فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: ومن حج وهو غير بالغ فبلغ، أو عبد فعتق فعليه الحج. ش: من حج وهو صبي ثم بلغ أو [وهو] عبد ثم عتق لم يجزئهما عن حجة الإسلام، وعليهما الحج بعد البلوغ والعتق.

١٤٣٥ - لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» رواه البيهقي [وغيره] وقال بعض الحفاظ: ولم يرفعه إلا يزيد بن زريع عن شعبة وهو ثقة.

١٤٣٦ - وعن محمد بن كعب القرظي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال «أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله، فمات أجزأت عنه، فإن عتق فعليه الحج» ذكره أحمد في رواية ابنه عبد الله هكذا مرسلا ولأنهما فعلا الحج قبل وجوبه عليهما فلم يجزئهما، أصله إذا صلى الصبي الصلاة ثم بلغ في وقتها، مع أن هذا قول عامة أهل العلم إلا شذوذا، بل قد حكاه الترمذي إجماعا.

وقد فهم [من] كلام الخرقي أنه يصح حج الصبي والعبد، ولا ريب في ذلك لما تقدم، ولأن العبد من أهل العبادات والتكاليف في الجملة.

١٤٣٧ - وروى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لقي ركبا بالروحاء فقال «من القوم؟» قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال «أنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال «نعم، ولك أجر» رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وفي رواية لمسلم «صبيا صغيرا» . واقتضى كلام الخرقي أيضا أن الحج لا يجب عليهما وإلا لأجزأهما، وهو كذلك، لما تقدم من حديثي ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي، ولأن الصبي القلم مرفوع عنه، والعبد مشغول بحقوق سيده، والحج تطول مدته غالبا، ويعتبر له الزاد والراحلة، فلم يجب على العبد كالجهاد.

(تنبيه) : لو حصل العتق أو البلوغ قبل الفراغ من الحج، فإن كان بعد فوات وقت الوقوف لم يجزئهما ذلك عن حجة الإسلام بلا ريب، لفوات الركن الأعظم وهو الوقوف، وإن كان في وقت يدركان معه الوقوف ووقفا، نظرت فإن كان قبل السعي، أو بعده - وقلنا السعي ليس بركن - أجزأتهما تلك الحجة عن حجة الإسلام، لإدراكهما الركن [الأعظم] وهو الوقوف، والإحرام مستصحب.

١٤٣٨ - واعتمد أحمد بأن ابن عباس قال: إذا أعتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجته، وإن أعتق بجمع لم تجزئ عنه. وإن كان العتق أو البلوغ بعد السعي، وقلنا بركنيته فوجهان (أحدهما) - واختاره ابن عقيل تبعا لقول شيخه في المجرد: أنه قياس المذهب - لا يجزئه، لوقوع الركن في غير وقت الوجوب، أشبه ما لو كبر للإحرام ثم بلغ. (والثاني) - وهو اختيار القاضي أظنه في التعليق، وأبي الخطاب، وظاهر كلام أبي محمد - يجزئه، نظرا لحصول الركن الأعظم وهو الوقوف، وجعلا لغيره تبعا له، والله أعلم.

لا زيادة له على هذه المسألة.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَة الصَّبِيَّ إذَا حَجَّ وَالْعَبْدَ إذَا حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدُ] (٢٢٤٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ حَجَّ وَهُوَ غَيْرُ بَالِغٍ، فَبَلَغَ، أَوْ عَبْدٌ فَعَتَقَ، فَعَلَيْهِ الْحَجُّ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، إلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ خِلَافًا عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا حَجَّ فِي حَالِ صِغَرِهِ، وَالْعَبْدَ إذَا حَجَّ فِي حَالَ رِقِّهِ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدُ، أَنَّ عَلَيْهِمَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، إذَا وَجَدَا إلَيْهِمَا سَبِيلًا. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ.

٩٬١٩١

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجَدِّدَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ عَهْدًا، أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ، فَمَاتَ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإِنْ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي (سُنَنِهِ) ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي (مُسْنَدِهِ) ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ. وَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَعَلَهَا قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهَا، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَهَا عَلَيْهِ فِي وَقْتِهَا، كَمَا لَوْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى، ثُمَّ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ.

٩٬١٩٢

[فَصْل بَلَغَ الصَّبِيّ أَوْ عِتْق الْعَبْد بِعَرَفَةَ أَوْ قَبْلهَا غَيْرَ مُحْرِمِينَ فَأَحْرَمَا وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ وَأَتَمَّا الْمَنَاسِك] (٢٢٤٩) فَصْلٌ: فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ، أَوْ قَبْلَهَا، غَيْرَ مُحْرِمَيْنِ، فَأَحْرَمَا وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ، وَأَتَمَّا الْمَنَاسِكَ، أَجْزَأْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُمَا شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَلَا فَعَلَا شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ وُجُوبِهِ.

٩٬١٩٣

وَإِنْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْعِتْقُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ، أَجْزَأْهُمَا أَيْضًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَهُ الْحَسَنُ فِي الْعَبْدِ.

٩٬١٩٤

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُمَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.

٩٬١٩٥

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُجْزِئُ الْعَبْدَ،

٩٬١٩٦

فَأَمَّا الصَّبِيُّ، فَإِنْ جَدَّدَ إحْرَامًا بَعْدَ أَنْ احْتَلَمَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُمَا لَمْ يَنْعَقِدْ وَاجِبًا، فَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ، كَمَا لَوْ بَقِيَا عَلَى حَالِهِمَا.

وَلَنَا، أَنَّهُ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ حُرًّا بَالِغًا فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ تِلْكَ السَّاعَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ طَاوُسٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس: إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ؛

٩٬١٩٧

فَإِنْ أُعْتِقَ بِجَمْعٍ، لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا تُجْزِئْ. وَمَالِكٌ يَقُولُهُ أَيْضًا، وَكَيْفَ لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ لَوْ أَحْرَمَ تِلْكَ السَّاعَةَ كَانَ حَجُّهُ تَامًّا، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا هَؤُلَاءِ. وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَ خُرُوجِهِمَا مِنْ عَرَفَةَ، فَعَادَا إلَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ أَدْرَكَا مِنْ الْوَقْتِ مَا يُجْزِئُ وَلَوْ كَانَ لَحْظَةً.

٩٬١٩٨

وَإِنْ لَمْ يَعُودَا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، لَمْ يُجْزِئْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيُتِمَّانِ حَجَّهُمَا تَطَوُّعًا؛ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ الْمَفْرُوضِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا حَجَّا تَطَوُّعًا بِإِحْرَامٍ صَحِيحٍ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَأَشْبَهَا الْبَالِغَ الَّذِي يَحُجُّ تَطَوُّعًا.

٩٬١٩٩

فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا قُلْتُمْ إنَّ الْوُقُوفَ الَّذِي فَعَلَاهُ يَصِيرُ فَرْضًا، كَمَا قُلْتُمْ فِي الْإِحْرَامِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ يَصِيرُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَرْضًا؟ قُلْنَا: إنَّمَا اعْتَدَدْنَا لَهُ بِإِحْرَامِهِ الْمَوْجُودِ بَعْدَ بُلُوغه، وَمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ تَطَوُّعٌ لَمْ يَنْقَلِبْ فَرْضًا، وَلَا اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ، فَالْوُقُوفُ مِثْلُهُ، فَنَظِيرُهُ أَنْ يَبْلُغَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ لَهُ بِمَا أَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ، وَيَصِيرُ فَرْضًا دُونَ مَا مَضَى.

٩٬٢٠٠

[فَصْل بَلَغَ الصَّبِيّ أَوْ عِتْق الْعَبْد قَبْل الْوُقُوف أَوْ فِي وَقْته وَأَمْكَنَهُمَا الْإِتْيَان بِالْحَجِّ] (٢٢٥٠) فَصْلٌ: وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْوُقُوفِ، أَوْ فِي وَقْتِهِ، وَأَمْكَنَهُمَا الْإِتْيَانُ بِالْحَجِّ، لَزِمَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مَعَ إمْكَانِهِ، كَالْبَالِغِ الْحُرِّ.

٩٬٢٠١

وَإِنْ فَاتَهُمَا الْحَجُّ، لَزِمَتْهُمَا الْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَمْكَنَ فِعْلُهَا، فَأَشْبَهَتْ الْحَجَّ،

٩٬٢٠٢

وَمَتَى أَمْكَنَهُمَا ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلَا، اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِمَا بِإِمْكَانِهِ فِي مَوْضِعِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ بَعْدَهُ.

[فَصْل الْحَكَم فِي الْكَافِر يُسْلَم وَالْمَجْنُون يُفِيق فِي الْحَجّ] (٢٢٥١) فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ، وَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ، حُكْمُ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي جَمِيعِ مَا فَصَّلْنَاهُ، إلَّا أَنَّ هَذَيْنِ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا إحْرَامٌ،

٩٬٢٠٣

وَلَوْ أَحْرَمَا لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِبَادَات، وَيَكُونُ حُكْمُهُمَا حُكْمَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ.

[فَصْل إحْرَام الْعَبْدِ بِالْحَجِّ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ] (٢٢٥٢) فَصْلٌ: وَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِ حَجِّ الْعَبْدِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ: أَحَدُهَا، فِي حُكْمِ إحْرَامِهِ. الثَّانِي، فِي حُكْمِ نَذْرِهِ لِلْحَجِّ. الثَّالِثُ، فِي حُكْمِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْجِنَايَاتِ عَلَى إحْرَامِهِ. الرَّابِعُ، حُكْمُ إفْسَادِهِ وَفَوَاتِهِ. (٢٢٥٣) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي إحْرَامِهِ: وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحْرِمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ حُقُوقَ سَيِّدِهِ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ، بِالْتِزَامِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ،

٩٬٢٠٤

فَإِنْ فَعَلَ، انْعَقَدَ إحْرَامُهُ صَحِيحًا، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَصَحَّ مِنْ الْعَبْدِ الدُّخُولُ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَلِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ عَلَيْهِ تَفْوِيتًا لِحَقِّهِ مِنْ مَنَافِعِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ سَيِّدَهُ، كَالصَّوْمِ الْمُضِرِّ بِبَدَنِهِ.

وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ. وَإِذَا حَلَّلَهُ مِنْهُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَحْصَرِ. وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَلُّلُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَ عَبْدِهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ التَّطَوُّعَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فَنَظِيرُهُ أَنْ يُحْرِمَ عَبْدُهُ بِإِذْنِهِ،

٩٬٢٠٥

وَفِي مَسْأَلَتِنَا يُفَوِّتُ حَقَّهُ الْوَاجِبَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.

٩٬٢٠٦

فَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

٩٬٢٠٧

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ مَنَافِعَ نَفْسِهِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، كَالْمُعِيرِ يَرْجِعُ فِي الْعَارِيَّةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ، عَقَدَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ، كَالنِّكَاحِ، وَلَا يُشْبِهُ الْعَارِيَّةَ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً.

٩٬٢٠٨

وَلَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ، فَرَهَنَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ.

٩٬٢٠٩

وَلَوْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ فَحُكْمُ مُشْتَرِيهِ فِي تَحْلِيلِهِ حُكْمُ بَائِعِهِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ، فَأَشْبَهَ الْأَمَةَ الْمُزَوِّجَةَ وَالْمُسْتَأْجَرَةَ.

٩٬٢١٠

فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ.

٩٬٢١١

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلَهُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِمُضِيِّ الْعَبْدِ فِي حَجِّهِ، لِفَوَاتِ مَنَافِعِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَنَقُولُ: لَهُ تَحْلِيلُهُ. فَلَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ.

٩٬٢١٢

وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِحْرَامِ، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَعَلِمَ الْعَبْدُ بِرُجُوعِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ.

٩٬٢١٣

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَحْرَمَ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ، هَلْ يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[فَصْل نَذْر الْعَبْد لِلْحَجِّ] (٢٢٥٤) الْفَصْل الثَّانِي: إذَا نَذَرَ الْعَبْدُ الْحَجَّ، صَحَّ نَذْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ كَالْحُرِّ وَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الْمُضِيِّ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ حَقِّ سَيِّدِهِ الْوَاجِبِ، فَمُنِعَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْذُرْ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ حَامِدٍ.

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي مَنْعُهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ. وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، لَا عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

٩٬٢١٤

فَإِنْ أُعْتِقَ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.

٩٬٢١٥

فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، كَالْحُرِّ إذَا نَذَرَ حَجًّا.

[فَصْل فِي جِنَايَات الْعَبْد فِي إحْرَامه] (٢٢٥٥) الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي جِنَايَاتِهِ: وَمَا جَنَى عَلَى إحْرَامِهِ لَزِمَهُ حُكْمَهُ. وَحُكْمُهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ فَرْضُهُ الصِّيَامُ.

٩٬٢١٦

وَإِنْ تَحَلَّلَ بِحَصْرِ عَدُوٍّ، أَوْ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ، فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ، لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ فِعْلِهِ كَالْحُرِّ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ. نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، أَشْبَهَ صَوْمَ رَمَضَانَ.

٩٬٢١٧

فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا، وَأَذِنَ لَهُ فِي إهْدَائِهِ، وَقُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُهُ. فَهُوَ كَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ، لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِهِ.

٩٬٢١٨

وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ. فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ.

٩٬٢١٩

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ، فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ بَدَلًا عَنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِهِمَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ عَلَى سَيِّدِهِ تَحَمُّلَ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ، فَكَانَ عَلَى مَنْ أَذِنَ فِيهِ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ النَّائِبُ بِإِذْنِ الْمُسْتَنِيبِ. وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لِلْعَبْدِ، وَهَذَا مِنْ مُوجِبَاتِهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ، كَالْمَرْأَةِ إذَا حَجَّتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا. وَيُفَارِقُ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ؛

٩٬٢٢٠

فَإِنَّ الْحَجَّ لِلْمُسْتَنِيبِ فَمُوجِبُهُ عَلَيْهِ.

٩٬٢٢١

وَإِنْ تَمَتَّعَ أَوْ قَارَنَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَالصِّيَامُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.

٩٬٢٢٢

وَإِنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَهُوَ كَالْمُعْسِرِ مِنْ الْأَحْرَارَ.

[فَصْل إذَا وَطِئَ الْعَبْد فِي إحْرَامه قَبْل التَّحَلُّل الْأَوَّل] (٢٢٥٦) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: إذَا وَطِئَ الْعَبْدُ فِي إحْرَامِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، فَسَدَ، وَيَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، كَالْحُرِّ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْإِحْرَامُ مَأْذُونًا فِيهِ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إخْرَاجُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ صَحِيحِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ فَاسِدِهِ،

٩٬٢٢٣

وَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَحْلِيلَهُ مِنْ صَحِيحِهِ، فَالْفَاسِدُ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ مَأْذُونًا فِيهِ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ،

٩٬٢٢٤

وَيَصِحُّ الْقَضَاءُ فِي حَالِ رِقِّهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِيهِ، فَصَحَّ مِنْهُ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.

تعليق

ثُمَّ إنْ كَانَ الْإِحْرَامُ الَّذِي أَفْسَدَهُ مَأْذُونًا فِيهِ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ قَضَائِهِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ إذْنٌ فِي مُوجِبِهِ

٩٬٢٢٥

وَمُقْتَضَاهُ، وَمِنْ مُوجِبِهِ الْقَضَاءُ لِمَا أَفْسَدَهُ.

٩٬٢٢٦

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ مَنْعَهُ مِنْ قَضَائِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.

وَاحْتَمَلَ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَنْعَهُ مِنْ الْحَجِّ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.

٩٬٢٢٧

فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ.

٩٬٢٢٨

فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ، انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَبَقِيَ الْقَضَاءُ فِي ذِمَّتِهِ.

٩٬٢٢٩

وَإِنْ عَتَقَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ، وَأَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ مَا يُجْزِئُهُ، أَجْزَأْهُ الْقَضَاءُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَوْ كَانَ صَحِيحًا أَجْزَأَهُ، فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ.

٩٬٢٣٠

وَإِنْ أُعْتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يُجْزِئْهُ الْقَضَاءُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَا يُجْزِئُهُ، فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ. وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.

[مَسْأَلَة الْكَلَامُ فِي حَجِّ الصَّبِيِّ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ] [الْفَصْل الْأَوَّلُ فِي إحْرَام الصَّبِيّ] (٢٢٥٧) مَسْأَلَةٌ:

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.