وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب أو يؤجر نفسه لبقية الدين
الشروح عليها
(وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} أَمْرٌ بِإِنْظَارِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِاكْتِسَابِهِ، وَلِلْخَبَرِ الْمَارِّ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ «لَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» نَعَمْ إنْ عَصَى بِسَبَبِهِ وَإِنْ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ كَغَاصِبٍ وَمُتَعَمِّدِ جِنَايَةٍ تُوجِبُ مَالًا أُمِرَ بِالْكَسْبِ وَلَوْ بِإِيجَارِ نَفْسِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَاعْتَمَدَهُ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى الرَّدِّ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِإِيجَابِهِمْ عَلَى الْكُسُوبِ كَسْبَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ،
وَمِنْ الْعِلَّةِ يُعْرَفُ أَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ لَيْسَ لِإِيفَاءِ الدَّيْنِ بَلْ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ لَكِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَلَا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْ الْمُفْلِسِ بِانْقِضَاءِ الْقِسْمَةِ وَلَا بِاتِّفَاقِ الْغُرَمَاءِ عَلَى رَفْعِهِ، وَإِنَّمَا يَفُكُّهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِثْبَاتِهِ فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِرَفْعِهِ كَحَجْرِ السَّفِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ) أَيْ مَا غَصَبَهُ فَلَا يُشْكَلُ عَلَيْهِ مَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اسْتَدَانَ لِيَصْرِفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ لَكِنْ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ لَا يُكَلَّفُ الْكَسْبَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُسْتَدِينَ تَصَرَّفَ فِيمَا مَلَكَهُ
بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، وَيُحْتَمَلُ بَقَاءُ مَا هُنَا فِي ظَاهِرِهِ حَتَّى لَوْ اقْتَرَضَ لِيَصْرِفَ فِي مَعْصِيَةٍ فَصَرَفَ فِي مُبَاحٍ كُلِّفَ الْكَسْبَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الزَّكَاةِ بِأَنَّ سَبَبَ الْكَسْبِ هُنَا الْخُرُوجُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِالرَّدِّ لِمَنْ اقْتَرَضَ مِنْهُ،
وَأَنَّ سَبَبَ صَرْفِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ إعَانَتُهُ عَلَى تَوْفِيَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ بِصَرْفِهِ.
[تَنْبِيهٌ] قِيلَ الْغُرَمَاءُ يَتَعَلَّقُونَ بِحَسَنَاتِ الْمُفْلِسِ مَا عَدَا الْإِيمَانَ كَمَا يُتْرَكُ لَهُ دَسْتُ ثَوْبٍ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا تَوْقِيفِيٌّ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ،
وَقِيلَ مَا عَدَا الصَّوْمَ لِخَبَرِ «الصَّوْمُ لِي» وَيَرُدُّهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ يَتَعَلَّقُونَ حَتَّى بِالصَّوْمِ اهـ حَجّ
(قَوْلُهُ: أُمِرَ بِالْكَسْبِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مُزْرِيًا، بَلْ مَتَى أَطَاقَهُ لَزِمَهُ فِيمَا يَظْهَرُ؛ إذْ لَا نَظَرَ لِلْمُرُوآتِ فِي جَنْبِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ حَتَّى أَفْلَسَ أَنْ يَخْرُجَ مَاشِيًا إنْ قَدَرَ،
فَإِنْ عَجَزَ اكْتَسَبَ مِنْ الْحَلَالِ قَدْرَ الزَّادِ،
فَإِنْ عَجَزَ سَأَلَ لِيَصْرِفَ لَهُ مِنْ نَحْوِ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ مَا يَحُجُّ بِهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ مَاتَ عَاصِيًا: أَيْ مَعَ أَنَّ السُّؤَالَ يُزْرِي بِهِ إذَا كَانَ مِنْ ذَوِي الْمُرُوآتِ
(قَوْلُهُ: وَالْقَرِيبِ) إطْلَاقُ الْقَرِيبِ يَشْمَلُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ، وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ لِنَفَقَةِ الْفَرْعِ فَإِنَّ الْأَصْلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاكْتِسَابُ لِفَرْعِهِ الْعَاجِزِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ
(قَوْلُهُ فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِرَفْعِهِ) مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ مَالٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ حَجّ: أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى رَفْعِ قَاضٍ، وَقَدْ يُقَالُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ صِحَّةِ الْحَجِّ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا
(قَوْلُهُ: وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْأَذْرَعِيُّ) الْأَذْرَعِيُّ إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا دَفْعًا لِاسْتِبْعَادِ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ؛ إذْ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَا نَحْنُ فِيهِ، وَعِبَارَتُهُ: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ أَوْجَبُوا عَلَى الْكَسُوبِ كَسْبَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِإِيفَاءِ الدَّيْنِ) أَيْ: وَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ خَاصٍّ بِالْمُفْلِسِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَفُكُّهُ الْقَاضِي) ظَاهِرُهُ وَإِنْ حَصَلَ وَفَاءُ الدُّيُونِ أَوْ الْإِبْرَاءُ مِنْهَا مَثَلًا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ احْتِمَالُ ظُهُورِ غَرِيمٍ آخَرَ كَمَا عَلَّلُوا بِهِ عَدَمَ إفَادَةِ رِضَا الْغُرَمَاءِ فَلْيُرَاجَعْ .
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ فِي الْمُعْسِرِ بِإِنْظَارِهِ لِيَسَارِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَسْبٍ
وَلِمَا مَرَّ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ «لَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» وَإِنَّمَا وَجَبَ الْكَسْبُ لِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ؛ لِأَنَّهَا يَسِيرَةٌ وَالدَّيْنُ لَا يَنْضَبِطُ وَلِأَنَّ فِيهَا إحْيَاءَ بَعْضِهِ فَكَانَ كَإِحْيَاءِ نَفْسِهِ نَعَمْ إنْ وَجَبَ الدَّيْنُ بِسَبَبٍ عَصَى بِهِ لَزِمَهُ الِاكْتِسَابُ كَمَا اعْتَمَدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ عَلَى أَدَائِهِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ هُنَا كَوْنُهُ غَيْرُ مُزْرٍ بِهِ بَلْ مَتَى أَطَاقَ الْمُزْرِيَ لَزِمَهُ فِيمَا يَظْهَرُ؛ إذْ لَا نَظَرَ لِلْمُرُوَّاتِ فِي جَنْبِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَأَنَّ الْإِيجَابَ لَيْسَ لِلْإِيفَاءِ بَلْ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ حَتَّى أَفْلَسَ أَنْ يَخْرُجَ مَاشِيًا إنْ قَدَرَ فَإِنْ عَجَزَ اكْتَسَبَ مِنْ الْحَلَالِ قَدْرَ الزَّادِ فَإِنْ عَجَزَ سَأَلَ لِيُصْرَفَ لَهُ مِنْ نَحْوِ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ مَا يَحُجُّ بِهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ مَاتَ عَاصِيًا فَإِذَا وَجَبَ السُّؤَالُ وَالْكَسْبُ هُنَا مَعَ أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَوْلَى ذَلِكَ؛
لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي كَلَامِ الْإِحْيَاءِ بِمَا لَا يَصِحُّ وَقَدْ يَجِبُ الِاكْتِسَابُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَعْصِ بِهِ كَمَأْذُونٍ قُسِمَ مَا بِيَدِهِ لِلْغُرَمَاءِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ وَيَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ لِوَفَاءِ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
وَإِنَّمَا يَصِحُّ إنْ أُرِيدَ الْوُجُوبُ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ السَّيِّدُ وَإِلَّا فَالْقِنُّ يَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ لِلسَّيِّدِ حَيْثُ أَمْكَنَهُ وَطَلَبَهُ مِنْهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ إلَخْ) أَيْ: بِقَوْلِهِ الْكَرِيمِ {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا وَجَبَ) إلَى قَوْلِهِ وَيُوَافِقُهُ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَى أَنَّ الْإِيجَابَ إلَخْ وَإِلَى قَوْلِهِ وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْمُغْنِي إلَّا مَا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ إحْيَاءَ بَعْضِهِ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْأَصْلُ لَا مَا يَشْمَلُ الْفَرْعَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا يُؤْمَرُ بِالْكَسْبِ لِنَفَقَةِ فَرْعِهِ
بِخِلَافِ عَكْسِهِ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ بِسَبَبٍ عَصَى بِهِ) وَإِنْ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ كَغَاصِبٍ وَمُتَعَمِّدِ جِنَايَةٍ اهـ نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ كَمَا اعْتَمَدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ إلَخْ) أَيْ: مِنْ التَّعْلِيلِ
(قَوْلُهُ وَأَنَّ الْإِيجَابَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَخْ
(قَوْلُهُ لَيْسَ لِلْإِيفَاءِ إلَخْ) أَيْ: وَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ خَاصٍّ بِالْمُفْلِسِ اهـ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَيُوَافِقُهُ إلَخْ) أَيْ مَا اعْتَمَدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ
(قَوْلُهُ فَإِنْ عَجَزَ سَأَلَ إلَخْ) أَيْ: مَعَ أَنَّ السُّؤَالَ يُزْرِي بِهِ إنْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْمُرُوآتِ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ كَمَأْذُونٍ) أَيْ: كَعَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ إلَخْ) أَيْ: قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ
(قَوْلُهُ إنْ أُرِيدَ الْوُجُوبُ إلَخْ) أَيْ: وُجُوبُ اكْتِسَابِ الْمَأْذُونِ الْمَذْكُورِ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْقِنُّ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا بَلْ فِيمَا إذَا أَمَرَهُ السَّيِّدُ بِهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ الْوُجُوبِ بِالْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّ الْقِنَّ مُطْلَقًا يَلْزَمُهُ إلَخْ قَوْلُ الْمَتْنِ
(وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخَانِ وَقَضِيَّةُ هَذَا إدَامَةُ الْحَجْرِ إلَى الْبَرَاءَةِ وَهُوَ كَالْمُسْتَبْعَدِ اهـ وَالْمُرَادُ بِإِدَامَةِ الْحَجْرِ أَنْ لَا يَفُكَّهُ الْقَاضِي وَبِأَنَّهُ كَالْمُسْتَبْعَدِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفُكَّهُ لَا أَنَّهُ يَنْفَكُّ بِنَفْسِهِ لِمَا يَأْتِي فِي الْفَرْعِ الْآتِي.
(فَرْعٌ) فِي شَرْحِ م ر
وَلَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: أَبْرِئْنِي فَإِنِّي مُعْسِرٌ فَأَبْرَأَهُ ثُمَّ بَانَ يَسَارُهُ بَرِئَ وَلَوْ قُيِّدَ الْإِبْرَاءُ بِعَدَمِ ظُهُورِ الْمَالِ لَمْ يَبْرَأْ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ انْتَهَى اهـ سم قَالَ ع ش وَالرَّشِيدِيُّ
قَوْلُهُ م ر لَمْ يَبْرَأْ أَيْ: وَإِنْ بَانَ أَنْ لَا مَالَ لَهُ لِتَعْلِيقِ الْبَرَاءَةِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ اهـ قَوْلُ الْمَتْنِ (وُجُوبُ إجَارَةِ أُمِّ وَلَدِهِ) أَيْ: عَلَى الْمَدِينِ فَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِالْوُجُوبِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَعَلَيْهِ أَيْ الْمُفْلِسِ أَنْ يُؤَجِّرَ لَهُمْ مُسْتَوْلَدَتَهُ وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ انْتَهَى اهـ رَشِيدِيٌّ زَادَ الْبُجَيْرِمِيُّ لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِمَا إذَا كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ فَكَّ الْحَجْرَ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَفُكَّهُ فَالْوُجُوبُ عَلَى الْحَاكِمِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
(قَوْلُهُ عَصَى بِهِ) أَيْ: وَإِنْ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ م ر
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} أَمَرَ بِانْتِظَارِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِاكْتِسَابِهِ، «وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ مُعَاذٍ لَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» وَلَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ الْقِصَاصِ الْوَاجِبِ لَهُ بِجِنَايَةٍ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَرَقِيقِهِ بِالْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْكَسْبِ. نَعَمْ إنْ وَجَبَ الدَّيْنُ بِسَبَبٍ عَصَى بِهِ كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ عَمْدًا وَجَبَ عَلَيْهِ الِاكْتِسَابُ كَمَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ وَاضِحٌ؛
لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى الرَّدِّ، بَلْ نَقَلَ الْغَزَالِيُّ فِي بَابِ التَّوْبَةِ مِنْ الْإِحْيَاءِ: أَنَّ مَنْ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى أَفْلَسَ فَعَلَيْهِ الْخُرُوجُ،
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ مَعَ الْإِفْلَاسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ مِنْ الْحَلَالِ قَدْرَ الزَّادِ،
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ لِيُصْرَفَ إلَيْهِ مَنْ الزَّكَاةِ أَوْ الصَّدَقَةِ مَا يَحُجُّ بِهِ،
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ مَاتَ عَاصِيًا فَهَذَا أَبْلَغُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ،
فَإِنَّ الْحَجَّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّحْقِيقُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا إنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ لَيْسَ لِإِيفَاءِ الدَّيْنِ بَلْ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ الِاكْتِسَابُ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ مَعَ أَنَّ الدَّيْنَ أَقْوَى مِنْهَا فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ بِخِلَافِهِ فَهَلَّا كَانَ ذَلِكَ مِثْلَهَا؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ قَدْرَ النَّفَقَةِ يَسِيرٌ وَالدَّيْنُ لَا يَنْضَبِطُ قَدْرُهُ، وَأَيْضًا نَفَقَةُ الْقَرِيبِ فِيهَا إحْيَاءُ بَعْضِهِ فَلَزِمَهُ الِاكْتِسَابُ لَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ
بِخِلَافِ الدَّيْنِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْحُرِّ.
أَمَّا الرَّقِيقُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا قَسَمَ مَا بِيَدِهِ لِلْغُرَمَاءِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَقُلْنَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِكَسْبِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لَزِمَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ لِلْفَاضِلِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَلَا يُمْكِنُ الْمُفْلِسُ مِنْ تَفْوِيتِ حَاصِلٍ لِمُنَافَاتِهِ غَرَضَ الْحَجْرِ، فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِوَارِثِهِ الْعَفْوُ عَنْ الْمَالِ الْوَاجِبِ بِجِنَايَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْحَاصِلِ
(وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ)
قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} حَكَمَ بِإِنْظَارِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْكَسْبِ
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّيْنُ كَمَا مَرَّ وَإِنْ لَزِمَهُ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ لَوْ عَصَى بِهِ، وَمِنْهُ وُجُوبُ التَّزْوِيجِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَبِهَذَا عُلِمَ كَذِبَ مَا قِيلَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَنَّهُ يُبَاعُ الْحُرُّ فِي دَيْنِهِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَخْ) وَقَالَ الْفَرَاوِيُّ: عَلَيْهِ إنْ عَصَى بِسَبَبِهِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ التَّوْبَةَ وَاجِبَةٌ وَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِرَدِّ الْمَظْلِمَةِ وَعُورِضَ، بِأَنَّ الْجَانِيَ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَهُ لِلْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، قَالَهُ فِي الْخَادِمِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
قال: (وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب أو يؤجر نفسه لبقية الدين) ؛ لقوله تعالى:{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}.
وفي (صحيح مسلم)[١٥٥٦]: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصيب رجل في ثمار ابتاعها .. فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(تصدقوا عليه) فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه:(خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك).
والرجل المذكور: معاذ بن جبل رضي الله عنه، قاله في (شرح مسلم).
وقال عمر بن عبد العزيز وأحمد: يلزمه أن يكتسب ويؤاجر نفسه لتبرأ ذمته.
ونقل ابن الصلاح عن أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي -وكان من أصحاب إمام الحرمين- أنه قال: إن وجب الدين بسبب هو عاص به كالإتلاف عمدًا .. وجب عليه الاكتساب؛ لأن التوبة منه واجبة وأداؤه من جملة شروطها لكونه حق آدمي،
وإن لم يكن عاصيًا .. لم يجب.
وقوة الكلام المصنف تعطي: أن الحجر عليه ينفك بالقسمة، فلا يحتاج إلى فك القاضي وهو وجه،
والأصح: خلافه؛ لأنه حجر لا يثبت إلا بإثبات القاضي، فلا يرتفع إلا برفعه.
ولو كانت مفلسة وهي تخطب بمال كثير .. لم يجب عليها أن تتزوج لحق الغرماء بلا خلاف.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.