وتفسخ بالعذر كالمزارعة بأن يكون العامل سارقًا أو مريضًا لا يقدر على العمل.
الشروح عليها
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَتُفْسَخُ بِالْعُذْرِ كَالْمُزَارَعَةِ) بِأَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ سَارِقًا، أَوْ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا تُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ، وَكَوْنُهُ سَارِقًا عُذْرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَسْرِقُ الثَّمَرَ وَالسَّعَفَ وَيَلْحَقُ الْآخَرَ الضَّرَرُ وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ الْعَمَلِ فِي الصَّحِيحِ
وَقِيلَ: يُمَكَّنُ، وَقِيلَ لَا يُمَكَّنُ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ: أَصْلُهُ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْهُ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْبَذْرِ، ثُمَّ مَسَائِلُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ فِي الْمَوْتِ، وَقِسْمٌ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ مِنْ قِبَلِهِ بِالدَّيْنِ، وَقِسْمٌ فِي انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ،
وَإِذَا أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ الْبَذْرُ قَبْلَ الْعَمَلِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ إلَّا مِنْهُ فَإِنْ بَاعَهَا بِالدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ الْعَامِلِ شَيْءٌ فِي حَفْرِ الْأَنْهَارِ، وَإِصْلَاحِهَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ، أَوْ شِبْهِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَمَتَى كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرًا لِلْأَرْضِ فَإِنْ نَبَتَ الزَّرْعُ لَا يُبَاعُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ لَكِنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَبْسِ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ إبْطَالَ حَقِّ الْعَامِلِ.
وَفِي تَرْكِ الْبَيْعِ تَأْخِيرَ حَقِّ رَبِّ الدَّيْنِ، وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الْإِبْطَالِ
فَلَوْ زَرَعَ وَلَمْ يَنْبُتْ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ: لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بَيْعُهَا بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ حَقٌّ قَائِمٌ لِأَنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ اسْتِهْلَاكٌ
وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ لِأَنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ وَلَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ فِي الْأُولَى قَبْلَ الْحَصَادِ يَبْقَى الزَّرْعُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ اسْتِحْسَانًا فَإِذَا حُصِدَ يَنْفَسِخُ فِي السَّنَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الزَّرْعِ بَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ،
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ قَبْلَ النَّبَاتِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّيْنِ وَلَوْ مَاتَ الْمُزَارِعُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَهَذِهِ فُرُوعٌ ذَكَرْنَاهَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا بَيْضَاءَ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا نَخْلًا وَشَجَرًا عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ شَجَرٍ، أَوْ نَخْلٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَعَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنْ فَعَلَ فَمَا خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ فَجَمِيعُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْغَارِسِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ دَفَعَ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ وَيَزْرَعَهَا مِنْ عِنْدِهِ مَا بَدَا لَهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ نِصْفَانِ بَيْنَهُمَا وَلِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَالْخَارِجُ لِلْغَارِسِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ أَرْضِهِ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْغِرَاسُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ وَيَبْذُرَهَا بِهِمَا وَالْخَارِجُ نِصْفَانِ بَيْنَهُمَا وَلِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَتَوْجِيهُهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُحِيطِ.
وَاشْتِرَاطُ الْعَمَلِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَشْتَرِطَا الْبَعْضَ عَلَى الْعَامِلِ وَسَكَتَا عَنْ الْبَاقِي أَوْ شَرَطَا بَعْضَهُ عَلَى الدَّافِعِ وَسَكَتَا عَنْ الْبَاقِي، أَوْ شَرَطَا بَعْضَهُ عَلَى الدَّافِعِ وَبَعْضَهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَكُلُّ قِسْمٍ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ لَوْ شَرَطَا الْبَعْضَ عَلَى الْعَامِلِ وَسَكَتَا عَنْ الْبَاقِي فَإِنْ كَانَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا بِهِ، أَوْ يَخْرُجُ شَيْءٌ لَا يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ وَالثَّانِي لَوْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ السَّقْيَ وَالْحِفْظَ لَا غَيْرُ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ السَّقْيَ لَا يَزِيدُ فِيهِ، الثَّالِثُ: لَوْ شَرَطَ السَّقْيَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ وَالْحِفْظَ وَالتَّلْقِيحَ عَلَى الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ وَالْمُزَارَعَةُ كَالْمُعَامَلَةِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَتَوْجِيهُهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُحِيطِ،
وَأَمَّا الْمُزَارَعَةُ إذَا شَرَطَ فِيهَا الْمُعَامَلَةَ فَالْمُعَامَلَةُ مَتَى شُرِطَتْ فِي الْمُزَارَعَةِ بِأَنْ دَفَعَ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا مِنْ بَذْرِهِ بِالنِّصْفِ وَعَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِي النَّخْلِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلْحِقَهُ بِالنِّصْفِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَسَدَتْ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ اُشْتُرِطَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ،
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ جَازَ عَقْدٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِيَعْمَلَ فِي أَرْضِهِ وَنَخْلِهِ وَتَوْجِيهُهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُحِيطِ.
وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ الْمُزَارِعُ، أَوْ الْعَامِلُ الْأَرْضَ،
أَوْ النَّخْلَ لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً فَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ،
وَفِي هَذَا لَا يَمْلِكُ أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْبَذْرِ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَجِيرًا مِنْ مَالِهِ لِإِقَامَةِ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ،
وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْبَذْرِ: اعْمَلْ لِلَّهِ تَعَالَى بِرَأْيِك جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً،
وَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ اعْمَلْ بِرَأْيِك فَدَفَعَهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً فَصَارَ مُخَالِفًا غَاصِبًا وَبَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ أُجْرَةَ الْأَرْضِ فَإِذَا ضَمَّنَ الْأَوَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ،
وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى،
وَأَمَّا لَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ، أَوْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك فَدَفَعَهَا جَازَ،
وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ شَرَطَ لِلْمُزَارِعِ النِّصْفَ فَدَفَعَهَا لِلثَّانِي بِالنِّصْفِ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا فَنِصْفُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَنِصْفُهُ لِلْمُزَارِعِ الثَّانِي وَإِنْ شَرَطَ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي الرُّبُعَ وَلِلْأَوَّلِ الرُّبُعَ، وَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمُضَارَبَةِ،
وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى آخَرَ مُزَارَعَةٍ،
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ أَصْلًا وَلَوْ دَفَعَ صَارَ الزَّارِعُ الْأَوَّلُ مُؤَجِّرًا مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً فَاسِدَةً صَارَ الْأَوَّلُ مُسْتَأْجِرًا لِلْمُزَارِعِ الثَّانِي بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَيَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ إذَا عَمِلَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مَعَ الْعَامِلِ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ
إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ
فَلَوْ كَانَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ بِأَنْ دَفَعَ أَرْضَهُ وَبَذْرَهُ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ فَزَرَعَ الْعَامِلُ وَسَقَى فَلَمَّا نَبَتَ قَامَ عَلَيْهِ رَبُّ الْأَرْضِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْعَامِلِ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ وَرَبُّ الْأَرْضِ مُتَطَوِّعٌ بِعَمَلِهِ كَمَا لَوْ قَامَ عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ وَلَوْ بَذَرَ الْمُزَارِعُ وَلَمْ يَنْبُتْ وَلَمْ يَسْقِهِ فَسَقَاهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ قِيَاسًا،
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَى الشُّرُوطِ وَرَبُّ الْأَرْضِ مُتَطَوِّعٌ كَمَا لَوْ قَامَ عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْ الْعَامِلُ حَتَّى زَرَعَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَسَقَاهُ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْمُزَارِعُ حَتَّى اسْتَحْصَدَ فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ،
وَإِنْ بَذَرَهُ رَبُّ الْأَرْضِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّارِعِ وَلَمْ يَسْقِهِ وَلَمْ يَنْبُتْ فَسَقَاهُ الْمُزَارِعُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فَبَذَرَ وَلَمْ يَسْقِهِ وَلَمْ يَنْبُتْ فَقَامَ عَلَيْهِ رَبُّ الْأَرْضِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا
وَكَذَا لَوْ بَذَرَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَلَمْ يَنْبُتْ وَلَمْ يَسْقِهِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ الْمُزَارِعُ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ سَقَاهُ حَتَّى نَبَتَ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْمَزَارِعُ وَسَقَّاهُ فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَيَضْمَنُ الْبَذْرَ لِرَبِّهِ وَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ فِي سَقْيِهِ وَمَا عَلِمْته مِنْ الْجَوَابِ فِي الْمُزَارَعَةِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي الْمُعَامَلَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ،
وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمُزَارَعَةِ أَوْ الْمُعَامَلَةِ فَلَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعَقْدِ، أَوْ الشَّرْطِ أَوْ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ
فَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى جَوَازٍ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَشْرُوطِ - وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ - إنْ كَانَ قَبْلَ الْمُزَارَعَةِ وَأَقَامَا بَيِّنَةً فَبَيِّنَةُ الزَّارِعِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا،
وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ وَالنَّبَاتِ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْأَرْضِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ،
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَالْقَوْلُ لَهُ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ بَعْدَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ وَقَبْلَهَا يَتَحَالَفَانِ، وَبُدِئَ بِيَمِينِ رَبِّ الْأَرْضِ،
وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَمَّا إنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْفَسَادِ،
وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ هَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ فَاخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ وَالْبَيِّنَةُ لِرَبِّ الْأَرْضِ سَوَاءٌ اخْتَلَفَا قَبْلَ الزَّرْعِ، أَوْ بَعْدَهُ،
وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا
فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي مِقْدَارِ الْأَنْصِبَاءِ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَالْقَوْلُ لِوَرَثَةِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ،
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ فَالْقَوْلُ لِوَرَثَةِ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ،
وَإِنْ أَقَامَا مَعًا بَيِّنَةً فَبَيِّنَةُ صَاحِبِ الْبَذْرِ أَوْلَى،
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صَاحِبِ الْبَذْرِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَةِ الْمُزَارِعِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ،
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَذْرِ، وَفِي شَرْطٍ وَأَقَامَا بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ،
وَلَوْ مَاتَ الْمُزَارِعُ بَعْدَ الِاسْتِحْصَادِ وَلَمْ يُدْرَ مَا فُعِلَ بِحِصَّةِ الْمُزَارِعِ فَضَمَانُ حِصَّةِ الْمُزَارِعِ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ مَاتَ مُجْهِلًا لِلْوَدِيعَةِ وَلَوْ مَاتَ الْعَامِلُ بَعْدَمَا انْتَهَتْ الثَّمَرَةُ فَلَمْ يُوجَدْ فِي النَّخْلِ شَيْءٌ إنْ عُلِمَ خُرُوجُ الثَّمَرَةِ ضَمِنَ حِصَّةَ الْآخَرِ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَتَفَاصِيلُهُ تُطْلَبُ مِنْهُ اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[كِتَابُ الذَّبَائِحِ] قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْمُزَارَعَةِ وَالذَّبَائِحِ كَوْنُهَا إتْلَافًا فِي الْحَالِ لِلِانْتِفَاعِ فِي الْمَآلِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ إتْلَافُ الْحَبِّ فِي الْأَرْضِ لِلِانْتِفَاعِ بِمَا يَنْبُتُ مِنْهَا، وَالذَّبْحُ إتْلَافُ الْحَيَوَانِ بِإِزْهَاقِ رُوحِهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ هَذَا إنَّمَا يَقْتَضِي تَعْقِيبَ الْمُزَارَعَةِ بِالذَّبَائِحِ دُونَ تَعْقِيبِ الْمُسَاقَاةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ كَالْمُزَارَعَةِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ فَكَانَتْ الْمُنَاسَبَةُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَ الْمُزَارَعَةِ وَالذَّبَائِحِ لِدُخُولِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْمُزَارَعَةِ ضِمْنًا فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وَيُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ الذَّكَاةِ لُغَةً وَشَرْعًا وَرُكْنِهَا وَشَرْطِ جَوَازِهَا وَحُكْمِهَا.
أَمَّا تَفْسِيرُهَا لُغَةً فَهِيَ إمَّا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْحِدَّةِ يُقَالُ سِرَاجٌ ذَكِيٌّ إذَا كَانَ يَرَاهُ فِي غَايَةِ الْحِدَّةِ وَيُقَالُ فُلَانٌ ذَكِيٌّ إذَا كَانَ سَرِيعَ الْفَهْمِ وَالْإِدْرَاكِ لِحِدَّةِ خَاطِرِهِ وَفَهْمِهِ وَيُقَالُ مِسْكٌ ذَكِيٌّ إذَا كَانَ طَيِّبَ الرَّائِحَةِ يَقُومُ مِنْهُ الرِّيحُ،
وَإِمَّا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الطَّهَارَةِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاةٌ» أَيْ طَهَارَتُهُ وَقَالَ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» أَيْ طَهَارَتُهَا، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الذَّكَاةِ فَإِنَّ فِيهَا حِدَّةً مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُسْرِعَةٌ إلَى الْمَوْتِ وَتُطَهِّرُ الْحَيَوَانَ عَنْ الدِّمَاءِ الْمَسْفُوحَةِ وَالرُّطُوبَاتِ السَّائِلَةِ النَّجِسَةِ ،
وَأَمَّا رُكْنُهَا فَهُوَ الْقَطْعُ، وَالْجَرْحُ،
وَأَمَّا شَرْطُهَا فَأَرْبَعَةٌ: آلَةٌ قَاطِعَةٌ جَارِحَةٌ،
وَالثَّانِي كَوْنُ الذَّبْحِ مِمَّنْ لَهُ مِلَّةٌ حَقِيقَةً كَالْمُسْلِمِ، أَوْ ادِّعَاءً كَالْكَافِرِ،
وَالثَّالِثُ كَوْنُ الْمَحَلِّ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ
إمَّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَأْكُولِ اللَّحْمِ أَوْ مِنْ وَجْهٍ كَغَيْرِهِ وَهُوَ مَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ، وَالرَّابِعُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَنَا لِمَا سَيَأْتِي،
وَأَمَّا حُكْمُهَا فَطَهَارَةُ الْمَذْبُوحِ وَحِلُّ أَكْلِهِ إنْ كَانَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ وَطَهَارَةُ عَيْنِهِ لِلِانْتِفَاعِ إذَا كَانَ لَا يُؤْكَلُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ،
وَأَمَّا شَرْعًا فَهُوَ قَوْلُهُ: وَالذَّبْحُ إلَى آخِرِهِ، وَتَرْجَمَ بِالذَّبَائِحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالذَّبَائِحِ الذَّبْحَ الَّذِي هُوَ الذَّكَاةُ وَالْمُؤَلِّفُ أَبْقَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلِذَا
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَتُفْسَخُ بِالْعُذْرِ كَالْمُزَارَعَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ سَارِقًا أَوْ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا تُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ، وَكَوْنُهُ سَارِقًا عُذْرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ بِسَرِقَةِ الثَّمَرِ، أَوْ السَّعَفِ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ وَهُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا
وَكَذَا مَرَضُ الْعَامِلِ إذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِإِلْزَامِهِ اسْتِئْجَارَ الْأُجَرَاءِ وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ الْعَمَلِ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحِ
وَقِيلَ: يُمَكَّنُ، وَقَالُوا: لَا يُمَكَّنُ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُمَكَّنُ أَنْ لَوْ شُرِطَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عُذْرًا مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ.
وَمَنْ دَفَعَ أَرْضًا بَيْضَاءَ إلَى رَجُلٍ سِنِينَ مَعْلُومَةً يَغْرِسُ فِيهَا شَجَرًا أَوْ كَرْمًا، أَوْ نَخْلًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْغَارِسِ نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِاشْتِرَاطِ الشَّرِكَةِ فِيمَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الشَّرِكَةِ لَا بِعَمَلِهِ وَهِيَ الْأَرْضُ أَوْ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَجْعَلَ أَرْضَهُ بُسْتَانًا بِآلَاتِ الْأَجِيرِ عَلَى أَنْ تَكُونَ أُجْرَتُهُ نِصْفَ الْبُسْتَانِ الَّذِي يَظْهَرُ بِعَمَلِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ فَيَفْسُدُ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ صَبَّاغًا لِيَصْبُغَ لَهُ ثَوْبًا بِصِبْغِ نَفْسِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ الْمَصْبُوغِ وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنِصْفِ الْغِرَاسِ مِنْ الْعَامِلِ بِنِصْفِ الْأَرْضِ وَالْغِرَاسُ مَجْهُولٌ وَمَعْدُومٌ وَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ فِي نَصِيبِهِ فِي الْمُدَّةِ أَيْضًا وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْفَسَادَ ثُمَّ جَمِيعُ الثَّمَرِ وَالْغَرْسِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْعَامِلِ قِيمَةُ غَرْسِهِ وَأَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ؛
لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الشَّجَرِ لَمَّا كَانَ فَاسِدًا وَقَدْ غَرَسَهُ الْعَامِلُ بِأَمْرِهِ فِي أَرْضِهِ صَارَ كَأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ قَابِضًا لِلْغَرْسِ بِاتِّصَالِهِ بِأَرْضِهِ مُسْتَهْلِكًا لَهُ بِالْعُلُوقِ فِيهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ أَشْجَارِهِ وَأَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ لِأَنَّهُ ابْتَغَى لِعَمَلِهِ أَجْرًا وَهُوَ نِصْفُ الْأَرْضِ، أَوْ نِصْفُ الْخَارِجِ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَتُفْسَخُ بِالْعُذْرِ) ثُمَّ هَلْ يَنْفَرِدُ صَاحِبُ الْعُذْرِ بِالْفَسْخِ أَمْ يَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَتَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْمُزَارَعَةِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُمَا مُسْتَقْصًى فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي بَابِ فَسْخِ الْإِجَارَةِ أَيْضًا. اهـ. غَايَةٌ.
(كِتَابُ الذَّبَائِحِ) الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ إتْلَافٌ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِ وَهُوَ تَبْذِيرُ الْبَذْرِ لِتَحْصِيلِ النَّفْعِ فِي الْمَالِ مِنْ الْخَارِجِ فَكَذَا الذَّبْحُ إتْلَافُ الْمَوْجُودِ فِي الْحَالِ لِيُنْتَفَعَ بِاللَّحْمِ فِي الْمَآلِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ سَبَبٌ لِحُصُولِ أَقْوَاتِ الْأَنَاسِيِّ وَالْبَهَائِمِ وَهَذَا سَبَبٌ لِحُصُولِ غِذَاءِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ
وَكَذَا الْمُسَاقَاةُ لِتَحْصِيلِ الثَّمَرَاتِ كَمَا أَنَّ الذَّبَائِحَ لِتَحْصِيلِ اللَّحْمِ. اهـ. مِسْكِينٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.