ثم قد حل من كل شيء إلا النساء. والمرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة.
الشروح عليها
قال: ثم قد حل من كل شيء إلا النساء. ش: هذا المذهب
والمشهور من الروايتين.
١٧١٥ - لما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» . فقال رجل: والطيب؟
فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أما أنا فقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟» رواه أحمد، ورواه النسائي موقوفا على ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
(والرواية الثانية) : يحل من كل شيء إلا الوطء في الفرج، فتحل له القبلة، واللمس لشهوة، وعقد النكاح، لأن الوطء هو الأغلظ، ولهذا اختص الفساد به، [فيختص المنع به]
بخلاف غيره، ونقل الميموني في المتمتع إذا دخل الحرم حل له بدخوله كل شيء إلا النساء والطيب، قبل أن يقصر أو يحلق، وهذا يعطي رواية ثالثة.
١٧١٦ - ومرجعها قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما خطب الناس في عرفة فقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى غدا فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب، لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت، رواه مالك في الموطأ. والمعنى يعضده، إذ الطيب من دواعي النكاح، فهو كالقبلة. انتهى.
وقد أشعر كلام الخرقي بأمرين (أحدهما) أن الحلق أو التقصير نسك، ويثاب على فعله، ويذم بتركه، وهذا المشهور
والمختار للأصحاب من الروايتين، حتى إن القاضي في التعليق، وغيره، لم يذكروا خلافا، وذلك لقوله سبحانه: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: ٢٩] ، قيل: المراد به الحلق،
وقيل: بقايا أفعال الحج، من الرمي ونحوه، وعلى كليهما فقد دخل الحلق في الأمر،
وظاهره الوجوب، لا سيما وقد قرن بالوفاء بالنذور، وبالطواف، وأيضا قَوْله تَعَالَى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: ٢٧] ، فوصفهم وامتن عليهم بذلك، فدل على أنه من العبادة لتتميز به، وليعبر عنها به.
١٧١٧ - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبد رأسه وأهدى، فلما قدم مكة أمر نساءه أن يحللن، قلن: ما لك أنت لم تحل؟ قال: «إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من حجتي، وأحلق رأسي» . رواه أحمد،
ولو لم يكن نسكا لم يتوقف الحل عليه، وقد تقدم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا للمقصرين والمحلقين، وفاضل بينهم، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء،
ولما فاضل فيه، إذ لا تفاضل في المباح.
(والرواية الثانية) أنه إطلاق محظور كان محرما عليه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل، كاللباس والطيب، قال: «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «بما أهللت؟» . قال: بإهلال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «هل سقت الهدي؟» . قلت: لا. قال: «فطف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حل» . فطفت بالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني، وغسلت رأسي. الحديث» ، وقد تقدم، فظاهره أن الحل مرتب على الطواف والسعي، وهو الذي فهمه أبو موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فإنه لم يذكر أنه قصر، ولا أنه حلق.
١٧١٨ - «وعن سراقة بن مالك المدلجي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم. فقال: «إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حل، إلا من كان معه هدي» . رواه أبو داود، انتهى. (الأمر الثاني) ظاهر كلام الخرقي أن الحل مرتب على الرمي والحلق أو التقصير، لما تقدم من حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «لا أحل حتى أحل من حجتي، وأحلق رأسي» .
١٧١٩ - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «أهل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وطلحة، وقدم علي من اليمن معه هدي، فقال: أهللت بما أهل به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي» . مختصر متفق عليه.
١٧٢٠ - وفي حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «وأمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف ويسعى، ويقصر، ثم يحل» . رواه أبو داود، وأصله في الصحيحين. (وعن أحمد) ، رواية أخرى، أن التحلل يحصل بالرمي وحده، لما تقدم من حديث أبي موسى، وحديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: «إذا رميتم الجمرة حل لكم كل شيء» . وحديث سراقة.
(تنبيه) : الخلاف في توقف الحل على الحلق والتقصير مرتب على نسكيته ووجوبه، فإن قيل بذلك توقف الحل عليه، وإلا فلا، هذا مقتضى كلام جماعة، وصرح به بعضهم، وجعل القاضي في تعليقه الروايتين في توقف الحل عليه على القول بنسكيته، ولا نزاع في ذلك، إذ المبيت بمزدلفة ونحو ذلك نسك ولا يتوقف الحل عليه، وهذا - أعني: عدم البناء - إليه ميل أبي محمد في المغني، لأنه صحح القول بأنه نسك، والقول بأن الحل لا يتوقف عليه.
(تنبيه) : ليس عند أحمد فيما علمت قولا يدل على إباحته، حتى يقول إنه إطلاق محظور، بل نصوصه متوافرة على مطلوبيته، وذم تاركه، نعم عنه ما يدل على أنه غير واجب، قال في الذي يصيب أهله في العمرة: الدم كثير. وقال فيمن اعتمر فطاف وسعى ولم يقصر حتى أحرم بالحج: بئس ما صنع، وليس عليه شيء. ومن هذا وشبهه أخذ أنه إطلاق محظور، ومن هنا يعلم أن جزم القاضي بأنه نسك - يثاب على فعله، ويذم على تركه - وأن حكاية أبي البركات الخلاف في وجوبه، أجود من عبارة غيرهما أنه نسك، أو إطلاق محظور، والله أعلم. قال: والمرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة. ش: المشروع في حق المرأة التقصير بالإجماع، حكاه ابن المنذر.
١٧٢١ - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» . رواه أبو داود.
١٧٢٢ - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تحلق المرأة رأسها» . رواه الترمذي. وظاهر كلام الخرقي أن قدر الأنملة واجب، وهو ظاهر كلام أحمد والأصحاب.
١٧٢٣ - قال أحمد: تقصر من كل قرن قدر الأنملة، وهو قول ابن عمر، وسئل أحمد: تقصر من كل رأسها؟ قال: نعم، تجمع رأسها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطراف رأسها قدر الأنملة. وحمل أبو محمد ذلك على الاستحباب، قال: لأن الأمر به مطلق، وبأي شيء أزال الشعر أجزأه، وكذلك إن أزاله بنورة، أو بنتفه، إذ القصد إزالته، والله أعلم.
[من أركان الحج الطواف بالبيت]
[مَسْأَلَةٌ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ حَلَقَ] (٢٥٥١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ، إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ حَلَقَ، حَلَّ لَهُ كُلُّ مَا كَانَ مَحْظُورًا بِالْإِحْرَامِ، إلَّا النِّسَاءُ. هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، فَيَبْقَى مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ مِنْ النِّسَاءِ، مِنْ الْوَطْءِ، وَالْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَيَحِلُّ لَهُ مَا سِوَاهُ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةَ، وَعَلْقَمَةَ، وَسَالِمٍ، وَطَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَظُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيُفْسِدُ النُّسُكَ،
بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ، وَالطِّيبَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ. وَعَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا يَتَطَيَّبُ.
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ وَلَنَا مَا، رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إذَا رَمَيْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ، وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَفِي لَفْظٍ:«إذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَم، وَأَبُو دَاوُد، إلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُد قَالَ: هُوَ ضَعِيفٌ، رَوَاهُ الْحَجَّاجُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَلْقَهُ. وَاَلَّذِي أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ رَوَاهُ الْحَجَّاجُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:«طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ، وَذَبَحْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا الطِّيبَ، وَالنِّسَاءَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ» .
رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَوْمَ النَّحْرِ: إنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ فِيهِ إذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمْ أَنْ تَحِلُّوا. يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ. إلَّا النِّسَاءَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ: قَالَ «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا، النِّسَاءَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَالطِّيبُ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ ذَلِكَ أَمْ لَا؟»
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ، وَلَا الطِّيبُ، وَلَا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} . وَهَذَا حَرَامٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَمْنَعُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ أَحْكَامِ الْإِحْرَامِ. (٢٥٥٢) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، أَنَّ الْحِلَّ، إنَّمَا يَحْصُلُ بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ مَعًا.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا رَمَيْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ» . وَتَرْتِيبُ الْحِلِّ عَلَيْهِمَا دَلِيلٌ عَلَى حُصُولِهِ بِهِمَا، وَلِأَنَّهُمَا نُسُكَانِ يَتَعَقَّبُهُمَا الْحِلُّ، فَكَانَ حَاصِلًا بِهِمَا، كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فِي الْعُمْرَةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ،
وَإِذَا وَطِئَ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَلْقَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِلَّ بِدُونِ الْحَلْقِ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ:«إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ» .
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَلْقِ، هَلْ هُوَ نُسُكٌ أَوْ لَا؟
فَإِنْ قُلْنَا: نُسُكٌ. حَصَلَ الْحِلُّ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَة تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ] (٢٥٥٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ) الْأُنْمُلَةُ: رَأْسُ الْإِصْبَعِ مِنْ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى. وَالْمَشْرُوعُ لِلْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الْحَلْقِ. لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَلْقَ فِي حَقِّهِنَّ مِثْلُهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ:«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ رَأْسِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. وَالرَّجُلُ الَّذِي يُقَصِّرُ فِي ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِيمَا مَضَى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.