وأما بعده فللكفار حالان أحدهما يكونون ببلادهم ففرض كفاية إذا فعله من فيهم كفاية سقط الحرج عن الباقين.
الشروح عليها
(وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِلْكُفَّارِ) أَيْ الْحَرْبِيِّينَ (حَالَانِ) : (أَحَدُهُمَا يَكُونُونَ) أَيْ كَوْنُهُمْ (بِبِلَادِهِمْ) مُسْتَقِرِّينَ فِيهَا غَيْرَ قَاصِدِينَ شَيْئًا (فَ) الْجِهَادُ حِينَئِذٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) وَيَحْصُلُ
إمَّا بِتَشْحِينِ الثُّغُورِ وَهِيَ مَحَالُّ الْخَوْفِ الَّتِي تَلِي بِلَادَهُمْ بِمُكَافِئِينَ لَهُمْ لَوْ قَصَدُوهَا مَعَ إحْكَامِ الْحُصُونِ وَالْخَنَادِقِ وَتَقْلِيدِ ذَلِكَ لِأُمَرَائِنَا الْمُؤْتَمَنِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ،
وَإِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِشَرْطِهِ دَارَهُمْ بِالْجُيُوشِ لِقِتَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الثُّغُورَ إذَا شُحِنَتْ كَمَا ذُكِرَ كَانَ فِي ذَلِكَ إخْمَادٌ لِشَوْكَتِهِمْ وَإِظْهَارٌ لِقَهْرِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ الظَّفَرِ بِشَيْءٍ مِنَّا، وَأَقَلُّهُ مَرَّةً فِي كُلِّ سَنَةٍ،
فَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ مَا لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إلَى أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَإِلَّا وَجَبَ
وَشَرْطُهُ كَالْمَرَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ بِنَا ضَعْفٌ أَوْ نَحْوُهُ كَرَجَاءِ إسْلَامِهِمْ، وَإِلَّا أُخِّرَ حِينَئِذٍ، وَتُنْدَبُ الْبَدَاءَةَ بِقِتَالِ مَنْ يَلِينَا مَا لَمْ يَكُنِ الْخَوْفُ مِنْ غَيْرِهِمْ أَكْثَرَ، فَتَجِبُ الْبَدَاءَةَ بِهِمْ وَأَنْ يُكَثِّرَهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَيُثَابُ عَلَى الْكُلِّ ثَوَابَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَحُكْمُ فَرْضِهَا الَّذِي هُوَ مُهِمٌّ بِقَصْدِ حُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ لِفَاعِلِهِ أَنَّهُ (إذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ) وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ فَرْضِهِ كَصِبْيَانٍ وَإِنَاثٍ وَمَجَانِينَ (سَقَطَ الْحَرَجُ) عَنْهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَ (عَنْ الْبَاقِينَ) رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ، نَعَمْ الْقَائِمُ بِفَرْضِ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ،
وَإِنْ أَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَفْهَمَ السُّقُوطُ أَنَّهُ يُخَاطِبُ بِهِ الْكُلَّ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ الْكُلُّ أَثِمَ أَهْلُ فَرْضِهِ كُلُّهُمْ وَإِنْ جَهِلُوا: أَيْ وَقَدْ قَصَّرُوا فِي جَهْلِهِمْ بِهِ ،
وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مُبْهَمًا لِكَثْرَتِهَا وَخَفَائِهَا ذَكَرَ مِنْهَا جُمْلَةً فِي أَبْوَابِهَا، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنْهَا جُمْلَةً أُخْرَى هُنَا فَقَالَ
(قَوْلُهُ: وَالنُّصْحُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلْمُؤْتَمَنِينَ
(قَوْلُهُ: وَإِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ) ظَاهِرُهُ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا إشْحَانُ الثُّغُورِ،
وَإِمَّا دُخُولُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
قَالَ م ر: وَهُوَ الْمَذْهَبُ اهـ. لَكِنَّ شَيْخَنَا الشِّهَابَ الْبُرُلُّسِيَّ رَدَّ ذَلِكَ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ أَقَامَ فِيهِ الْبَرَاهِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ وَعَرَضَهُ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ وَغَيْرِهِمْ فَوَافَقُوا عَلَى ذَلِكَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: أَوْ نَائِبِهِ بِشَرْطِهِ) لَعَلَّهُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَتَقْلِيدُ ذَلِكَ لِأُمَرَائِنَا الْمُؤْتَمَنِينَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا أُخِّرَ) أَيْ وُجُوبًا.
(قَوْلُهُ: وَبِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ مُطْلَقًا إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يُغْنِي عَنْهُ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي نُسَخٍ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الثُّغُورَ إذَا شُحِنَتْ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ تَصَرَّفَ فِي عِبَارَةِ التُّحْفَةِ بِمَا لَزِمَ عَلَيْهِ عَدَمُ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ كَمَا يُعْلَمُ بِسَوْقِ عِبَارَتِهَا وَنَصِّهَا عَقِبَ قَوْلِهِ
وَإِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِشَرْطِهِ دَارَهُمْ بِالْجُيُوشِ لِقِتَالِهِمْ وَأَقَلُّهُ مَرَّةً فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِذَا زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ، هَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ، وَلَا يُنَافِيهِ كَلَامُ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَصَرِيحُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوَّلِ وَحْدَهُ، وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ وُجُوبِ قِتَالِهِمْ عَلَى الدَّوَامِ وَهُوَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا. وَيُرَدُّ بِأَنَّ الثُّغُورَ إذَا شُحِنَتْ إلَخْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّهَابَ بْنَ قَاسِمٍ نَقَلَ أَنَّ شَيْخَهُ الشِّهَابَ الْبُرُلُّسِيَّ صَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَصْنِيفًا حَافِلًا بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ الشَّحْنَ الْمَذْكُورَ لَا يُغْنِي عَنْ الدُّخُولِ إلَى دَارِهِمْ، وَأَنَّهُ عَرَضَهُ عَلَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ وَغَيْرِهِمْ فَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ مَا فِيهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ
(قَوْلُهُ: نَعَمْ الْقَائِمُ بِفَرْضِ الْعَيْنِ أَفْضَلُ إلَخْ) هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ الْمَتْنُ مِنْ مَزِيَّةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِتَضَمُّنِهِ سُقُوطَ الْحَرَجِ عَنْ الْبَاقِينَ
(قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ السُّقُوطَ) أَيْ عَنْ الْبَاقِينَ
(وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِلْكُفَّارِ) الْحَرْبِيِّينَ (حَالَانِ أَحَدُهُمَا يَكُونُونَ) أَيْ كَوْنُهُمْ (بِبِلَادِهِمْ) مُسْتَقِرِّينَ فِيهَا غَيْرَ قَاصِدِينَ شَيْئًا (فَ) الْجِهَادُ حِينَئِذٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجْمَاعًا، كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَيَحْصُلُ
إمَّا بِتَشْحِينِ الثُّغُورِ، وَهِيَ مَحَالُّ الْخَوْفِ الَّتِي تَلِي بِلَادَهُمْ بِمُكَافِئِينَ لَهُمْ، لَوْ قَصَدُوهَا مَعَ إحْكَامِ الْحُصُونِ وَالْخَنَادِقِ، وَتَقْلِيدُ ذَلِكَ لِلْأُمَرَاءِ الْمُؤْتَمَنِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ،
وَإِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِشَرْطِهِ دَارَهُمْ بِالْجُيُوشِ لِقِتَالِهِمْ.
وَظَاهِرٌ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ بَعْثُهَا فِي جَمِيعِ نَوَاحِي بِلَادِهِمْ وَجَبَ، وَأَقَلُّهُ مَرَّةً فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِذَا زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ، هَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ وَلَا يُنَافِيهِ كَلَامُ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ وَصَرِيحُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوَّلِ وَحْدَهُ، وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ وُجُوبِ قِتَالِهِمْ عَلَى الدَّوَامِ وَهُوَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الثُّغُورَ إذَا شُحِنَتْ كَمَا ذُكِرَ كَانَ فِي ذَلِكَ إخْمَادٌ لِشَوْكَتِهِمْ وَإِظْهَارٌ لِقَهْرِهِمْ بِعَجْزِهِمْ عَنْ الظَّفَرِ بِشَيْءٍ مِنَّا،
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ إذَا اُحْتِيجَ إلَى قِتَالِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَجَبَ، فَكَذَا إذَا اكْتَفَيْنَا هُنَا بِتَحْصِينِ الثُّغُورِ وَاحْتِيجَ لِقِتَالِهِمْ وَجَبَ،
وَأَمَّا ادِّعَاءُ إيجَابِ الْجِهَادِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً مَعَ تَحْصِينِ الثُّغُورِ فَهُوَ وَإِنْ أَفْهَمَتْهُ عِبَارَاتٌ لَكِنَّهُ إنَّمَا يُتَّجَهُ حَيْثُ لَا عُذْرَ فِي تَرْكِهِ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، ثُمَّ رَأَيْت عِبَارَةَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَعِبَارَةَ الْأَذْرَعِيِّ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ صَرِيحَتَيْنِ فِي الْوُجُوبِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً مُطْلَقًا، زَادَ الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إلَى التَّأْخِيرِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ،
وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ الْجِهَادُ دَعْوَةٌ قَهْرِيَّةٌ فَتَجِبُ إقَامَتُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَرَّةٍ فِي السَّنَةِ وَلَا يُعَطَّلُ إذَا أَمْكَنَتْ الزِّيَادَةُ وَهُوَ ضَعِيفٌ،
وَإِنْ اخْتَارَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ وُجِّهَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ تَجْهِيزَ الْجُيُوشِ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَإِلَّا وَجَبَ،
وَشَرْطُهُ كَالْمَرَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ بِنَا ضَعْفٌ أَوْ نَحْوُهُ كَرَجَاءِ إسْلَامِهِمْ، وَإِلَّا أَخَّرَ حِينَئِذٍ،
وَيُسَنُّ أَنْ يُبْدَأَ بِقِتَالِ مَنْ يَلُونَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ مِنْ غَيْرِهِمْ أَكْثَرَ فَتَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِهِمْ،
وَأَنْ يُكْثِرَهُ مَا اسْتَطَاعَ وَيُثَابَ عَلَى الْكُلِّ ثَوَابَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَحُكْمُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ الَّذِي هُوَ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ لِفَاعِلِهِ، أَنَّهُ (إذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ) وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ فَرْضِهِ كَذَوِي صِبًا أَوْ جُنُونٍ أَوْ أُنُوثَةٍ إلَّا فِي مَسَائِلَ كَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى مَا مَرَّ فِيهَا، (سَقَطَ الْحَرَجُ) عَنْهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَ (عَنْ الْبَاقِينَ) رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ؛
وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْقَائِمُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَأَقَرَّ فِي الرَّوْضَةِ الْإِمَامَ عَلَيْهِ، وَأَفْهَمَ السُّقُوطُ أَنَّهُ يُخَاطَبُ بِهِ الْكُلُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ الْكُلُّ أَثِمَ أَهْلُ فَرْضِهِ كُلِّهِمْ،
وَإِنْ جَهِلُوا أَيْ وَقَدْ قَصَّرُوا فِي جَهْلِهِمْ بِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: لِتَقْصِيرِهِمْ كَمَا لَوْ تَأَخَّرَ تَجْهِيزُ مَيِّتٍ بَقَرِيَّة أَيْ: مِمَّنْ تَقْضِي الْعَادَةُ بِتَعَهُّدِهِ، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ وَإِنْ جُهِلَ مَوْتُهُ لِتَقْصِيرِهِمْ بِعَدَمِ الْبَحْثِ عَنْهُ
وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مُهِمًّا لِكَثْرَتِهَا وَخَفَائِهَا ذَكَرَ مِنْهَا جُمْلَةً فِي أَبْوَابِهَا ثُمَّ اسْتَطْرَدَ هُنَا جُمْلَةً أُخْرَى مِنْهُ
(قَوْلُهُ: مُسْتَقِرِّينَ) إلَى قَوْلِهِ: هَذَا مَا صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: الْمُؤْتَمَنِينَ إلَى
وَأَمَّا بِأَنَّ، وَقَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ، وَقَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ إلَى، وَأَقَلُّهُ ثُمَّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَحَلُّهُ فِي الْغَزْوِ
أَمَّا حِرَاسَةُ حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ فَمُتَعَيِّنَةٌ فَوْرًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ تَشْحِينِ الثُّغُورِ وَدُخُولِ الْإِمَامِ إلَخْ قَالَ م ر: وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَكِنَّ الشِّهَابَ الْبُرُلُّسِيَّ رَدَّ ذَلِكَ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ أَقَامَ فِيهِ الْبَرَاهِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ وَعَرَضَهُ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ وَغَيْرِهِمْ فَوَافَقُوا عَلَى ذَلِكَ ع ش وَرُشَيْدِيٌّ وَسَيَأْتِي عَنْ سم مِثْلُهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ نَائِبُهُ بِشَرْطِهِ) لَعَلَّهُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ السَّابِقِ آنِفًا: وَتَقْلِيدُ ذَلِكَ لِلْأُمَرَاءِ الْمُؤْتَمَنِينَ إلَخْ اهـ. ع ش وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: الْآتِي فِي آخِرِ السِّوَادَةِ
وَشَرْطُهُ إلَخْ فَيَكُونُ رَاجِعًا إلَى الْإِمَامِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ: قَوْلُهُ: وَيَحْصُلُ
إمَّا بِتَشْحِينِ الثُّغُورِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَصَرِيحُهُ) أَيْ: هَذَا أَوْ مَا صَرَّحَ إلَخْ وَالْمَآلُ وَاحِدٌ.
(قَوْلُهُ: بِالْأَوَّلِ) أَيْ: بِتَشْحِينِ الثُّغُورِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْأَوَّلِ مَا ذُكِرَ أَيْ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقِتَالِ عَلَى الدَّوَامِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَفْهَمَتْهُ عِبَارَاتُ إلَخْ) هَذَا الَّذِي أَفْهَمَتْهُ عِبَارَاتٌ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ الْأَصْحَابِ كَمَا بَيَّنَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الْبُرُلُّسِيُّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُبْقِي لِعَاقِلٍ عُذْرًا فِي تَرْكِ اعْتِقَادِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي مُؤَلَّفٍ حَافِلٍ عَرَضَهُ عَلَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ وَغَيْرِهِمْ فَوَافَقُوهُ عَلَيْهِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّ مَا فِيهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَمْتَرِي فِيهِ عَاقِلٌ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ: وَإِنْ حَصَّنَ الثُّغُورَ.
(قَوْلُهُ: زَادَ الْأَوَّلُ) أَيْ: شَرْحُ الْمُهَذَّبِ،
وَقَوْلُهُ: وَالثَّانِي أَيْ: وَزَادَ الْأَذْرَعِيُّ.
(قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ) أَيْ: الْوُجُوبَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ) أَيْ: الِادِّعَاءَ الْمَذْكُورَ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ) أَيْ: قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ فِي سَنَةٍ عَلَى مَرَّةٍ عِنْدَ الْإِمْكَانِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ وَجَّهَ) أَيْ: الْإِمَامُ الْأَوَّلَ أَيْ: الْوُجُوبَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً مَعَ التَّحْصِينِ.
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ) إلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ) أَيْ: فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ فِي كُلِّ سَنَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا أَخَّرَ) أَيْ: وُجُوبًا اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ) إلَى قَوْلِهِ: وَمِنْ ثَمَّ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ: إلَّا فِي مَسَائِلَ إلَى الْمَتْنِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي إلَخْ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِمَاهِيَّةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ.
(قَوْلُهُ: بِقَصْدِ حُصُولِهِ إلَخْ) أَيْ: بِقَصْدِ حُصُولِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنْظَرُ إلَى فَاعِلِهِ إلَّا بِالتَّبَعِ لِلْفِعْلِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ فَاعِلٍ فَخَرَجَ فَرْضُ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ مَنْظُورٌ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ حَيْثُ قَصَدَ حُصُولَهُ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ أَوْ مِنْ عَيْنٍ مَخْصُوصَةٍ كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا فُرِضَ عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ قَصْدَ الْحُصُولِ بِالْجَزْمِ احْتِرَازًا عَنْ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَمْيِيزُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرَ شَرْحُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْمَحَلِّيِّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا) إلَى قَوْلِهِ: إلَّا فِي مَسَائِلَ فِي الْمُغْنِي.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَهْلِ فَرْضِهِ) الْأَوْلَى مِنْ أَهْلِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْقَائِمُ بِهِ أَفْضَلَ إلَخْ) وِفَاقًا لِلْأَسْنَى وَخِلَافًا لِلْمَحَلِّيِّ وَالْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ عِبَارَتُهُ نَعَمْ الْقَائِمُ بِفَرْضِ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَإِنْ أَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ اهـ وَعِبَارَةُ الْمُغْنِي
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ أَفْضَلُ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ السُّقُوطُ) إلَى قَوْلِهِ: أَخْذًا فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي.
(قَوْلُهُ: السُّقُوطَ) أَيْ: عَنْ الْبَاقِينَ.
(قَوْلُهُ: يُخَاطَبُ بِهِ الْكُلُّ) أَيْ: كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ.
(قَوْلُهُ: إذَا تَرَكَهُ الْكُلُّ) أَيْ: كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ وَغَيْرِهِمْ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ آنِفًا.
(قَوْلُهُ: أَثِمَ أَهْلُ فَرْضِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي أَثِمَ كُلُّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِي بَيَانُهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ تَأَخَّرَ إلَخْ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: وَأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ الْكُلُّ أَثِمَ أَهْلُ فَرْضِهِ كُلُّهُمْ إلَخْ، وَيُحْتَمَلُ إلَى خُصُوصِ قَوْلِهِ أَيْ: وَقَدْ قَصَّرُوا إلَخْ .
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ) إلَى قَوْلِهِ: وَأَمَّا مَنْ اسْتَرَابَ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ: وَلَا يَحْصُلُ إلَى قَالَ الْإِمَامُ: وَإِلَى قَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْخَبَرُ الْحَسَنُ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ: وَرُبَّمَا إلَى
فَأَمَّا، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا إلَى فَقَالَ: وَقَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ شَارِحٍ، وَقَوْلُهُ: وَلِأَنَّهَا إلَى قَوْلِهِ: وَبَحَثَ.
(قَوْلُهُ: جُمْلَةٌ فِي أَبْوَابِهَا) عِبَارَةُ الْمُغْنِي فِي الْجَنَائِزِ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ وَفِي اللَّقِيطِ الْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ وَذَكَرَ هُنَا الْجِهَادَ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلَى ذِكْرِ غَيْرِهِ فَقَالَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَفْهَمَتْهُ عِبَارَاتُ إلَخْ) هَذَا الَّذِي أَفْهَمَتْهُ عِبَارَاتٌ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِ هِمَا مِنْ الْأَصْحَابِ كَمَا بَيَّنَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الْبُرُلُّسِيُّ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لِعَاقِلٍ عُذْرٌ فِي تَرْكِ اعْتِقَادِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي مُؤَلَّفٍ حَافِلٍ عَرَضَهُ عَلَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ وَغَيْرِهِمْ فَوَافَقُوهُ عَلَيْهِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّ مَا فِيهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَمْتَرِي فِيهِ عَاقِلٌ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْقَائِمُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ إلَخْ) نَعَمْ الْقَائِمُ بِفَرْضِ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ،
وَإِنْ أَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ م ر
(وَأَمَّا بَعْدَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَلِلْكُفَّارِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُونَ بِبِلَادِهِمْ) مُسْتَقِرِّينَ بِهَا غَيْرَ قَاصِدِينَ شَيْئًا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ (فَفَرْضُ كِفَايَةٍ) كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَرُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ،
وَلَوْ فُرِضَ عَلَى الْأَعْيَانِ لَتَعَطَّلَ الْمَعَاشُ (إذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ) ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَتَعْبِيرُهُ بِالسُّقُوطِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَقَوْلُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ يَشْمَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ،
فَلَوْ قَامَ بِهِ مُرَاهِقُونَ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ أَهْلِ الْفُرُوضِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَسَقَطَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ مَعَ الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ وَالْأُنُوثَةِ،
فَإِنْ تَرَكَهُ الْجَمِيعُ أَثِمَ كُلُّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِي بَيَانُهَا.
تَنْبِيهٌ: أَقَلُّ الْجِهَادِ مَرَّةٌ فِي السَّنَةِ كَإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْذُ أُمِرَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ بَدَلًا عَنْهُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَكَذَا بَدَلُهَا، وَلِأَنَّهُ فَرْضٌ يَتَكَرَّرُ، وَأَقَلُّ مَا وَجَبَ الْمُتَكَرِّرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ.
فَإِنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَحْصُلُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِأَنْ يَشْحَنَ الْإِمَامُ الثُّغُورَ بِمُكَافِئِينَ لِلْكُفَّارِ مَعَ إحْكَامِ الْحُصُونِ وَالْخَنَادِقِ وَتَقْلِيدِ الْأُمَرَاءِ، أَوْ بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ دَارَ الْكُفْرِ بِالْجُيُوشِ لِقِتَالِهِمْ، وَوُجُوبُ الْجِهَادِ وُجُوبُ الْوَسَائِلِ لَا الْمَقَاصِدِ، إذَا الْمَقْصُودُ بِالْقِتَالِ إنَّمَا هُوَ الْهِدَايَةُ وَمَا سِوَاهَا مِنْ الشَّهَادَةِ،
وَأَمَّا قَتْلُ الْكُفَّارِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْهِدَايَةِ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ بِغَيْرِ جِهَادٍ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْجِهَادِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَحِلُّهُ فِي الْغَزْوِ.
وَأَمَّا حِرَاسَةُ حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ فَمُتَعَيِّنَةٌ فَوْرًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ فُرُوضَ الْكِفَايَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ذَكَرَ مِنْهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْجَنَائِزِ غُسْلَ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَدَفْنَهُ،
وَفِي اللَّقِيطِ الْتِقَاطَ الْمَنْبُوذِ، وَذَكَرَ هُنَا الْجِهَادَ. ثُمَّ اُسْتُطْرِدَ إلَى ذِكْرِ غَيْرِهِ.
فَقَالَ
(وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِلْكُفَّارِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُونَ بِبِلَادِهِمْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ) يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً (إذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةً سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ) كَمَا هُوَ شَأْنُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ إنَّهُ عَلَى الْجَمِيعِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا بَعْدَهُ) لَوْ أَسْقَطَهُ كَانَ أَصْوَبَ أَوْ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْحَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي عَهْدِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً) وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَيَقَعُ الزَّائِدُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ السُّبْكِيّ، وَكَمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ،
وَيَجُوزُ تَرْكُ الْمَرَّةِ لِعُذْرٍ كَضَعْفٍ بِنَا أَوْ رَجَاءَ إسْلَامِهِمْ.
قَوْلُهُ: (إذَا فَعَلَهُ إلَخْ) وَيُغْنِي عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُشْحِنَ الْإِمَامُ الثُّغُورَ بِمُكَافِئِينَ مَعَ إحْكَامِ الْحُصُونِ، أَيْ الثُّغُورِ وَتَقْلِيدِ الْأُمَرَاءِ ذَلِكَ أَوْ بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ دَارَ الْكُفَّارِ بِالْجُيُوشِ لِقِتَالِهِمْ فَأَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ كَافٍ عَنْ الْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ) وَلَوْ مِنْ صِبْيَانٍ وَأَرِقَّاءٍ وَنِسَاءٍ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ نِكَايَةً لِلْكُفَّارِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فِي إحْيَاءِ الْكَعْبَةِ فِي الْحَجِّ وَرَدِّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِمَا.
قَوْلُهُ: (سَقَطَ الْحَرَجُ) أَيْ الْإِثْمُ عَنْ الْبَاقِينَ، فَيَأْثَمُ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ حَيْثُ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا بَعْدَهُ إلَخْ) اعْتَرَضَ بِأَنَّ الْحَالَ الثَّانِي، كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا
لا زيادة له على هذه المسألة.
قال: (وأما بعده .. فللكفار حالان: أحدهما: يكونون ببلادهم) أي: مستقرين فيها غير قاصدين شيئًا من بلاد المسلمين.
قال: (ففرض كفاية) ؛ لقوله تعالى:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} , وادعى القاضي عبد الوهاب فيه الإجماع, ولأنه لو فرض على الأعيان .. لتعطلت المعايش والهذارع وخربت البلاد.
قال: (إذا فعله من فيه كفاية .. سقط الحرج عن الباقين) كسائر فروض الكفايات.
وتعبيره بـ) السقوط) ظاهر في أن فرض الكفاية يتعلق بالجميع, وهو الصحيح عند الأصوليين,
وقيل: بان بالآخرة أنه لم يتناول سوى من فعل.
وتحصل الكفاية بأمرين:
أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من العدو.
والثاني: أن يدخل دار الكفر غازيًا أو يبعث من يصلح له,
فإن تركه الجميع أثموا, وهل يعمهم أو يختص بالمندوب؟
له وجهان: والأصح في زوائد (الروضة) أنه يأثم من لا عذر له من الأعذار الآتية.
وأقله مرة في كل سنة؛ لقوله تعالى:{أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} قال مجاهد: نزلت في الجهاد.
ولأنه فرض يتكرر, وأقل ما وجب المتكرر في كل سنة كالصوم والزكاة,
وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعله منذ أمر به, فكانت غزوة بدر في الثانية, وأحد في الثالثة, وذات الرقاع في الرابعة, والخندق في الخامسة, والمريسيع في السادسة, وفتح خيبر في السابعة, ومكة في الثامنة, وتبوك في التاسعة.
وأيضًا الجزية شرعت لدفع القتال وإنما تؤخذ مرة واحدة في السنة,
وكذلك سهم الغزاة, فلا يجوز إخلاء السنة عن مرة واحدة إلا لضرورة,
فإن كان بالمسلمين ضعف وحاجة؛ بأن عز الزاد أو العلف في الطريق .. فإنه يؤخر لزوالها.
واختار الإمام مذهب الأصوليين؛ فإنهم لم يروا التخصيص بالسنة, بل أوجبوا بحسب الإمكان؛ لأنه دعوة قهرية, وحمل مقالة الفقهاء على العادة الغالبة في الاستعداد,
فإن الأموال والعدد لا يتأتى تجهيزها للجند في السنة أكثر من مرة, وفية نظر, ثم الإمام بالخيار بين أن يخرج بنفسه غازيًا, أو يخرج جماعة ويؤمر عليهم أميرًا ولا يجعلهم فوضى, أو يرتب في كل ناحية أميرًا كافيًا يقلده الجهاد وأمر المسلمين, وسيأتي ما يعتبر في الأمير.
هذا كله في الغزو, فأما حراسة حصون المسلمين .. فمتعينة على الفور وتجب إدامتها بلا فتور؛ وذلك بعمارة الثغور وإعداد الكراع والأسلحة وحفر الخنادق وترتيب الرجال.
والأولى: أن يبدأ بقتال من يلي دار الإسلام, إلا أن يكثر الخوف من الأباعد, فيبدأ بهم بعد أن يأمن شر الأقربين بمهادنة وجعل طائفة بإزائهم يردونهم إن عدوا.
ثم لما جرت عادة الأصحاب بذكر جمل من فروض الكفايات ههنا .. تبعهم المصنف في ذلك, وقد ذكر جملًا منها متفرقة في أبواب كـ) غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه) و) التقاط المنبوذ).
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.