والمجتهد من يعرف من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الحقيقة، والمجاز والأمر والنهي والمجمل والمبين والمحكم والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ والمستثنى والمستثنى منه ويعرف من السنة صحيحها من سقيمها وتواترها من آحادها ومرسلها ومتصلها وسندها ومنقطعها مما له تعلق بالأحكام خاصة ويعرف ما اجتمع عليه مما اختلف فيه والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه والعربية المتناولة بالحجاز والشام والعراق وما يواليها وكل ذلك مذكور في أصول الفقه وفروعه
الشروح عليها
(والمجتهد) مأخوذ من الاجتهاد: وهو استفراغ الفقيه الوسعَ لتحصيل ظنِّ بحكم شرعي (مَن يعرف مِن كتاب الله) تعالى (وسُنَّةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - الحقيقة) أي: اللفظ المستعمل في وضع أول (والمجازَ) أي: اللفظ المستعمل في غير وضع أول، زاد بعضهم: على وجه يصح (والأمرَ) أي: القول المقتضي طاعةَ المأمور بفعل المأمور به (والنهيَ) أي: اقتضاه الكف عن فعل؛ لا بقولِ: كُفّ (والمجمَلَ) أي: ما لا يُفهم منه عند الإطلاق شيء (والمبيَّن) أي: المخرج من حيز الإشكال إلى حيز التجلِّي والوضوح (والمحكَمَ) أي: المتضح المعنى (والمتشابهَ) مُقابِلَه،
إما لاشتراكٍ أو ظهورِ تشبيهِ (والخاصَّ) المقصور من العام على بعض مسمَّياته (والعام) ما دَلَّ على مسمَّياتِ باعتبار أمْرٍ اشتركت فيه مطلقًا (والمطلَقَ) ما دلَّ على شائع في جنسه (والمقيَّد) ما دَلَّ على شيء معيَّن (والناسخَ) أي: الرافع لحكم شرعي (والمنسوخَ) ما ارتفع شرعًا بعد ثبوته شرعًا (والمُستثنَى) أي: المخرَج بـ"إلا"، أو ما في معناها من لفظ شامل له (والمستثنَى منه) هو العام المخصوص بإخراج بعض ما دَلَّ عليه بـ"إلا"، أو ما في معناها. (ويَعرف من السُّنة صحيحَها) وهو ما نقله العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة (من سقيمها) وهو ما لم يوجد فيه شروط الصحة، كالضعيف والمنقطع، والمنكر، والشاذ وغيرها (ومتواترها) هو الخبر الذي نقله جمع لا يتصور تواطؤهم على الكذب، مستويًا في ذلك طرفاه ووسطه، والحقُّ أنه لا ينحصر في عددٍ، بل يُستدل بحصول العلم على حصول العدد، والعلمُ الحاصل عنه ضروري في الأصح (من آحادها) وهو ما عدا المتواتر ، وليس المراد به أن يكون راويه واحدًا، بل كل ما لم يبلغ التواتر فهو آحاد (ومرسَلَها) وهو قولُ غير الصحابي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ومتَّصِلَها) أي: ما اتَّصل إسناده، وكان كلُّ واحدٍ من رواته سمِعَه ممن فوقه، سواء كان مرفوعًا أو موقوفًا (ومسندَها) ما اتَّصل إسناده من راويه إلى مُنتهاه، وأكثر استعماله فيما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (ومنقطِعَها) أي: ما لم يتصل سنده، على أيَّ وجهٍ كان الانقطاع (مما له تعلُّق بالأحكام خاصَّة)
وظاهره: أنه لا يجب عليه حفظ القرآن، وإنما المتعيّن عليه حِفْظ نحو خمسمائة [آية] المتعلقة بالأحكام، كما نقله المُعْظَمُ؛ لأن المجتهد هو من يعرف الصوابَ بدليله، كالمجتهد في القِبلة. ولكلِّ مما ذكرنا دلالة لا يمكن معرفتها إلا بمعرفته، فوجب معرفة ذلك لتعرف دلالته، وتوقف الاجتهاد على معرفة ذلك. (ويعرف ما أُجمع عليه مما اختلف فيه) لئلا يؤديَه اجتهاده إلى قول يخرج عن الإجماع، أو أقوال السلف. (و) يعرف (القياسَ) وهو ردُّ
فرعِ إلى أصل (و) يعرف (حدودَه) أي: القياس، على ما ذكر في أصول الفقه (وشروطَه) وبعضُها يرجع إلى الأصل، وبعضُها إلى الفرع، وبعضُها إلى العِلَّة (وكيفيه استنباطه) على الكيفية المذكورة في محالِّها. (و) يعرف (العربية) أي: اللغةَ العربية، من حيث اختصاصُها بأحوالٍ -هي الإعراب- لا توجد في غيرها من اللغات (المتداولة بالحجاز والشام والعراق، وما يواليهم) ليعرف به استنباطَ الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسُّنة. (وكلُّ ذلكَ مذكورٌ في أصول الفقه وفروعه، فمن عرف ذلك أو أكثره، ورُزق فهمه؛ صَلَحَ للفتيا والقضاء) لأن العالم بذلك يتمكَّن من التصرف في العلوم الشرعية ووضعها في مواضعها.
قال أبو محمد الجوزي: من حصَّل أصول الفقه وفروعه فمجتهدٌ، ولا يقلِّد أحدًا. فصل في أحكام تتعلَّق بالفتيا
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.