فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(بَابُ الْمُتَفَرِّقَاتِ) هَكَذَا فِي نُسْخَةِ الزَّيْلَعِيِّ وَفِي نُسْخَةِ الْعَيْنِيِّ مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ وَعَبَّرَ عَنْهَا فِي الْهِدَايَةِ بِمَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي تَشِذُّ عَنْ الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَمْ تُذْكَرْ فِيهَا إذَا اُسْتُدْرِكَتْ سُمِّيَتْ بِهَا أَيْ مُتَفَرِّقَةً مِنْ أَبْوَابٍ أَوْ مَنْثُورَةً عَنْ أَبْوَابِهَا قَوْلُهُ

(صَحَّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالسِّبَاعِ وَالطُّيُورِ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ» وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ آلَةُ الِاصْطِيَادِ فَصَحَّ بَيْعُهُ كَالْبَازِي بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا فَكَذَا بَيْعًا وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ طَهَارَةِ عَيْنِهِ

٢١٬٣١٦

بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ،

٢١٬٣١٧

وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ فَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ،

٢١٬٣١٨

وَلَوْ سُلِّمَ نَجَاسَةُ عَيْنِهِ فَهِيَ تُوجِبُ حُرْمَةَ أَكْلِهِ لَا مُنِعَ بَيْعِهِ بَلْ مُنِعَ الْبَيْعُ بِمَنْعِ الِانْتِفَاعِ شَرْعًا وَلِهَذَا أَجَزْنَا بَيْعَ السِّرْقِينَ وَالْبَعْرِ مَعَ نَجَاسَةِ عَيْنِهِمَا لِإِطْلَاقِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا عِنْدَنَا

٢١٬٣١٩

بِخِلَافِ الْعَذِرَةِ لَمْ يُطْلَقْ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَمُنِعَ بَيْعُهَا فَإِنْ ثَبَتَ شَرْعًا إطْلَاقُ الِانْتِفَاعِ بِهَا مَخْلُوطَةً بِالتُّرَابِ،

٢١٬٣٢٠

وَلَوْ بِالِاسْتِهْلَاكِ كَالِاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ كَمَا قِيلَ جَازَ بَيْعُ ذَلِكَ التُّرَابِ الَّتِي هِيَ فِي ضِمْنِهِ وَبِهِ قَالَ مَشَايِخُنَا وَإِنَّمَا امْتَنَعَ بَيْعُ الْخَمْرِ لِنَصٍّ خَاصٍّ فِي مَنْعِ بَيْعِهَا وَهُوَ الْحَدِيثُ أَنَّ «الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» . اهـ.

٢١٬٣٢١

وَفِي الْقُنْيَةِ اشْتَرَى ثَوْرًا أَوْ فَرَسًا مِنْ خَزَفٍ لِاسْتِئْنَاسِ الصَّبِيِّ لَا يَصِحُّ وَلَا يَضْمَنُ مُتْلِفُهُ (طب) صَحَّ وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهُ يَجُوزُ بَيْعُ خُرْءِ الْحَمَامِ إنْ كَانَ كَثِيرًا وَهِبَتُهُ أَدْنَى الْقِيمَةِ الَّتِي تُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْبَيْعِ فَلَسًا،

٢١٬٣٢٢

وَلَوْ كَانَتْ كِسْرَةَ خُبْزٍ لَا يَجُوزُ. اهـ.

أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمُعَلَّمَ وَغَيْرَهُ الْعَقُورَ وَغَيْرَهُ هَكَذَا أُطْلِقَ فِي الْأَصْلِ فَمَشَى الْقُدُورِيُّ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ وَنَصَّ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْعَقُورِ وَتَضْمِينِ مَنْ قَتَلَهُ قِيمَتَهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مَنَعَ بَيْعَ الْعَقُورِ وَذَلِكَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ،

٢١٬٣٢٣

وَقَالَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْأَسَدِ إذَا كَانَ يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ وَيُصْطَادُ بِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ وَالِاصْطِيَادَ بِهِ لَا يَجُوزُ قَالَ وَالْفَهْدُ وَالْبَازِي يَقْبَلَانِ التَّعْلِيمَ فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ. اهـ.

فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّمِرِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لِشَرَاسَتِهِ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ،

٢١٬٣٢٤

وَفِي بَيْعِ الْقِرْدِ رِوَايَتَانِ وَجْهُ رِوَايَةٍ الْجَوَازُ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ وَهَذَا هُوَ وَجْهُ إطْلَاقِ رِوَايَةِ بَيْعِ الْكَلْبِ وَالسِّبَاعِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ أَوْ عَظْمِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ عَدَمَ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَى لِلِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ عَادَةً بَلْ لِلتَّلَهِي بِهِ وَهُوَ حَرَامٌ. اهـ.

٢١٬٣٢٥

وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرَّةِ لِأَنَّهَا تَصْطَادُ الْفَأْرَةَ وَالْهَوَامَّ الْمُؤْذِيَةَ فَهِيَ مُنْتَفَعٌ بِهَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ هَوَامِّ الْأَرْضِ كَالْخَنَافِسِ وَالْعَقَارِبِ وَالْفَأْرَةِ وَالنَّمْلِ وَالْوَزَغِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ وَلَا هَوَامِّ الْبَحْرِ كَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ

٢١٬٣٢٦

وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي الْبَحْرِ إلَّا السَّمَكَ وَمَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ أَوْ عَظْمِهِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْقُنْيَةِ وَبَيْعُ غَيْرِ السَّمَكِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ كَالسَّقَنْقُورِ وَجُلُودِ الْخَزِّ وَنَحْوِهَا يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا، وَجَمَلُ الْمَاءِ قِيلَ يَجُوزُ حَيًّا لَا مَيِّتًا وَالْحَسَنُ أَطْلَقَ الْجَوَازَ وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَّاتِ إذَا كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْأَدْوِيَةِ فَإِنْ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهَا لَا يَجُوزُ وَرَدَّهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ؛

لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ شَرْعًا لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِلتَّدَاوِي كَالْخَمْرِ فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى شَرْعِ الْبَيْعِ

٢١٬٣٢٧

وَيَجُوزُ بَيْعُ الدُّهْنِ النَّجِسِ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ لِلِاسْتِصْبَاحِ فَهُوَ كَالسِّرْقِينِ،

٢١٬٣٢٨

أَمَّا الْعَذِرَةُ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا مَخْلُوطَةً بِالتُّرَابِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا تَبَعًا وَيُجْمَعُ الْفَهْدُ عَلَى فُهُودٍ وَفَهِدَ الرَّجُلُ إذَا أَشْبَهَ الْفَهْدَ فِي كَثْرَةِ نَوْمِهِ وَتَمَرُّدِهِ وَفِي الْحَدِيثِ «إنْ دَخَلَ فَهِدَ وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ» وَالسَّبُعُ وَاحِدُ السِّبَاعِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالِانْتِفَاعُ بِالْكَلْبِ لِلْحِرَاسَةِ وَالِاصْطِيَادِ جَائِزٌ إجْمَاعًا لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَّخَذَ فِي دَارِهِ إلَّا إنْ خَافَ اللُّصُوصَ أَوْ عَدُوًّا وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» وَفِي الْبَدَائِعِ

٢١٬٣٢٩

وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفِيلِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَقِيقَةً مُبَاحُ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَكَانَ مَالًا.

قَوْلُهُ

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

لا يتكلم على هذه المسألة.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(صح بيع الكلب) أطلقه في (الأصل) وعليه جرى المص والقدوري فعم المعلم والعقور سواء قلنا بنجاسة عنه أو بطهارته لأنها إنما تمنع حرمة أكله لا تمنع بيعه،

٩٬٦٢٤

وأما عدم جواز بيع الخمر فلنص ... وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) ونص في (نوادر هشام) عن محمد على جواز بيع العقور وتضمين القاتل قيمته، واختار السرخسي عدم جواز بيع العقور الذي لا يقبل التعليم قال: وهو الصحيح من والفهد والسباع والطيور والذمي كالمسلم في بيع غير الخمور والخنزير المذهب وهكذا نقول في الأسد،

٩٬٦٢٥

أما الفهد والبازي فيقبلان التعليم فيجوز بيعها على كل حال انتهى.

٩٬٦٢٦

قال في (الفتح) : فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز بيع النمر بحال لأنه لشره لا يقبل تعليماً،

٩٬٦٢٧

وفي بيع القرد روايتان والصحيح الجواز،

٩٬٦٢٨

وفي (التجنيس) وهو المختار لأنه يمكن الانتفاع بجلده، وحمل ابن وهبان رواية الجواز على ما إذا كان يحفظ دكانه وعدمه على ما إذا كان يلعب به، ورده ابن الشحنة بأن علة الجواز حيث كانت للانتفاع بجلده لم يختلف الحكم بين ما إذا كان يلعب به أو لا. لكن صحح في (البدائع) عدم الجواز لأنه لا يشترى للانتفاع بجلده عادة بل للتلهي به وهو حرام وهذا وجه رواية إطلاق بيع الكلب والسباع فإنه مبني على أن كل ما يمكن الانتفاع بجلده وعظمه يجوز بيعه، ولذا أعطف عليه بقوله (والفهد والسباع) بسائر أنواعها فدخلت الهرة لأنها تصاد الفأرة والهوام المؤذية (والطيور) إلا الخنزير فلا يجوز بيعه إذ لا ينتفع بشيء من أجزائه وعن قال أبو الليث: يجوز بيع الحيات إذا كان ينتفع بها

٩٬٦٢٩

لا إن لم ينتفع بها، كذا في (الفتح) .

لكن في (البدائع) وهذا غير سديد لأنه المحرم شرعاً لا يجوز الانتفاع به للتداوي كالخمر فلا تقع الحاجة إلى شرع البيع وقالوا: يجوز بيع الفيل إجماعاً لأنه ينتفع به للحمل والركوب والدهن النجس لأنه ينتفع به للاستصباح فهو كالسرقين،

٩٬٦٣٠

وفي (التجنيس) المختار للفتوى بيع لحم المذبوح من السباع

٩٬٦٣١

وكذا الكلب والحمار لأنه/ طاهر ينتفع به في طعام سنورة بخلاق لحم الخنزير المذبوح.

٩٬٦٣٢

فرع في بيوع الأجناس لا ينبغي لأحد أن يتخذ كلباً في داره إلا أن يخاف من لصوص أو غيره فلا بأس أن يتخذه،

٩٬٦٣٣

وكذلك الأسد والفهد والضبع وجميع السباع بمنزلة الكلب في جميع ذلك،

٩٬٦٣٤

أما اقتناؤه للصيد وحراسته الماشية والزرع فيجوز بالإجماع،

تبيين الحقائقالزيلعي

(بَابُ الْمُتَفَرِّقَاتِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

(صَحَّ بَيْعُ الْكَلْبِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَصَارَ كَالْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ أَصْلًا لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ مِنْ السُّحْتِ مَهْرَ الْبَغِيِّ وَثَمَنَ الْكَلْبِ» وَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَصَارَ كَالْخِنْزِيرِ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَضَى فِي كَلْبٍ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا» وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ آلَةُ الِاصْطِيَادِ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْبَازِي أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا فَكَذَا بَيْعًا وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ تَمْلِيكُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ فَكَذَا بِعِوَضٍ

٦٬٨٧١

بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ كَالْمَيْتَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا، وَالْكَلْبُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ وَبِخِلَافِ الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَخَّصَ فِي ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ» فَلَفْظُ الرُّخْصَةِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبَاحَةِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكِلَابِ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِ الْمُعَلَّمِ وَشُرَطَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لِجَوَازِ بَيْعِ الْكَلْبِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا، أَوْ قَابِلًا لِلتَّعْلِيمِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (، وَالْفَهْدِ، وَالسِّبَاعِ، وَالطُّيُورِ) ؛

لِأَنَّهَا حَيَوَانٌ يَجُوز الِانْتِفَاعُ بِهَا شَرْعًا وَتَقْبَلُ التَّعْلِيمَ عَادَةً فَجَازَ بَيْعُهَا، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مُنْتَفَعٍ بِهِ شَرْعًا فِي الْحَالِ، أَوْ فِي الْمَآلِ وَلَهُ قِيمَةٌ نَحْوَ الْجَحْشِ، وَالطِّفْلِ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبَّةِ قَمْحٍ وَنُقْطَةِ مَاءٍ وَكَفٍّ مِنْ تُرَابٍ؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا؛ إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا، وَالْفِيلُ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَمْلًا وَرُكُوبًا وَفِي بَيْعِ الْقِرْدِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛

لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّلَهِّي، وَهُوَ مَحْظُورٌ،

٦٬٨٧٢

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَالْهِرُّ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطُّيُورِ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَا ذَكَرْنَا إلَّا الْخِنْزِيرَ فَإِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ أَصْلًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِلصَّيْدِ أَوْ لَمْ يَكُنْ

٥٬٩٢٣

وَأَمَّا اقْتِنَاؤُهُ لِلصَّيْدِ وَحِرَاسَةِ الْمَاشِيَةِ وَالْبُيُوتِ وَالزَّرْعِ فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَهُ فِي دَارِهِ إلَّا إنْ خَافَ لُصُوصًا أَوْ أَعْدَاءً لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» اهـ.

كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ قَبْلَ الْإِبَاحَةِ وَمَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالْكَلْبُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ

٥٬٩٢٤

إمَّا اصْطِيَادًا أَوْ حِرَاسَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلْبٍ يَحْفَظُ الْبَيْتَ وَيُخْبِرُ عَنْ الْجَائِي بِنُبَاحِهِ. اهـ.

وَحَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ إلَى جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالْهِرِّ إلَّا الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْكِلَابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا مِنْ جِهَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ جَازَ بَيْعُ غَيْرِهِ مِنْ الْكِلَابِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَالثَّانِيَةُ أَنَّ ذِكْرَهُ لِلْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ وَكُلُّ مَا أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْهَا فَهُوَ مِثْلُهُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْكِلَابَ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا وَإِنَّمَا يُبْتَغَى فِيهَا الْهِرَاشُ وَالْقِمَارُ، وَحَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَضَى فِي كُلِّ صَيْدٍ قَتَلَهُ رَجُلٌ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَقَضَى فِي كُلِّ كَلْبِ مَاشِيَةٍ بِكَبْشٍ وَبَقِيَّةُ السِّبَاعِ يَثْبُتُ حُكْمُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْكَلْبِ وَالْجَامِعُ كَوْنُهَا جَارِحَةً يُنْتَفَعُ بِهَا اصْطِيَادًا وَنَحْوَهُ اهـ.

أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

(قَوْلُهُ: الْبَغِيِّ إلَخْ) وَالْبَغِيُّ الزَّانِيَةُ قَالَ تَعَالَى {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} اهـ.

غَايَةٌ

(قَوْلُهُ وَالْكَلْبُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ) إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا كَالْخِنْزِيرِ اهـ.

أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ) أَيْ مِنْ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالْوَزَغِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ وَهَوَامِّ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى

٥٬٩٢٥

{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وَلِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ اهـ.

غَايَةٌ قَوْلُهُ: حِينَ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) أَيْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْذِي الضِّيفَانَ وَالْغُرَبَاءَ فَنُهُوا عَنْ اقْتِنَائِهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا وَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا تَحْقِيقًا لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.

(قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكِلَابِ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِ الْمُعَلَّمِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ

٥٬٩٢٦

قَالَ فِي الْإِيضَاحِ بَيْعُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ جَائِزٌ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالنَّمِرِ وَالْأَسَدِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْإِيضَاحِ وَنَقَلَ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ مِنْ مَسَائِلِ الْفَضْلِ بْنِ غَانِمٍ ثُمَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ أُجِيزُ بَيْعَ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَلَا أُجِيزُ بَيْعَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَفِي الْكَيْسَانِيَّاتِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ قَتَلَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَجْنَاسِ اهـ.

(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ) صَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ عَدَمَ الْجَوَازِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَى لِلِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ بَلْ لِلتَّلَهِّي وَهُوَ حَرَامٌ فَكَانَ بَيْعَ الْحَرَامِ لِلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اهـ. .

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.