وخيانة أسير ائتمن طائعا ولو على نفسه
الشروح عليها
(وَ) حُرِّمَ (خِيَانَةُ أَسِيرٍ) مُسْلِمٍ عِنْدَهُمْ (أُؤْتُمِنَ) عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِمْ حَالَ كَوْنِهِ (طَائِعًا) بَلْ (وَلَوْ) أُؤْتُمِنَ (عَلَى نَفْسِهِ) بِعَهْدٍ مِنْهُ أَنْ لَا يَهْرُبَ أَوْ لَا يَخُونَهُمْ فِي مَالِهِمْ أَوْ بِلَا عَهْدٍ نَحْوَ أَمَّنَاك عَلَى نَفْسِك أَوْ عَلَى مَالِنَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِمْ شَيْئًا وَلَوْ حَقِيرًا،
فَإِنْ لَمْ يُؤْتَمَنْ أَوْ أُؤْتُمِنَ مُكْرَهًا فَلَهُ الْهُرُوبُ، وَلَهُ أَخْذُ كُلِّ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ ذُرِّيَّةٍ وَلَوْ بِيَمِينٍ،
وَلَوْ حَنِثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ يَمِينِهِ الْإِكْرَاهُ.
(قَوْلُهُ: حَرُمَ خِيَانَةُ أَسِيرٍ) أَيْ فِيمَا أَمِنَ عَلَيْهِ خَاصَّةً
(قَوْلُهُ: طَائِعًا) أَيْ بِالِائْتِمَانِ سَوَاءٌ كَانَ الِائْتِمَانُ مُصَرَّحًا بِهِ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَمَنَّاك عَلَى مَالِنَا أَوْ عَلَى كَذَا أَوْ كَانَ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ كَمَا إذَا أُعْطِيَ الْأَسِيرُ مَا يَخِيطُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّرِقَةُ مِنْهُ لِعُمُومِ خَبَرِ «أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَك» إنْ قُلْت الْفَرْضُ أَنَّهُ أَسِيرٌ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُ طَوْعٌ قُلْت يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيمَنْ أُسِرَ ابْتِدَاءً فَلَمَّا وَصَلَ لِبِلَادِهِمْ أَحَبُّوهُ وَأَطْلَقُوهُ، وَأَعْجَبَتْهُ بِلَادَهُمْ لِكَثْرَةِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ.
(قَوْلُهُ: بِعَهْدٍ مِنْهُ) أَيْ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ عَاهَدَتْكُمْ عَلَى أَنِّي لَا أَخُونُكُمْ فِي مَالِكُمْ أَوْ عَلَى أَنِّي لَا أَهْرَبُ بَعْدَ أَنْ قَالُوا لَهُ أَمَنَّاك عَلَى أَنْفُسِنَا أَوْ عَلَى أَمْوَالِنَا
(قَوْلُهُ: أَوْ بِلَا عَهْدٍ) أَيْ أَوْ اُؤْتُمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ عَهْدٍ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا لَهُ أَمَنَّاك عَلَى نَفْسِك أَوْ عَلَى أَمْوَالِنَا أَوْ عَلَى حَرِيمِنَا وَأَوْلَادِنَا وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ عَاهَدْتُكُمْ عَلَى أَنِّي لَا أَخُونَ فِي ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: فَلَهُ الْهُرُوبُ) فَإِنْ تَنَازَعَ الْأَسِيرُ وَمَنْ أَمِنَهُ هَلْ وَقَعَ الِائْتِمَانُ عَلَى الطَّوْعِ أَوْ الْإِكْرَاهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَسِيرِ قَالَهُ عج
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِيَمِينٍ) أَيْ أَخَذُوهُ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَمَّنُوهُ مُكْرَهًا وَاَللَّهِ لَا أَخُونُكُمْ فِي مَالِكُمْ أَوْ وَاَللَّهِ لَا أَهْرَبُ.
وَفِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا عَاقَدَهُمْ عَلَى الْفِدَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إذَا عَجَزَ بَلْ يَسْعَى جَهْدَهُ، وَيُوصِلُهُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَذَكَرَ خِلَافًا فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ إذَا اُقْتُرِضَ الْفِدَاءُ مِنْ حَرْبِيٍّ فَانْظُرْهُ.
ص (وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتَمَنَ طَائِعًا) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْأَسِيرُ إذَا تُرِكَ بِعُهْدَةِ أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَخُونَ ظَاهِرُ أَقْوَالِهِمْ لُزُومُهُ اتِّفَاقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَارِثٍ، يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْوَفَاءُ بِعُهْدَةِ الْعَدُوِّ اتِّفَاقًا،
وَفِي لُزُومِهِ الْعَقْدَ، وَلَوْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ أَوْ إنْ كَانَ غَيْرَ مُكْرَهٍ نَقْلًا الْمَازِرِيُّ عَنْ الْأَشْيَاخِ،
وَإِنْ تُرِكَ دُونَ ائْتِمَانٍ وَيَمِينٍ فَلَهُ الْهُرُوبُ بِنَفْسِهِ، وَمَا أَمْكَنَهُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ وَأَخْذِ مَالٍ إنْ قَدَرَ عَلَى النَّجَاةِ،
وَإِنْ تُرِكَ بِائْتِمَانٍ وَأَيْمَانِ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَفِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ أَوْ كَالْعَهْدِ، ثَالِثُهَا لَهُ الْهُرُوبُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ الْمَخْزُومِيِّ فِي الْمَبْسُوطِ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَمَاعِ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَعَ سَمَاعِ عِيسَى وَالْأَخَوَيْنِ مَعَ رِوَايَتِهِمَا، انْتَهَى.
[فُرُوعٌ أَقَرَّ الْأَسِيرُ أَنَّهُ زَنَى وَدَامَ عَلَى إقْرَارِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ] (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) اُخْتُلِفَ إذَا أَقَرَّ الْأَسِيرُ أَنَّهُ زَنَى وَدَامَ عَلَى إقْرَارِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ عَلَيْهِ الْحَدُّ سَوَاءٌ زَنَا بِحُرَّةٍ أَوْ بِأَمَةٍ،
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ [قَتَلَ الْأَسِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَطَأً وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ وَالْأَسِيرُ لَا يَعْلَمُ] (الثَّانِي) إذَا قَتَلَ الْأَسِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَطَأً، وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ وَالْأَسِيرُ لَا يَعْلَمُ، فَقَدْ قِيلَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ،
وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ وَعَمْدًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَعَمْدًا وَهُوَ يَعْلَمُ بِإِسْلَامِهِ قُتِلَ بِهِ، قَالَهُ فِي الْكَافِي (الثَّالِثُ) إذَا جَنَى الْأَسِيرُ عَلَى أَسِيرٍ مِثْلِهِ فَكَغَيْرِهِمَا.
[قَتَلَ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا فِي حَالِ الْقِتَالِ وَقَالَ ظَنَنْتُهُ مِنْ الْكُفَّارِ] (الرَّابِعُ) إذَا قَتَلَ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا فِي حَالِ الْقِتَالِ،
وَقَالَ: ظَنَنْتُهُ مِنْ الْكُفَّارِ حَلَفَ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ.
(وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتَمَنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ) أَصْبَغُ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي الْأَسِيرِ: إذَا خَلَّوْهُ فِي بِلَادِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمَمْلَكَةِ وَالْقُهْرَةِ فَهَرَبَ فَلَهُ أَخْذُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلْيَقْتُلْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيَهْرُبُ إنْ اسْتَطَاعَ وَلْيَسْتَرِقَّ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ مَا اسْتَطَاعَ.
قَالَ فِي سَمَاعِ مُوسَى: وَمَا خَرَجَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ خُمُسٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ.
وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ: وَإِذَا خَلَّوْهُ عَلَى وَجْهِ الِائْتِمَانِ أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يُحْدِثَ شَيْئًا فَلَا يَفْعَلُ وَلَا يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا يَخُنْهُ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا يَهْرُبُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ أَنْ يَهْرُبَ وَيَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُ إنْ قَدَرَ،
وَإِنْ ائْتَمَنُوهُ وَوَثِقُوا بِهِ وَاسْتَخْلَفُوهُ فَهُوَ فِي فُسْحَةٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ أَصْلَ أَمْرِهِ الْإِكْرَاهُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي النَّظَرِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَرَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُمْ إنْ ائْتَمَنُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَقْتُلَ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا لِأَنَّ الْمُقَامَ عَلَيْهِ بِبَلَدِ الْحَرْبِ حَرَامٌ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِمَا وَعَدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ
بِخِلَافِ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ:" وَلَا خُمُسَ فِيمَا خَرَجَ بِهِ " هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُسَارَى يَغْنَمُونَ مِنْ أَسْرَاهُمْ.
[مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ تَرْكُ الْغُلُولِ]
(ص) وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ اُؤْتُمِنَ طَائِعًا (ش) يَعْنِي أَنَّ خِيَانَةَ الْأَسِيرِ حَرَامٌ إذَا اُؤْتُمِنَ سَوَاءٌ اُؤْتُمِنَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ عَلَى مَالٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِمَّا قَدَرَ عَلَى حَمْلِهِ وَيَهْرُبُ بِهِ وَسَوَاءٌ اُؤْتُمِنَ طَائِعًا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاهَدَةِ أَيْ بِأَنْ أَعْطَاهُمْ عَهْدًا عَلَى أَنْ لَا يَخُونَهُمْ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاهَدَةِ، نَحْوُ ائْتَمَنَّاك عَلَى كَذَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ أَخَذُوهُ مِنْهُ،
فَإِنْ كَانَ بِيَمِينٍ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ حُكْمَهُ فِي الْحُرْمَةِ كَالِائْتِمَانِ بِلَا يَمِينٍ
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (ص) ، وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ (ش) لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ إذَا أَمِنُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ
وَكَذَا إنْ أَعْطَاهُمْ عَهْدًا عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَتَرَكُوهُ يَتَصَرَّفُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَهُ الْهَرَبُ وَالْأَخْذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ،
وَإِنْ ائْتَمَنُوهُ، وَإِنْ أَحَلَفُوهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ يَمِينِهِ إكْرَاهٌ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَوْلُ ثَالِثٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي النَّظَرِ إنْ ائْتَمَنُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَقْتُلَ وَلَا يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ جَازَ لَهُ الْهَرَبُ لِحُرْمَةِ الْمَقَامِ بِدَارِ الْحَرْبِ دُونَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ إذْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ وَإِلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِلَوْ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ اُؤْتُمِنَ طَائِعًا عَمَّا لَوْ لَمْ يُؤْتَمَنْ أَوْ اُؤْتُمِنَ مُكْرَهًا فَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ وَالْهَرَبُ بِهَا.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَ) حَرُمَ (خِيَانَةُ) مُسْلِمٍ (أَسِيرٍ) فِي بَلَدِ الْعَدُوِّ (ائْتُمِنَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ ائْتَمَنَهُ كَافِرٌ صَرَاحَةً نَحْوُ أَمَّنَّاك عَلَى أَمْوَالِنَا وَذُرِّيَّتِنَا وَنِسَائِنَا أَوْ ضِمْنًا كَإِعْطَائِهِ شَيْئًا يَصْنَعُهُ حَالَ كَوْنِ الْأَسِيرِ (طَائِعًا) فِي ائْتِمَانِهِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَنِسَائِهِمْ بَلْ (وَلَوْ) ائْتُمِنَ (عَلَى نَفْسِهِ) بِعَهْدٍ مِنْهُ أَنْ لَا يَهْرُبَ، وَلَا يَخُونَهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ أَوْ بِغَيْرِ عَهْدٍ بِيَمِينٍ فِيهِمَا أَوْ بِغَيْرِهَا وَمَفْهُومُ ائْتُمِنَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُؤْتَمَنْ تَجُوزُ خِيَانَتُهُ، وَمَفْهُومُ طَائِعًا أَنَّهُ إنْ ائْتُمِنَ مُكْرَهًا وَالْغُلُولُ، وَأُدِّبَ إنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ: نَعْلًا، وَحَرَامًا، وَإِبْرَةً، وَطَعَامًا وَإِنْ نَعَمًا،
وَعَلَفًا:
[منح الجليل] تَجُوزُ خِيَانَتُهُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ حَلَّفُوهُ يَمِينًا عَلَى عَدَمِهَا.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُتَصَوَّرُ طَوْعُهُ وَهُوَ أَسِيرٌ. قُلْت يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ أَحَبُّوهُ وَظَنُّوا فِيهِ الْأَمَانَةَ وَأَطْلَقُوهُ يَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ فِي بِلَادِهِمْ فَأَعْجَبَتْهُ لِكَثْرَةِ زِينَةِ الدُّنْيَا مَثَلًا.
وخيانة أسير ائتمن طائعا؛ يعني أنه يحرم على الأسير المسلم الذي أسرته الكفار إذا ائتموه على مال أن يخون: وهذا إذا ائتمن في حال طوعه لقوله عليه الصلاة والسلام: (أد الأمانة إلى من ائتمنك (١) )، ولو على نفسه؛ يعني أن الأسير المسلم إذا ائتمنه الكفار يحرم عليه أن يخون فيما ائتمن فيه، ولا فرق في ذلك بين أن يأتمنوه على مال وبين أن يأتمنوه على نفسه: فلا يجوز له أخذ المال ولا يجوز له أن يهرب، وسواء كان ذلك بعهد منه أن لا يهرب وأن لا يخونهم في مالهم وبغير عهد بيمين فيهما أو بغير يمين،
فإن حلف مكرها مع تأمينه طائعا لم يحنث
لا إن حلف طائعا فيحنث مع حرمة خيانته حينئذ، ومفهوم قوله: "ائتمن طائعا" ، جوازها بدون ائتمان أو به مكرها بعهد أو بغيره بيمين أو بغيرها، لكن إن حلف مكرها أيضا لم يحنث وطائعا حنث بهروبه وخيانته لهم في مالهم مع جواز ذلك كله له،
ويحرم الغدر في الحرب وينبغي الخداع فيها.
وفي البيان عن المخزومي وابن الماجشون: له الهروب والأخذ من أموالهم ويقتلهم،
وإن ائتمنوه وإن أحلفوه فار حنث عليه. انتهى. وللأسير أن يسرق من أموالهم ولا يعاملهم بالربا. قاله أشهب.
وإن دفعوا له ثوبا فلا يحل له أن يسرق منه لأنه ائتمن عليه، وما أقر به بعد تخلصه إلى بلاد الإسلام من سرقة أو ربى أو زنى فلا شيء عليه في السرقة، وأحب إلي أن يتصدق بقدر ما أربى فيه، واختلف في زناه فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن أقر وأقام على إقراره ولم يرجع، وقاله أصبغ، زنى بحرة أو أمة،
وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته،
قوله: "ولو على نفسه" ، هو الذي عليه الأصحاب، ونقل ابن عبد السلام عن مالك قولا أنه يهرب بنفسه دون ما لهم. وحكى في الكافي عن مالك أيضا. قال: وفرض عليه أن يخرج ويكفر عن يمينه إن لم يكره عليها وإلا فلا كفارة،
وإذا أسلم الحربي ببلاد الحرب فقتله مسلم خطأ قبل الخروج وهو لا يعلمه مسلما فقد قيل: عليه الدية والكفارة،
وقيل الكفارة لا غير، ولو تعمد قتله وهو لا يعلمه مسلما كانت عليه الدية والكفارة،
ولو تعمد وهو يعلم بإسلامه قتل به،
ولو قتل مسلم مسلما عند التحام الحرب وقال ظننته من العدوِّ حلف على ذلك وكانت عليه الدية والكفارة،
وإذا جنى الأسير المسلم على أسير مثله فلا يسقط ذلك كونهما بدار الحرب بل هما كغيرهما، ونقل الحطاب عن ابن عوفة ما نصه: الأسير إن ترك بعهدة أن لا يهرب ولا يخون، ظاهر الأقوال لزومه وهو ظاهر قول ابن حارث: يجب على المسلم الوفاء بعهدة العدو اتفاقا،
وفي لزومه العقد ولو كان مكرها أو إلا إن كان مكرها نقلا المازري عن الأشياخ،
وإن ترك دون ائتمان ويمين فله الهروب بنفسه وما أمكنه من قتل نفس وأخذ مال إن قدر على النجاة،
وإن ترك بائتمان وأيمان طلاق أو غيره ففي كونه كذلك أو كالعهد، ثالثها له الهروب بنفسه فقط. انتهى. ونحود للشبراخيتي، وزاد بعد قوله: "فقط" ما نصه: لابن رشد عن المخزومي في المبسوط مع ابن الماجشون وسماع عيسى ابن القاسم مع سماع أصبغ والأخوين مع روايتهما. انتهى. وفيه أي الشبراخيتي عند قوله: "ائتمن طائعا" ، بعهد كما إذا أعطاهم عهدا أن لا يخون أو لا يهرب، فليس له الخيانة فيما عوهد عليه من نفس وغيرها اتفاقا أو بغيره نحو أمناك على نفسك أو هي وغيرها، فإنه ليس له الخيانة فيما أمن عليه على المعتمد، سواء انضم لذلك حلف منه أم لا، فلا يسرق من ثوب دفع له يخيطه مثلا،
وإن لم يؤمن لا بيمين ولا بغيره فله الخيانة اتفاقا،
فإذا كان مرسلا وقدر أن يأخذ من أموالهم شيئا لم يؤمن عليه فله ذلك، ومفهوم ائتمن طائعا أنه لو لم يؤتمن أو ائتمن مكرها على وجه المعاهدة أو غيرها فإنه بمنزلة من لم يؤمن فله الخيانة فيما شاء من نفسه وغيرها من نسائهم وذراريهم وأموالهم، سواء انضم لذلك يمين أم لا، ولا حنث عليه لأن أصل يمينه إكراه،
وإذا تنازع الأسير ومن أمنه هل وقع الائتمان على الطوع أو الإكراه؟ فالقول للأسير،
وإذا اقترض الأسير دراهم من بعض الحربيبن وضمنه فيها شخص من الحربيين فإنه يلزمه؛ لأن المقرض ائتمنه على ما أقرضه له طائعا وأفتى بعضهم بعدم اللزوم، وبه قال الحنفية.
ومن فروع هذا الباب ما ذكره ابن حبيب عن مطرف وابن المجشون أن الأسير إذا أطلقه العدو على أن يأتيه بفدائه فله بعث المال دون رجوعه،
ولو عوقد على أن يبعث بالمال فعجز عنه فليجتهد فيه أبدا ولا يرجع، والفرق بينهما شرط رجوعه في الأولى دون الثانية. والغلول؛ عطف على نبل من قوله: "وحرم نبل" يعني أن الغلول حرام، والغلول أخذ ما لم يبح الانتفاغ به من الغنيمة قبل حوزها، قال بعضهم: وهو من الكبائر وهو مأخوذ من الغلل وهو الماء الجاري بين الشجر؛ لأن الغال يدخل ما يأخذه بين متاعه، من غل يغل بضم الغين في المضارع وكسرها، وليس من الغلول من جاهد مع وال جائر لا يقسم الغنيمة قسمة شرعية وأخذ قدر ما يستحقد فيها فإن ذلك سائغ لأنه بمثابة من أخذ عين شيئه، وينبغي إن أمن فتنة ورذيلة.
وو الحديث. (لا تغلوا فإن الغلول عار ونار وشنار (١) )،
وفي الحديث أيضا ما معناه: أن الغال يحمل ما أخذ يوم القيامة، إن كان شاة أتى بها تيعر،
وإن كان بعيرا أتى به يحمله وله رغاء،
وإن كان بقرة أتى بها يحملها ولها خوار ،
وفي الكتاب العزيز: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وما مر من تعريف الغلول لابن عرفة كما في التتائي وهو الصواب،
وفي عبارة قبل قسهما فيتماري من مؤدى العبارتين فيما إذا أخذ منها بعد الحوز وقبل القسم، هل هو من الغلول؟.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.