وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَمَّا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ بمَعْلُومِ نَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ فَكَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ
الشروح عليها
(وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَمَّا) أَيْ مَجْهُولٍ لَهُمَا أَوْ لِلْمَدِينِ (تَعَذَّرَ عِلْمُهُ مِنْ دَيْنٍ) كَمَنْ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ أَوْ حِسَابٌ مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ (أَوْ) تَعَذَّرَ عِلْمُهُ مِنْ (عَيْنٍ) كَقَفِيزِ حِنْطَةٍ وَقَفِيزِ شَعِيرٍ اخْتَلَطَا وَطُحِنَا (بِ) مَالٍ (مَعْلُومِ نَقْدٍ) أَيْ حَالٍّ (وَنَسِيئَةٍ) «لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ بَيْنَهُمَا اسْتَهِمَا وَتَوَاخَيَا الْحَقَّ وَلْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد ; لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ لِلْحَاجَةِ وَلِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى ضَيَاعِ الْمَالِ أَوْ بَقَاءِ شَغْلِ الذِّمَّةِ، إذْ لَا طَرِيقَ إلَى التَّخَلُّصِ إلَّا بِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَهْلُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ أَوْ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ بِمَجْهُولٍ لَمْ يَصِحَّ ;
لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ وَالْجَهْلُ بِهِ يَمْنَعُهُ وَإِذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ) عِلْمُ الْمَجْهُولِ كَتَرِكَةٍ بَاقِيَةٍ صَالَحَ الْوَرَثَةُ الزَّوْجَةَ عَنْ حِصَّتِهَا مِنْهَا مَعَ الْجَهْلِ بِهَا (فَكَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ) جَزَمَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَقَدْ نَزَّلَ أَصْحَابُنَا الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ الْمُقَرِّ بِهِ بِمَعْلُومٍ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ فَيَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَطْعِ النِّزَاعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْإِنْصَافُ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمَنْعُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَقْبَلُ الْإِبْرَاءَ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ
قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ.
(ويصح الصلح عما) أي: عن مجهول (تعذر علمه: من دين) ؛ كالرجلين يكون بينهما المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه الزمن الطويل، (أو عين) . نقل عبدالله: إذا اختلط قفيز حنطة بقفيز شعير وطحنا.
فإن عرفت قيمة دقيق الحنطة ودقيق الشعير بيع هذا وأعطي كل واحد منهما قيمة ماله. إلا أن يصطلحاعلى شيءويتحالا. (بـ) مال (معلوم نقد ونسيئة) ؛ " لقوله صلى الله عليه وسلم لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما: استهما وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه " . رواه أحمد وأبو داود. ولأنه إسقاط حق. فصح في المجهول للحاجة.
ولأنه إذا صح الصلح مع العلم وإمكان أداء الحق بعنيه. فلأن يصح مع الجهل أولى.
وذلك لأنه إذا كان معلوما فلهما طريق إلى التلخيص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه، ومع الجهل لا يمكن ذلك،
ولو لم يجز الصلح أفضى إلى ضياع المال على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه.
قال في " الإنصاف ": وسواء كان الجهل من الجانبين أو ممن عليه وهذا المذهب مطلقا. انتهى.
وعلم مما تقدم أن الصلح لو وقع بمجهول لم يصح؛ لأن تسليمه واجب والجهالة تمنعه وتفضي إلى التنازع. . فلا يحصل مقصود الصلح. (فإن لم يتعذر) علمه (فكبراءة من مجهول) . قدمه في " الفروع "، واقتصر عليه في " التنقيح ".
أي: إن قلنا بصحة البراءة من المجهول صح الصلح، وإلا فلا.
قال في " التلخيص ": وقد نزل أصحابنا الصلح عن المجهول المقر به بمعلوم منزلة الإبراء من المجهول. فيصح على المشهور؛ لقطع النزاع.
ونقل حنبل ما يدل على أنه لا يصح الإبراء من المجهول. فلا يصح الصلح عنه، وهذا منهم يدل على أنه يختص بما في الذمم؛ لأن الأعيان لا تقبل الإبر اء.
وقال في " الفروع ": وجزم صاحب " المحرر " وغيره بالمنع؛ لعدم الحاجة؛ كالبيع. قال: وهو ظاهر نصوصه، وظاهر ما جزم به في " الإرشاد " وغيره وفافاّ لمالك. وخرج في " التعليق " و" الانتصار " وغيرهما في صلح المجهول والإنكار من البراءة من المجهول عدم الصحة، وخرجه في " التبصره " من الإبراء من عيب لم يعلماه. انتهى.
وظاهر كلامه في " الإنصاف " أيضاً: أن الصحيح المنع.
وقيل: لا يصح عن أعيان مجهولة، لكونه إبراء. وهي لا تقبله.
وفي " الترغيب ": هو ظاهر كلامه-.
* قوله: (نقد) ؛ أيْ: ما قابل النسيئة.
* قوله: (ونسيئة) الواو مستعملة في حقيقتها وهو الجمع، ومجازها وهو معنى "أو"؛ لأنه يصح بنقد فقط، ونسيئة فقط، وبهما معا.
* قوله: (فكبراءة من مجهول)
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.