وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضِهِمْ:
الشروح عليها
(وَ) حَرُمَ (سَفَرٌ بِهِ) أَيْ بِالْمُصْحَفِ (لِأَرْضِهِمْ) ،
وَلَوْ مَعَ جَيْشٍ كَبِيرٍ، وَمِثْلُ الْمُصْحَفِ كُتُبُ الْحَدِيثِ فِيمَا يَظْهَرُ
ص (وَفِرَارًا إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ)
ش: قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ الْمُلَاقَاةِ قَدْرَ ثُلُثِ الْكُفَّارِ فَفَرَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ طَائِفَةٌ فَزَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْهِمْ جَازَ الْفِرَارُ لِلْبَاقِينَ، وَيَخْتَصُّ الْعِصْيَانُ بِالْأَوَّلِينَ دُونَ الْبَاقِينَ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: قَدْرَ ثُلُثِ الْكُفَّارِ لَعَلَّهُ نِصْفُ الْكُفَّارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ - يَعْنِي يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - هَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ إبَاحَةِ الْفِرَارِ عِنْدَ مِثْلَيْ الْعَدُوِّ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَعَلَى مُقْتَضَى بَيْعَةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ لَا فِرَارَ أَصْلًا فَهُوَ خَاصٌّ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ: خَاصٌّ بِهِمْ نَظَرٌ. وَانْظُرْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَّفِقَ طَائِفَةٌ وَتَتَعَاهَدَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، ثُمَّ
قَالَ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ فَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْقُوَّةُ وَالتَّكَاثُرُ دُونَ تَعْيِينِ الْعَدَدِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَلَا تَفِرُّ الْمِائَةُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ،
وَإِنْ كَانُوا أَشَدُّ جَلَدًا وَأَكْثَرُ سِلَاحًا (قُلْت) وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْآيَةِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ: إنْ قِيلَ كَيْفَ فَرَّ الصَّحَابَةُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ (قُلْنَا) لَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ إلَّا فِي يَوْمِ بَدْرٍ،
وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} إشَارَةً لِيَوْمِ بَدْرٍ، ثُمَّ نَزَلَ التَّخْفِيفُ فِي الْفَارِّينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ:{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} الْآيَةَ،
وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلَّامٍ كَانَ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ يَوْمَ بَدْرٍ،
وَكَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي مَلْحَمَةِ الرُّومِ الْكُبْرَى عِنْدَ الدَّجَّالِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ رَجَعُوا وَقَاتَلُوا حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ عِيَاضٌ وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ مَتَى جُهِلَ مَنْزِلَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ لَمْ يَجُزْ الْفِرَارُ، انْتَهَى.
(وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضِهِمْ) رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُسَافِرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» .
وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ خَوْفَ أَنْ يَنَالَهُمْ الْعَدُوُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمَّا يُخْشَى مِنْ اسْتِهْزَائِهِمْ وَتَصْغِيرِهِمْ مَا عَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُمْ. سَحْنُونَ: وَلَا فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ خَوْفَ نِسْيَانِهِمْ فَيَنَالُهُ الْعَدُوُّ. اللَّخْمِيِّ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ.
(وَ) حَرُمَ (سَفَرٌ بِهِ) أَيْ الْمُصْحَفِ (لِأَرْضِهِمْ) أَيْ بِلَادِ الْكُفَّارِ تَنَازَعَ فِيهِ إرْسَالٌ وَسَفَرٌ وَلَوْ مَعَ جَيْشٍ كَثِيرٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُتُبَ الْحَدِيثِ كَالْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُ. وَشَبَّهَ فِي الْحُرْمَةِ فَقَالَ (كَ) سَفَرٍ بِ (امْرَأَةٍ) لِأَرْضِهِمْ مُسْلِمَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ كِتَابِيَّةٍ زَوْجَةٍ لِمُسْلِمٍ فَيَحْرُمُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وسفر به لأرضهم؛ يعني أنه كما يحرم إرسال المصحف للكفار يحرم السفر به لأرضهم ولو مع جيش كثير مخافة سقوطه منا ولا نشعر به فتناله الإهانة وتصغير ما عظم الله تعالى،
وفي الموطإ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (١) ). كمرأة تشبيه في الحرمة؛ يعني أنه يحرم علينا أن نسافر بالمرأة إلى أرض الكفار؛ يعني مسلمة حرة أو أمة ملك لمسلم أو حرة كتابية زوج لمسلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.