وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ
الشروح عليها
(وَلَمْ يُفْتِ) يَعْنِي يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ (فِي خُصُومَةٍ) أَيْ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ كَالْبَيْعِ وَالشُّفْعَةِ وَالْجِنَايَاتِ،
وَإِنْ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ يُؤَدِّي إلَى تَطَرُّقِ الْكَلَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَكَمَ بِمَا أَفْتَى رُبَّمَا قِيلَ حَكَمَ بِذَلِكَ لِتَأْيِيدِ فَتْوَاهُ،
وَإِنْ حَكَمَ بِخِلَافِهِ لِتَجْدِيدِ نَظَرٍ، أَوْ تَرْجِيحِ حُكْمٍ قِيلَ إنَّهُ حَكَمَ بِمَا لَمْ يُفْتِ بِهِ وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ مُزَوَّرًا.
(قَوْلُهُ: يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي خُصُومَةٍ) أَيْ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ الْعِبَادَاتِ وَالذَّبَائِحِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَكُلِّ مَا لَا يَدْخُلُهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فَلَا يُكْرَهُ إفْتَاؤُهُ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ صَرَّحَ بِهِ الْبُرْزُلِيُّ، وَظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَنْعُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْفَتْوَى فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْرِضَ بَيْنَ يَدَيْهِ
فَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكُوَرِ عَلَى يَدَيْ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُ عَنْهَا اهـ بْن قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ
وَكَذَا إذَا عَلِمَ بِالْقَرَائِنِ أَنَّ قَصْدَ السَّائِلِ مُجَرَّدُ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ تَعَلُّمُ الْأَحْكَامِ فَلَا يُكْرَهُ لِلْقَاضِي إجَابَتُهُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ مَذْهَبُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، أَوْ مُقَلِّدًا وَلَيْسَ هُنَاكَ فَقِيهٌ مُقَلِّدٌ لِمَذْهَبِهِ
أَمَّا لَوْ عُرِفَ مَذْهَبُهُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُقَلِّدًا وَكَانَ هُنَاكَ فَقِيهٌ مُقَلِّدٌ لِمَذْهَبِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي فَتْوَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ) أَيْ التَّخَاصُمُ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: إلَى تَطَرُّقِ الْكَلَامِ فِيهِ) أَيْ فِي الْقَاضِي.
ص (وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ) ش اُنْظُرْ هَلْ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْمَنْعِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يُفْتِي الْحَاكِمُ فِي الْخُصُومَاتِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ بِهِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا فِيمَا عَدَا مَسَائِلِ الْخِصَامِ وَهَلْ لَهُ الْفُتْيَا فِي مَسَائِلِ الْخِصَامِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَنْ إعَانَةِ الْخُصُومِ عَلَى الْفُجُورِ،
وَالثَّانِي إجَازَةُ فُتْيَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِصَامِ
وَأَمَّا تَعْلِيمُ الْقَاضِي الْعِلْمَ وَتَعْلِيمُهُ لَهُ فَجَائِزٌ، انْتَهَى. فَقُوَّةُ عِبَارَتِهِ تُعْطِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْهُ، وَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ لَهُ فِي سِيرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَفِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ مَا نَصَّهُ ابْنُ الْحَاجِّ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ: يُكْرَهُ لِلْقَاضِي الْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي (قُلْتُ) يُرِيدُ إذَا كَانَتْ الْفَتْوَى مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ تُعْرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكَوْرِ أَوْ عَلَى يَدِ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُمْ عَنْهَا
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْمُنَاصِفِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ: الْكَلَامُ الْأَوَّلُ النَّهْيُ فِيهِ عَنْ فَتْوَى الْقَاضِي فِي الْخُصُومَاتِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَالثَّانِي فَتْوَاهُ فِي جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ لَا فِي خُصُومَةٍ بِعَيْنِهَا، انْتَهَى.
(وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يُجِيبُ الْحَاكِمُ مَنْ سَأَلَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُومَاتِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُجِيبَ بِالْفُتْيَا فِي كُلِّ مَا سُئِلَ عَنْهُ لِمَا عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا يُفْتُونَ النَّاسَ فِي نَوَازِلِهِمْ ابْنُ عَرَفَةَ: عَزَا ابْنُ الْمُنَاصِفِ الْأَوَّلَ إلَى مَالِكٍ وَالْبَرْزَلِيِّ. وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْفَتْوَى فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ تُعْرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ،
وَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكُوَرِ أَوْ عَلَى يَدَيْ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُمْ عَنْهَا.
وَمِنْ مَسَالِكِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: الْمَصْلَحَةُ أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى مُرْسَلَةً وَلَا تَكُونَ الشَّهَادَةُ إلَّا لِمَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْمُفْتِي إذَا زَاغَ فَضَحَهُ الْعِلْمُ وَالشَّاهِدُ لَا يَعْلَمُ زَيْغَهُ إلَّا اللَّهُ.
وَفِي الْوَاضِحَةِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا وَحْدَهُ وَلَا فِي جَمَاعَةٍ انْتَهَى. اُنْظُرْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُفْتِي.
أَمَّا إنْ كَانَ الْقُضَاةُ مُوَلَّيْنَ بِالْجَاهِ لَا بِالْمُرَجَّحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَفُتْيَا الْمُفْتِي حِينَئِذٍ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّقَ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ مَا سُئِلَ عَنْهُ لِحَدِيثِ هِنْدٍ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . وَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَتَضَمَّنْ الْفَتْوَى تَعْلِيمَ خُصُومَةٍ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ ".
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ عَلْوَانَ مُفْتِي تُونُسَ أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَهَا أَنْدَلُسِيٌّ وَأَسَاءَ عِشْرَتَهَا وَعَسُرَ عَلَيْهَا التَّخَلُّصُ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا: ادَّعِي عَلَيْهِ أَنَّ بِدَاخِلِ دُبُرِهِ بَرَصًا، فَادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الزَّوْجُ طَلَّقَهَا، وَنَحْوُ هَذَا وَقَعَ لَهُ فِي وَصِيَّةٍ عَلَى أَوْلَادِهَا ثَبَتَ أَنَّهَا سَفِيهَةٌ فَقَالَ لَهَا: قَوْلِي لَهُمْ أَتْلَفْت مَا أَتْلَفْت فِي سَفَهِي فَسَرَّحَهَا الْقَاضِي.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَهَذَا التَّحَيُّلُ إنْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهَا مَظْلُومَةٌ فَالْفَتْوَى سَائِغَةٌ مِنْ قَبِيلِ الْإِنْقَاذِ مِنْ الظُّلْمِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ بَابِ تَلْقِينِ الْخَصْمِ الْقَادِحَ فِي الْعَدَالَةِ.
(ص) وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ كَسَلَفٍ وَقِرَاضٍ وَإِبْضَاعٍ وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ إلَّا النِّكَاحَ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُفْتِي فِي الْخُصُومَاتِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ إذَا عَرَفَ مَذْهَبَ الْقَاضِي تَحَيَّلَ إلَى الْوُصُولِ إلَيْهِ أَوْ إلَى الِانْتِقَالِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُسْتَفْهِمًا فَلْيُجِبْهُ، وَلِهَذَا جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْضُرَ مَجَالِسَ الْعِلْمِ فَيُعَلِّمُ وَيَتَعَلَّمُ وَالْمُرَادُ بِالْخُصُومَاتِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بِالْفِعْلِ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُفْتِي فِيمَا يَدْخُلُهُ الْخِصَامُ وَيُفْهَمُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّهْيَ مَحَلُّهُ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَذْهَبِهِ إلَّا مِنْ إفْتَائِهِ
وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ لَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ خَوْفَ الْمُحَابَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا خَفِيفًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تِجَارَةُ الْوُلَاةِ لَهُمْ مُفْسِدَةٌ وَلِلرَّعِيَّةِ مُهْلِكَةٌ،
وَأَمَّا شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ فَجَائِزٌ وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ كَرَاهَتَهُ وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُودَهُ فِي الْمَذْهَبِ لِغَيْرِهِ
ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَغَيْرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ شَغْلُ الْبَالِ وَحْدَهُ أَوْ هُوَ مَعَ الْمُحَابَاةِ،
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ خَشْيَةَ الْمُحَابَاةِ،
وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُسَلِّفَ وَلَا يَتَسَلَّفَ وَلَا يَدْفَعَ قِرَاضًا لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ وَلَا يُبْضِعُ بِضَاعَةً مَعَ غَيْرِهِ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا سِلْعَةً مَثَلًا خَوْفَ الْمُحَابَاةِ وَلَا يَسْتَعِيرُ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِأَمْوَالِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ قَالَ الْأَخَوَانِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَرَّعَ عَنْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ وَالْعَوَارِيّ مِنْ الْمَاعُونِ وَالدَّوَابِّ لِرُكُوبِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ السَّلَفِ أَوْ أَنْ يُقَارِضَ أَحَدًا أَوْ يُبْضِعَ مَعَ أَحَدٍ
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْضُرَ وَلِيمَةً إذَا دُعِيَ إلَّا وَلِيمَةَ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ عَيَّنَ إنْ لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يَتَأَذَّى مِنْهُ إلَخْ، وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِالْوَلِيمَةِ اللُّغَوِيَّةِ مِنْ الْوَلْمِ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالْمُرَادُ الطَّعَامُ الَّذِي يُجْتَمَعُ لَهُ وَإِلَّا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ ضَائِعًا؛ لِأَنَّ الْوَلِيمَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِنِكَاحٍ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْقَصْدَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى زَمَنٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يُرَادُ أَنْ يُقَالَ لَمْ لِنَفْيِ الْمَاضِي لَا لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ فَالْمُنَاسِبُ لَا دُونَ لَمْ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَشْتَرِ) أَيْ وَلَمْ يَبِعْ.
(قَوْلُهُ: تَحَيَّلَ إلَى الْوُصُولِ) أَيْ إذَا أَتَى عَلَى غَرَضِهِ وَقَوْلُهُ: أَوْ إلَى الِانْتِقَالِ عَنْهُ أَيْ إذَا لَمْ يَأْتِ عَلَى غَرَضِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بِالْفِعْلِ) حَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي خُصُومَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِيهِ أَيْ يَقَعَ فِيهِ الْخُصُومَةُ وَعَلَيْهِ فَلَا يُفْتِي فِيمَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ وَيَحْتَمِلُ مَا يَقَعُ فِيهِ الْخِصَامُ بِالْفِعْلِ وَشَارِحُنَا ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي النَّوَادِرِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُسْتَفْهِمًا مَعْنَاهُ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ النَّوَادِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مِنْ الْمُتَعَلِّمِينَ الطَّالِبِينَ لِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ أَوْ يَكُونَ السَّائِلُ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ مَثَلًا مِمَّا لَا يَقَعُ الْقَضَاءُ فِيهِ فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَهُ فِي ذَلِكَ الْبِسَاطِيُّ، وَانْظُرْ إذَا كَانَ يُدَرِّسُ وَحَضَرَ الْخَصْمُ وَالدَّرْسُ يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْخُصُومَةِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ وَلَا يُقِيمُ الْخَصْمُ فِي الْمَجْلِسِ وَعِنْدِي أَنَّهُ إنْ قَدَرَ أَنْ يُعْمِيَ الْكَلَامَ بِحَيْثُ لَا يَفْهَمُ الْخَصْمُ وَإِلَّا أَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا فَلَا يُفْتِي فِيمَا يَدْخُلُهُ الْخِصَامُ) أَيْ فِيمَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ النَّهْيَ مَحَلُّهُ) أَيْ نَهْيَ الْكَرَاهَةِ لَا نَهْيَ الْحُرْمَةِ.
(قَوْلُهُ: تِجَارَةُ الْوُلَاةِ لَهُمْ مَفْسَدَةٌ) أَيْ لِشُغْلِهِمْ بِهَا عَنْ إصْلَاحِ الرَّعِيَّةِ وَقَوْلُهُ: لِلرَّعِيَّةِ مُهْلِكَةٌ أَيْ لِلتَّوَصُّلِ إلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِسَبَبِ الْمُحَابَاةِ وَلِلضِّيقِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُمْ أَيْ الرَّعِيَّةِ لِقُدْرَتِهِمْ لِكَوْنِهَا حُكَّامًا عَلَى مَنْعِ غَيْرِهِمْ مِنْ تَعَاطِي الْأَمْتِعَةِ الَّتِي فِيهَا التِّجَارَاتُ لِأَجْلِ أَنْ يَأْخُذُوهَا فَيَسْتَقِلُّوا بِرِبْحِهَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تِجَارَةُ الْوُلَاةِ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُودَهُ فِي الْمَذْهَبِ) غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ مَوْجُودٌ فِي الْمَذْهَبِ
وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ.
(قَوْلُهُ: لَيْسَ أَنْ يُسَلِّفَ) تَبِعَ تت فَإِنَّهُ
قَالَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَسَلَفٍ ظَاهِرُهُ مِنْهُ أَوْ لَهُ وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ سَلَفُهُ مِنْ غَيْرِهِ لَا إعْطَاؤُهُ السَّلَفَ اهـ.، أَقُولُ وَارْتَضَاهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ؛ لِأَنَّ سَلَفَهُ لِلْغَيْرِ مَعْرُوفٌ فَلَا يُنْهَى عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْضُرَ وَلِيمَةً) أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي عِنْدَ ابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْضُرَ وَلِيمَةَ النِّكَاحِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَخَالَفَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ التَّنَزُّهُ عَمَّا بِأَيْدِي النَّاسِ لِتَقْوَى كَلِمَتُهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عج.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْوَلْمِ) أَيْ أَنَّ الْوَلِيمَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَلْمِ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ الطَّعَامُ) أَيْ وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيمَةِ الطَّعَامُ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَلِيمَةَ بِمَعْنَى الطَّعَامِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَلْمِ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالْأَخْذُ دَائِرَتُهُ أَعَمُّ مِنْ دَائِرَةِ الِاشْتِقَاقِ .
(وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يُفْتِ) بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ لَا يُخْبِرُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ سُئِلَ عَنْهُ (فِي خُصُومَةٍ) أَيْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي شَأْنُهَا، أَنْ يُتَخَاصَمَ فِيهَا لِئَلَّا يُعْلَمَ مَذْهَبُهُ فَيُتَحَيَّلَ عَلَى مُوَافَقَتِهِ. ابْنُ شَاسٍ لَا يُجِيبُ الْحَاكِمُ مَنْ سَأَلَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُومَاتِ وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُجِيبَ بِالْفُتْيَا فِي كُلِّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ بِمَا عِنْدَهُ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا يُفْتُونَ النَّاسَ فِي نَوَازِلِهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ عَزَا ابْنُ الْمُنَاصِفِ الْأُولَى لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَابْنُ الْحَارِثِ إلَى سَحْنُونٍ.
وَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا وَحْدَهُ وَلَا فِي جَمَاعَةٍ.
الْحَطّ قَوْلُهُ لَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ، اُنْظُرْ هَلْ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْمَنْعِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُفْتِ الْحَاكِمُ فِي الْخُصُومَاتِ،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ بِهِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا فِيمَا عَدَا مَسَائِلَ الْخِصَامِ، وَهَلْ لَهُ الْفُتْيَا فِي مَسَائِلِ الْخِصَامِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ إعَانَةِ الْخُصُومِ عَلَى الْفُجُورِ،
وَالثَّانِي إجَازَةُ فَتْوَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِصَامِ.
وَأَمَّا تَعْلِيمُ الْقَاضِي الْعِلْمَ وَتَعَلُّمُهُ لَهُ فَجَائِزٌ. اهـ. فَقُوَّةُ عِبَارَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ فِي سِيرَةِ الْحُكْمِ.
ابْنُ الْمُنْذِرِ تُكْرَهُ لِلْقَاضِي الْفُتْيَا فِي الْأَحْكَامِ وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي. الْبُرْزُلِيُّ يُرِيدُ إذَا كَانَتْ الْفُتْيَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ تُعْرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكُوَرِ أَوْ عَلَى يَدِ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُمْ عَنْهَا. ابْنُ الْمُنَاصِفِ الْأَوَّلُ النَّهْيُ فِيهِ عَنْ فَتْوَى الْقَاضِي فِي الْخُصُومَاتِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي فَتْوَاهُ لَا فِي خُصُومَةٍ بِعَيْنِهَا. اهـ. وَمَحَلُّ النَّهْيِ أَيْضًا حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَذْهَبٍ إلَّا مِنْ إفْتَائِهِ، وَذَلِكَ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا،
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مُتَسَاوِيَانِ مَثَلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَدْ وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ:
كَسَلَفٍ، [منح الجليل] جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِفْتَاءِ الْوُكَلَاءِ لِأَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ فِي الْوَقَائِعِ بَيْنَ مُوَكِّلَيْهِمْ،
فَإِذَا وَجَدَ الْوَكِيلُ مَذْهَبًا يُوَافِقُ كَوْنَ مُوَكِّلِهِ غَالِبًا حَمَلَهُ عَلَى الدَّعْوَى عِنْدَ الْقَاضِي الْمُوَافِقِ لَهَا.
وَلَوْ كَانَ مُوَكِّلُهُ غَيْرَ مُحِقٍّ
ولم يفت في خصومة، يعني أن القاضي لا يفتي في الخصومات أي ما شأنه أن يخاصم فيه وإن لم يقع، فلا يفتي فيما يدخله الخصام، وذلك لأن الخصم إذا عرف مذهب القاضي تحيل إلى الوصول إليه أو إلى الانتقال عنه، وقوله: ولم يفت في خصومة، أي يكره له ذلك، وبالكراهة صرح البرزلي، وظاهر ابن عبد السلام المنع. قاله بناني.
وقيل: إن محل النهي إنما هو في خصومة بعينها، وقوله: ولم يفت في خصومة، قال غير واحد: إلا أن يكون المسائل مستفهما فليجبه، وقوله: ولم يفت في خصومة، قال بناني: البرزلي: هذا إذا كانت الفتوى فيما يمكن أن تعرض بين يديه،
ولو جاءته من خارج بلده أو من بعض الكُوَرِ أو على يد عماله فليجبهم عنها. انتهى. ومحل النهي أيضا إذا لم يمكن الاطلاع على مذهبه إلا من إفتائه، وذلك إذا كان مجتهدا أو مقلدا،
وفي المسألة قولان متساويان مثلا. والله سبحانه أعلم. وقوله: ولم يفت في خصومة، قد علمت أن محله ما لم يكن المسائل مستفهما وإلا فليجبه، ولهذا جاز للقاضي أن يحضر مجالس العلم فيعلم ويتعلم. قاله الخرشي.
وقال الشبراخيتي: البساطي: وانظر إذا كان يدرس وحضر خصم والدَّرْسُ يتعلق بتلك الخصومة،
وفي كلام بعضهم أنه يستمر ولا يقيم الخصم من المجلس، وعندي أنه إن قدر أن يعميَ الكلام بحيث لا يفهم الخصم وإلا أمره بالانصراف. انتهى.
وقال الحطاب: قال ابن عبد السلام في قول ابن الحاجب: ولا يُفْتِ الحاكم في الخصومات،
وقال ابن عبد الحكم: لا بأس به كالخلفاء الأربعة، يريد أنه يجوز له الفتيا فيما عدا مسائل الخصام، وهل له الفتيا في مسائل الخصام؟ قولان. أحدهما: ليس له ذلك لأنه من إعانة الخصوم على الفجور.
والثاني: إجازة فتواه في مسائل الخصام.
وأما تعلم القاضي العلم وتعليمه له فجائز. ابن الحاجب عن ابن المنذر: يكره للقاضي الفتوى في الأحكام. وكان شريح يقول: أنا أقضي ولا أفتي، وعن ابن المناصف أنه ذكر القولين، ثم قال: الكلام الأول المنهي فيه عن فتوى القاضي في الخصومات لأحد الخصمين،
والثاني فتواه في جملة الأشياء لا في خصومة بعينها، وإلى ما ذكر المص أشار ابن عاصم بقوله: ومنع الإفتاء للحُكَّام … في كل ما يرجع للخصام ولا يدخل في هذا تلقين القاضي لخصم عجز عن إلقاء حجته لدهش أو خوف أو عِيٍّ كما قال ابن عاصم: وخصم إن يعجز عن إلقاء الحججْ … لوجب لقنها ولا حرج فينبهه على الإشهاد على إقرار صاحبه، ويقول له: شهد عليك فلان وفلان فادفع عن نفسك بتجريح الشهود بعداوة ونحوها، حيث لم يعرف ذلك لدهش أو خوف أو عِيٍّ، وعلى هذا فقس.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.