِأَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ، فَثَبَتَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ. وَلِهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مِنَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ كَالِاتِّهَابِ. (وَهَذِهِ) الْقِسْمَةُ. (جَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ) لِمَا فِيهَا مِنَ الرَّدِّ، وَبِهَذَا تَصِيرُ بَيْعًا ; لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ بَذَلَ الْمَالَ عِوَضًا عَمَّا حَصَلَ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ، وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ. (لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعُ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ:«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلَهُمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ.» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَلِأَنَّهُ إِتْلَافٌ وَسَفَهٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَجْرَ، أَشْبَهَ هَدْمَ الْبِنَاءِ، وَلِأَنَّ فِيهَا
إِمَّا ضَرَرٌ وَإِمَّا رَدُّ عِوَضٍ، وَكِلَاهُمَا لَا يُجْبَرُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ. لَكِنْ إِذَا دَعَا شَرِيكَهُ إِلَى بَيْعٍ فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ أُجْبِرَ،
فَإِنْ أَبَى بِيعَ عَلَيْهِمَا، وَقُسِّمَ الثَّمَنُ. نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ وَحَنْبَلٌ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَالْفُصُولِ وَالْإِفْصَاحِ وَالتَّرْغِيبِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا الْإِجَارَةُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ فِي وَقْفٍ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِي الْإِجَارَةِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَدِدْتُ لَوْ مُحِيَ مِنَ الْمَذْهَبِ.
قَالَ: وَقَدْ عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى مَمَالِيكِهِ، بَاعَهُمُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
فَإِذَا صِرْنَا إِلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ شَرِيكٍ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَمِلْكٌ، فَلِمَ لَا يَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ شَرِيكٍ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا مِلْكَ!
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (والأرض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بالأجزاء والتعديل إذا رضوا بقسمتها أعياناً بالقيمة جاز) .
أما كون قسمة الأرض المذكورة على الصفة المذكورة يجوز؛ فلأن الحق للشريكين.
فإذا تراضيا بقسمةٍ موصوفةٍ لم يكن لأحد الاعتراضُ عليهما.
وأما كون ما ذكر من البئر أو البناء لا يمكن قسمته بالأجزاء والتعديل؛ فلأنه إذا كان يمكن قسمته بالأجزاء؛ مثل: أن يكون البئر واسعاً يمكن أن يجعل نصفها لواحدٍ ونصفها للآخر ويجعل بينهما حاجز في أعلاه، أو البناء كبيراً يجعل لكل واحد منهما نصفه، أو بالتعديل مثل: أن يكون في أحد جانبي الأرض بئر تساوي مائة وفي جانبها الآخر بناء يساوي مائة تكون القسمة قسمة إجبار لا قسمة تراضٍ؛ لأنه يمكن أن يجعل البئر لأحد الشريكين مع نصف الأرض والبناء للآخر مع نصف الأرض.
قال: (وهذه جارية مجرى البيع، لا يجبرُ عليها الممتنع منها، ولا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع) .
أما قول المصنف: وهذه؛ فإشارة إلى قسمة التراضي.
وأما كونها جارية مجرى البيع؛ فلأنها في معناه.
وأما كون الممتنع منها لا يجبر؛ فلأن فيها
إما ضرر، وإما رد عوض،
وكلاهما لا يجبر الإنسان عليه: أما الأول؛ فلما فيه من الضرر.
وأما الثاني؛ فلأنه معاوضة، والمعاوضة لا يجبر عليها.
وأما كونها لا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع؛ فلأنها جارية مجراه. فوجب أن لا يجوز فيها إلا ما يجوز فيه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.